الرئيس العراقي السابق صدام حسين في ميزان الاسلام

الكاتب : khoshafah   المشاهدات : 1,210   الردود : 0    ‏2004-01-16
      مشاركة رقم : 1    ‏2004-01-16
  1. khoshafah

    khoshafah عضو نشيط

    التسجيل :
    ‏2003-06-30
    المشاركات:
    316
    الإعجاب :
    0
    هذا الكتاب أعده موقع مفكرة الاسلام عن الرئيس العراقي صدام حسين و الاسلام . و نظرا لأهميته حبيت ان اضعه في مجلسنا الموقر





    شهادة التاريخ: عقدٌ من حياة صدام ... في ميزان الإسلام

    الجزء الأول



    كتابة التاريخ شهادة ... والواجب في الشهادة هو الدقة المتناهية في سرد الوقائع واستفراغ الجهد في فهمها، مع البراءة الكاملة من الأهواء الشخصية أو الميول النفسية ، والضغوط الاجتماعية ، والآثار التاريخية ... معرضاً عن قبول الناس لها أو نفرتهم عنها إقبال الناس على قراءتها أو كساد تجارتها ...

    ذلك أنها شهادة .. وكفى !

    وعماد الشهادة هو القيام بالقسط ... وأي تغيير أو تبديل ، أوليٍّّ أو تحويل ، أو خوف أو طمع .... يؤثر في تلك الشهادة ... وقد يحولها من شهادة حق إلى شهادة زور ...!

    والله عز وجل يقول : [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقِيراً فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً] [النساء:135]

    ويقول الله تعالى: [وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ] [الحج: من الآية30]

    وعن أَبِي بَكْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: [ألا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ ثَلاثًا قَالُوا بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ االإِشْرَاكُ بِاللَّهِ وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ وَجَلَسَ وَكَانَ مُتَّكِئًا فَقَالَ ألا وَقَوْلُ الزُّورِ قَالَ فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا حَتَّى قُلْنَا لَيْتَهُ سَكَتَ] متفق عليه .

    وقد بكت الله بني إسرائيل أشد التبكيت ، لتزويرهم التاريخ ، فقال عن موقفهم من إبراهيم:

    [هَا أَنْتُمْ هَؤُلاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً وَلا نَصْرَانِيّاً وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفاً مُسْلِماً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ] [آل عمران:66-67] ولخطورة هذا الأمر ، وخطورة هذه المرحلة المفصلية التي تمر بها أمة الإسلام نود أن نسابق الوقت لنكتب في هذا الموضوع ... نكتب [ عقد من حياة صدام .. في ميزان الإسلام ] عن النظرة الحقة ـ كما نراها وكما هي ـ إلى صدام من منظور إسلامي واقعي في عقد عمره الأخير في السلطة ... غير معتبرين ولا عابئين بكل الثقل الهائل الضاغط المتوقع على التفكير والتحليل عند مثقفي الأمة ودعاة المسلمين .

    إننا نود أن نسابق الوقت لنكتب كإسلاميين ... قبل أن يصبح القلم الإسلامي يخط التاريخ الإسلامي بمداد يهودي وفهم يهودي لهدف يهودي ... ليتلقاه القارئ الإسلامي معتقداً ، ومستسلماً ، ومتبيناً ، وداعياً .... ! وهذا هو ما نراه اليوم بعد رحيل صدام ، فالجميع يعزف ذات السمفونية اليهودية من غير نشاز يذكر ، سواء في ذلك الشارع العراقي أم الشارع الأمريكي ، المذيع الخليجي أم المذيع العربي أم الأجنبي ، الصحفي العربي أم الصحفي الأجنبي ... وكأن الملهم للجميع أصبح واحداً مع منح الأبواق الحرية في الإخراج والصياغة لتحقيق ذات الهدف .

    ولذا فقد رأينا من الإثم العظيم أن يُترك التاريخ يكتب بأذواق يهودية معجونة بنكهة صليبية بُخْمرة علمانية عربية ، مكوِّنة كعكة صهيونية مغولية باللغة العربية ..!

    فمن شهد الحقيقة الغائبة بعينه ثم رأى الحكم فيها قد صدر بناءً على شهود الزور ، لم يكن له وهو الشاهد للواقعة أن يسكت ... مؤثراً السلامة لنفسه ، تاركاً السيف يأخذ مجراه على عنق المحكوم عليه ...!

    وإننا إذ نكتب هذه الكلمات إنما نكتبها في وقت سقط فيه صدام حسين من على كرسيه إلى الأرض .. أو سقط رأسه من الأرض إلى باطنها ... فالله وحده أعلم بالحقيقة .

    وعليه فلا تهمة هنا من خوف أو طمع ، إنما هي الحماية للأمة قبل الحماية لصدام ، والحماية للتاريخ الإسلامي من العبث اليهودي والصليبي ، وتذكيراً لجموح المتهافتين أن : توقفوا قليلاً عن هذا الاندفاع المحموم ...

    وسوف نجعل الكتاب في ثمانية فصول :

    الفصل الأول : وقفة على عتبة باب التاريخ .

    الفصل الثاني : جولة في حياة صدام .

    الفصل الثالث : أرض العراق ... بشارات وعلامات [ وهذا الفصل لن يتم نشره لأسباب خاصة ] .

    الفصل الرابع : سنة تهاوي الخرز [ وهذا الفصل لن يتم نشره لأسباب خاصة ] .

    الفصل الخامس : كيف انهار الجبل ؟ [ وهذا الفصل سيتأخر نشره لأسباب خاصة ]

    الفصل السادس : هكذا تعلمنا ، فأين ما تعلمنا ؟

    الفصل السابع : صدام على كفة الميزان .

    الفصل الثامن : خاتمة المسير .



    وقبل الخوض في زُبَد الكتاب نذكر الاخوة القرّاء بأن ما في هذا الكتاب إنما هو سعي لإثبات حقيقتين:

    الأولى : المطالبة بالعدل مع الجميع في إطلاق الأحكام ، وعدم محاولة التمييز بينهم بطريقة مستهجنة تثير اشمئزاز القارئ ، وتستغفل المسلمين ، فقد انتهى زمن العقول المغلّفة والذي كان يعتمد عليه إعلامنا كثيراً .

    الثاني : نحن سندبج الكتاب بحقائق واقعية وليست تخيلات وردية ، جمعت من خلال فريق ضرب الجهات الأربع العراقية ، فريق قد ناله الأذى من صدام أكثر من غيره ، ولكن مادام أن كتابنا هو عبارة عن شهادة للتاريخ فلابد من أن نضع الخلاف جانباً ونمسك القلم ومتذكرينا أن الله حسيبنا ورقيبنا ، وليس في هذا الكتاب دعاية لصدام فالخلاف بينا وبينه موجود ولكنها كلمة حق يجب أن لانغفل عنها في سياق خلاف قديم .. خاصة وأن أغلبنا بلسم شافٍ مع الغير ، وسيف مسلط على صدام ، والله على ما نكتب شهيد .

    الفصل الأول : وقفة على عتبة باب التاريخ

    1- صدام وإبليس وجهان لعملة واحدة ‍‍‍‍!!‍
    2-
    حيث إن هذه الشهادة هي الجزء الرئيس من الحرب القائمة مع اليهود والصليبيين ، فلقد وعى الصليبيون واليهود هذه الحقيقة جيداً منذ زمن بعيد ... فلم يفتأوا منذ ذلك الحين في إرشاء شهود الزور إيواءً وإطعاماً وإغداقاً .. رغبة في المزيد من تشويه صورة الرجل ...

    حتى سمعنا كلاماً يعجب الواحد منه :

    فبعضهم يقول : لو خلق الله شراً محضاً لكان صدام حسين ...!

