اليمن: تلميذ الصباح.. شحاذ المساء!!

الكاتب : ghareeb   المشاهدات : 566   الردود : 0    ‏2001-08-19
      مشاركة رقم : 1    ‏2001-08-19
  1. ghareeb

    ghareeb عضو فعّال

    التسجيل :
    ‏2001-07-13
    المشاركات:
    989
    الإعجاب :
    0
    اليمن: تلميذ الصباح.. شحاذ المساء!!

    عطية الطيب - اليمن 26/07/2001



    لم أصدِّق عيني حينما رأيته.. أمعنت النظر مرة ومرتين حتى تيقنت.. نعم إنه هو.. تلميذي الذي أنَّبته بالأمس فقط على إهمال واجباته المدرسية.. يا له من عالَم قاس.. لم يخطر على بالي قط أن يكون هذا هو السبب.. كيف نامت عيوننا، وعيونهم من كثرة الدمع لا تنام.. تلميذي الذي أحدثكم عنه يتلقى العلم في المدرسة صباحًا.. وفي المساء يعمل شحاذًا.. إنها مأساة أطفال الشوارع التي تهز القلب والوجدان.

    أجواء مرهقة

    المكان.. يطلق عليه اليمنيون "فرزة" وهو عبارة عن موقف لسيارات الأجرة.. الشوارع مزدحمة بالمارة.. يسيرون وهموم العيش تثقل كاهلهم.. كل شيء من حولك يحاول أن يشتكي.. السيارات القديمة.. أسواق الملابس المستعملة "الحَرَاج".. المنازل التي لم يجد أصحابها إلا علب الصفيح يبنون جدرانها المتهالكة منها.. الابتسامة التي غابت في أغوار الوجوه.. الوجوه التي أتعبها حلم الراحة في ليالي اليمن الطويلة.. وهناك ووسط هذه الأجواء المرهقة.. رأيتهم.

    نظرة فصدقة

    أطفال لا تزيد أعمارهم عن خمسة عشر عامًا.. أجسادهم نحيفة.. ملابسهم رثَّة بالية.. في أقدامهم أحذية من البلاستيك يطلقون عليها "شنابل".. ما إن تعلن إشارة المرور التوقف حتى تراهم بين السيارات.. أحدهم يمسك بقطعة متسخة من القماش يحاول أن يمسح بها زجاج السيارة.. فيعتذر إليه السائق.. ينظر الولد في عيني السائق.. يمد إليه يده طالبًا صدقة.. الأيدي الرحيمة تتحرك مطبقة على خمسة قروش أو عشرة.. يمسكها الصبي بحرص.. وكأنه حصل على كنز.. يضعها في جيبه.. منتظرًا إشارة أخرى ليكرر المشهد نفسه.

    أشتهي روتي..!!

    كل هذا لم يُثر في أعماقي كل هذه الصدمة التي انتابتني في ذلك اليوم.. كنت عائدًا من زيارة أحد أصدقائي ليلاً.. توقفت بنا سيارة الأجرة في إشارة مرور بالقرب من ميدان التحرير في العاصمة صنعاء.. قفز إلينا أحدهم.. طفل في الرابعة عشرة من عمره.. عيناه زائغتان.. يده الصغيرة علاها التراب.. ملابسه اصفرَّ لونها من كثرة الوقوف تحت وهج الشمس معظم ساعات النهار..

    لم ألتفت إليه.. ظننته صبيًّا من أولئك الذين يلاحقون الركاب في كل مكان طالبين خمسة قروش أو عشرة.. لكني سمعت ما يشبه نداء استغاثة: إدِّولي عشرة .. أشتهي روتي (خبز) لأخواتي.. الليل جاء وما تعشوا".. وضعت يدي وأنا أتابع الحديث مع راكب يجلس بجانبي .. أمسكت ببعض النقود ومددت إليه يدي .. وكانت المفاجأة التي ألجمتني .. نظرات في عينيه.. إنه هو.. تراجع الولد.. ارتبك.. أعدت النظر إليه.. انتابتني صدمة حزينة.. إنه تلميذي الطيب "راجح".. الذي أنَّبته في الصباح على إهماله في تأدية واجباته المدرسية.. الآن عرفت السبب.. يا له من عالم قلَّت فيه الرحمة.. إنه يشحذ..!!.

