جمال الدين الأفغاني جاء من إيران وأفغانستان والعراق بوعي مؤداه أن لمشكلة المسلمين قطب

الكاتب : مالك   المشاهدات : 337   الردود : 0    ‏2004-02-03
      مشاركة رقم : 1    ‏2004-02-03
  1. مالك

    مالك عضو

    التسجيل :
    ‏2004-01-22
    المشاركات:
    12
    الإعجاب :
    0
    [color=FF0000]جمال الدين الأفغاني جاء من إيران وأفغانستان والعراق بوعي مؤداه أن لمشكلة المسلمين قطبين دينيا وسياسيا[/color]
    رضوان السيد

    تتميز حركة جمال الدين الأفغاني (1879) ومحمد عبده (1905) وجيلهما للإصلاح والنهوض بعدة أُمور; أولها أن الرجلين كانا من علماء الدين. فإن قيل: والطهطاوي كان فقيها; فالإجابة أنه لم يعتبر نفسه كذلك، بل كتب وخاطب باعتباره مبشِّراً بالثقافة الحديثة. وعندما حاول في آخِر حياته أن يكتب في الاجتهاد، جاء كتابُهُ شـديد التواضـع، ومنقـولاً في أكثره عن عصورٍ مضت بمشكلاتها وإشكالياتها. نقل الطهطاوي عن السيوطي (من القرن العاشر الهجري)، وزكريا الانصاري (من القرن الحادي عشر); وكانت مشكلتهما إثبات أنـهما مجتهدان مطلقان (إلى جانـب الشعراني الذي ادّعى الامر ذاته)، وليس من ضمن المـذهب (الشافعي).

    وما أقصدُهُ من وراء التأكيد على علمهما الدينـي: ثقتهما بنفسيهما من حيث المعـرفة العميقة بالموروث الإسلامي (الفلسفي والروحي لدى جمال الدين، والكلامي والفقهي لدى محمد عبده); وثاني تلك الأمور أو الميزات استقلاليتهما النسْبية طبعا; إذ لم يعمل أيٌّ منهما موظَّفاً إبّان تطويرهما للمشروع الإصلاحي; وبذلك فقد جاء المشروع شاملاً أكثر مما قدَّرا، واستقطب من أجل ذلك مئات من النُخَب على مدى العالم الإسلامي. وثالث تلك الأُمور أنهما ملكا على مدىً معتبر، وسيلةً إعلاميةً للمشروع; من العروة الوثقى بباريس، وإلى المنار بالقاهرة (فضلاً عن الوقائع المصرية إبان الثورة العرابية). فكانا بين أوائل من أفاد من تلك الأداة الثقافية الحديثة في الدعاية لأفكاره; وأعني بها المجلة. وصحيحٌ أنّ « العروة الوثقى» و«المنار» تبدوان لنا الآن كأنما هما كتابان وعظيان; لكنهما (وبالذات المنار) كانا وسيلةً حديثةً لنشر الأفكار والتوجهات; وبخاصةٍ المنار التي استمرت ستةً وثلاثين عاماً، ورابع تلك الأمور معرفة الرجلين بأوروبا وسياساتها الاستعمارية عن كثب; لكنّ معرفتهما، (وبخاصةٍ محمد عبده)، شملت أيضاً أوروبا الحديثة، ووسائل وآليات تقدمها وقوتها. ما كانت القاهرة فارغةً عندما أتى إليها جمال الدين الأفغاني، ذلك الرجل الغامض في سبعينات القرن التاسع عشر.

    صحيح أنّ مشروع محمد علي كان قد انكسر، لكنّ التغييرات التي أحدثها ما كانت قد نسيت، والعشرات الذين أرسلهم إلى أوروبا صاروا مئات، وحركة الإصلاح العثماني كانت ما تزال تمضي نحو الذروة، وتجربة إسماعيل التحديثية (بما في ذلك استحداث حكومة، ومجلس شوروي) تترك آثارها الهائلة على فئاتٍ واسعة من المجتمع. ويكفي لمعرفة أهمية ما كان يجري أنّ القاهرة كانت تصدر فيها عدة صحفٍ ومجلات، وكذا الإسكندرية. وأنّ المثقف والسياسيَّ على حدٍ سواء كانا يشهدان بداياتهما. ومجيء جمال الدين للقاهرة ما كان أمراً فريداً من نوعه. فقد سبق للقاهرة أن شهدت إقبالاً أجنبياً، ثم من جبل لبنان وسائر أقطار الدولة العثمانية للإفادة من حركة محمد علي لبناء الدولة الحديثة، واستمر هذا الإقبال بعد توقفٍ طفيفٍ أيام عباس الأول وسعيد، للعمل من جهة، وهذه المرة أيضاً بحثاً عن أُفقٍ جديد، تجنباً للسلطة العثمانية ومضايقاتها في الشام كما في البلقان. ولا نعرفُ عرضاً مشهدياً للقاهرة الاجتماعية والثقافية فيما بين الستينات والثمانينات من القرن التاسع عشر، يشبه ذاك الذي نعرفُهُ لها إبّان الاحتلال الفرنسي (الجبرتي، وجومار)، ثم في الربع الأول من القرن العشرين، من خلال قصص نجيب محفوظ. بيد أنه كان بين أبرز متغيرات النصف الثاني من القرن التاسع عشر ظهور المقهى وازدهاره. وما كانت المقاهي مكشوفة، كما أنها لم تكن مجالس لعلية القوم ـ في نمطها الراقي ـ بعد. كان المقهى الناشئ هو البيئة الجديدة لصغار الموظفين، وللغرباء الذي يلتمسون الاتصال بالمجتمع المصري; وكان هذا الجديد في البيئة التي نشر فيها جمال الدين دعوته. ما كان يمكن له أن يبدأ في أحد المساجد، لأنه لم يكن يتحدث في الدين بالتحديد. وما كان يمكن له ذلك أيضاً لأنّ الذين يحضرون في المقهى كانت بينهم في البداية كثرة غير مسلمة. وما كان يمكن الذهاب إلى المسجد أخيراً لأنّ جزءًا كبيراً من الحديث كان سياسياً. ويتنبَّه أبو المعاطي أبو النجا في كتابه «العودة إلى المنفى» إلى عاملٍ آخَرَ لظهور بيئة المقهى التي تشي بالمتغيرات: فالمصريون الذي كانوا يأتون إليه أيضاً بينهم ريفيون أتوا للقاهرة للتعلم أو للوظيفـة، ثم زلّت أقدامهم فوجدوا أنفسهم يهيمون على غير هدى، ويتحولون إلى فئةٍ عاجزةٍ عن التلاؤم والتأقلم; تملكُ ذلك القلق الذي نعرفُهُ عن المثقفين في باريس في تلك الفترة.