    ولاندري هل كان في شرع الله شر محض حتى يُلْصق هذا الوصف بهذا الرجل ، أم أن النتائج المبنية على مقدمات خاطئة تجعل الإنسان يفقد ضوابطه الشرعية حتى يقع في التعدي على حكمة الله عز وجل في خلقه ؟!

    أو يقول : لو تاب إبليس ما تاب صدام ...!

    ونسينا من بلغ في كفره عنان السماء ثم ما لبث أن حمل راية الإسلام من جديد بحيث لو عاش في زمننا هذا لأطبق أكثر العالمين على ختم قلبه على الكفر والعدوان ، ولو سألوا أنفسهم كيف كان عكرمة بن أبي جهل في بغضه وعداوته للنبي صلى الله عليه وسلم ثم إذا هو يشارك المسلمين في حروبهم ضد دول الكفر بل إنه قد عاهد نفسه مع اخوة له على الإثخان في العدو حتى الموت في معركة اليرموك ، وهذا أبو سفيان كان رأس الكفر وقائده في أوقات طويلة في عهد النبوة ثم أسلم قبل فتح مكة وكان ماكان منه في نصرة الإسلام بعد ذلك ، وغير هؤلاء كثير ، ونحن إذ نقول هذا ليس دفاعاً عن صدام وإنما هو حرص منّا على بقاء الباب مفتوحاً بين العبد وربه في التوبة والرجعة ، ولنتذكر ذلك الحديث العظيم الذي يجب على كل إنسان أن يقف معه كثيراً فعن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : [ إن رجلين كانا في بني إسرائيل متحابين، أحدهما مجتهد في العبادة، والآخر مذنب، فجعل المجتهد يقول: أقصر عما أنت فيه، فيقول: خلني وربي، حتى وجده يوما على ذنب استعظمه، فقال: أقصر، فقال: خلني وربي؛ أبعثت علي رقيبا؟! فقال: والله لا يغفر الله لك أبدا، ولا يدخلك الجنة، فبعث الله إليهما ملكا، فقبض أرواحهما، فاجتمعا عنده، فقال للمذنب: ادخل الجنة برحمتي، وقال للآخر: أتستطيع أن تحظر على عبدي رحمتي؟! فقال: لا، يا رب! قال: اذهبوا به إلى النار ] والحديث حسنه الألباني رحمه الله تعالى .

    أو يقول : سبب انهيار الأمة كلها صدام حسين ...!

    وأي أمة كان هذا الرجل فقط سبب في انهيارها ، أوليس هناك من هو أعظم منه في هذا ؟ فمنهم من جعل سياحة الزنا رزق بلده وبقاء وجوده حتى صارت أعراض المسلمات تباع في سوق النخاسة بل وافتخر وزير سياحة ذلك البلد بأن فتيات بلده وهبهن الله الجمال الذي جعل شعوب العالم تسعى لتمتّع أنظارها بهن ، ومنهم من قرر تحطيم مواهب بلده فتجده يبيع كل سنة أسماء الطلاب النجباء في جامعاته للدول الغربية مقابل عمولات مالية ضخمة وكأن بلده قد اكتفى بمثل هذه العقول ، ومنهم من حارب الإسلاميين بدعوى حماية البلد من شر هؤلاء [ كما زعم ] ونسي أن هؤلاء هم عباد الله وأولياؤه وهم بركة الخلق وخيرته ، ومنهم من جعل بلده لا يعيش إلا على بنوك الربا حتى أصبح البلد لايطعم إلا ذلك الحرام ، ومنهم من سرق المال والحلال تحت بند العقود الضخمة والتي لايحمكها سقف معين ، ومنهم [ وهو كثير ] من بدل شرع الله وجعل الديمقراطية الغربية هي البديل المفضل لقيادة شعبه فأبيح سب الدين ونشر الفساد . كل ذلك تحت راية الديمقراطية المزيفة ، ومنهم من جعل الصلاة جماعة خمس مرات في يوم واحد جريمة كبرى ينبغي معاقبة من فعلها ، فتجد على باب المسجد رجال الاستخبارات الذي يدققون في الأشخاص كثيراً فإذا صلى في اليوم الواحد خمس مرات كان ذلك كافياً لإيقافه كمجرم ينبغي تأديبه ثم علاجه ، ومنهم من ألزم وزراءه بشرب الخمر نهار رمضان حتى يعلم البلد أن شعائر الإسلام حتى الأركان منها غير مقبولة على تلك البقعة ، ومنهم من جعل إطالة ثوب المرأة حتى الكعب واقعة خطيرة ينبغي لأجله أن تعزر وتسجن وقد وقفنا على مثل هذه الجريمة المزعومة في بلد أفريقي عربي قبل عشر سنوات حيث قبض على دكتورة بجرم مشهود وهو لبس معطف وصل إلى كعبيها ولولا تدخل مشكور من سفارة بلد خليجي كبير لكان لايدرى بعد ذلك ماهو حال هذه الدكتورة المسكينة ، ولم تجد تلك السفارة لها عذراً عند حكومة ذلك البلد إلا أنها لم تجد ذلك اليوم معطفاً صغيراً ... أليست هذه كلها من أسباب انهيار الأمة وذهاب هيبتها ؟!!

    أو يقول : إن يوم الخلاص من صدام ، هو يوم خلاص الأمة من الهوان !

    وها هو صدام قد ذهب فأين خلاصنا ؟ وأين هيبتنا المفقودة ؟ وهل ارتفع عنا الهوان أم أنا مازلنا ننتظر الدور القادم على من يكون كأننا في حظيرة مواشٍ تنتظر ذبحها ؟ وهاهي أمريكا ترسل خطابات الأوامر بكل تبجح لجميع الدول الإسلامية وكأنها تعامل دائرة صغيرة في بوسطن أو تكساس ، وهاهي الأجوبة تأتي تباعاً معلنة الانتهاء مما طلب منه ، وأكثرها أعمال لم تطلبها أمريكا ولكنها رغبة صادقة من بعض بلداننا في إظهار الصدق في السمع والطاعة .

    ومازالت مثل هذه العبارات تأتي تباعاً يقصد بها أصحابها أبعد مما يقولون مما لا يدركه أكثر الإسلاميين .!

    3- التبعية المشينة في تعامل الأعلام مع الإعلام
    4-

    وها نحن نرى هؤلاء الطيبين اليوم يقعون تحت تأثير الإعلام المباشر بطريقة مهينة ... بحيث يشعر المتابع الذكي أن هؤلاء المضلين يتقصدونهم ويسلطون عليهم الإرهاب الفكري وللأسف فإن الواحد من هؤلاء المسلمين يمضي نحو ما يريدون بغير شعور منه أو إرادة ...

    فإن كان مفتياً أفتى بما يريدون من غير تذكر لما تمليه عليه صفته الشرعية ، ونسي أن هذا الإعلام هو الذي يصفه ويصف أتباعه بالإرهاب والتخلف والرجعية بل ويصفون عصر نبيه وقدوته محمد صلى الله عليه وسلم بعصر الظلام الذي أثر سلباً على مجرى تقدم الأمة ، ونسي هذا المفتي كيف كانت أسئلة النبي صلى الله عليه وسلم لمَاعِز رضي الله عنه في قضية اعترافه بالزنا فقد قال له :لعلك قبلت أو غمزت ، أبك جنون ؟ ونحو ذلك من أسئلة الخوف من ظلم مسلم في كبيرة وقع فيها ، وكل ذلك في قضية زنا حتى لايكون حكم الله في غير محله ، وأما قضية صدام فهي في مسألة كفر وردة وخروج عن طريق الملة .

