@@ ذم المعرضين عن الجهاد @@

الكاتب : وليد العُمري   المشاهدات : 694   الردود : 0    ‏2001-08-21
      مشاركة رقم : 1    ‏2001-08-21
  1. وليد العُمري

    وليد العُمري عضو

    التسجيل :
    ‏2001-07-29
    المشاركات:
    101
    الإعجاب :
    0
    @ المبحث الخامس / ذم المعرضين عن الجهاد
    ذَمّ الله - عز ذكره - المعرضين عن الجهاد، والمتثاقلين عن النفير إليه، وعد أكثرهم من المنافقين، والأمة في زماننا هذا شبيهة إلى حد ما بما بحلول التتار في بلاد المسلمين، في القرن السادس ، وكيف عاثوا فيها بالفساد.
    وقد قام آنذاك شيخ الإسلام على رأس الناس في محاربتهم، وبذل النفوس ، والمهج في سبيل الله ، ثم إن ابن تيمية لمّا قام بتفسير سورة الأحزاب، وكيف فضح الله تخلف المنافقين عن الجهاد في سبيله، ربط ابن تيمية بين أحوال المنافقين في سورة الأحزاب، وغيرها، وبين أحوال المنافقين في عصره؛ ممن تخلف عن الجهاد ، والإنفاق في سبيل الله .
    وأنا أنقل لك – أخي الفاضل – أبرز سمات المتخلفين عن الجهاد في سبيل الله تعالى ، من خلال كلام شيخ الإسلام أبي العباس ابن تيمية - رحمه الله تعالى - :
    @ أولاً / الإعراض عن الجهاد من صفات المنافقين

    قال أبو العباس ابن تيمية- قَدَّس اللهُ رُوْحَهُ-:
    (( الإعراض عن الجهاد من خصال المنافقين . . . وقد أنزل الله سورة ( براءة ) التي تسمى الفاضحة؛ لأنها فضحت المنافقين، أخرجاه في الصحيحين، عن ابن عباس قال : (( هي الفاضحة ، مازالت تُنزل ( منهم ( و ( منهم ( ؛ حتى ظنوا أن لا يبقى أحدٌ إلا ذُكر فيها )) (2).
    وعن المقداد بن الأسود قال : (( هي سورة البحوث ، لأنها بحثت عن سرائر المنافقين))(3 ).
    وعن قتادة قال : (( هي المثيرة ، لأنها أثارت مخازي المنافقين ))(4).
    وعن ابن عباس : (( هي المبعثرة )) (5).
    والبعثرة ، والإثارة متقاربان(6).
    وعن ابن عمر : (( أنها المقشقشة )) (8)؛ لأنها تبرئ من مرض النفاق ، يُقال تقشقش المرض ، إذا برأ ، (9).
    وقال الأصمعي : (( وكان يُقال لسورتي الإخلاص : المقشقشتان ، لأنهما يُبرئان من النفاق )) (10) .
    وهذه السورة نزلت في آخر مغازي النبي - صلى الله عليه وسلم - غزوة تبوك، عام تسع من الهجرة (11) ، وقد عزّ الإسلام ، وظهر ، فكشف الله فيها أحوال المنافقين ، ووصفهم فيها بالجبن،وترك الجهاد ، ووصفهم بالبخل عن النفقة في سبيل الله ، والشح على المال ، وهذان داءان عظيمان : الجبن والبخل .
    قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : (( شر ما في المرء شُحٌ هَالِعٌ، وجُبْنٌ خَالِعٌ )) حديث صحيح (12)، ولهذا ، قد يكونان من الكبائر الموجبة للنار ، كما دلّ عليه قوله: ( وَلاَ يَحْسَبنّ الَّذِيْنَ يَبْخَلُوْنَ بِمَا آتاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرَاً لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌ لَهُمْ سَيُطَوَقُوْنَ مَا بَخِلُوْا بِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ ( [ آل عمران : 180 ] .
    وقوله تعالى: ( وَمَنْ يُوَلِهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ متَحَرِفَاً لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزَاً إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللهِ وَمَأوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيْرِ ( [ الأنفال/16 ] .

