ساسة وجنرالات بين واشنطن وبغداد :بقلم: محمد حسنين هيكل

الكاتب : عرب برس   المشاهدات : 730   الردود : 0    ‏2004-02-04
      مشاركة رقم : 1    ‏2004-02-04
  1. عرب برس

    عرب برس مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2004-02-03
    المشاركات:
    42,356
    الإعجاب :
    1,902
    أراد بلير إقامة استعراض نصر فردت الملكة بطلب صلاة شكر
    ساسة وجنرالات بين واشنطن وبغداد
    مشروع “المجموعة الامبراطورية” للقرن ال21 يحتاج حتماً الى القوة الخشنة

    بقلم: محمد حسنين هيكل

    الحلقة الاولى


    أولاً: نظرية الاستيلاء ب”نصف حرب” على العراق

    عندما وَصَلْت إلى لندن عائداً من الولايات المتحدة أواخر شهر مايو الماضي كان أول ما سمعته في العاصمة البريطانية رواية بالتفصيل عن اتصالات جرت وتجرى وقتها بين قصر باكنجهام (مقر الملكة) وبين رقم “10 داوننج ستريت” (مقر رئيس الوزراء) وكانت النبرة في هذه الاتصالات مختلفة عن المعتاد بين المؤسستين، لأنه كان نقاشا بين طرفين، كل منهما له وجهة نظر تعبر عن ضروراته، لكن كلا منهما يعرف لنفسه حدودا لا ينبغي أو لا يصح تجاوزها.

    كان موضوع الاتصالات أن رئاسة الوزارة احتفالا بنهاية الحرب على العراق تقترح إقامة عرض عسكرى يرمز إلى معنى النصر، وكان رد القصر أن الملكة لا تحبذ إجراء استعراض نصر، وإنما تفضل إقامة صلاة شكر.
    كانت الملكة فيما يظهر تدرك حساسية الظروف، كما تحفظ عن ظهر قلب حجم السلطة التي تركتها لها تطورات التاريخ الدستوري البريطاني، وما استقر بعدها من أصول وتقاليد تركت للجالس على العرش حقا واحدا لا يملك غيره، وهو “حق النصيحة أو القبول” (Advice and Consent)، وقد مارست الملكة حقها وتركت الباقي للمستشارين في المؤسستين يتوافقون على قرار يقتنع به رئيس الوزراء وتقبل به الملكة وذلك ما حدث (وزيادة)، لأن رئيس الوزراء رأى في النهاية أن يؤجل الاحتفالات سواء في ذلك استعراض النصر أو صلاة الشكر.
    وكذلك توقفت الاتصالات بين الوزارة والقصر في هذا الموضوع، وطويت الملفات، لكن الحجج والآراء التي طُرحت خلال تلك المناقشات تساوي أن تُستعاد لأن لها قيمة موضوعية في حد ذاتها!
    وفيما سمعت فإن النقاش بين المؤسستين الكبيرتين في بريطانيا جرى داخل إطار مضبوط ومحكوم.
    .....................
    .....................
    عرض مستشارو رئاسة الوزراء فكرة العرض العسكري احتفالا بالنصر في العراق.
    ....................
    ....................
    ورد مستشارو القصر:
    إن هذه الحرب على العراق كانت حربا من “طراز معين” لأن “الأمة البريطانية” انقسمت بسببها، ففي حين كان هناك مؤيدون لها بالموافقة (كما تبدّى في حصول الوزارة على تفويض من أغلبية في مجلس العموم تخولها التصرف كما ترى مناسبا)، فإن كتلا ضخمة من الرأي العام البريطاني وقفت ضدها بالمعارضة (كما تبدّى من أصوات عالية عبرت عن نفسها في مجلس العموم وشارك فيها عدد كبير من نواب حزب العمال، إلى جانب خلافات في مجلس الوزراء ذاته خرجت علنا إلى الناس، وأدت إلى استقالات أو تهديد باستقالات من قيادة الحزب ومن أقطاب الوزارة، ووقع ذلك كله على خلفية مظاهرات كثيفة وحاشدة لم تهدأ حركتها في لندن وغيرها من المدن البريطانية).
    ....................
    ....................
    وعرض مستشارو رئاسة الوزارة بأن هناك الآن في بعض قطاعات الصحافة وفي الأحزاب البريطانية عملية تشكيك في الذرائع الأخلاقية والقانونية التي تأسس عليها التدخل العسكري البريطاني في العراق، ومن شأن ذلك أن يؤثر في معنويات القوات التي نفذت أوامر صدرت إليها من سلطة شرعية، فإذا عادت القوات البريطانية إلى وطنها في أجواء صمت (لا يمكن إلا أن يكون ثقيلاً!) فإن ذلك قد يعطي إشارة خاطئة إلى أطراف في الداخل تتوهم أن المملكة المتحدة تستطيع حفظ مصالحها في العالم بالسلبية أو بالاعتماد والتواكل على الظروف وعلى الآخرين.
    ....................
    ....................

    ورد مستشارو القصر:
    إن الوزارة هي التي تملك السلطة اللازمة لكل قرار سياسي، لكن المشكلة أنه حين تتصل القرارات بأمور تخص القوات المسلحة فإن الملكة وهي قائدها الأعلى (ولو بالرمز)، سوف تجد نفسها في موقف صعب لأنها حينئذ مضطرة للمشاركة، ومعنى ذلك أن الاحتفال سوف يصبح مناسبة وطنية كُبرى، والخشية أن ذلك قد يثير على نحو أشد انقسامات ما قبل الحرب وذلك يضع القوات ويضع الملكة ويضع احتفال النصر ذاته وسط جدل سياسي لا داعي له.
    وفكرة صلاة الشكر التي طرحها القصر (بدلا من استعراض النصر) تحتضن القوات العائدة من العراق وتكسر الصمت من دون أن تستفز الجدل!
    .....................
    .....................
    وعرض مستشارو رئاسة الوزراء أن المسألة لها بُعْد خارجي يتصل بالرأي العام الدولي، لأن بلدانا كثيرة تهتم بما يجري وتتابعه، سوف تلتفت إلى الطريقة التي تتصرف بها بريطانيا وهل تبدو واثقة من سياساتها، أم أن الوساوس تعتريها؟ ولهذا فإن فكرة العرض العسكري بالنصر تبين للجميع أن بريطانيا كانت تعرف ما تفعل، وأنها قامت به متحملة لكامل مسؤوليته.
    ....................
    ....................
    ورد مستشارو القصر:
    إن تجنب الإلحاح على ما كان قبل الحرب مسألة تساوي إطالة التفكير، لأنه من الأفضل ترك ما جرى قبل الحرب لظروفه دون استعادة لأجواء الانقسام فيه والاستقطاب.