    وإن كان خطيباً *** صدام على رؤوس الخلائق ، وعندما تستثيره بطلب الدليل يرسل صواعق الردود عليك مشتملة لحقائق مليئة بالغرائب والعجائب ، وعندما تقول مامصدرها يصاب بالسكتة في لسانه ، لأنه لم يتعود على مثل هذا السؤال ، فتنتظر الجواب ولاجواب لأنه سيقع في الحرج من ذكر مصادره فهي مصادر علمانية لطالما حاربته كخطيب ودمرته كرمز .

    وإن كان تاجراً ساهم في دعم حملة الصليب على ذلك البلد باسم المساعدة في القضاء على صدام ، ونسي أنه يعين العدو على إبادة شعب بأكمله ، وأن الدبابة التي تحملها سيارته الكبيرة سوف تدك بيوتاً على أهلها ، وأن الطعام الذي يبيعه على المعتدي سوف يقيم بدنه حتى يكتمل مخطط احتلاله. وإن كان عامياً طعن فيه وإن كان كاتباً كتب فيه ..... وهكذا وُظِّفت الأمة بطريقة سحرية سرية رسمية وشعبية مصوبة سهامها إلى حيث يشير عدوها ... حتى إذا ما بطل السحر وانكشفت الخدعة الكبرى ، وطار النسر بفريسته الكبرى ، أخذ الأحباب ينوحون ويبكون ... ولات ساعة مندم ... ومقصود العدو الأبعد من ذلك هو أن لا **** الإنسان صدام فحسب ، بل **** كل واحد سيأتي يوماً من الأيام القادمة ويتحدث عن إحياء هذه الأمة ، أويسعى في توحيدها ، ويغار عليها ، أو يتمنى المساهمة في تحرير فلسطين ، ويقوم لأجلها بكل قوة أمام أعتى أمة ، أو يذكر اليهود بسوء في أي ظرف من الظروف ، وبهذه الطريقة يستطيع العدو قتل كل جذوة خير في نفس أي حاكم يريد الإصلاح والخير لأمته...

    نعم ... إن المراد أن تفقد الأمة الأمل من كل رجل ينادي بالإنقاذ في قادم الأيام ...

    لقد أخذ الأعداء يبحثون في العراق عن كل ما يشوه صورة صدام بأقسى ما يستطيعون . وكأن ما بثوه من قبل لم يعد كافياً ... نعم ليس كافياً لأن المطلوب ليس هو صدام فحسب ...!



    3- حرام على صدام حلال لغيره!!!

    إن المتتبع لما يوصف به صدام سيقف حيران إزاء واقع يغض الطرف عنه ذلك الواصف ، فالواقعة واحدة والطرف الآخر واحد ، والسبب واحد ، ولكن النتيجة مختلفة لأن هوى البغض أصابه تجاه صدام ، وهوى المحبة وقع عليه تجاه الآخرين .

    تسليح الجيش العراقي : عندما يقوم صدام حسين بتجهيز جيشه استعداداً لأي عدوان طارئ يقال هذا يدل على رغبته الإجرامية في تهديد جيرانه وعندما يقوم الغير بتحسين قدرات جيشه يقولون : إنه قد أحسن في التجهيز لصد أي غازٍ أو معتدٍ .

    قصر صدام : وعندما تصور الكاميرات قصر صدام حسين على أنه نهب لخيرات العراق وسرقة لأمواله تجد العذر جاهزا في حق غيره لأنهم زعماء يحتاجون إلى حياة خاصة تليق بمقام الزعماء .

    قتل ******** : وعندما يقوم صدام بقتل ******** مستنداً على فتوى شرعية من مجموعة من المشايخ العراقيين الفضلاء يقال هذه جريمة بشعة فقد أزهق نفوساً بريئة ونسي هؤلاء أن هؤلاء النسوة يتسببن في إصابة عدة آلاف من العراقيين بمرض الإيدز ، أما لو قام زعيم من الزعماء بقتل ثلاثة أو أربعة أو عشرة ممن قام بأعمال نهب أو سلب لقالوا هؤلاء من المفسدين وجاز لولي الأمر أن يقتلهم تعزيراً .

    سجن الدعاة : لم تستقبل سجون صدام في الخمس سنوات الأخيرة إلا عدداً قليلاً من الدعاة يعد بالعشرات ونحن نقول هذا ومتيقنون منه ، ونقول سجون ولانقول توقيف لأن التوقيف يحصل بكثرة عنده وعند غيره ، ومع ذلك قيل في حق هذا الرجل إنه حرب على المسلمين والدعاة بينما يوجد بلدان في سجونها دعاة ومصلحون وصالحون يعدون بعشرات الألوف ، ولكن انظروا ماذا قيل عن هذا الحاكم . قيل عنه إنه سجن هؤلاء سياسة منه في منع الفكر التكفيري أو المتطرف على حد زعمهم.

    وغير هذا كثير مما يقف الواحد منا حزيناً على مثل هذا الواقع ، ونحن لانطالب بالسكوت عن أي جريمة يرتكبها صدام بل لابد من إظهارها وتوضيحها حتى يصبح الناس على وَضَح من أمرهم في شأن هذا الرجل وغيره ، ولكنا نطالب بالعدل وإبداء الشجاعة مع الكل حتى نتصف بالمصداقية التي يتعين علينا أن نتقمصها مَخْبَراً ومَظْهَراً .



    5- قلب الحقائق وتزوير الوقائع
    6-
    المقابر الجماعية : اكتشف خلال أسبوعين ثلاث مقابر ، أما المقبرة الأولى فقد تسابقت إليها القنوات العربية تنقل الحدث وكم كانت هذه المكتشفة من مقبرة كبيرة فقد احتوت على جثة رجل واحد بجمجمته ولم تستح تلك القناة من نقل هذا الحدث عندما قالت وسوف نوافيكم بالجديد عن هذه الجثث المدفونة ثم لم نشاهد شيئاً من هذه إلى هذه الساعة .

    وأما المقبرة الثانية فكانت فعلاً تحتوي على عدد ضخم من الهياكل وكالعادة تسابقت ببغاوات قنواتنا الفضائية في نقل هذا الحدث ، وجاءت المعارضة الشيعية بنساء يبكين بكاء الحرباوات في مشهد تمثيلي جعلت المشاهد يفقد شعوره فشاركهن بالبكاء ، فهذه تقول : أين أنت ياولدي ، فلا أدري أي قبر أنت فيه ؟ حتى كاد الواحد منا أن يغلبها بكاء وعويلاً ، وقنواتنا الكريمة تنقل وتقابل الناس في مشهد مؤثر جداً ، ثم كانت الحقيقة المرة ، فقد تبين أن هؤلاء كلهم من العراقيين الذين ثاروا على صدام مطالبين بحكم شيعي يغلب على هذه البلاد السنية ، وذلك عندما خاطبهم بوش الأب مطالباً إياهم بالخروج على صدام ومؤملاً إياهم بالنصرة والإعانة ولكنه تركهم لمصيرهم ومصير كل من حاول الغدر ببلده ، وقد تعمد إعلامنا في نقل هذه الصورة الناقصة الحقيقة ولم يقدم للمشاهد أي اعتذار عن هذه الجريمة الإعلامية التي ارتكبها تاركاً الواحد منا في ضياع وتَيْهِ من غير أن يصحح هذه المعلومة المغلوطة .

    وأما المقبرة الثالثة فقد تقافزت عليها قنواتنا الفضائية تنقل نبشها أولاً بأول ولاحظنا أن الجماجم قد تحللت إلا أن هناك الكثير من الملابس باقية على وضعها الطبيعي لم تأكلها الأرضة ولم تحللها التربة رغم هذه الفترة الزمنية الكبيرة [ أكثر من 13 عاماً ] ، كما لاحظنا أن مع غالب الجثث بطاقة تعريف بأصحابها ، وتساءلنا أي عقل بسيط في رئيس دولة يريد أن يرتكب مجزرة جماعية وينسى أن بطاقات أصحاب الجثث مازالت في ملابسهم ؟ وقد لاحظنا أن بعض البطاقات جديدة لا أثر لأي عامل زمني عليها ، وبالطبع لم تكن مثل هذه محل اهتمام من قنواتنا الفضائية لأن المقصود نقل الصورة على ماهو مطلوب منها لا على أساس ما يمليه عليها ضميرها المِهَني .

