الارتقاء بالخطاب

الكاتب : جنوبي   المشاهدات : 376   الردود : 0    ‏2004-01-19
      مشاركة رقم : 1    ‏2004-01-19
  1. جنوبي

    جنوبي عضو فعّال

    التسجيل :
    ‏2004-01-06
    المشاركات:
    691
    الإعجاب :
    0
    الارتقاء بالخطاب

    الارتقاء بالخطاب


    أ.د. عبد الكريم بكار





    من الواضح أن اجتماع الناس بعضهم مع بعض يولّد بينهم التوترات والمنازعات وسوء الفهم، وقد شاء الله – جل وعلا – أن يجعل اختلاف العقول والأمزجة والأذواق وعدم تطابق المصالح – معقد الابتلاء في الحياة الاجتماعية، وسيزداد الأمر تعقيداً حين نتعامل مع بعضنا على قاعدة: لكل شيء مقابل.
    في عصرنا الحاضر تحسن وعي الناس بحقوقهم، كما ترسخ لديهم شعور بضرورة تمتع كل واحد منهم بالكرامة والتقدير وتكافؤ الفرص على النحو الذي يتمتع به كل فرد في المجتمع، وقد تجسَّد كل ذلك بانتظار كل واحد منا مزيداً من الإحساس به وبرغباته ومشاعره ومصالحه من قبل الآخرين، وهذا التوقع نفسه زاد من حساسيتنا تجاه ما يمكن أن يُرتكب معنا من أخطاء، أو ما يجري نحونا من تقصير، ومن وجه آخر فإن الإنسان كلما ارتقى في سُلَّم الحضارة، وأمعن في تذوق طعم الرفاهية بات أكثر إحساساً بالمجال الحيوي الذي يخصصه لنفسه، وبات أكثر حرصاً على توسيع ذلك المجال، فهو يتضايق أكثر فأكثر من كل الأقوال والتصرفات والمواقف التي يشعر أنه لم يصاحبها ما تفرضه اللبابة والكياسة من عناية واهتمام، وهذه بعض الإضاءات حول الارتقاء بالخطاب واستخدام اللغة، أسوقها في المفردات الآتية:




    1- الإسلام دين يحرص أشد الحرص على أن يسود الوئام في المجتمع المسلم، والذي يتأمل في كثير من الآداب ذات الصلة بالمواقف الكلامية يتأكد لديه أن الإسلام يرى في إلانَةِ القول وفي استغلال المناسبات للتعبير عن الاهتمام بالآخرين، وسائل مهمة لتخفيف البغضاء والشحناء بين الناس، ولإضفاء البهجة والحميمية على أشكال التواصل بينهم، وهذا واضح جداً في الآداب التالية:
    - إفشاء المسلم للسلام وحرصه على أن يبدأ أخاه به، وقد قيل للنبي _صلى الله عليه وسلم_: الرجلان يلتقيان أيهما يبدأ بالسلام؟ فقال: "أولاهما بالله".
    - تشميت العاطس والدعاء له بالرحمة، وقد ورد أن ذلك من حق المسلم على المسلم.


    - خفض الصوت وعدم رفعه على حد الحاجة؛ لأن في رفعه نوعاً من العدوان على الآخرين؛ وقد أوصى لقمان ابنه بقوله: "وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ" (لقمان: من الآية19).
    البعد عن الكلام البذيء والفاحش، والبعد عن اللعن والشتم وكل ما يأباه أهل الديانة والمروءة من مرذول القول وقبيح الكلام؛ وقد قال – عليه الصلاة والسلام -: "ليس المسلم بالطعان ولا اللعان ولا الفاحش ولا البذيء"، وقال: سباب المسلم فسوق وقتاله كفر"، وقال: "ما كان الفحش في شيء إلا شانه، وما كان الحياء في شيء إلا زانه".


    التكلم بهدوء دون سرعة ومن غير رفع صوت هو الآخر مطلوب، وإن من المؤسف أننا نرى بعض المحاورين الذين يتحدثون في البرامج التفاعلية في الإذاعات والفضائيات، يرفعون أصواتهم على نحو لافت ومزعج .

