مختار ابن " حارتنا " / قصة قصيرة

الكاتب : جلنار   المشاهدات : 1,266   الردود : 20    ‏2004-01-24
      مشاركة رقم : 1    ‏2004-01-24
  1. جلنار

    جلنار قلم ماسي

    التسجيل :
    ‏2002-02-28
    المشاركات:
    13,030
    الإعجاب :
    3


    مختار " ابن حارتنا "
    قصة قصيرة
    جلنار عبدالله
    -----------------

    لا يختار الحزن فريسه ، لكنه يختار رفيقه ! وأختار الحزن " مختار " خيرة أبناء الحج منصور ، وأختارت الاقدر مثله ، " مختار" اجمل أبناء الحج منصور ، وأعذبهم ، وأحنهم قلباً

    فحين أختار الحزن " مختار " جعله يلتحف دوماً بالصمت ، حتى في احلك الساعات التي يحتاج " مختار " ان يصرخ فيها ، إن لم يكن بفمه ، فتعبيراً بيده ، بنظراته بأي شيء ، لكن " مختار" أختار الصمت ! والصمت لغة لا يفهمها احداً كما يفهمها " مختار"

    وحين أختارت الأقدار ! أختارت أيضا " مختار " فكان أصم ، أبكم ولعلها رحمة الخالق به ، وحكمة منه يجهلها الكثير ! حتى " مختار " نفسه !

    شب مختار على الصلاة في مسجد حارتنا القريب ، الذي لا يبعد عن بيتهم بأكثر من عشر خطوات ! لم تكن أم مختار إلا النسخة الأصلية عن ولدها " مختار" والحج منصور رجل طيب جداً ، يعرفه الجميع ، ويحبه كل من في الحارات المجاوره !

    حين اصبح " مختار " رجلاً ، وفتلت عضلاته ، ظهر له شارب خيف مائل للشقره ، اضاف إلى " مختار " بهاء ، وخطت اللحية الأولى جوانب وجهه ، فتركها حتى أكتملت ، وسبحان من " خلق " وجهاً بمثل جمال وجه " مختار "

    حين تعرفت إلى مختار ، كنت أظنه أصغر مني ! ولأني كنت أتميز بأشياء عدة منها أني لا أفرق في صدقاتي بين الاولاد والبنات ! رغم تحذير أمي بقص ضفائري إن بقيت لا اصاحب إلا اولاد الجيران ! إلا أني بعد أن الف ضفائري تحت طاقية أخي الواسعة وكأني بغباء الاطفال سأحميها من أمي أن علمت أني مازلت أبحث عن اصدقائي الاولاد !

    ومنذ إنتقال وظيفة أبي إلى مدينة " إب " وسكننا بجوار بيت الحج " منصور " وأنا لا أعرف إلا مجالسة " مختار " رغم أن " مختار " لا يتحدث إلا بإلإيماءة ، وأكثر مايفعله أن يبتسم في وجهي إبتسامته الصفراء !

    ولأن السنوات تهرب منا سريعاً ، تعرفت أكثر إلى " مختار" وكثرت إيماءته لي ، واشاراته ، بل اصبحت أفهم لغته ،فأهمهم مثله ، ويسألني اولاد الجيران عن مايريد قوله " مختار " حين اجره من ركنه الذي لا يتركه في زاوية " دكان " العم محمد " محاولة مني ان اجعله يلعب منا ! وكنت صديقة مختار ! إلى أن قرر أبي أن يلبسني " اللثمة "( 1)




    ومااكثر ماتركت اللثمه في دهليز(2) بيتنا ، وخرجت الهو وحين اعود اضعها بطريقة عشوائيه ، وكأني متأكدة أنهم لن يعلموا أني كنت العب مع ابناء الجيران في الخارج ! فيقهقهه أبي ضاحكاً وتزجره " امي " بعينيها فيعبس وجهه قليلاً، لكنه لم يكن يصمد طويلاً امام نظراتي المعاتبة له .

    ولأن " مختار " صديقي ، فقد شغف بأبنة الجيران ! وكنت وحدي كاتمة أسراره ، وساعية بريد لمختار وحبيبته .. وما أنقي مختار حتى في " حبه "