    حاول أن يبتعد عن السيارة.. صحت به.. راجح.. ماذا تفعل؟ ابتسم في حياء.. ثم تحول بوجهه إلى بقية الركاب مواصلاً جملته المؤلمة التي يرددها طوال النهار "إدولي (أعطوني) عشرة.. أشتهي أشتري روتي .. أخواتي في البيت ينتظروني.

    في الصباح رأيته بين أقرانه.. يحاول أن يبتسم فلا يستطيع.. احتبست الابتسامة بين شفتيه.. ينظر حوله مخافة أن يراني.. كان يختبئ خلف أجساد زملائه في طابور الصباح.. وفي الفصل ظل صامتًا ينتظر أن أناقشه فيما حدث بالأمس.. انتهت الحصَّة وذهنه شارد.. يقيني أنه لم يفهم شيئًا.. مرَّت الأسابيع بطيئة كئيبة.

    صورة للذكرى

    قارب العام الدراسي على الانتهاء.. طلبت من تلامذتي أن يستعدوا في الغد بملابس جديدة لأخذ صورة تذكارية معي.. فقد اقترب موعد الرحيل.. تهامس الأولاد فيما بينهم.. وكأنهم يفكرون.. يتساءلون.. من أين سيأتون بهذه الملابس.. وفي الصباح.. كانت المفاجأة.. تغيب معظم الأولاد.. ومن جاء منهم جاء بالملابس نفسها التي رأيتهم بها طوال العام.. لكن الفرحة غلبت على مشاعري حينما رأيته.. إنه تلميذي الطيب.. راجح.. التقطت معه الصورة وتركته وانصرفت.

    تأملات في المشهد الحزين

    تشير إحصائيات تقارير التنمية البشرية الصادرة عن الأمم المتحدة إلى أن في صنعاء وحدها أكثر من 7 آلاف طفل من أطفال الشوارع، لا يجدون أبسط متطلبات المعيشة من مأكل ومأوى، معظم هؤلاء الأطفال يعيشون في بيوت صُنعت من الصفيح، في بلد يُعَدُّ واحدًا من أفقر عشرين دولة في العالم، وقد تجاوز عدد سكانه الـ 16 مليونًا، من بينهم جيش من العاطلين عن العمل بلغت نسبتهم 35%، أي أكثر من ثلث عدد القادرين على العمل.

    وقد تجوَّلت بنفسي وسط تلك العشش التي يطلق عليها مجازًا "منازل" والموجود أغلبها في تجمع قريب من منطقة باب اليمن التي تعتبر واحدة من أشهر معالم العاصمة صنعاء.. يعيش في هذه العشش التي بُنيت من الصفيح مئات الأسر.. ولا توجد مياه أو صرف صحي أو كهرباء.. وهو ما جعل الطرقات الضيقة التي تفصل العشش بعضها عن بعض مرتعًا للأمراض، وما إن تحاول الدخول إلى هذا العالم الغريب لكي تلتقي بأطفال وآباء وأمهات الشوارع (وليس فقط كما أردنا في البداية حينما حاولنا التركيز على الأطفال) حتى تزكم أنفك رائحة الفضلات الآدمية، وأكوام القمامة، وتهاجمك أسراب من الذباب والبعوض..

    هذا بالإضافة إلى الأجساد شبه العارية للأطفال الذين يلعبون وسط هذه البيئة الحزينة.. لكن اللافت للنظر أن لون بشرة معظم هؤلاء السكان يميل إلى السواد، وحينما سألت عن أصلهم عرفت فيما بعد أن جذورهم تعود إلى الحبشة ومنطقة القرن الأفريقي التي هاجروا منها بحثًا عن حياة "كريمة"!.

