يا قَـوْم أدعوكم! فهل من مجيب؟

الكاتب : kaser119   المشاهدات : 394   الردود : 0    ‏2004-01-16
      مشاركة رقم : 1    ‏2004-01-16
  1. kaser119

    kaser119 عضو متميّز

    التسجيل :
    ‏2003-12-22
    المشاركات:
    1,696
    الإعجاب :
    0
    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده ولا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد: أوصيكم عباد الله بتقوى الله ولزوم طاعته، وأحذركم ونفسي من عصيانه ومخالفة أمره، واعلموا أن التقوى وقاية، والمعاصي غواية، وأنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين. {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ}. أما بعد:
    يا قوم! ذكر ابن كثير رحمه الله في تفسير قوله تعالى: {فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ، إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ}: يذكر تعالى ما كانوا فيه من النعمة والغبطة، والعيش الهنيء الرغيد، والبلاد المرضية، والأماكن الآمنة، والقرى المتواصلة المتقاربة بعضها من بعض، مع كثرة أشجارها وزروعها وثمارها، بحيث أن مسافرهم لا يحتاج إلى حمل زاد ولا ماء، بل حيث نزل وجد ماءً وثمراً، ويقيل في قرية ويبيت في أخرى بمقدار ما يحتاجون إليه في سيرهم، فقالوا ربنا باعد بين أسفارنا وظلموا أنفسهم، وذلك أنهم بطروا هذه النعمة وأحبوا مفاوز ومهامِهَ يحتاجون قطعها إلى الزاد والرواحل، والسير في الحرور والمخاوف، كما طلب بنو إسرائيل من موسى أن يُخرج الله لهم مما تنبت الأرض من بقلها وقثائها وفومها وعدسها وبصلها، مع أنهم كانوا في عيش رغيد، في من وسلوى وما يشتهون من مآكل ومشارب وملابس مرتفعة، ولهذا قال لهم {أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير، إهبطوا مصراً فإن لكم ما سألتم وضربت عليهم الذلة والمسكنة وباءوا بغضب من الله}، وقال عز وجل: {وكم أهلكنا من قرية بطرت معيشتها}، وقال تعالى: {وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغداً من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون}، وقال تعالى في حق هؤلاء {فقالوا ربنا باعد بين أسفارنا وظلموا أنفسهم}، أي بكفرهم، {فجعلناهم أحاديث ومزقناهم كل ممزق}، أي جعلناهم حديثاً للناس وسمراً يتحدثون به من خبرهم، وكيف مكر الله بهم وفرق شملهم، بعد الاجتماع والألفة والعيش الهنيء، تفرقوا في البلاد ههنا وههنا، ولهذا تقول العرب في القوم إذا تفرقوا: تفرقوا أيدي سبأ وأيادي سبأ، وتفرقوا شذر مذر.

    يا قوم! وقال البيضاوي: أتستبدلون الذي هو أدنى، أقرب منزلة وأدون قدراً، وأصل الدنو القرب في المكان، فاستعير للخسة، كما استعير البعد للشرف والرفعة، فقيل: بعيد المحل بعيد الهمة. وقرىء أدنأ، من الدناءة، بالذي هو خير يريد به المن والسلوى، فإنه خير في اللذة والنفع وعدم الحاجة إلى السعي.

    يا قوم! وقال الطبري: يعني بقوله {قال أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير}، قال لهم موسى عليه السلام أتأخذون الذي هو أخس خطراً وقيمةً وقدراً من العيش بدلاً بالذي هو خير منه خطراً وقيمةً وقدراً، وذلك كان استبدالهم، وأصل الاستبدال هو ترك شيء لآخر غيره مكان المتروك.

    يا قوم! كان المسلمون ردحاً طويلاً من الزمن في دولة واحدة، سلمها واحد وحربها واحد، وكانوا يعيشون في مساحات من الأرض شاسعة واسعة فسيحة، يتمتعون بحرية حركة يعز نظيرها في عالم السرعة واختزال المسافات، وكانوا ينعمون باستقلال سياسي حقيقي، وطلاقة في اتخاذ القرار باعتبارهم الدولة الأولى في العالم، وكانوا يحكمون بلاد العالم القديم من الأندلس غرباً إلى تخوم الصين شرقاً، بتواصل جغرافي محكم آمن، وكانوا أغنياء لا يعرفون الفقر الذي يكابده أهل الأرض في زماننا، وكانوا يملكون ذهباً وفضةً يسكونها نقوداً، وثروة يشترون بهما ما يشاءون من شتى أنحاء العالم، وكانت عواراتهم مستورة، وروعاتهم آمنة، وأرضهم خصبة، وديارهم متقاربة لا يقطعُ طرقَهم قاطع، ولا يتلصص عليهم عدو. قوتهم ضاربة، وجانبهم مرهوب، وطاعتهم لربهم قائمة، الوئام بينهم كبير، والعداء فيهم قليل، يحكمون بما أنزل الله، ويجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم. وتحقق فيهم قول الله عز وجل: {وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ}.