    كانت أولى موضوعات الجلسات في المقهى ذات طابعٍ فلسفيٍ عام. ويبدو أنّ ثلاثةً أو أربعةً من أبناء الطبقة العليا كانوا يحضرونها، إلى جانب عشرةٍ أو أكثر من الفئة المتنوعة التي وصفناها. ومعنى الحديث الفلسفي وقتها الحديـث النهضوي أو العلمي، بالاستناد إلى الترجمات عن تـطور العلوم والصنـاعات، والتي كانت تنقلها (عن الفرنسية غالباً) المجلات التي كـان اللبنانيون يُصدرونها بالقاهرة والإسكندرية.

    ويُضافُ لذلك الحديث عن حروب الدولة العثمانية، وعن وقائع حركة الإصلاح فيها. ثم كيف يمكن تخليصُ الدولة العلية والمسلمين (كانوا يقولون: الشرقيين مراعاةً لغير المسلمين بينهم) من إطباق الأوروبيين عليهم، بالاستعمار المباشر وغير المباشر. ولا ندري متى وجد الازهريون (من أمثال محمد عبده) طريقهم إلى تلك المجالس. والذي يبدو على أي حال أنهم لم يكونوا كثيرين. إذ ما كان الأزهري وقتها يجلس في المقهى لأنّ ذلك يمسُّ هيبته ورؤية الناس له. ثم إنّ الجلوس إلى غُرَباء وغير مسلمين دونما مناسبةٍ غير التواصل ما كان أمراً محمودا.

    ويقال إنّ محمد عبده تنبه إلى أهمية جمال الدين عندما كان الأخير يتحدث إلى مجموعة صغيرة بالأزهر بعد صلاة العصر. لفت انتباهه بثقافته العقلية (العلوم العقلية: الفلسفة والكلام)، والتي كانت قد أُهـملت بالأزهر لصالح الفقه وعلوم النقل. وعلى أيّ حالٍ; فقد وجد محمد عبده نفسه حوالي عام 1875م في حلقة جمال الدين بالمقهى، يجلسُ إلى أُناسٍ متنوعين، يجمعهم أمران: النَهَم المعرفي، واستكشاف سُبُل الخروج من التخلف والاستعمار. كان جمال الدين قد جاء من إيران وأفغانستان والعراق بوعيٍ مؤداه أنّ لمشكلة الشرقيين (المسلمين) قطبين اثنين: ديني وسياسي. وقد استخدم ثقافته العقلية في البداية للسيطرة على حلقة المقهى، التي كانت المعارفُ الفلسفيةُ والحديثةُ تُهمُّها، باعتبارها أساسَ النهوض. على أنّ دخولَ محمد عبده على الحلقة أحدث روحاً جديدة لا من حيث ذكائه وحماسه وحسْب; بل ومن حيث وعيه بانحطاط التعليم في الأزهر من جهة، وسُخْط الأزهريين لإهمال دولة محمد علي وأحفاده له. وبتأثير من الأخبار التي كانت تأتي للقاهرة عن حروب الدولة العثمانية التي كانت تنهزم فيها دائماً تجاه روسيا والنمسا أو في البلقان، وبتأثير أيضاً من أخبار الإصلاح السياسي العثماني الذي وصل عام 1876 إلى إعلان الدستور، اتسع حديثُ الحلقة الجمالية ليشمل الموضوعين الديني والسياسي، وبدون حرج ـ لأنّ المتحدثين في الدين كانا جمال الدين ومحمد عبده وهما مسلمان ـ ولأنّ المتحدثين في السياسة كانوا من المصريين الذين يستمع إليهم جمال الدين، ويُسارع إلى عقد مقارنـاتٍ مع الدول الإسلامية الأخرى. ويقال إنّ جمال الدين كانت له علاقةٌ بتوفيق، ولي عهد إسماعيل، وأنّ توفيق كان شديد السخط على الأوضاع، وكان يتوق لتولي السلطة من أجل الإصـلاح. وقد ظلَّ الإصـلاحيون المسلمون ثم القوميون ينتظـرون طويـلاً «المستبدَ العادل»; إذ كان محمد علي قد تحول إلى أمثولةٍ ونموذج.
     

مشاركة هذه الصفحة