    وكبرنا ، لتكبر معنا مشاكلنا ، وأصبحت أخاف " كلام الناس " فأجتاز عتبة بيت " مختار" دون أنظر كالعادة من ينتظرني هناك ، لكني صممت أن ابقى " مرسال غرام" بين مختار ، وزينب " حبيبة مختار " وساعدني أكثر أني تعرفت على أخت " مختار" الأصغر منا فكنا ثلاثي رائع ، أنا أبحث عن سعادة " مختار " وكأني تصورت أن الله خلقني لأحقق له السعادة ، وإنه لن يجدها إن لم أكن أنا بجواره ! رغم أنني كثيراً ماتسألت إن تزوج " مختار " زينب ! كيف سيتفهمان ! لم أكن أعلم أن الحب لدى زينب لا يعني بالضرورة الزواج !
    " ومختار " عاشق ! ومدن ثكلي بالحزن الصارخة من عينيه وغريق تعلق بي ، كقشة يصل إليها إلى مالم يكن سيصل إليه ذات يوم !
    وأخته ! عالم أخر من الطفولة المجنونه تحوم حولنا !
    وأنا اتألم لمختار لكني لا أستطيع أن افهمه أن " زينب " لاتبحث عن زوج ! وحين جئت افهمه ! ظن بأني كبرت ، واصبحت اتمناه لنفسي ! لم يفهم إن " صديقي " في قاموسي لاتعني " حبيبي " ! ولم يخطر " مختار " في رأسي أيام مراهقتي ، كما خطر " سوبر مان " في أفلام الكرتون ! حتى وأنا أصبحت بمفهومهم " امرأة " !

    لكن ماذا أفعل لمختار ! وذهب مختار ، واختار ساعي بريد غيري ! وانتشرت حكايتهم ! وفشيء السر ولم يعد بين أثنان ! فعلم ابا " زينب " والحج " منصور " وكقرار الكبار دائماً / قررا تزويجهما !

    " مختار " يختال فرحاً ، منتشياً بإبتسامة عذبه لم اشهدها فيه قط منذ كنا صغار ! وزينب حانقة ، تبكي ليل نهار ! " ساتزوج أصم ، وابكم ياحظي " !

    مر شهران ، والولهان " مختار " عصفور الجنة ، يذهب للمسجد ويعود مسرعاً إلى بيتهم وبالذات إلى غرفته في الطابق الأسفل ! صغير في صورة " رجل " يقرر أن يعمل في محل والده " نجار " كي يرضي زوجته التي ابداً لن ترضى !


    وقرابة عام ، لم تأتي عيناي بعينا " مختار " كنت في آخر سنة " الثانوية " ، أشعر بأني مازلت اطمح لأكثر من مجرد " ثانوية عامه " لكني لم اترك همسات عن " مختار ، وزوجته ، المتذمرة دوماً ، تفلت مني دون أن أعاتب نفسي ، وشعوري الدائم ظل ، بأني جنيت على " مختار " وأني الجانية وحدي !



    وآخر مره التقيت فيها بزينب ! كانت بصحبة " شخص آخر " في احدى الاسواق ! وتلعثمت حين راتني أتفرس فيها ، وددت حينها لو اغرس خنجراً في صدرها وأنطلق مسرعة إلى " مختار " لأخبره بأني انقذته !
    لكن المنطق اسرع إلي ، ومضيت على مضض ، والألم يعتصرني ، وكأن الطعنة جاءت بي ولم تكن بمختار ! فمختار لا يسمع ! ولا يتحدث ! ولن يصدقني !

    وجاء نبأ حمل " زينب " صاعقة على روحي ! " هل ...! أهو ؟؟ ! من ..!؟

    لكن أسئلتي انتحرت دون إجابه ، حتى جاءتني ذات صباح أختي الصغرى ، تخبرني أن أم مختار ، والحج منصور ومختار واهل الحارة ملتفين حول بيت " مختار " ، وإن مختار " يبكي " !

    هرعت لأرى ماذا جد هناك ! وما أن دلفت " دهليز " البيت حتى سمعت ولولة أم مختار على حظ ولدها ، وبين يديها رضيع لم يتجاوز الشهر ! ومختار يتدلى كرجل " مشنوق ، على باب غرفته ، يضع حول رقبته شال أحمر بلون الدم ، ووجهه متكىء على قاعة يده ! حوله ابناء الجيران ونساء الحارة ملتفين حول الغرفة !

    حين لمحني ، رغم اللثمه " عرفني ، فكان يهمهم ، ويؤمي لي ، ويحدثني ، وأظنني تاه عني كل ماقاله ، فتسألت بصوتاً مسموع !

    " أين زينب" !! جاء الجواب مراً ... كالعلقم ! " هربت منذ أسبوع لا يعلم عنها أحد شيئاً ، لكن الناس قالوا ، انهم رأوها مع جارنا الجديد !الذي سكن الحارة منذ عام !

    لايختار القدر فريسته إلا منا نحن ، البسطاء ، ولا يختار الحزن اصدقائه إلا امثالنا نحن الغرباء .. مختار " الرجل البسيط جداً .... والجميل جداً ... كان الحزن صديقه منذ عرفته ، ومنذ أن غادرت "إب" وأخبار مختار تصلني ! فمازال مختار " يلتحف بالشال الأحمر حول عنقه ، ويظل على بوابه داره حتى تغيب الشمس ! ويغيب اليوم ولا يغيب الحزن عن مختار !!