    ومن المناسب النظر في بعض الاعتبارات:
    إن الحرب على العراق جاءت وسط أجواء تضاربت فيها المواقف داخل الأمم المتحدة، فقد كانت هناك أغلبية محققة في مجلس الأمن رأت أن القرار 1441 لا يخول للولايات المتحدة والمملكة المتحدة سلطة شن الحرب على العراق دون قرار جديد من المجلس، ومع أن “الحلفاء” حاولوا الحصول على مثل هذا القرار فإنهم لم يوفقوا، وقرروا شن الحرب على مسؤوليتهم، وبعدها حاولوا سد النقص وترميم صورة الشرعية الدولية.
    إن الانقسام الذي ظهر في “الأمة البريطانية” وفي “مجلس الأمن” بشأن هذه الحرب رافقه تردد دولي إزاء الحرب على العراق بصرف النظر عن النظام الحاكم في ذلك البلد، وكان هناك نوع من الإلحاح الواسع على أفضلية عودة المفتشين الدوليين برئاسة “هانز بليكس” إلى العراق، لكن قرار مجلس الأمن تعطل لأسباب مختلفة مع أن قضية الحرب والسلام تحتاج في نظر الرأي العام العالمي إلى ضمانات وقيود تفرض على السلاح أن يكون منطقيا (حتى لو لم يكن عادلاً!).
    ....................
    ....................
    وعرض مستشارو رئاسة الوزارة:
    إنه بصرف النظر عن الانقسامات التي سبقت، فإن الحرب وقعت بالفعل وسقط في معاركها جنود بريطانيون تحت العلم البريطاني، ورغم أن عدد الضحايا البريطانيين في الحرب محدود، فإن القوات قبلت مخاطرة الدم دفاعا عن المصالح البريطانية، والاحتفال بإقامة عرض عسكري للنصر فيما إذا استقر الرأي على ذلك موجه إلى تكريم هؤلاء الذين ضحوا بحياتهم وليس موجها إلى الملابسات السياسية لقرار الحرب، فالتكريم مطلوب للتضحية حتى وإن احتدم الخلاف على الدواعي.
    إن العلاقات الخاصة بين بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية، وهي حقيقة تاريخية إلى جانب كونها ضرورة وطنية(!) تفرض على حكومة صاحبة الجلالة ألا تترك الحليف الأمريكي وحده في مواجهة قوى في مجلس الأمن تعارضه، بدافع من مصالحها الضيقة، أو من رغبة لديها في تحجيم نفوذه والتصدي له، وكلا السببين لابد أن يدفع بريطانيا أكثر إلى مساندة الولايات المتحدة الأمريكية.
    إن الولايات المتحدة منفردة تملك القوة التي تمكنها من التصرف في الأزمة التي نشبت في العراق، بصرف النظر عما إذا كانت بريطانيا إلى جانبها أو بعيدة عنها، مع العلم أن التصرف الأمريكي هذه المرة يجيء في منطقة شديدة الأهمية بالنسبة لبريطانيا سواء من ناحية المصالح الاستراتيجية والاقتصادية أو من ناحية النفوذ السياسي وهي منطقة الخليج.
    ....................
    ....................
    ورد مستشارو القصر:
    إن هناك تقديرا كاملا للأسباب التي أوردها مستشارو رئاسة الوزارة، بمعنى أنه كان هناك بالفعل قرار بريطاني بالمشاركة في الحرب جنبا إلى جنب مع الولايات المتحدة الأمريكية، وكان هناك على الأرض ضحايا بريطانيون أعطوا حياتهم تحت العلم البريطاني، ولذلك فإن الاقتراح الذي قدمه القصر بإقامة صلاة شكر يمكن اعتباره احتفالاً لائقاً يغطي كافة الاعتبارات، مع أفضلية اقتصار الاستعراضات العسكرية على ما يمكن اعتباره بالإجماع قضايا كبرى وعلامات بارزة في التاريخ البريطاني!
    ....................
    ....................
    [وفيما بعد تفجر هذا النقاش ساخنا وملتهبا في العاصمة البريطانية، وقد وصل الآن إلى حد تهديد مركز “توني بلير”، بما في ذلك دوره في التاريخ (وكان بحسب ما نقل عنه يعلق جزءا كبيرا منه على الحرب على العراق)].
    ...................
    ...................
    وبصرف النظر عن ذلك النقاش سواء في مرحلة حصره بين القصر ورئاسة الوزراء أو في مرحلة انفلاته إلى ساحة الحياة العامة الواسعة في بريطانيا داخل البرلمان وخارجه، فإن هناك شبه اتفاق على أن ذلك الذي جرى في العراق كان عملية من “طراز معين” يصعب الاحتفال بعدها بنصر، لأنها عملية يصعب من الأصل وصفها ب: حرب.
    وكان ذلك صحيحا إلى أقصى الحدود، وأول الأسباب أن ذلك الذي جرى في العراق وبرغم حركة الجيوش والأساطيل، وبرغم الرعد والبرق أثناء الضرب والقصف لم يكن “حرباً” بالمعنى المعروف والمتفق عليه، بل لعله كان أقرب إلى عملية “إغارة” قامت بها “مجموعة مصالح” سبقت القوة الإمبراطورية للولايات المتحدة وسحبتها وراءها إلى ميادين قتل بدون تهديد مُحْتَمل أو حقيقي لأمن الولايات المتحدة، ومن دون ذرائع قانونية وأخلاقية مقبولة بل وفي غيبة الضوابط والموازين المؤسسة للحرية الأمريكية.
    .....................
    .....................
    [وهذه نقطة مبدئية بصرف النظر عن كل ما يوجه للنظام السابق في العراق، ويُعاب عليه! لأن حساب ذلك من أوله إلى آخره، لم يدخل في دواعي القوة الإمبراطورية الأمريكية عندما قررت الانقضاض على العراق، ولم يكن في حساب التقدير الأمريكي ما يساوي المخاطرة من أجله بحياة جندي واحد].
    ....................
    .....................
    والحقيقة أن وصف “الإغارة” هو الأقرب إلى الصحة، مع العلم بأن تعبير “الإغارة” كان في يوم من الأيام فعلاً عسكرياً، لكنه الآن تعبير تعددت استخداماته خارج القاموس العسكري، ولعله شاع على نحو ملحوظ في أسلوب عمل الشركات الدولية الكُبرى العابرة للقارات والمحيطات في مواجهة عناصر المنافسة أو عناصر المضايقة التي تعترض طريقها في السوق، ومن ثم يكون عليها “ترتيب الأمور” معها بقدر ما تتمكن.
    ....................
    ....................