    السجون : إن الذي ينظر في تسخير الإعلام بالصوت والصورة لجرائم صدام وسجونه ومسجونيه وما إلى ذلك ، ليضحك باكياً من خفة عقول بعض أبناء هذه الأمة .. بل من إلغاء عقول أكثر أبنائها ... وإلا كيف يتحدث هؤلاء عن السجون والمسجونين وهم باعترافهم حتى هذه اللحظة ـ أي بعد خمسة عشر يوماً من سقوط صدام ـ لم يعثروا رغم طول بحث وعناء من قبل الأمريكان والأهالي أنفسهم ... إلا على عدد لم يتجاوز مائة سجين ..!

    الشيعة يقولون إن عدد معتقليهم يبلغ مئات الألوف وأوصلها بعضهم إلى مليون سجين ، ولاغرابة في هذا الرقم عند قوم تسعة أعشار دينهم كذب وزور ، وقد تمت مسرحيات قام ببطولتها هم وأخرجها وصورها الإعلام العربي السني ، حيث كانت الكاميرات تصور عمليات تحطيم غرف أرضية ، وبعضها كان تحطيمه مضحكاً حيث يتم تحطيم السقف من الدور العلوي مع أن الدور الأرضي مفتوحة جميع غرفه ، فهو ليس بنفق ولا غرف خفية ، وكم يحزننا مثل هذا الإعلام الذي لايكمل تصوير المشهد حتى نعرف إلى ماذا وصلوا من هذا التحطيم الصوري .

    وتشاهد لقطة أخرى وأحدهم يقول إني أسمع صوتاً تحت الأرض ... إنه ينادينا ، ويقـول الذي بجانبه : إن أحد الموجودين تعرف على صوته وهو يقول إنه صوت أخيه ، وهكذا تتم فصول المسرحية والتي يقوم ببطولتها مرتزقة العراق ويخرجها ويصورها إعلام السنة وتهدف لإزالة حكم أهل سنّة على بلد سني .

    أما الأكراد فقد كان عدد من يُزعم أنهم مسجونون لدى صدام أكثر من عشرة آلاف كردي ، وبعد ثلاثين يوماً من سقوط بغداد ارتفع العدد إلى 182 ألف سجين مفقود ، وهكذا تتم المزايدة على مثل هذه الأرقام ولعلها تصل إلى مليون سجين مفقود قريباً .

    سبحان الله : إذا كان ابن حاكم دولة مسلمة أخرج بعض من سجنهم أبوه ـ أمير المؤمنين كما يسمى ـ كهدية مقدمة لذلك الشعب لحكمه ـ الميمون ـ فكان هذا البعض هو ' مائة ألف سجين ' ، وقد نقل إعلامنا العـربي هذه الهدية بفرح وسـرور وكأن من عـداهم مجرمـون يستحقون السَّحْل والقتل ...!!!

    ثم حدثونا عن أي بلد عربي لايوجد فيه عشرات الألوف من المسجونين ، ففي بلد عربي أفريقي يوجد فيه أكثر من 350 ألف سجين بعضهم لم يرَ النور منذ ثلاثين عاماً حيث وضعوا في مغارات مشهورة تطل على أحد المحيطات .

    وبلد آخر بلغ عدد المعتقلين فيه خلال سنة واحدة أكثر من نصف مليون مسلم وضعوا في صحارٍ جرداء لاتتحمل العيش فيها الإبل فضلاً عن البشر .

    وبلد آخر تمت اعتقالات فيه على جميع محافظاته حتى وصل عدد المعتقلين خلال سنة واحدة إلى مليون مسلم بدعوى محاربة التطرف ومحاولة قيام هؤلاء بمحاولة انقلابية فاشلة أو أنـهم قد ساعدوا أو تستروا عليها .

    أَمَا كان هذا العدد دليلاً على صدق صدام حين أمر بإطلاق جميع المساجين في العراق .؟

    ومن ذا الذي يستبعد على هؤلاء أن يأتوا ـ بعد هذه الفضيحة ـ بهؤلاء الغوغاء ويلقونهم في السجون ويجعلونهم في حالة مزرية ثم يأتوا بالإعلام ليقولوا لهم :

    صوروا هؤلاء ، انظروا في أعدادهم ! انظروا إلى هيئاتهم ! انظروا في تواريخ اعتقالهم كي نتلقفها نحن ونبقى نرددها..

    وكلنا نذكر أيام حكومة طالبان حين زال حكمها كيف كان الإعلام الغربي يصور الناس وهم يخرجون من السجون ويقولون الموت لطالبان فقد اعتقلتنا وظلمتنا ، ولكن حصلت الفضيحة بزلة لسان لما قال أحد المساجين إنهم عاملوه أسوأ المعاملة خلال عشرين سنة من اعتقاله مع العلم أن طالبان لم يكن لها في الحكم أكثر من تسع سنوات ، ولكن يبدو أن طريقة الإخراج كانت سريعة ولم ينتبه فيها لمثل هذا الخطأ القاتل .

    ولذلك فلقد كانت روسيا أذكى منا حين قالت : لن نقبل من أمريكا أي دليل مهما كان على وجود أسلحة دمار شامل في العراق بعد احتلاله !

    القصور : صوروا القصور ، والبساتين وتحدثوا عنها كثيراً كثيراً ، ورأيناها ... وكأن ملأ القوم لا يملكون أحسن منها في بلاد الكفر فضلاً عن قصورهم في بلادهم ..!

    وتقول مراسلة لقناة عربية في بغداد : إنه كان يستمتع بمال الشعب تاركاً إياهم في فقر وجوع ، ونسيت هذه المذيعة أن القصر الذي رأيناه لايساوي شيئاً أمام قصور كبرى شاهدناها لزعماء من دول أخرى ، ويقول مذيع تلك القناة : في الحقيقة هذه جريمة في حق هذا الشعب ... ثم يسأل المراسلة مرة أخرى فيقول لها : هل تظني أن الشعب سينسى الذي شاهده ؟ فتقول المراسلة : ولابعد ألف سنة ... ولاندري نحن ماذا ستفعل شعوب العالم الثالث لو رأت كيف هي قصور زعمائها ؟‍‍‍‍

    ثم يزيد غيظك على مثل هذه المصادر الإعلامية وهي تتغنى بقصر باكنجهام البريطاني والذي هو مأوى ملكة بريطانيا ، فتضع البرامج عن طبيعته وتفصيله وكيفية مداخله وحراسه بل وحتى حماماته .. كل ذلك بإعجاب متناهٍ ، وتعلق شديد ، ولم نسمع منهم أي صوت داعٍ لمثل مادعوا به في قصور صدام .

    مع العلم أنا لا نقر لا صداما ولا غيره من الزعماء على هذا لأن المال مال المسلمين ، فالواجب أن لا يصرف إلا عليهم ، ويأخذوا هم بقدر حاجتهم ، ولهذا مات النبي صلى الله عليه وسلم وهو لايملك شيئاً من حطام الدنيا ، ومات أبو بكر وعمر وليس في أيديهما إلا دريهمات معدودة .