    - تحري الكلمة الطيبة أثناء الجدال والالتزام بآداب الحوار والنقاش، والبعد عن الاتهام وتحميل كلام المخالف ما لا يحتمل؛ وقد قال _سبحانه_: "وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ" (النحل: من الآية125).
    إن المسلم حين يلتزم بهذه الآداب يسهم في رفع مستوى اللغة الاجتماعية السائدة، ويضفي على أساليب الكلام ملامح التسامي والتهذيب، ومن خلال هذا وذاك ترتقي مفاهيم الناس عن اللياقة الاجتماعية، كما ترتقي معايير الاتصال بين الناس؛ مما يشيع الشعور بالتأنق والرفاهية الروحية.
    2- الإنسان في العصر الحديث يعاني من أمور كثيرة لم يكن يشعر بها الناس في الماضي، ومن تلك الأمور: الزحام والضجيج وكثرة الأعباء التي تفرضها الحياة العصرية، بالإضافة إلى سعة الطموحات التي تقصُر عن بلوغها إمكاناتُ معظم الناس؛ ولهذا فأعصاب الناس اليوم أكثر إرهافاً نحو الإزعاج أكثر من أي وقت مضى، ولم يعد في إمكان أكثر الناس أن يتحملوا المزيد، وفي العديد من الدول تزداد أعداد المشاكسات في الصيف والتي قد تصل إلى حد المشاجرات بسبب ارتفاع درجات الحرارة، وهنا يأتي دور الكلمة الناعمة الندية في تخفيف شيء من عناء الناس وفي تخفيف شيء من الضغوط التي يواجهونها، والحقيقة أن طريقة تناول الحديث ونوعية المفردات التي يتم استخدامها ونبرات الصوت والنظرات التي تصاحب عمليات الكلام... إن كل ذلك يعبر تعبيراً دقيقاً عن الوضعية الفكرية والنفسية والثقافية والخلقية التي يتلبَّس بها المتكلم، وبما أن اللغة ونتيجة قصورنا في استخدامها – أمر غير مستغرب؛ فقد بات علينا أن نكون دقيقين جداً في تعبيراتنا، وأن نصبغ كلامنا باللطف واللين والتودد؛ وهكذا فقد صار قول كلمة (عفواً) مطلوباً عند أدنى خطأ قولي أو حركي، يقع فيه الواحد منا، كما صار شكر الناس على أدنى التفاتة يبدونها نحونا أيضاً مطلوباً، وصار من غير المقبول أن يقول أي واحد منا لغيره: أعطني، أو أجبني، أو اشرح لي، أو ابتعد عني... من غير أن يرفقها بكلمات ملاطفة، من نحو: (إذا سمحت) و(من فضلك) و(من بعد إذنك) و(لو تكرمت)، وحين يدلي أحدنا برأي ما فإن من المستحسن إلا يسوقه على سبيل القطع والتأكيد، وإنما يقول معه أو بعده: آمل أن أكون مصيباً في ذلك، أو هذا ما أعرفه، وقد يكون لدى غيري ما هو أدق منه أو أصوب منه...



    التكلم بهدوء دون سرعة ومن غير رفع صوت هو الآخر مطلوب، وإن من المؤسف أننا نرى بعض المحاورين الذين يتحدثون في البرامج التفاعلية في الإذاعات والفضائيات، يرفعون أصواتهم على نحو لافت ومزعج ظناً منهم أنهم بذلك يقنعون الناس بما يقولون، أو يتغلبون على محاوريهم ومناظريهم، وهذا شيء ربما كان مقبولاً في بعض الأزمان أو العصور، أما الآن فإنه يعد شيئاً خارجاً عن اللباقة فضلاً على أنه مؤشر ضعف لا قوة!
    من سمات الإنسان المهذب في كلامه أنه يحاول أن يبتعد عن اتهام الآخرين ومعاملتهم على أساس الظنون والاحتمالات، كما أن من سماته أنه يكبح نفسه عن الانسياق وراء شهوة الهذر والسيطرة على المجلس من خلال الكلام المتتابع الذي ينطوي على الكثير من التكرار والكثير من التفصيلات غير المهمة، مما يحرم الآخرين من فرصة المشاركة.