    [وفي تقدير العارفين وخبرتهم أن الشركات الدولية الكبرى تقسم منافسيها إلى ثلاث درجات:
    منافسين أقوياء: وهؤلاء يستحسن التوصل معهم إلى اتفاق يقسم بينهم احتكار سوق معينة (وذلك ما فعلته شركات البترول الكبرى في العالم، خصوصا تلك المجموعة التي تسمى “الأخوات السبع” The Seven Sisters حسب عنوان الكتاب الذي وضعه الصحافي البريطاني الشهير “أنتوني سمبسون”.
    ومنافسين أقل قوة: وهؤلاء يصلح معهم أسلوب “الاستيلاء الودي”، أي إغراؤهم بالبيع والاندماج وفق شروط متفق عليها تخفف أعباءهم وتساعد على زيادة أرباحهم (ونموذج ذلك ما نَجَمَ عن دمج شركة “تايم” مع شركة “سي إن إن” مع شركة “وارنر” داخل إطار مجموعة “أمريكا أون لاين”).
    ومنافسين ضعفاء: يغامرون بمضاربات يأس تؤدي إلى إرباك السوق وإقلاق الوكلاء واعتراض سلاسة إنتاج السلع والخدمات وتوزيعها، وهؤلاء لابد من إزاحتهم (وذلك ما فعلته مثلا شركة “آي.بي.إم” للحاسبات الإلكترونية مع منافسين دخلوا السوق بغير موارد تسندهم، معتمدين على منطق المضاربة والمغامرة)، والأسلوب الأمثل لمواجهة هذا النوع من المنافسين هو “الاستيلاء العدواني” عليهم (وليس “الاستيلاء الودي”)].
    .....................
    .....................
    [وفي تقدير العارفين وخبرتهم أيضا أن “الاستيلاء العدائي” هو بذاته أسلوب “الإغارة” وهو في ميدان المصالح والمنافع إجراءات كيدية، برعت فيها الشركات العملاقة وأتقنت ممارستها.
    وبصفة عامة فإن “الاستيلاء العدائي” على منافسين صغار أو مزعجين، ميدان مفتوح للرماية الحرة.
    فهناك مثلا حصار هؤلاء المنافسين في السوق، وتضييق الخناق على المتعاملين معهم: وكلائهم أو زبائنهم.
    وهناك مثلا نشر الإساءات إلى مستوى منتجاتهم من سلع أو خدمات، وإظهار قصورها إزاء السعر الذي يُدفع فيها.
    وهناك مثلاً تشويه سمعتهم بنسبة الغش في المواصفات إلى ما ينتجونه من سلع وخدمات (وقد وصل الأمر أحيانا ببعض شركات المشروبات الكُبرى إلى وضع حشرات في زجاجات مشروب منافس، ثم ترتيب ضبط زجاجة منها ينكشف أمرها بوسيلة من الوسائل وتكون الفضيحة أمام جمهور المستهلكين).
    وهناك مثلا الضغط على شركائهم (إن وجدوا) واستمالة محاميهم الموكَلين بالدفاع عنهم وإغراء موظفيهم بإفشاء أسرارهم وكشف أوراقهم.
    وهناك مثلا الدخول معهم مباشرة أو بالوساطة في منازعات قضائية أو غير قضائية تشغلهم وتستغرق جهدهم وأعصابهم، وتستنفد صبر المحامين والقضاة والمحلفين أيضاً.
    وهناك مثلا حصارهم في السوق عن طريق البنوك لتشتد الضائقة وتخنق.
    وهناك في النهاية وكحل أخير استخدام أسلحة عمل مباشر فيها تدبير الإضرابات، والتحريض الخفي على تصرفات خشنة يتدخل فيها مثيرو الشغب والبوليس حتى تصبح الحياة الطبيعية من شبه المستحيلات!
    والمهم في هذا كله وفي شأن الضعفاء غير المؤهلين للشراكة (أو المتوسطين غير القابلين بفكرة “الاستيلاء الودي”) هو “الإغارة” بقصد الإزاحة إلى الحافة: إما الاستسلام أو الإفلاس أو ما هو أسوأ!].
    .....................
    .....................
    وفي السياق العام لإزاحة الضعفاء فإن أسلوب “الاستيلاء غير الودي” أو أسلوب “الإغارة” والذي بدأ عسكريا ثم شاع ماليا، ثم مورس بواسطة الشركات العملاقة وصل بعد رحلة من التجارب إلى مؤسسات التفكير السياسي والاستراتيجي التي أصبحت مقرا لصنع القرار الأمريكي، وقامت هذه المؤسسات على فلسفته وتطوير استخداماته لحساب التحالف الثلاثي المنشئ لهذه المؤسسات (المال والفكر والسلاح).
    وفي هذا الإطار فإن المجموعة الإمبراطورية الجديدة التي قام عليها رجال من أمثال “ريتشارد تشيني” (نائب الرئيس الحالي)، و”دونالد رامسفيلد” (وزير الدفاع)، و”ريتشارد بيرل” (رئيس مجلس سياسات الدفاع)، و”بول وولفويتز” (مساعد وزير الدفاع)، وآخرين غيرهم أخذت هذا الأسلوب وطبقته على أوسع وأكفأ نطاق، ابتداءً من الاستيلاء على نتائج الانتخابات الرئاسية ثم الاستيلاء على الإدارة الجمهورية التي دخلت البيت الأبيض باعتبار هذه النتائج، ثم الاستيلاء على سلطة القرار في البيت الأبيض ثم محاولة الاستيلاء على القرن الحادي والعشرين كله.
    ومع بداية هذا القرن الحادي والعشرين بدا ظاهرا أن المجموعة الإمبراطورية التي استولت على الرئاسة والإدارة والبيت الأبيض في عجلة من أمرها، مقتنعة بأنها إذا لم تستطع الإمساك بالفرصة السانحة بعد انتهاء الحرب الباردة وسقوط الاتحاد السوفييتي، كي تحول هذه الفرصة إلى حقيقة حياة وبداهة أمر واقع فإن الظروف قد تتغير ويظهر منافسون جُدد للولايات المتحدة (خصوصاً في أوروبا وآسيا).
    وكان إحساس هذه المجموعة الإمبراطورية الجديدة أن القوة الأمريكية الناعمة (على حد تعبير “جوزيف ناي” أستاذ جامعة هارفارد الشهير، وهو يقصد به تأثير أسلوب الحياة الأمريكية وقيم الحرية الأمريكية) لم تعد قادرة على أداء دورها في القرن الجديد (كما فعلت فترة ما بين الحربين العالميتين في النصف الأول من القرن العشرين).
    وكذلك فإن هذه المجموعة الإمبراطورية أصبحت مقتنعة بأن القوة الخفية للولايات المتحدة متمثلة في وكالة المخابرات المركزية الأمريكية وأخواتها لم تعد كافية الآن، للإمساك بفرصة هذه اللحظة، لأن العمل السري بطبيعته يحتاج إلى وقت، ويحتاج إلى صبر، وذلك كله ليس متاحا من وجهة نظر المجموعة الإمبراطورية الجديدة.