    @ ثانياً / من علامات المعرضين عن الجهاد : الجُبن، والإمساك عن الإنفاق.

    قال تعالى : ( وَيَحْلِفُوْنَ بِاللهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَمَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَكِنْهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقون لَوْ يَجْدُوْنَ مَلْجَأ أَوْ مَغَارَاتٍ أَوْ مُدَخَلاً لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُوْنَ ( [ التوبة : 5 - 57]
    قال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية - رحمه الله تعالى - : فأخبر سبحانه أنهم وإن حلفوا أنهم مع المؤمنين ، هم منهم ، ولكن يفزعون من العدو(14)، فـ ( لَوْ يَجِدُوْنَ مَلْجَأً ( يلجئون إليه من المعاقل والحصون التي يفر إليها من يترك الجهاد، أو ( مَغَارَاتٍ ( ؛ وهي جمع مغارة، ومغارات سميت بذلك؛ لأن الداخل يغور فيها، أي يستتر ، كما يغور الماء(15)، أو ( مُدَّخَلاً (؛ وهو الذي يُتكلف الدخول إليه، إما لضيق بابه، أو لغير ذلك، أي مكاناً يدخلون إليه، ولوكان الدخول بكلفة، ومشقة ؛ ( لَوَلَّوْا ( عن الجهاد ( وَهُمْ يَجْمَحُوْنَ (؛ أي يسرعون إسراعاً لا يردهم شيء؛ كالفرس الجموح الذي إذا حَمَل لا يرده اللجام ، وهذا وصف منطبق على أقوام كثيرين في حادثتنا (16) ! أو فيما قبلها من الحوادث،وبعدها.

    [ وقال: ( وَيَقْبِضُوْنَ أَيْدِيَهُمْ( [التوبة/67].
    قال مجاهد:"يقبضونها عن الإنفاق في سبيل الله"(16).
    وقال قتادة:"يقبضون أيديهم عن كل خير"(17).
    فمجاهد أشار إلى النفع بالمال، وقتادة أشار إلى النفع بالمال،والبدن.

    @ ثالثاً/ الاعتذار عن الجهاد
    قال تعالى : ( فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُوْرَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيْهَا الْقِتَالَ رَأَيْتَ الَّذِيْنَ فِيْ قُلُوْبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُوْنَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأوْلَى لَهُمْ ( ؛ أي فبعداً لهم(18) ( طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوْفٌ فَإِذَا عَزَمَ الأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوْا اللَه لكان خيراً لهم ( [محمد/20-21]،وقوله تعالى:( إنَّمَا الْمُؤْمِنُوْنَ اْلَّذِيْنَ آمَنُوْا بِاللهِ وَرَسُوْلِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوْا وَجَاهَدُوْا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِيْ سَبِيْلِ اللهِ أَوْلَئْكَ هُمُ الْصَادِقُوْنَ ( [الحجرات/15] فحصر المؤمنين فيمن آمن وجاهد .

    وقال تعالى: ( لا يَسْتئذِنُكَ اْلَّذِيْنَ يُؤْمِنُوْنَ بِاللهِ وَالْيَوْمَ الآخِرِ أَنْ يُجَاهِدُوْا بَأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَاللهُ عَلِيْمٌ بِالْمُتَّقِينَ إِنَّمَا يَسْتَئْذِنُكَ اْلَّذِيْنَ لاَ يُؤْمِنُوْنَ باِللهِ وَالْيَومِ الآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوْبُهُمْ فَهُمْ فِيْ رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُوْن ( [ التوبة/43-44]

    قال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية - رحمه الله تعالى - : " فهذا إخبار من الله بأن المؤمن لا يستأذن الرسول في ترك الجهاد ، وإنما يستأذن الذي لا يؤمن ، فكيف بالتارك من غير استئذان ؟

    ومن تدبر القرآن وجد نظائر هذا متظافرة على هذا المعنى.