    5-ياقومِ : أفلا تعقلون ؟

    وهكذا فلقد تمكن الضغط الإعلامي الخفي والعلني اليهودي والصليبي على كثير ممن يعد نفسه مفكراً ، وربما مفكراً إسلامياً إلى أن يعد الأصل هو إساءة الظن في كل تصرف يتصرفه صدام ، واعتبار ذلك حذاقة منه .. لأنه كما يحسب : أدرك الحقيقة الخفية قبل أوان ظهورها !

    القرآن والصلاة في حياة صدام : كان صدام ضعيفاً في دينه كغيره من الزعماء وهم كُثُر لايعرف صلاة إلا ما ظهر منها يقول ذلك نهاراً جهاراً ، غير أن حياته تغيرت كثيراً في عقده الأخير من عمره فأصبحت الصلاة جزءاً مهماً من حياته ، ومشايخ العراق يعرفون ذلك أكثر من غيرهم ، وقد تحدث عن هذا التغير الواضح الصحفي الأمريكي راذر وسيأتي بيان ذلك ، ولكن انظر كيف تعامل الغير مع هذا التبدل في حياته مع ربه ، فقالوا : إنه يفعل هذا كسباً لعاطفة الشعب العراقي المسلم ، وذلك بعد أن أنكره القريب والبعيد ، وحاربه العدو والصديق .

    ونسوا هؤلاء جميعاً أن هذا التغير حاصل منذ أكثر من عشر سنوات وصاحب النفاق قد يصبر سنة أو سنتين أو ثلاث ثم سيظهر منه مايدل على كرهه لمثل هذا العمل ، ونحن لم نرَ منه خلال فترة حياته إلا ازدياد تعلقه بالصلاة ، حتى كان يأمر أعضاء حزبه ووزرائه أثناء الاجتماعات بقطع اجتماعاتهم وقت الصلاة .

    إطلاق سراح المساجين : فحين أطلق صدام سراح المساجين قالوا : أراد أن يخفف على السجون الضغط لأن قبضته الأمنية ضعفت !

    لكن حين وقعت الغوغاء والسرقات بعد ذهابه قالوا : سبب السرقات والجرائم كلها هو صدام لأنه هو الذي أطلق سراح المساجين قبل الحرب بشهرين تقريبا !

    علما أنه قال في خطاب العفو العام عن المساجين أنه يهدف إلى إعطاء الفرصة لهؤلاء كي يعيدوا حياتهم من جديد ، وإعطاء المجتمع فرصة كي يربيهم ، كما حذرهم أشد التحذير من العودة إلى الجريمة والانحراف ، ومن عاد فإن العقاب يضاعف عليه ، وما أطلقهم إلا يوم النصف من شعبان !

    قتل الداعرات : حين أقام الحد الشرعي على الداعرات الداعيات إلى الزنا في البلاد .

    قال أناس : إن هؤلاء الداعرات يذهبن إلى البواخر الأمريكية لفعل الرذيلة !

    ولو تركهن ، لقالوا : لولا أن صداماً راضٍ بهذا ، لما تركه !

    الحجاب لبنات جيش القدس : وحين أمر بالحجاب لجيش القدس . ماذا حصل ؟

    صارت من تنتمي لهذا الجيش تلزم بحجابها الشرعي ، فالثوب فضفاض ، والشعر مخفي و لا يظهر إلا الوجه [ على قول من قال بعدم عورة الوجه ] ، وتمنع البنت من استخدام أي مكياج فقال من قال : إنما قصد لتخفيض مصاريف المكياج ! ولو أنه أمر بخلع الحجاب لربما قالوا : إنه أتي هو أو ولده بكمية من المكياج لبيعها !

    مع أننا أصلاً لا نرى للمرأة أن تدخل في هذا المعترك وهناك من يكفيها من إخوتها الرجال .

    شبيه صدام : وما كان صدام يظهر مظهراً خارقاً في الشجاعة والقوة إلا قالوا إنه الشبيه .

    إنه ليس بصدام الحقيقي...! لكنا على يقين لو أن أمريكا أتت بالشبيه هذه المرة معتقلاً ذليلاً مهاناً في الفضائيات يعترف بخيانته وبأسلحة الدمار الشامل وبعمالته لليهود ، لقالوا : نعم هذا هو صدام الحقيقي ..!

    إعانة أسر الشهداء الفلسطينيين : وإذا قام بإعانة إخوانه في فلسطين بالتخفيف عن معاناة أسر الشهداء قالوا ماذا ؟

    إنه يريد التلاعب بجراح الشعب الفلسطيني ... إنه يريد الرقص على جروحه .. لماذا لايذهب فيقاتلهم ، ونسوا أو تناسوا أن بينه وبين إسرائيل الأردن صاحبة السجل التاريخي في التعامل مع إسرائيل سواء أثناء الحروب العربية أو ما بعدها . أو ليس من جمع المعلومات الاستخباراتية كلها عن العراق وسلمها لأمريكا هي الأردن ، ألم يقم الضباط الأردنيون بوظيفة الدلائل للقوات الأمريكية في دخولها للمدن العراقية ، ثم تريدون بعد ذلك أن يسمح الأردن للعراق بفتح فلسطين المحتلة .

    المصحف في بيت صدام : عندما نقل الإعلام العربي صورة منزل صدام السري كان العجب.

    فقد كان قرآن مفتوحاً ، والسجادة على الأرض ، لامجلة خالعة ، ولاجهاز تلفاز ، ولاشريط أغنية للترفيه عن نفسه .. فماذا كان جواب بعضنا عن هذه الصورة .. قالوا : إنه عرف الله متأخراً بعد جرائمه الكبرى وهذا يقوله من أحسن الظن ، وقال آخرون : إنه كان يتوقع يوماً من الأيام أن يأتِ الإعلام فأراد أن تكون صورته كهذه حتى يوهم الناس ، وقال آخرون : إنه منزل شخص محب للخير غير صدام إلا أن صداما قد نزل عليه يوماً أو يومين .

    الحرب العراقية الإيرانية : كلنا نذكر تلك الحرب الضروس ، والتي أحرقت الأخضر واليابس ، واستمرت عقداً من الزمان ، ويتناولها الإعلام غالباً بأهوائه السياسية ، فتجدهم إذا كان صدام عدوا لهم قالوا : إنه لم يشبع من إشعال الحروب بين المسلمين ، فقد قام بالتعدي على دولة الجوار إيران المسلمة في وقت كانت هي تمد غصن الزيتون إليه راغبة في الجوار الحسن ، وعندما يغضب الإعلام على إيران تنكشف الحقائق المخفية ، ويبدأ بذكر حقائق الخلاف ، وكيف كانت أطماع إيران فيما يسمى بـ ' خليج فارس ' ، وكيف أنها اقتحمت ابتداء الحدود العراقية مما جعل العراق يقوم بردة الفعل اللازمة لوقف هذا الغزو الشيعي لما يسمى لديهم بـ ' الأراضي الشيعية المقدسة ' حيث يوجد فيها النجف وكربلاء، وتربة الأخيرة لدى الشيعة أعظم قدسية من تربة الكعبة .

    نعم ؛ إن الأخطاء كبيرة وكثيرة جداً ... ولكن الحقيقة أنا ما رأينا مثل بني قومنا إساءة ظن بأحد مثل إساءتهم بحاكمهم ... لكنها فئة قليلة تناسلت في المجتمع وما زالت قليلة أخذت مبدأها من جدها الذي قال عن خال رسول الله صلى الله عليه وسلم سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه حين شكا عليه عند رسول الله الفاروق قائلاً : ' إنه لم يعدل بين الرعية ، ولم يخرج في السرية ، ولم يحكم بالسوية '.