    وفي المحصلة فإن هذه المجموعة الإمبراطورية توصلت إلى أن تنفيذ مشروعها للقرن الحادي والعشرين يحتاج حتما إلى القوة الخشنة للولايات المتحدة أي سلاح العنف!
    وبطبيعة التكوين والثقافة والتجربة فإن هذه المجموعة الإمبراطورية الجديدة كانت تعرف ما فيه الكفاية عن أساليب “الاستيلاء العدائي” (خلافاً للاستيلاء الودي) على المنافسين، وبثقافة التجربة والدرس فقد خطر لها أن هذا الأسلوب يمكن نقله من مجال الشركات العملاقة إلى مجال القوى العظمى.
    وكذلك كان مطلب “الاستيلاء” بأسلوب “الإغارة” حلا طرح نفسه للعمل في الشرق الأوسط وهو المنطقة التي اعتبرتها المجموعة الإمبراطورية الجديدة (وربما كل مشروع إمبراطوري) سوقاً أهم وسلعة أغلى وموقعاً فاتحاً لكل الطرق، وكان الإغراء الأكبر أن العراق في وسط تلك المنطقة يلوح هدفا جاهزا مكشوفا وسهلا.
    ....................
    ....................
    وكذلك تقرر تجربة عملية “الاستيلاء غير الودي” بأسلوب الإغارة على العراق، وكان ذلك ما جرى بالفعل:
    ولم يكن أسلوب “الإغارة” حرباً مسلحة كاملة بتقاليد الحروب المسلحة المعروفة في التاريخ.
    ولم يكن مؤامرة بالمعنى التقليدي للمؤامرة (كما فعل أطراف العدوان الثلاثي في السويس سنة ،1956 حين وقعوا اتفاقا مكتوبا على شكل معاهدة تواطأوا فيها سرا على تدبير هجومهم الثلاثي على مصر في أعقاب تأميم قناة السويس).
    ولم يكن حملة نفسية وضغطا على الأعصاب تقنع الآخرين بأن يبتعدوا عن الطريق ويقعدوا على أرصفته.
    وإنما كان حتى باستقراء النقاش الذي دار بين مستشاري قصر باكنجهام ومستشاري رئاسة الوزارة في بريطانيا عنفا من نوع معين غارة على العراق لا تتصاعد إلى مستوى الحرب الشاملة، ولا تقتصر على محاولة القتل المباشر!
    كانت الولايات المتحدة الأمريكية طوال حقبة التسعينات من القرن العشرين تتصور أن النظام في العراق سوف يقع يقينا نتيجة لذلك الوهن الذي أصابه بعد حرب ثماني سنوات مع إيران، ومن ذلك الجرح الغائر الذي أصابه من ضربة تحالف دولي واسع نجحت الولايات المتحدة في حشده سنة ،1990 مستغلة خطأ فادحا وقع فيه ذلك النظام حين قرر دخول الكويت، متجاوزا خطوطا دولية حمراً غير قابلة للمساومة.
    وحين لم يكف الوهن ولم يكف الجرح في إسقاط النظام، فإن السياسة الأمريكية اعتمدت سياسة الخنق البطيء عن طريق أقسى حصار اقتصادي ونفسي ومعنوي وإنساني في التاريخ، وبالتوازي مع الحصار الاقتصادي تم فرض حصار سياسي شديد الصرامة، حتى أصبح العراق في عُزْلة موحشة عن عالمه.
    لكن النظام برغم ذلك ظل يقاوم (كما يفعل منافس محلي يائس أمام شركة عملاقة تطلب السيطرة على السوق)، وكان الأخطر من المقاومة السلبية أن النظام في بغداد راح يحاول التملص من الحصار الشامل، وبالفعل فإنه جازف (في السوق) بتصرفات، بدت نوعا من التحدي المباشر للشركة الأمريكية العملاقة:
    1 - راح يوظف أسطولا جرارا من الشاحنات والناقلات في تهريب كميات هائلة من النفط (قاربت 2 مليون برميل يوميا) وجدت طريقها إلى تركيا شمالا، وإلى الأردن وسوريا غربا، وإلى الخليج جنوبا أي أن ثغرة فُتحت في الحصار. (ومعنى ذلك أن النظام في العراق يستطيع أن يلتقط أنفاسه).
    2 - ثم راح ذلك النظام يلفت الأنظار بكفاءة إلى المأساة المروعة التي يتعرض لها شعب العراق بسبب قسوة وصرامة الحصار المفروض عليه، واستطاعت قضية معاناة الشعب العراقي وكانت مرئية ظاهرة أمام العرب والعالم أن تخلق طاقة من التعاطف الهائل، وكان هذا التعاطف هو الذي فرض على الأمم المتحدة إيجاد وسيلة للتوفيق بين القسوة الأمريكية على العراق والتعاطف الواسع مع شعبه، وكانت النتيجة برنامج “النفط من أجل الغذاء” الذي يسمح للنظام في العراق بتصدير نصيب من نفطه تحت إشراف الأمم المتحدة، واستخدام العائد في استيراد سلع ضرورية لا يصح أن تخضع لحصار. (ومعنى ذلك أن النظام في العراق أقدر على الصبر).
    3 - ثم راح النظام في العراق يستعمل (وبذكاء) برنامج النفط من أجل الغذاء في إنشاء شبكة مصالح عربية ودولية، وحدث بالفعل أن دولا غربية وشرقية وعربية كثيرة تسابقت إلى اتفاقيات مع العراق طبقا لبرنامج النفط من أجل الغذاء (كما يحدث الآن من سباق نحو سلطة احتلال العراق في طلب نصيب من عقود إعادة إعمار العراق!!).
    ونتيجة لشبكة المصالح الدولية والعربية التي قامت على استغلال برنامج النفط مقابل الغذاء، فإن النظام في العراق جعل من ذلك البرنامج أداة تأثير سياسي، يساعد التأثير العاطفي، ومن ثم يخلق مناخاً عاماً مواتياً. (ومعنى ذلك أن النظام في العراق يكسب أرضاً).
    4 - ثم راح النظام يمنح عقودا مستقبلية، يوزع بها اتفاقيات إنتاج ونقل وتكرير ملايين من براميل النفط يوميا على منافسين كبار للولايات المتحدة (روسيا فرنسا ألمانيا وغيرها). (ومعنى ذلك أن النظام في العراق يهيئ لعلاقات دولية متجددة ومفيدة).