    منافسة يمنية

    ليس كل أطفال الشوارع يخرجون من هذه البيئة وحدها، ولكن وبخاصة بعد حرب الخليج الثانية عام 1991م نافس هؤلاء الأحباش - كما يطلق عليهم اليمنيون - أطفال من أسر يمنية لم يجد رب الأسرة مصدرًا يكفي أبسط متطلبات الحياة غير توزيع أولاده على إشارات المرور، فبعضهم يبيع المناديل الورقية الصغيرة، والبعض الآخر يمسك بقطعة قماش (فوطة) يحاول أن يلمع زجاج السيارات حينما تتوقف الإشارة، فيفوز بخمسة أو بعشرة قروش تكفي لشراء رغيف من الخبز يسمونه "روتي"، والبعض الآخر الذي يعجز عن بيع هذا أو ذاك يمارس الشحاذة.

    يحكي أحد آباء هؤلاء الأطفال عن الظروف التي دفعته إلى تشغيل أولاده، فيقول: "جئت من منطقة "عُتمة" في محافظة ذمار بحثًا عن عمل، واستأجرت عربة يد "أترزق" منها، فكنت أبيع البَلَس (التين الشوكي) في فرزة الحصبة (موقف سيارات الأجرة)، ولكني أصبت بالفشل الكلوي، فلم أعد أحتمل الوقوف بالعربة، فاضطررت إلى إخراج أولادي الثلاثة من المدرسة لمساعدتي.

    أما "أم علي" فتصف مشاعرها حينما اكتشفت أن ابنها الذي لم يكمل مرحلته الإعدادية والذي سمحت له - بعد أن اضطرتها الظروف - للسفر إلى صنعاء للعمل، ثم اكتشفت أنه يذهب كل يوم إلى إحدى الجامعات اليمنية ليشحذ من طلابها، فتقول: لم أكن لأسمح له قط بأن يشحذ، ولكنه رأى الحال، فتصرف بعقلية الطفل الذي يريد مساعدة أمه.

    الروتي أهم من الآيس كريم

    كان هذا رأي زيد من قرية بني مرح التابعة لمحافظة صنعاء، والذي رأيته ينتظر الخارجين من أحد محلات "الآيس كريم" المشهورة في حي "حدة" الدبلوماسي، سألني أن أعطيه خمسة ريالات، فمددت يدي إلى كيس أحمل فيه بعض لفات الآيس كريم فناولته واحدة، وكنت أظن أنه سيسعد بها، خاصة وأنها غالية الثمن، ولا أحسب أنه طعمها من قبل بالرغم من رؤياه المتكررة لزبائن المحل وهم يحملونها ويلعقونها، فأخذها مني ونظر إليها، ثم أعاد النظر إليَّ مرة أخرى قائلاً: "ولكني أريد عشرة ريالات أشتري روتي لأمي وأخواتي يصطبحون "يفطرون" بها في الصباح!!

    أعطيته بعض النقود، ثم خطر ببالي أن أسأله عن رأيه فيمن يرتادون مطاعم ومحلات شارع "حدة" الراقي، فنظر إليَّ باستخفاف، وقال" هولا مرتاحين معاهم زلط" (هؤلاء مرتاحون.. معهم مال).

    شجعتني هذه الإجابة لأن أسأله مرة أخرى فقلت له: لو معك زلط "مال" ماذا كنت ستفعل به؟

    فقال: كنت سأدفع إيجار البيت المتأخر علينا منذ سبعة أشهر حتى لا يهددنا صاحب البيت بالطرد في الشارع، وكنت سأشتري "نيدو" (حليب مجفف) لأخي الصغير، وأشتري "شنبل" (حذاء بلاستيك) والباقي سأعطيه لأمي نأكل منه..!!

    أحلام صغيرة ومؤسسات فقيرة

    أمنيات أطفال الشوارع أمنيات صغيرة.. لكنها في عيونهم الدامعة كبيرة.. أحلامهم بسيطة كوب من الحليب الدافئ.. بيت له جدران وأبواب.. حذاء جديد من البلاستيك الأسود الذي يشبه الجلد، لكن ومع بساطة هذه الأحلام لم تستطع مؤسسات رعاية الأمومة والطفولة في اليمن التي كان يطلق عليها قديمًا "السعيد" أن تحقق لهذه الشريحة سعادتها.. وتظل مأساتهم متجددة كل صباح، حينما تطلب الأم من طفلها أن يخرج إلى الشارع قائلة له: "سير إدي لنا روتي لأخواتك يصطبحوا
     

مشاركة هذه الصفحة