    _______________________________________________
    1- اللثمة / وتعني غطأ الوجه ، أو النقاب
    2- الدهليز / وتعني أسفل المنزل
     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2004-01-24
  3. الشاحذي

    الشاحذي مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2003-04-16
    المشاركات:
    18,231
    الإعجاب :
    9
    تسجيل حضور ...
    ولي عودة للغوص في الأعماق ..

    والسلام عليكم ..
     
  4.   مشاركة رقم : 3    ‏2004-01-25
  5. ghareeb

    ghareeb عضو فعّال

    التسجيل :
    ‏2001-07-13
    المشاركات:
    989
    الإعجاب :
    0
    قصة جميله
    شكرا لك..!!
     
  6.   مشاركة رقم : 4    ‏2004-01-25
  7. المتمرد

    المتمرد جمال عيدروس عشال (رحمه الله) مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2000-10-13
    المشاركات:
    6,577
    الإعجاب :
    0
    اللقب الاضافي:
    توفى يوم الأربعاء 5 يناير 2005
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

    الأديبة الرائعة ... " جلنار عبدالله "

    لست أدري ... أأشكر إبداعك أم اتألم للسيد مختار ..

    دائما مبدعة ..
     
  8.   مشاركة رقم : 5    ‏2004-01-26
  9. جلنار

    جلنار قلم ماسي

    التسجيل :
    ‏2002-02-28
    المشاركات:
    13,030
    الإعجاب :
    3
    أسعد الله صباحكم ابا أنس ، والغريب ! والمتمرد



    الكريم / الشاحذي


    سأنتظر حضورك هنا

    دمت بخير


    ======================
    الكرم / الغريب !

    أبعد الله عنك غربة الروح ، فهي موجعه جداً

    شرفني حضورك


    دمت بخير
    ======================

    الكريم / المتمرد

    وعليك سلام الله ورحمته وبركاته

    لاتشكرني أخي ، وتذكر ان هناك أكثر من " مختار " في كل مكان

    شرفني حضور " التمرد " هنا :)

    كن بخير


    =======================
     
  10.   مشاركة رقم : 6    ‏2004-01-29
  11. مروان محمد

    مروان محمد عضو

    التسجيل :
    ‏2003-05-06
    المشاركات:
    81
    الإعجاب :
    0
    اهات

    هذاحال كل ا لشباب اليمني وياحسرتاه علىمضمون ما حدث
     
  12.   مشاركة رقم : 7    ‏2004-01-29
  13. هدية

    هدية قلم ذهبي

    التسجيل :
    ‏2002-12-13
    المشاركات:
    5,715
    الإعجاب :
    0
    [color=000099]بكيت حتى النحيب
    ودائما أنتِ هكذا ياسيدة الحرف الجميلة(جلنار عبدالله)
    تغوصين بداخلي دون استئذان
    آآآآآآآآآه على مختار وعلى ألف مختار بيننا
    لاأملك مااقول سوى
    كوني بداخلي دائما ياجلنار
    [/color]
     
  14.   مشاركة رقم : 8    ‏2004-01-29
  15. rayan31

    rayan31 قلم ذهبي

    التسجيل :
    ‏2002-07-21
    المشاركات:
    5,471
    الإعجاب :
    0
    رائعة انت اختي جلنار
    ومسكين هو كل مختار
    كان الله في عوننا جميعا

    لك مني كل التحايا والود
     
  16.   مشاركة رقم : 9    ‏2004-01-29
  17. جلنار

    جلنار قلم ماسي

    التسجيل :
    ‏2002-02-28
    المشاركات:
    13,030
    الإعجاب :
    3


    الكريم / مروان محمد

    أخطأت يا أخي ، فليس كل الشباب اليمني نسخه لمختار أبداً ، لا ننكر أن هناك الكثير مثل مختار ، لكنك جمعت بصيغة كل الشباب اليمني !

    تذكر أن مختار في كل مكان وليس اليمن فقط !

    شرفني حضورك

    ودمت بخير

    -------------------------------

    الرائعة / هدية

    سرني أنني سبرت اغوارك ، واستحوذت أقصوصتي على تعاطفك مع صاحبها ، وسأني أنها ابكتك، ونعم يا هديه كثيرون هم " مختار "

    عبورك أثلج صدري فرأيك كثيراً يهمني

    دمتِ بخير

    ---------------------------------

    الكريم / ريان

    حين تفحصت الصورة المرفقة على أسمك ، خمنت أن يكون هذا ريانك أنت ، فلاا بد أن ريان يشبه " جونير " ريان :)
    أسعدني جداً حضورك ، وتشرفت بحضورك

    دمت بخير
     
  18.   مشاركة رقم : 10    ‏2004-01-29
  19. SoMeOnE

    SoMeOnE قلم ذهبي

    التسجيل :
    ‏2004-01-23
    المشاركات:
    5,162
    الإعجاب :
    1
    قصة رائــعة

    أختي الكريمة جلنار ...

    قصة رائعة و أتمني لكي داوم التقدم و النجاح في
    كلا المجلات ..
     

مشاركة هذه الصفحة