    5 - ثم راح النظام أخيرا يعلن وينفذ إعلانه بأنه لن يبيع إنتاجه من النفط “بالدولار”، وإنما “باليورو”، وهو وعاء العملة الدولية الوحيدة الذي يقدر يوما (في المستقبل) على الوقوف أمام “وعاء الدولار”، الذي يجتذب الآن معظم المدخرات ومعظم الاستثمارات الدولية، ويجعلها بمجرد وجودها في وعاء الدولار قروضاً للاقتصاد الأمريكي دون فوائد. (ومعنى ذلك أن العراق ينتقل من الدفاع إلى درجة من المبادرة).
    وبدت هذه التصرفات في مجملها وكأن المنافس (المحلي) وهو المطلوب إزاحته يعلن يوما بعد يوم أنه مازال يملك مجالا للمناورة يضيف إلى قدرته على الشغب السياسي (من وجهة نظر أمريكية).
    وزادت على ذلك ظاهرتان:
    أن النبرة الإسلامية للنظام في العراق ارتفعت وسط عالم عربي نزلت فيه الأعلام القومية وتراجعت الأفكار الوطنية، وبدت حصون الدين هي المعقل الأخير للمقاومة.
    ثم إن النظام في رغبته لاستثارة المشاعر القومية والوطنية أخذ قضية الأمن العربي وراح يطلق أكثر النداءات تشددا في العداء ضد “إسرائيل” في أجواء تعثرت فيها مسيرة السلام أو ما سُمي كذلك.
    ومعنى ذلك أن النظام العراقي (منافس محلي) مازال يعاند ويكابر، ومازال يجد الفرص ويفتح الثغرات ويمد الجسور (عاطفية وسياسية واقتصادية)، حتى يزيد من قدرته على البقاء (وقد بقي فعلا حتى شهد انقضاء رئاستين أمريكيتين هما رئاسة “بوش” (الأب) - ثم رئاسة “بيل كلينتون” لمدتين (من 1992 حتى 2000)، مع إحساس يلح على واشنطن بأن النظام العراقي يستطيع أن يبقى حتى يرى نهاية رئاسة “بوش” (الابن).
    ولم تكن المجموعة الإمبراطورية الجديدة مستعدة للانتظار، وفي تصميمها أن الوقت قد جاء لعملية “الاستيلاء غير الودي” (العدائي) على العراق، والإغارة عليه بالقوة الخشنة وبالعنف وبالنار، حتى وإن جرى ذلك في منطقة هي بالطبيعة مخزن لهب!
    ...................
    ...................
    كان ذلك واضحا قبل 11 سبتمبر (أيلول) سنة 2001.
    وبعد 11 سبتمبر 2001 فإن المجموعة الإمبراطورية الجديدة فقدت شهية مواصلة حرب على الإرهاب اندفعت إليها بعد حوادث نيويورك وواشنطن، فقد اكتشفت أن العدو الذي استهدفته على عجل وهو تنظيم القاعدة موجود في بلد ليست فيه أهداف تستحق الضرب بالصواريخ (أفغانستان)، ولم يعد هناك كذلك أيضا وقت لتحالفات دولية أوسع ضد الإرهاب الدولي حيث كان. وقبل هذا وبعده فإنها لم تعد تملك الأعصاب التي تساعدها على الوقوف ساكتة في انتظار عمل ترتبه أجهزة العمل الخفي للسياسة الأمريكية (مثل وكالة المخابرات المركزية).
    ومعنى ذلك أن قوة السلاح الأمريكي هنا والآن وبأسلوب “الإغارة” (وربما بزيادة محسوبة فوقه) عليها الدور الآن والمسؤولية على عاتقها، خصوصا أن مجمل الظروف الإقليمية والعالمية لا تقتضي حربا كاملة شاملة.
    وفي هذه اللحظة ومع الحاجة الضرورية إلى “شيء من الحرب” (نصف حرب) ظهر عنصر جديد في التأثير على القرار في واشنطن، وهو القوات المسلحة الأمريكية، فهي المطالبة أو المكلفة باختصاص السلاح في أي مهمة، حتى لو كانت مجرد إغارة تستخدم قوة النيران أي شيء من الحرب “نصف حرب” على الأكثر! وهنا كان دخول القوات المسلحة في حد ذاته مسألة معقدة لها حسابات عويصة!
    ثانيا: المؤسسة العسكرية الأمريكية
    ومن المُلاحظ أن كثيرين في العالم وفي الولايات المتحدة ذاتها لا يفكرون بالقدر اللازم في الدور الذي تقوم به المؤسسة العسكرية الأمريكية، وفي العادة فإن المراقبين في الداخل والخارج تأخذهم حيوية التفاعلات السياسية ما بين البيت الأبيض والكونجرس، وما بين الإدارة جمهورية أو ديمقراطية وبين الإعلام مكتوباً أو مسموعاً أو مرئياً لكن أحدا لا يشغل نفسه كثيرا بدور المؤسسة العسكرية في عملية صنع وصياغة القرار السياسي الأمريكي، خصوصا عندما يكون فيه للسلاح دور.
    وعلى وجه اليقين فإن الولايات المتحدة ليست بلدا محكوما بالعسكريين، بل العكس فإنها البلد الأكثر تقدما نحو الحرية والديمقراطية، لكن ذلك لا يمنع بل لعله يدفع إلى دور رئيسي للمؤسسة العسكرية، ففي فلسفة الحرية أن القانون عمادها، وفي فكرة القانون أن احترامه مرهون بسلطة تفرض طاعته، وهنا يجيء دور القوة كملاذ أخير للحرية وللقانون معا (وفي الشأن الداخلي كما في الشأن الخارجي).
    وبدون زيادة في التفاصيل لا يحتاج إليها الموضوع هذه اللحظة، فإن التجربة التاريخية لنشأة وقيام الدولة الأمريكية اقتضت بناء قوات مسلحة قادرة على ضبط جموح جماعات المهاجرين والمغامرين والباحثين عن الثروة بأي وسيلة، والمدججين بالسلاح في كل وقت ثم إن هذه القوات المسلحة كان لابد لها من طاقة نيران تتفوق بشدة على كل ما لدى عناصر المجتمع الأمريكي المتسابقة والمتزاحمة والمتصارعة في ظروف تأسيس الدولة. ومعنى ذلك أن الولايات الناشئة في القارة الواسعة احتاجت إلى الجيوش منذ لحظة الخلق الأولى (وليس كما حدث في مجتمعات تقليدية حيث تأخرت نشأة الجيوش النظامية لأن حفظ الأمن وكفالة الحق كان موكولا إلى رؤساء العائلات والقبائل، وإلى أمراء الإقطاع والملوك، حتى نشأت “الدولة” الحديثة وأصبح لها جيش محترف)، أي أن ما استغرق قرونا في أوروبا تحقق خلال عقود في أمريكا بحكم الظروف والضرورات.