    نعم ؛ إن أصحاب هذا الكلام فئة ، ولكنها ذات صوت مسموع ، وشعاع جذاب للعامة تتكاثر عند ضعف الإيمان والتقوى ، وتعلوا عند المصيبة والفتنة حين لا يلتزم الناس المنهج الشرعي القاضي بالإنصاف ، وطائفة عقدية أخرى ذاقت من بأس صدام حسين ما ذاقت ... لكنها أشاعت بين الناس بأسه ونقمته وما ذكرت سبب هذه النقمة من خياناتها التي دمرت البلاد والعباد وشقت الصفوف ، وسلمت مناطق كاملة في الحرب مع إيران ، وسيأتي ذكر بشيء من ذلك في هذا البحث ..

    ولربما لو أن التغييرات الفعلية الشرعية التي أقامها صدام في العراق أقامها أي حاكم من حكام البلاد الإسلامية في بلاده لجعل منه بعض المنتسبين للعلم والدعوة خليفة المسلمين الذي لو خرج عليه خارج لحكموا بوجوب قتله بالسيف ، معتذرين لشدته عليهم بما قال عمر رضي الله عنه عن خالد بن الوليد [ إن في سيفه رهقاً ] ..!

    وإنا والله لنود صادقين أن يأخذ هذا الكتاب من يعرف أن 'صدام حسين' حي فيذهب به إليه ، ليعلم أن في هذه الأمة من ينصفه ، وليعلم أن الله تعالى يأبى أن يجعل كل حسناته سيئات وكل صفاته رذائل ، وأن في الأمة من يحفـظ له إحسانه ، وحسناته ، وفي الأمة من يعظم له رجولته ورباطـة جأشه وشجاعته النادرة ...

    وإلا فهل عنترة العبسي الذي يتغنى أهل الإسـلام بشجاعته وأشعاره ولايجـدون في ذلك غضاضة خير منه ... لكن عنترة نفسه لو وقف أمام اليهود اليوم لربما ظل **** إلى يوم القيامة.!

    وليعلم صدام أن في الأمة من يقول لليهود الأصليين ويقول للملحقين الإعلاميين باليهود أن الله قادر على فضح دسائسكم ليعلم هو ـ وهو المحب للتاريخ ـ أنه لن يكون كالمعز لدين الله الفاطمي وأمثاله في نظر المنصفين في الأمة .

    وليعلم كذلك بأخطائه التي كانت سبباً رئيساً في ما حدث ، أملاً في أن يستدركها بينه وبين الله تعالى ، إن لم يتمكن من استدراكها في باقي عمره .

    وليرفع الناس تهمة لصقت بأهل العراق عموماً ... وأهل العلم في العراق خصوصاً ، بأنهم طوال فترة الثلاثين سنة مثلوا دور النفاق أو دور الشيطان الأخرس ... حاشاهم ... لكن العلم بهذه الأمور لن يستكمل إلا بعد استكمال البحث وقراءته بروح المنصف المستعد لقبول الحق بدليله ....

    وليرفع قناع الجهل عن دعاة ظنوا أن الدين عندنا في العراق قد تودع منه منذ زمن بعيد وأن الدعوة قد انتهت منذ أمد بعيد ، وأن العلم أصبح غريباً منبوذاً في العراق على مستوى الكليات الرسمية أو حلقات المساجد ودروسها ..!

    حتى إذا ما ذكرت لهم بعض ذلك الشيء ... حملق عينيه في وجهك كالمكذب لك وتساءل بـ : هل عندكم دروس في العراق ...؟! هل لديكم شباب متدين في العراق ؟! هل بقي أحد من أهل العلم والدعوة في العراق ... ؟! هل عندكم كليات شرعية في العراق ..؟! هل ... وهل .... وهل .....؟!

    وكم هو حزننا ونحن نشاهد بعض الإسلاميين من العراقيين ممن آذاهم صدام ، فخرجوا من العراق هرباً بدينهم وذلك قبل عشرين وثلاثين سنة . كلما حضروا مجلساً نقلوا الصورة السلبية عن العراق غاضّين عمداً عن مثل هذه التغيرات الأخيرة والتي حصلت في الثلاث عشرة سنة الماضية وعندما نناقشهم وتأتي بمثل هذه الثوابت ينقلب حديثهم إلى وجوم طويل ولم يردوا بنصف كلمة ، وقد ذكرناهم بالله أن لاينقلوا هذه الصورة المغلوطة والله سائلهم عن ذلك يوم القيامة .

    ومع أنا إنما نكتب ما نكتب شهادة لله تعالى ، ثم شهادة للتاريخ ... فإنا كذلك نريد أن نحرر نفوساً طيبة تشعر بأن وراء هذا الإعلام هدفاً رهيباً ، ولكنها لا تعرفه ..

    تشعر أنه ثمة حقيقة غائبة ولا ترى لها أثراً .... نفوساً قد جربت من قبل الإعلام اليهودي فخدعت منه كثيراً ومراراً ، وهي تتأبى أن تخدع هذه المرة ... لكنها لا ترى نوراً وسط الظلام الإعلامي الهائل ... ولا تسمع صائحاً من هنا أو هناك يشير لها إلى جزيرة الأمان...

    نفوساً جعلت الأصل في الإعلام هو العكس الصحيح ... ولكنها تُؤخذ وتُخدع وتنساق وراء الأكاذيب في كل مرة .. وبعدما تتخذ مطية ، وتوصل الأحمال حيث يريد الأعداء ، تكتشف أنها نسيت الأصل الذي اعتمدته وعادت نادمة ، تبكي حظها من ضحك عدوها عليها.

    علماً بأنا هنا لن نقدر على بحث كل حياته لعدم إلمامنا بها .... معترفين بأن المرحلة السابقة لهذا العقد الذي حددته من عمره ، كان عقداً غامضاً علينا ، رهيباً فيما وصل إلينا ... لكن ستبقى دراستنا هنا محصورة في عقد عمره الأخير في حكمه .

    راجين من كل من يكتب أن لا يتعامل مع حياته كقطعة واحدة ... ذلك أن كل من له أدنى متابعة وتأمل في حياة صدام يدرك أن ثمة تغييرات جذرية عقدية تبعتها تغييرات حدثت في منهجية حياته ، وهذا هو منهج الإنصاف في التعامل مع الأشخاص الذين طرأ على حياتهم تغيرات أو تحـولات ، وهو منهج المحدثين كذلك .

    أما إذا كان البعض يسرد علينا جرائم صدام السابقة ونحن لا نخالفه فيها ، ثم إذا ذكرنا له التغيرات الفعلية في حياة صدام ، وذكرنا أسبابها ، ومظاهرها ، وشواهدها الكثيرة ... أنكر أو كذب وأصر على تعميم المرحلة السوداء التي يعرفها على المرحلة التي لا يعرفها ـ بعد سماع أدلتها ـ ثم هو لا يذكر لنا شيئاً يستحق الذكر من تلك السيئات وأمثالها في المرحلة التي ذكرنا وحددنا ، فإن هذا هو علامة الاحتكام إلى الهوى ، والوزن بميزانه ... ولا ندري كيف سيقبل هؤلاء لو كانوا في عصر الإسلام الأول ورأوا توبة من قتل آباءهم وإخوانهم وسرق أموالهم ، وهتك أعراضهم ، وطعن في نبيهم صلى الله عليه وسلم ، بل وحرّف القرآن وادعى النبوة كطليحة الأسدي ..؟!



    كيف سيقبلون توبة عكرمة وأبي سفيان ووحشي وسجاح ...؟!

    ومع كل هذا ، فنحن هنا إنما نذكر أحداثاً واقعية عملية شهودها طبقات الشعب العراقي بمجمله ... شهودها التجار ، وطلاب المدارس ، ورواد المساجد ... الذين وإن لم يدلِ أكثرهم بشهادته ، فإنا مطمئنون إلى أن هذا المبحث سوف يكشف القناع عن أعين شهدت هذه الوقائع ... وسوف تقر اليوم بها ، بل وتدلي بشهادتها إذا اقتضى الأمر ذلك .