    [وقد ذكر تعالى في ضمن آيات الجهاد: ذم من يخاف العدو، ويطلب الحياة، وبين أن ترك الجهاد؛ لا يدفع عنهم الموت، بل أينما كانوا؛ أدركهم الموت، ولو كانوا في بروجٍ مُشَيَدة، فلا ينالون بترك الجهاد؛ منفعة، بل لا ينالون إلاَّ خسارة الدُّنيا، والآخرة؛ فقال تعالى: ( أَلَمْ تَرَ إِلَى اْلَّذِيْنَ قِيْلَ لَهُمْ كُفُّوْا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيْمُوْا الْصَلاَةَ وَآتوَا الْزَّكَاةَ فَلَمَا كُتِبَ عَلَيْهِمْ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيْقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوْا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلاَ أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيْبٍ قُلْ مَتَاعُ الْدُّنْيَا قَلِيْلٌ وَالآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنْ اتَّقَى وَلاَ تُظْلَمُوْنَ فَتِيْلاَ ( [النساء/77].
    وهذا الفريق قد قيل: إنهم منافقون، وقيل: نافقوا لما كُتب عليهم القتال، وقيل: بل حصل منهم جُبْنٌ، وَفَشَلٌ ؛ فكان في قلوبهم مرض ؛ كما قال تعالى: ( فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُوْرَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيْهَا الْقِتَالُ رَأيْتَ اْلَّذِيْنَ فِي قُلُوْبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُوْنَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلَى لَهُمْ ( الآية، وقال تعالى:( إِذْ يَقُوْلُ الْمُنَافِقُوْنَ وَاْلَّذِيْنَ فِي قُلُوْبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُوْلُهُ إِلاَّ غُرُوْرَاً ( [الأحزاب/12]

    والمعنى مُتناول لهؤلاء،ولهؤلاء، ولكل من كان بهذه الحال.

    ثم قال: ( أَيْنَمَا تَكُوْنُوْا يُدْرِكُكُمْ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوْجٍ مُشَيَّدَةٌ وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُوْلُوْا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِئْةٌ يَقُوْلُوْا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ فَمَا لِهَؤْلاَءِ الْقَوْمِ لاَ يَكَادُوْنَ يَفْقَهُوْنَ حَدِيْثَاً ( [النساء/78].
    فالضمير في قوله: ( وَإِنْ تُصِبْهُمْ ( يعود إلى من ذَكَرَ، وهم الذين يخشون الناس، أو يعود إلى معلوم، وإن لم يذكر؛ كما في مواضع كثيرة.
    وقد قيل: إن هؤلاء كانوا كفاراً من اليهود، وقيل: كانوا منافقين، وقيل: بل كانوا من هؤلاء، وهؤلاء، والمعنى يعم كل من كان كذلك، ولكن تناوله لمن أظهر الإسلام، وأمر بالجهاد؛ أولى، ثم إذا تناول هؤلاء؛ فهو للكفار الذين لا يُظْهِرون الإسلام؛ أولى، وأحرى] ))(20).