    وحين قامت حركة الاستقلال الأمريكي وتحولت إلى واحدة من أهم ثورات التحرر في العالم وأوسعها تأثيرا، فإن قيادة هذه الثورة كانت بالضرورة للجنرال “جورج واشنطن” الذي يعتبر حتى اليوم وإلى الأبد بطل الاستقلال الأمريكي، وأول رئيس للجمهورية في الولايات المتحدة.
    وبعد الاستقلال فإن المخاطر على الولايات المتحدة لم تتوقف، لأن القوى الأوروبية الكُبرى كانت لاتزال على أرض القارة الأمريكية تحاول استرداد نفوذها واستعادة غنائمها، وكان ذلك نذيرا يفرض على الدولة الأمريكية المستقلة حديثا أن تأخذ حذرها وراء قوات مسلحة تحمي استقلالها الوليد، (وقد وصلت التهديدات إلى حد أن الجيش البريطاني كر فجأة واحتل واشنطن سنة 1812 أي بعد الاستقلال بقرابة عشرين سنة!).
    وحين بدا مع منتصف القرن التاسع عشر أن آمال المستقبل تفرض وحدة الولايات المتحدة في أمريكا الشمالية ضمن إطار دولة واحدة قوية تقدر على مواجهة أزمنة وعصور متغيرة، فإن الولايات المتحدة عاشت تجربة الحرب الأهلية بكل آلامها ومراراتها وعذاباتها، وتلك تجربة أشد عمقا وأقسى في التأثير على غرائز وضمائر البشر! وكانت الحرب الأهلية الأمريكية بين جيشين: شمالي وجنوبي، وأصبح قادتها على الناحيتين أساطير في التاريخ الأمريكي (الجنرال “لي” والجنرال “جرانت” وغيرهما)، وحتى هذه اللحظة فإن تجربة الحرب الأهلية ومحنة الاقتتال الداخلي لفرض وحدة البلد مازالت ذكرى حية وقصة عظيمة (ألهمت المسرح والسينما بآلاف الأعمال والروائع).
    وكان كبار العسكريين الأمريكيين (من البحرية خصوصاً) هم الذين حرضوا على استراتيجية الذهاب إلى خط الماء الآخر، أي أنه إذا كان الآباء المؤسسون للدولة قد اعتبروا أن الأمن الأمريكي هو عرض القارة من خط الماء إلى خط الماء (من شاطئ الأطلنطي إلى شاطئ الباسيفيكي) فإن الضرورات الآن أواخر القرن التاسع عشر تقتضي الخروج عبر المحيط، لأن الدفاع عن البيت عند بابه قِصَر نظر، فالقوى تدافع عن نفسها هناك عند شواطئ الآخرين قبل أن يعبروا البحر وليس عند شواطئها، وهكذا جرى خروج الأسطول الأمريكي (جنود البحرية) إلى جزر “هاواي”، ثم إلى “الفلبين” (والالتفاف حول اليابان للحصول على مستعمرة تثبت وجودا أمريكيا على شاطئ بحر الصين قرب “شانجهاي” مثلها مثل القوى الأوروبية الكُبرى في ذلك الوقت) وجرى نفس الشيء في المحيط الأطلسي فقد وصل الأسطول الأمريكي مبكرا واحتل جزر وسط المحيط ووصل إلى شواطئ المغرب مطلا على البحر الأبيض (حتى مر على شواطئ ليبيا وأطل على شواطئ مصر).
    ثم أعقب ذلك أن الجيوش الأمريكية شاركت على نحو كثيف في حربين عالميتين (وقعتا في النصف الأول من القرن العشرين)، وكانت تلك صراعات حياة أو موت بين الإمبراطوريات الأوروبية القديمة والمستجدة وكانت الولايات المتحدة الأمريكية في النهاية وارثاً وحيداً لأملاك وأحلام الجميع.
    ولما كانت الحرب العالمية الثانية قد انتهت بالسلاح النووي الذي سبقت إليه واستعملته الولايات المتحدة فإن هذه القوة الجديدة أخذت أمر العالم ومستقبله في يدها، وجعلت مصائره مرهونة بسياساتها، ولم يكن باقياً لها في تلك الظروف غير التخلص من قوتين خرجتا بعد الحرب العالمية الثانية، تحاول كل منهما أن تعطي نفسها أقصى درجة من استقلالية القرار:
    الاتحاد السوفييتي: بقوة رادع نووي يملك أن يرد حتى وهو يلتقط نفسه الأخير.
    ثم حركة التحرر الوطنى في آسيا وافريقيا وأمريكا اللاتينية: بقوة حلم يطلب الاستقلال والتنمية والتقدم ويستطيع أن يشعل الأرض ناراً من “جاكارتا” إلى “كازابلانكا”.
    وكان هؤلاء أطراف ما سُمي بالحرب الباردة، التي أعقبت أكثر الحروب سخونة في التاريخ (الحرب العالمية الثانية التي انتهت باستعمال السلاح النووي).
    وطوال تلك المرحلة كان العسكريون الأمريكيون على القمة في الولايات المتحدة الأمريكية، فهم أولا قواد النصر الكبير ضد النازية الألمانية والفاشية الإيطالية والألمانية. ثم إنهم ثانيا حُراس القوة النووية التي تم التوصل إليها تحت إشراف الجيش الأمريكي وإدارته. وفضلا عن ذلك ثالثاً فإن هؤلاء القادة موجودون فعلا بجيوشهم في أهم مواقع أوروبا وآسيا والبحر الأبيض شمالا وجنوبا، فهناك على هذه المواقع خاضوا الحرب وصنعوا النصر ولم يتجاسر أحد بعدها أن يطالبهم بانسحاب، بل إن بعض الأقاليم في أوروبا وآسيا بدت شديدة التمسك ببقاء القوات الأمريكية (إحساسا بالضعف وخشية من الاختراق بجاذبية العقائد أو وهج الأحلام).
    وفي لحظة من اللحظات كان ثلاثة من كبار قواد الحرب الأمريكية يحكمون العالم تقريبا:
    في “واشنطن” كان الجنرال “جورج مارشال” (وزير دفاع “روزفلت”) قد انتقل إلى وزارة الخارجية (في عهد خلفه “ترومان”) طارحا المشروع الذي سُمى باسمه (مشروع مارشال) لإعادة تعمير وبناء أوروبا الغربية.
    وفي باريس كان الجنرال “دوايت أيزنهاور” قائدا عاما للجيوش المتحالفة التي واجهت الاتحاد السوفييتي عبر الستار الحديدي (على حد وصف رئيس الوزراء البريطاني “ونستون تشرشل”).
    وفي طوكيو كان الجنرال “دوجلاس ماك آرثر” وصيا على إعادة تأهيل اليابان، وقيما على ترتيب أوضاع آسيا بما يناسب الولايات المتحدة الأمريكية في زمن جديد، وكان إمبراطور اليابان يتلقى تعليماته من ذلك العسكري الأمريكي المستعلي دون اعتراض لأن إشعاعات القنابل النووية التي ألقيت على هيروشيما ونجازاكي كانت لا تزال تقتل الآلاف من رعايا الإمبراطور مع كل طلعة شمس وهبة ريح!