    الارتقاء باللغة الشخصية هو نوع من الارتقاء بالذات. والعمل على بلورة خطاب جديد ومعاصر هو نوع من العمل على صياغة ذاتٍ جديدة، تصنع المعاصرة، وتتغذى عليها.

    أخيراً فإن الصدق مطلوب في كل ذلك، فالمجاملة والملاطفة من غير مشاعر صادقة، قد تنقلب إلى مداهنة ونفاق، والجليس يكتشف ذلك بسرعة. الحصول على الصدق في كل ذلك ليس أمراً صعباً، إذ إننا بمجرد أن نتذكر أن هناك من هو أكيس منا في توجيه الخطاب، ومن هو أكثر منا دماثة وملاطفة ومصداقية في محادثاته، فإن حالة من الشعور بالصدق والتواضع تصبغ عقولنا ونفوسنا.
    3- ليست حاجتنا إلى الارتقاء بخطابنا ولغتنا مقصورة على المواقف الاجتماعية فحسب، وإنما تمتد إلى نواح شخصية بحتة؛ إذ من الواضح أن هناك صلة ما بين الهدوء النفسي واعتدال المزاج وبين السمو اللغوي، كما أن هناك صلة ما بين المزاج الانفعالي والطبع الحاد وبين الإسفاف اللغوي، وكأن للمفردات والأساليب اللغوية دوراً في تغذية الطباع الرديئة والأمزجة السوداوية، ولم لا ونحن نعلم أن اللغة ليست وسيلة لنقل المعلومات فحسب، وإنما هي أداة لتشكيل أفكار الإنسان وانطباعاته أيضاً.



    ومن وجه آخر فإن الخطاب الشخصي غير المتزن وغير المهذب وغير العقلاني كثيراً ما يسبب لصاحبه المتاعب؛ لأنه يملي عليه صراعات ويورطه في مآزق قد يسلم منها لولا سلاطة لسانه ولولا تحدثه عما لا يحسن، وقد رأينا أشخاصاً كثيرين من هذا النمط، وقد دخلوا معارك خاسرة واستمروا فيها رغم قناعتهم بضرورة الانسحاب؛ لأنهم أسرى لشهوة الحديث عن انتصار وغلبة أو صمود ومقاومة، وحتى يتمكنوا من ذلك، فلا بد من القيام بشيء ما يوفر لهم مادة للكلام. عند هذه النقطة نجد أن الحيوان أكثر عقلانية ومنطقية من بعض الناس الذين حُرموا من عقلانية الخطاب ومنطقية الطرح، فقد أشار أحد العلماء إلى أن العدوان بين الذئاب لا يدوم بمقدار ما يدوم عند الإنسان، فالذئاب تتقاتل بكل شراسة، ولكن حين يتقاتل ذئبان، ويرى أحدهما أنه مغلوب لا محالة، فإنه يقوم في الحال بعمل حركات استرضائية للذئب الغالب، وينتهي القتال، وليس من المعتاد أن يستمر القتال حتى الموت، كما أن الذئب الظافر لا يعدو على أنثى الذئب المغلوب ولا على جرائه، ولعل السبب في ذلك أن الذئب إنما يقاتل فحسب، ولا يتحدث فيما بعد عن بطولاته للذئاب الأخرى، وليس لديه لغة مشحونة بالانفعالات، يستطيع بواسطتها أن يبقى دوافع العدوانية ناشطة فعالة حتى بعد أن يكون السبب المباشر للعدوان قد انقضى!


    وهكذا فإن الارتقاء باللغة الشخصية هو نوع من الارتقاء بالذات، والعمل على بلورة خطاب جديد ومعاصر هو نوع من العمل على صياغة ذاتٍ جديدة، تصنع المعاصرة، وتتغذى عليها.
     

مشاركة هذه الصفحة