    ــــــ
    - أخرجه البخاري في التفسير ، تفسير سورة الحشر ( رقم /4882 ) ، ومسلم في التفسير ( رقم/ 303 )
    2 - أخرجه الحاكم في المستدرك (2/129)، برقم(2553)و(5487)، والطبري في تفسيره (10/139).
    3 - عزاه السيوطي في الإتقان (1/119-120) لابن أبي حاتم، ولم أجده في المطبوع من تفسيره.
    4- لم أجده، وذكره غير واحد من المفسرين، انظر الجامع للقرطبي (8/61)، وزاد المسير (3/389).
    5-قال الراغب : (( أصل البعث : إثارة الشيء ... )) في معاني مفردات ألفاظ القرآن ص ( 63 ) وانظر معجم مقاييس اللغة ( 142 ).
    6- عزاه السيوطي لأبي الشيخ، عن زيد بن أسلم، عن عمر بن الخطاب ، انظر الإتقان(1/120).
    7- قال ابن عاشور:" المقشقشة- بصيغة اسم الفاعل، وتاء التأنيث - من قشقشه؛ إذا أبرأه من المرض". التحرير والتنوير(10/950)، وانظر حاشية الجمل(2/570)، معجم مقاييس اللغة (ص/855)- مادة قَشَّ-.
    8 - ذكره القرطبي في تفسيره (20/225)، والحافظ في الفتح (8/733)، وانظر القاموس المحيط ( ص : 777 )، وروى البيهقي في شعب الإيمان (2/499):"عن الأصمعي عن أبي عمرو بن العلاء قال:" كانت ( قل يا أيها الكافرون( تُسمى: المقشقشة؛ أي أنها تبرئ من الشرك ".
    9 - أخرجه أبو الشيخ عن ابن عباس قال:(( نزلت ( براءة ) بعد فتح مكة )) قاله في الدُّر المنثور ( 3 / 207 ) ونقل بعض العلماء الإجماع على ذلك ، انظر مصاعد النظر (2/ 151 ) ، الناسخ والمنسوخ للنحاس (2/ 296 ).
    10 -رواه أبو داود في الجهاد ، باب الجرأة، والجبن ( رقم/ 2511 ) ، والبيهقي في الكبرى ( 9 / 17 ) وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة ( 560 ) .
    11 - قال الطبري في تفسيره ( 10 / 154 ) : (( ولكنهم قوم يفرقون )) يقول : ولكنهم قوم يخافونكم ، فهم خوفاً منكم يقولون بألسنتهم : إنا منكم ، ليأمنوا فيكم فلا يُقَتَّلوا )) ونحوه عند القرطبي ( 8 / 149 ) .
    12 - -قال ابن عباس : (( الملجأ : الحِرز في الجبال ، والمغارات : الغيران في الجبال ، والمدَّخل : السرب)) أخرجه ابن جرير في تفسيره ( 10 / 155 ).
    13 - سياق كلام الشيخ في فتنة التتار التي اجتاحت العالم الإسلامي في زمنه .انظر الكامل لابن الأثير.
    14 -انظر تفسير مجاهد(ص/372)، ولفظه:" لا يبسطونها بالنفقة في حق".
    15 - أخرجه الطبري في تفسيره(10/174).
    16 - ما بين معقوفتين من اقتضاء الصراط المستقيم((1/94-95).
    17 -وهذا أقوى الأقوال وأشهرها ، وقيل هو كـقول الرجل لصَاحبه يا محروم ! ، وقيل : الطاعة أولى وأليق بهم . انظر زاد المسير ( 7/192) ، تفسير المارودي (5/301)، تفسير القرطبي ( 16 / 207 ).
    18 – انظر تفسير الطبري ( 14 / 275 ) .
    19 - انظر تفسير الطبري (5/170)، تفسير ابن كثير (1/527) ط. ، زاد المسير (2/134)، فتح القدير للشوكاني (1/488)، وأكثر أهل التأويل على أنها نزلت في بعض الصحابة؛ فقد أخرج النسائي في سننه ، كتاب الجهاد، باب وجوب الجهاد ، عن بن عباس رضي الله عنهما قال: (( ثم أن عبد الرحمن بن عوف، وأصحاباً له أتوا النبي - صلى الله عليه وسلم - بمكة فقالوا يا نبي الله ! كنا في عِزٍ ونحن مشركون، فلما آمنا؛ صرنا أذلة !! قال: إني أمُرت بالعفو؛ فلا تقاتلوا؛ فكفوا ؛ فأنزل الله تعالى:( ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة فلما كتب عليهم القتال إذا فريق منهم يخشون الناس…( ، ورواه الحاكم في مستدركه، (2/336) رقم (3200)، وقال: "هذا حديث صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه"، وكأن الطبري يرجحه،وكذا ابن كثير، وقد رجَّح الشوكاني؛ أنها نزلت في المنافقين؛ ويبدو أن حملها على العموم؛ أولى، والله أعلم.
    20-مجموع الفتاوى ( 28 / 436 - 438 )، وما بين معقوفتين من دقائق التفسير(2/129-131)، وانظر شفاء العليل لابن القيم (ص/101)، الجامع للقرطبي ( 8 / 141 ).
     

مشاركة هذه الصفحة