    وبناء شهادة على الوقائع هو المنهج الشرعي المعمول به قضاءً ، والمعمول به عند دخول الإسلام ، وعند الأخذ بالجرائر وبالجرائم ، وعند العقود ، وفي عموم الأعمال الدنيوية ... ومن أبى ذلك ، فليستحضر كم كان غضب النبي صلى الله عليه وسلم على أسامة لعدم أخذه بظاهر ما سمعه من شهادة رجل محارب في حالة حرب ، ثم ينتقل إلى حـالة هزيمة ، ومنها إلى حـالة قتل ... إلى آخر لحظة ... وعندها يعلـن الشهادة...! فمع أن كل القرائن مع أسامة ، إلا أنه استحق ذلك الغضب النبوي العظيم ... رضي الله عن أسامة .

    وانظروا كيف كان تعامل النبي صلى الله عليهم وسلم مع المنافقين ، فقد كان يأخذهم بظاهرهم ، فهاهو النبي صلى الله عليه وسلم يُدخل رأس المنافقين عبد الله بن أُبَي مع مستشاريه حول غزوة أحد في الخروج أو المكوث بالمدينة والقيام بحرب مدن ، ورغم معرفته بنفاقهم إلا أنه يرضى بخروجهم معه لتلك الغزوة ، ورغم خيانتهم فقد رضي بدفاعهم معه عن المدينة في غزوة الخندق ولم يعاقبهم بعد هذه الغزوة رغم ماقاموا به من محاولات كثيرة لزعزعة الصف .

    ونحن نسأل هل صدام في منزلة المنافقين وهو قام بما قام به من أعمال خَيّرة في عقده الأخير رغم أنه مَلِك وليس بمملوك كمنافقي المدينة حيث كانوا تبعاً للرسول أما صدام فهو حاكم يستطيع أن يفعل ما يشاء أن يفعله [ بمشيئة الله ] فهو الآمر والناهي في بلده .



    وعلى هذا فنحن مجتهدون في هذا الكتاب فإن ظهر أنّا مخطئون ـ لا قدّر الله ـ في تغير الرجل الحقيقي ، فلن نكون مخطئين في اتباع الأصل الشرعي الذي ذكرنا ... وما وسع القاضي المخطئ يسعنا ... ولو علم النبي صلى الله عليه وسلم بالغدر الذي واجهه القراء في الرجيع ، ما أرسل واحداً منهم ، ولو علم النبي صلى الله عليه وسلم بمخالفة الرماة لأوامره في غزوة أحد – وما ترتب على ذلك من هزيمة المسلمين – ما وضع أحداً منهم على ذلك المكان المهم .






    صدام في ميزان الإسلام

    الجزء الثاني

    الفصل الثاني : جولة في حياة صدام



    قام فريق ' مفكرة الإسلام ' العامل في العراق بمحاولة جمع مجموعة من الحقائق والتغيرات والتحسينات بأمانة شرعية عن حياة صدام حسين نستطيع أن تقول عنها ونحن في غاية الاطمئنان : هذه شهادتنا ، والله على ما نقول شهيد ...
    نحكيها دون النظر في نوايا صاحبها [ صدام ] ودون النظر في تأويل كاتبها [ موقع مفكرة الإسلام ] أو فهم قارئها [ أنت ] علماً بأن هذه التغيرات لم تجمع في مكان آخر فيما نعلم أبداً ـ قبل ـ هذا الكتاب ، كما أن هذا الجمع اتصف بشمولية البحث فيكفي أن الإخوة ينتقلون أحياناً مسافة تتجاوز 300 كم من أجل التأكد من جزئية معلومة معينة ، وفي آخر ستة أشهر قبل سقوط صدام قام هؤلاء الإخوة بضرب العراق طولاً وعرضاً مدة ستة أشهر لم يعرفوا خلالها أهلهم ، و هؤلاء الإخوة سبق أن نالهم أذى في فترات سابقة من حكم صدام ولم يكن لهم حُظوة لديه ولامنصب ولاقُرْبة .
    وماسنذكره من حقائق لا يستطيع أي عراقي داخل العراق يتمتع بالإنصاف ، والاطلاع أن ينفيها أو ينفي واحداً منها ، اللهم إلا أن يقول عن بعضها : لا علم لي بها !
    وما كان هذا البحث وليد يوم واحد ولا نتيجة جهدٍ شخصي ، فإن مما لا شك فيه أن من يجمع بنفسه ، ويترصد ويستقصي بنفسه ومن غيره ، ويدقق في الوقائع والأحداث يختلف بحثه كثيراً عمن يتلقى من جهة واحدة كما يختلف عن من يتعامل مع هذه الأمور كبحث تفصيلي ، ودراسة مسؤولة .... يؤديها كشهادة يخشى سؤال الله له يوم القيامة ، كما يخشى من تعلق أناس به ، ربما تحمل وزر إضلالهم فيهلك من حيث لم يدر ، ولم يكسب ، ولم يحتسب ..!
    ولذلك فإنا لا نشك أبداً أن الناظر في هذا الكتاب من العراقيين المستوطنين خارج بلادهم والمدمنين على *** صدام وذمه ـ من الإسلاميين ـ سيكون له هذا البحث كالصدمة التي تفيقهم من وهم عميق عاشوه طويلاً من غير أن يشعروا ، ورددوه كثيراً من غير أن يتبينوا ، حين صدقوا كل وارد ذم ـ عن صدام ـ ، وقد كان كثير منه ـ ولا أقول كله ـ وارد شيطان ...!
    بل إنا لنعتقد جازمين بأن كل واحد من أهل السنة والجماعة إذا قرأ هذا البحث ، ورأى ما فيه ، سوف يزيد على مجموع الإيجابيات المجموعة هنا الكثير الكثير مما فات ' مفكرة الإسلام ' ذكره في الشهادة الملحة ، وهذا ما نطالب به كل عراقي منصف ، لديه من المعلومات الحقة ما يزيد على هذا البحث أن يذكرها بغير تردد ...
    إنها شهادة ، فما عاد أمر صدام حكراً على أحد أو وقفاً على أهل أو بلد ، والشهادة لا يؤخذ عليها جعلاً ولا خرْجاً [ فخراج ربك خير وهو خير الرازقين ] .
    ومن باب الشهادة جاءت هذه الأعمال التي حدثت بأمر من صدام حسين نفسه في العقد الأخير من حياته ، فلم تكن خطابات جماهيرية ، ولا أحاديث تحدّث بها ليخادع مجموعة من المشايخ ، ولم تستمر ليوم أو لشهر أو سنة ، ثم رفعت ... بل هي قرارات طبقت على أرض الواقع ، ولمدة تزيد على عقد من الزمان تقريباً ، ولم يتوقف العمل بها إلا بخلعه من ملكه .
    ونحن ننقلها كما هي من الواقع ، تاركين لطالب الحق الحكم ، مستبقين أو معقبين على كل نقطة منها بتعقيب للإثبات والمقارنة ...