    .....................
    .....................
    والمعنى أن العسكريين الأمريكيين الكبار كانوا هم الذين أشرفوا على وضع خطوط السيادة الأمريكية الزاحفة:
    وحين اصطدمت خطط “أيزنهاور” في أوروبا بالستار الحديدي، فإن الرجل بمرونة شديدة أدرك أن عليه حجز الأحزاب الشيوعية عن الوصول إلى مواقع الحكم في أوروبا الغربية، وكذلك فإنه منع بالقوة المباشرة أي احتمال لقيام الحزب الشيوعي الإيطالي بالاستيلاء على السلطة في روما رغم أنه كان أقوى الأحزاب، وكرر نفس الشيء في فرنسا مستعيناً بوكالة المخابرات المركزية الناشئة في ذلك الوقت، وكان مديرها العام في ذلك الوقت هو نفسه رئيس أركان حرب “أيزنهاور” السابق الجنرال “بيدل سميث”.
    (ووصل “أيزنهاور” و”بيدل سميث” إلى حد تعريض أوروبا للحرب الأهلية حتى تيأس الأحزاب الشيوعية، وبالفعل وصلت اليونان وبعدها المجر وألمانيا الشرقية وبولندا إلى حافة الحرب الأهلية).
    وأما “ماك آرثر” فإنه تعثر في الطريق، ربما لأنه أساء تقدير قوة الصين (ونوعية علاقتها مع الاتحاد السوفييتي)، وتورط في حرب إقليمية وسط شبه الجزيرة الكورية، ووجد نفسه أسير مأزق مخضب بالدم دعاه إلى التفكير في استعمال السلاح النووي ضد الصين، لولا أن الرئيس “هاري ترومان” سارع إلى عزله مؤيدا في قراره برئاسة هيئة أركان الحرب المشتركة.
    وعندما أخذ المشروع الإمبراطورى الأمريكي يتحرك بجد إلى مقاصده في ظروف دولية مناسبة فإن أنصاره ومعظمهم في الحزب الجمهوري قرروا أن الجنرال “دوايت أيزنهاور” هو رجل الساعة الذي ينبغي أن يرأس الولايات المتحدة في هذه الفرصة.
    وفي ظرف سنتين اثنتين كان “أيزنهاور” قد ترك قيادته في باريس (لنائبه الجنرال “عمر برادلي”)، وأصبح رئيساً لجامعة كولومبيا في نيويورك كمرحلة انتقالية تؤهله للحياة المدنية، فلا يدخل فجأة إلى المكتب البيضاوي قادما مباشرة من قيادة عسكرية!
    وفي انتخابات الرئاسة نوفمبر 1952 أي بعد سبع سنوات على نهاية الحرب العالمية، وسنتين على التأهل للحياة المدنية كان الجنرال “دوايت أيزنهاور” يكتسح المرشح الديمقراطي “أدلاي ستيفنسون” (وهو سياسي مثقف من أرقى مستوى في أمريكا).
    وكذلك فإنه في بداية استقلال الدولة الأمريكية كما في بداية الإمبراطورية الأمريكية كانت الرئاسة في يد رجل عسكري، أولهما خاض الحرب في طلب الاستقلال والثاني خاضها في طلب الإمبراطورية!
    (مع ملاحظة أن التاريخ الأمريكي يعرف ما بين الاثنين أربعة من العسكريين تولوا رئاسة الدولة، ومع ملاحظة أنه في الإحصاء المعتمد لسنة 1959 تبين أن هناك مائة وأربعة وسبعين ألف ضابط سابق يشغلون مناصب مدنية في الإدارة أو في الشركات الأمريكية الكبرى).
    وكانت أولى خطوات “أيزنهاور” عندما أصبح رئيسا للولايات المتحدة هي إنهاء الحرب الكورية مهما كان الثمن، وقد قام بنفسه بزيارة إلى عاصمة كوريا الجنوبية (سيؤول) لترتيب ما يلزم ذلك لأن “أيزنهاور” كانت له نظرية في تحقيق الأمن الأمريكي عن طريق القوة المسلحة تختلف عن المنطق الذي أدى بالرئيس “هاري ترومان” إلى السقوط في مستنقعات كوريا والضياع في وحشة تلالها وجبالها المرصوصة رصاً!
    .....................
    .....................
    “أتاحت لى الظروف أن أغطي بنفسي وقائع زيارة “أيزنهاور” لسيؤول بقصد إنهاء الحرب الكورية، كما أتاحت لي أن أسمعه وأن أتابعه”.
    .....................
    .....................
    كانت نظرية “أيزنهاور” في حفظ الأمن الأمريكي (أو السلام الأمريكي) قائمة على الخطوط التالية:
    1 أن الولايات المتحدة لابد لها حتى تحقق أمنها ومصالحها العالمية - أن تتفوق على كل القوى الدولية الأخرى مجتمعة، وأن تكون لها غلبة في تكنولوجيا السلاح لا يلحق بها طرف، وبما أن السلاح النووي الذي “طلع فجره” على هيروشيما ونجازاكي هو سلاح الردع النهائي، فإن الولايات المتحدة يجب أن تحتفظ في ترسانتها بمخزون منه لا يسبقها فيه أحد (Second to none).
    2 ومع التسليم بأن السلاح النووي يصعب بل يستحيل استخدامه في أحوال “دولية رشيدة” فإن الولايات المتحدة لا يصح أن تُفاجأ “بأحوال جنون” يسبقها فيها خصم إلى استعمال السلاح النووي بضربة أولى، ولهذا فإنها مع الاستعداد لضربة أولى استباقية لابد أن تكون جاهزة في نفس الوقت لضربة ثانية مميتة للخصم الذي تجرأ وبدأ (وكذلك ظهرت الغواصات النووية بصواريخها (طراز بولاريس) تحت سطح البحر وفي أعماق ظلامه، والفكرة أنه إذا كانت القوات الظاهرة على الأرض هي المكلفة بالضربة الأولى (إذا تأكدت ضرورتها)، فإن الغواصات المتحركة خفية تحت الماء هي ضمان الضربة الثانية وشدة تأثيرها).
    3 ومع القيود المفروضة على استعمال السلاح النووي، فإن الولايات المتحدة تستطيع أن تعطي نفسها مرونة في الحركة العسكرية بالسلاح التقليدي بالاشتراك مع أصدقاء لها ينخرطون معها في أحلاف عسكرية تطوق الاتحاد السوفييتي وتطوق الصين الشعبية معه، وكذلك كان تخطيط “أيزنهاور”:
    قيادة في أوروبا (حلف الأطلنطي) وهي موجودة عليها بقواتها وأسلحتها شراكة مع حلفاء الغرب (وهم بريطانيا وفرنسا) وقد انضمت إليها أكثر من عشر دول أوروبية غربية شكلت مانعا رادعا أمام الستار الحديدي.