    يا قوم! لقد أصبح المسلمون اليوم في ستين دويلة ضرار، سلمها مفتت، وحربها مشتت، وأمرها بوار، ضاقت عليهم الأرض بما رحبت، وأحاطت بهم الحدود الوهمية والأسوار، وقَطعت أوصالَهم نقاطُ الحدود، والشوارع الالتفافية، والجدر الأمنية، والأسلاك الشائكة، فصار المسافر من القدس إلى الصين يصل قبل أخيه الذي خرج معه مسافراً إلى جنين! وصارت دولهم ومدنهم بل وقراهم سجوناً مفتوحة، إضافة إلى السجون المغلقة الكثيرة، والمقابر الفردية والجماعية، وسالت دماؤهم أنهاراً. لقد فقدوا السيطرة على الوقت الذي هو مادة حياتهم، وخسروا قدرتهم على اتخاذ القرارات السيادية فضلاً عن المصيرية، وانهارت دولتهم الواحدة، وحُكموا بغير ما أنزل الله، وانحسر سلطانهم حتى عن بيوتهم وأهليهم، وفشا فيهم الفقر والمرض. وأما عن ثروتهم فحدث ولا حرج، فقد اقتسمها أعداؤهم غنائمَ سهلة، وفوق ذلك فقد انهارت عُمُلاتُهم، وفقدت قيمتَها مدخراتُهم. كُشفت عوراتهم بعد طول ستر، وطال عليهم الذل والفقر، ودب الخلاف في أوساطهم، وكثر الشقاق الذي أفسد ذات بينهم، وصاروا أحاديث للناس وسمراً، يتحدث بخبرهم الإعلام، ومُزقوا شر ممزق. قلَّت الطاعة فيهم وكثرت المعصية، ووقف الجهاد في سبيل الله، ورضي القوم بما دون ذلك من النيل الفردي من عدوهم، فغضب الله عليهم وأذلهم، وتحقق فيهم قوله عز وجل: {وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقاً مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ}.

    يا قوم! أدعوكم إلى العمل مع العاملين المخلصين لإعزاز هذا الدين بإقامة دولة خلافة المسلمين الثانية الراشدة القوية على منهاج النبوة، ورفع راية العُقاب خفاقة تخر لها البنود، حتى تعز أمة الإسلام، وتعود إلى سابق عهدها في أقرب وقت ممكن، ومبايعة إمام واحد على السمع والطاعة للحكم بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم. فلا تدعوني إلى إقامة دويلة فلسطينية أو كشميرية أو مصرية أو عراقية أو غير ذلك من دويلات الضرار الوطنية والقومية الضعيفة، بل مزِّقوا أعلامها، وأحرقوا راياتها المقيتةَ والبئيسة، فقد مللنا حكام الجور وإمرة السفهاء. يا قوم! أدعوكم لتَحكموا وتُحكموا بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فلا تدعوني إلى أحكام الكفر والطاغوت والجاهلية. يا قوم! أدعوكم لرفض التبعية لأمريكا وباقي دول الكفر، والاعتماد على الله سبحانه، واتباع رسوله صلى الله عليه وسلم، فلا تدعوني إلى الهُدن الآثمة، والتنسيقات الأمنية الخائنة، والمفاوضات السياسية الخائبة، والسير وراء سراب السلام الخادع. يا قوم! أدعوكم للتحزب والتجمع والتكتل والتحلق حول الأحزاب والحركات الإسلامية من حزب الله وتكثير سوادها، فذلكم هو خير الدنيا والآخرة، {أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}، فلا تدعوني للتحزب والتجمع والتكتل والتحلق حول الأحزاب والحركات الوطنية والقومية والمصلحية وغيرها من حزب الشيطان، فذلك والله شر الدنيا والآخرة، {أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ}. يا قوم! أدعوكم للتمسك بدينكم الذي ارتضاه الله لكم، والتقيد بأحكامه، وأن لا ترتدوا على أعقابكم فتنقلبوا خاسرين، فلا تدعوني إلى الحرية المزعومة، والتحلل من كل التزام شرعي، فتنفلتوا من عقالكم إلى شقاء الدنيا، ودركات جهنم والعياذ بالله. {وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ. تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّار. لَا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ. فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ}.

    يا قوم! إن في هذا اليوم العظيم ساعة استجابة، أرجو أن تكون هذه، فاستغفروا الله وتوبوا إليه وادعوا للمسلمين بالنهضة والنصر.

    الحمد لله موحد الأمة، وناصر الفئة القليلة على الفئة الكثيرة، والحمد لله الذي لم يتخذ صاحبةً ولا ولداً، ولم يكن له شريك في الملك، ولم يكن له ولي من الذل وكبره تكبيراً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين بإحسان إلى يوم الدين، وبعد يا قوم:

    إن أمريكا ورأسماليتها أرباب مزيفون متفرقون، وإن الله هو رب الأرباب الواحدُ القهار، وإن أمريكا فرعونُ هذا العصر، وحكامَنا من غير استثناء فراعنةٌ صغار، لا يعصون أمريكا ما تأمرهم، ويفعلون ما يؤمرون، ولكن الله وحده يملك الخلق والأمر، فلله الحمد ربُّ السماوات ورب الأرض ورب العالمين، وله الْكِبْرِيَاء فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ. وهو وحده الجدير بالعبادة، والحري بالطاعة، وإليه يرجع الأمر كله. {يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ. مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَآؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ }.

    يا قوم! لقد آن أوان التغيير وهبت رياحه، فلا يفوتنكم قطاره، ولا يلفتنكم عن اللحاق به لافت، فالعمر قصير، والكفاح مرير، وقد أوشك قطار الدعوة أن يصل إلى محطته النهائية، وستولد دولة الخلافة قريباً بإذن الله، عملاقة تشدخ نافوخ الغاصبين المحتلين، وتحمل الخير العميم إلى العالمين، وسيجتاح طوفانُها الكفرَ وأهلَه، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون.

    أدعوكم إلى الخير، فهل من مجيبٍ يرحمكم الله؟

    خطبة جمعة ---------- للشيخ الجليل عصام عميرة

    الجمعة 17/6/1424هـ
     

مشاركة هذه الصفحة