    وقيادة في آسيا حلف جنوب شرق آسيا وهي موجودة بقواتها وأسلحتها مرتكزة على اليابان واصلة إلى الملايو ومستعدة للانتشار وراء ذلك فيما كان من أقاليم الإمبراطوريات البريطانية والفرنسية.
    وقيادة ثالثة راح “أيزنهاور” يرتب لها، بإقامة حلف يقفل الدائرة ويحكم الحصار حول الاتحاد السوفييتي من الجنوب وهو حلف شرق أوسطي وبالفعل فقد جرى تجريب مشروع لهذا الحلف أثناء رئاسة “أيزنهاور” (حلف بغداد)، وكان ذلك سنة 1955 (السنة الثانية من رئاسته).
    4 ومع تقدير “أيزنهاور” لاستحالة الحرب النووية (إلا في أحوال جنون) فإن الولايات المتحدة لا يصح لها أن تحارب بجيوشها إلا عندما تقتضي ضرورات ملحة، وفي حسابه أنه مع زيادة القوة العسكرية، فإن ظهور طاقة بطش هذه القوة يُغني عن استعمالها.
    كان السلاح بالتفوق وبدون حرب هو أساس نظرية “أيزنهاور”، وكانت المؤسسة العسكرية راضية طول عهده، فقد كانت نظرية الأمن والتطبيق السياسي للنظرية في نفس المكان، لأن القائد العام للنصر وللسلام الأمريكي (وللإمبراطورية) كان هو نفسه الرئيس الجالس في المكتب البيضاوي يخطط لمعركة القرن (كما كان “أيزنهاور” يسميها)، أي أنه في ذلك الوقت لم يكن بين العسكري والسياسي حاجز أو حجاب.
    وخرج “أيزنهاور” وجاء بعده رئيس آخر هو “جون كيندي”، ثم بدأت الخيوط تتشابك، وتحول تشابكها إلى عُقَدْ حين قرر الرئيس “جون كيندي” أن يتدخل في فيتنام، ثم استحكمت العقد حين اتسع نطاق الحرب في عهد خلفه “ليندون جونسون”.
    وهنا راحت الخلافات تظهر شروخا ثم أخاديد بين السياسيين والعسكريين في الولايات المتحدة الأمريكية، وكان أشهر الخلافات هو ما وقع بين الجنرال “ماكسويل تايلور” والرئيس “كيندي”، ثم بين الجنرال “ويستمورلاند” والرئيس “جونسون”.
    كان الجنرال “تايلور” يعترض على طريقة استعمال قوة السلاح الأمريكي في فيتنام، وتقديره أن التدخل العسكري لا يمكن أن يجري خافتا بدون نداء صريح للحرب تصحبه درجة من التعبئة الوطنية العامة، وترك “تايلور” منصبه ليكتب كتابه الشهير “النفير المتقطع” الذي انتقد فيه سياسة الحرب على استحياء.
    ثم أعقب ذلك خلاف “جونسون” مع الجنرال “ويستمورلاند” وكان على النقيض مما وقع بين “كيندي” و”تايلور” - لأن “جونسون” أعطى للقوات في فيتنام كل ما هو ممكن، لكن الجنرال “ويستمورلاند” لم يعرف حدا للكفاية رغم أن جيشه وصل في وقت من الأوقات إلى ما يزيد على نصف مليون جندي.
    وفي حين أن “تايلور” كان يشكو من حرب “كيندي” على “استحياء” فإن “جونسون” راح يشكو من حرب “ويستمورلاند” “بلا قاع”.
    وعندما جاء عهد “نيكسون” كانت علاقة العسكريين والسياسيين في الولايات المتحدة مشكلة حقيقية تصادمت فيها الرؤى والنظريات، كما تصادمت فيها الطبائع والشخصيات، وعندما انتهت رئاسة “نيكسون” بفضيحة (ووترجيت)، كانت المؤسسة العسكرية الأمريكية لا تكاد تخفي استهانتها بالساسة إلى درجة الاحتقار!
    وفي كل الأحوال فإن المؤسسة العسكرية وفي عهود تدنى فيها مستوى الأداء السياسي ظنت نفسها مسئولة عن الأمن الأمريكي المستمر وعن الإمبراطورية الأمريكية البازغة، وكانت وسيلتها المفضلة هي مواصلة تكديس السلاح وتكثيف الجهود وراء تكنولوجيا استخدامه.
    .......................
    .......................
    “على أن “أيزنهاور” ما لبث في أواخر رئاسته، وبعد نوبات قلبية أصابته سنة ،1956 وسنة 1958 أن ضعف سياسياً، وعندها استبد به الأرق من تداخل المصالح الإمبراطورية بين المال والسلاح والأفكار، رأى أن يحذر من العواقب صراحة في خطاب الوداع الشهير”.
    .....................
    .....................
    “وفي النهاية فقد كان سباق السلاح هو الذي مكن الولايات المتحدة بمواردها الهائلة من قصم ظهر الاتحاد السوفييتي، ودفعه إلى عجز اقتصادي وسياسي مهين!
    وفي الوقت نفسه تقريبا فإن مدد السلاح الأمريكي الذي تدفق على “إسرائيل” سنة 1973 باعتبارها الوكيل الوحيد المعتمد للقوة الأمريكية بعد فشل سياسة الأحلاف في المنطقة كان هو الذي دفع الرئيس “أنور السادات” (بتشجيع من “فيصل بن عبد العزيز” ملك السعودية، و”محمد رضا بهلوي” شاه إيران) إلى ذلك الرهان على لعبة واحدة اعتبر فيها أن 99% من أوراق قضية السلام (والرخاء!) في الشرق الأوسط في يد الولايات المتحدة وحدها، وفي العادة فإن الاعتقاد في شيء نصف التمهيد لوقوعه].
    ....................
    ....................
    [وكذلك فإن نهاية الحرب الباردة تأكدت بسقوط الاتحاد السوفييتي من ناحية، وبتراجع شديد في منطقة القلب على جبهة حركة التحرر الوطني في العالم الثالث (العالم العربي) من ناحية أخرى!].
    ....................
    ....................
    وكذلك نجح السلاح الأمريكي (والمؤسسة العسكرية الأمريكية) في الحرب الباردة، كما في الحرب التي سبقتها (الساخنة).
    وبدأ عصر دولي جديد سلام إمبراطوري أمريكي يفرض حقائقه على الجميع راضين أو مُرغمين!
     

مشاركة هذه الصفحة