    القسم الأول من الحلقة الثانية







    1. منذ عشر سنين تقريباً أصبحت حصة التربية الإسلامية في المدارس العراقية إلزامية في الاختبارات والدرجات ، حيث يدرس الطالب فيها مادة متنوعة من قرآن وتفسير وتربية إسلامية ، فيأخذ طالب الابتدائي خلال الست سنوات حصة كل يوم وإذا ارتقى إلى المرحلة الإعدادية فيأخذ ثلاث حصص كل أسبوع ومثلها أيضاً في المرحلة الثانوية ، وقد كانت قديماً حصص الدين شبه معدومة ، ولكن بدأت في الارتقاء حتى وصلت لهذه المرحلة ، وحسب معلوماتنا فقد كانت هناك نية أكيدة لدى حكومة صدام حسين لكي ترفع هذا المعدل لأكثر من المقرر على المراحل التعليمية وقد تقرر إضافة حصة القرآن الكريم على طلاب الكليات الجامعية بمختلف التخصصات ، وأبلغ الطلاب بهذا ولم يتمكن من العمل به في وقتها، ولكن ذهاب صدام وزوال حكمه أفسد هذا الأمل لدى كل عراقي .
    - وعندما نقارن هذه المناهج بالمناهج المدرسة في المدارس الحكومية للدول العربية فسوف نجد أن هذا العدد يساوي بالضبط العدد في مصر ويتفوق على التعليم في الكويت والإمارات والبحرين وعمان والأردن وغيرها ، ففي الكويت مثلاً يدرس الطالب خلال الأربع سنوات الأولى من الابتدائي وكذلك أول سنتين من المرحلة المتوسطة أربع حصص دين [ حصتان قرآن وحصتان تربية إسلامية ] ، وفي السنتين الأخيرتين من المتوسطة والسنتين الأوليين من المرحلة الثانوية يدرس الطالب ثلاث حصص [ حصة قرآن وحصتان للتربية ] ، وفي السنتين الأخيرتين من المرحلة الثانوية يدرس الطالب حصتين فقط [ قرآن وتربية إسلامية ] ، وفي الإمارات يدرس الطالب من الصف الأول ابتدائي إلى الصف الثالث خمس حصص أسبوعياً ، ومن الصف الرابع ابتدائي حتى نهاية المرحلة المتوسطة يدرس الطالب أربع حصص دينية ، وفي المرحلة الثانوية يدرس الطالب ثلاث حصص ، وفي البحرين ليس لحصص الدين من مجموع عدد الحصص سوى حصتين أسبوعياً في المرحلة الابتدائية والمتوسطة بينما في المرحلة الثانوية تكاد الحصص تنعدم حيث يأخذها الطالب فصلاً ويتركها فصلاً حتى يتم تخرجه من هذه المرحلة ، مع العلم أن كل هذه الحصص حسب معلوماتنا ستخفض في جميع هذه الدول وغيرها من الدول العربية بناء على الطلب المقدم من أمريكا ، حيث كانت أمريكا بعد أحداث سبتمبر قد أيقنت في نفسها أن سبب تطرف المسلمين [ المزعوم ] هو المناهج المدرسية ، فبدأت بالضغط على الحكومات الإسلامية لكي تقوم بمثل هذا التغيير ، فوافقت جميع الدول صراحة أو ضمناً على مثل هذا الطلب ، فحذفت الآيات التي تدرس في مادة التفسير ولها علاقة باليهود والنصارى ، ومثلها الحروب الصليبية تم حذفها من مناهج التاريخ ، وألغيت حقيقة كليات شرعية بحيث أُضيف لها الذي يُذهب حقيقتها كإدخال كليات الطب والهندسة والرياضيات وغيرها على الكليات الشرعية ، ولكن يجب أن نعترف أن العراق كان على خلاف هذا التوجه بالكامل فهو كان منطلقاً على خلاف التوجهات الأمريكية ولهذا كان الخوف لدى أمريكا أن ينشأ جيل جديد يشعر بانتمائه وهويته ، ويزداد خوفها عندما تعلم أن هذا الجيل سيظهر في بلد له تاريخه العظيم في حكم العالم وتسييره .. إنها أرض الخلافة الإسلامية .

    2. أصدر صدام حسين قراراً بإسقاط الضريبة عن أي تاجر يبني مسجداً ، بل إن التحفيز ظاهر في بناء أكبر عدد من المساجد وأكبر مساحة للمسجد الواحد ، حيث إن مقدار سقوط الضريبة عن أموال التاجر بمقدار تكلفة بناء المسجد أو عدد من المساجد ، ونحن نتساءل: هل يعقل أن هناك رجلاً يحارب الإسلام من جذوره ويسعى لخلعه ربقة ربقة ثم يسعى لتحفيز الناس لبناء مأوى الدعوة الحقيقي والذي تنطلق منه حقيقة الإسلام ؟!!!
    - وعلى خلاف هذا فقد شاهدنا دولة مسلمة قامت بأمر قد وقف الناس أمامه مذهولين ... فهو ليس هدية لمن بنى مسجداً ، أو تكريماً لمن عَمَر مساجد الله أو عمَّرها ، وليس عقاباً لمن هجرها أو تعدى عليها ، ولكن الحقيقة المرة أن هذا البلد أغلق ستين مسجداً في عاصمته بدعوى أنها تخرج المتطرفين والإرهابيين ، فأين هذا من ذاك ؟!!!
    3. قام ببناء الكثير من المعاهد الإسلامية والكليات الشرعية للسنة ، ومن هذه المعاهد نذكر منها: المعهد العالي للإمامة والخطابة بفروعه المتعددة ، وجامعة صدام للعلوم الإسلامية ، وكلية المعارف وهي كلية أهلية تدرس العلوم الشرعية في الرمادي ، والمشرف عليها هو الدكتور عبد الرزاق السعدي ، بالإضافة إلى كلية العلوم الإسلامية بفرعيها : أصول الدين والشريعة وغيرها كثير ، ونحن تعلمنا من التاريخ قديماً وحديثاً أن الظالم يسعى لحجب نور العلم والمعرفة عن الأتباع ، لأن حقيقة المعرفة المستقبلية تؤدي في الغالب إلى تربية النفوس على البذل والتضحية في سبيل أي هدف نبيل ، وهذا مايخشاه كل ظالم ، فلماذا يسعى مثل صدام إلى نشر مراكز العلوم هذه ، وهي ليست ككل العلوم بل هي علوم شرعية والتي تؤدي في واقعها إلى مراقبة العمل ومحاسبة المسئول ، وهذا أخشى ما يخشاه كل إنسان مستبد .
    - ولو تتبعنا كثيراً من البلدان لوجدناها تسير على غير نهج صدام ، فالجامعات الشرعية محاربة حرباً شعواء ، فهي المطلب الأمريكي القادم ، ولهذا حاولت الكثير من الحكومات إلغاء حقيقة هذه الجامعات مع بقاء اسمها ، فأُدخلت فيها أقسام ليست بشرعية كالطب والهندسة والرياضيات ونحوها ، وقُللت التوجهات الشرعية للجامعة مثل تخفيض المناهج أو إلغاء أقسام كانت موجودة من خلال مايسمى بالتطوير التعليمي . بخلاف الكليات غير الشرعية فهذه لايمكن أن يضاف لها أي قسم شرعي بأي حال من الأحوال .
    كما وألغى كلية الفقه التي كانت تدرس المذهب الشيعي وذلك بعد أن رأى خطرهم على الأمة العراقية ، ورغم ماقام به الشيعة من اعتراضات إلا أن ذلك لم يجعله يتراجع عما قرره ، وأصبح توجه الدولة تهميش هذه الطائفة والعمل على تجفيف منابع تهييجها ضد أهل السنة في العراق .
    - وعلى خلاف هذا التوجه نجد الأغلبية الساحقة من حكومات البلدان الإسلامية تنطلق بقوة نحو تبني هذا المذهب إما قناعة به أو رغبة في إشغال الإسلاميين بهم حتى لايثيروا أي متاعب للدولة ، فتجد في تشكيلة بعض الدول ذات الأغلبية السنية الساحقة العديد من الوزراء ، بينما لا تجد في العراق في التشكيلة الأخيرة للحكومة إلا وزيراً واحداً أختير بحكم ولائه لا بحكم مذهبه ، وهو محمد سعيد الصحاف .هذا وعدد الشيعة في العراق ليس بالقليل .
    4. طبق نظام صدام السابق في قضية المرأة العراقية الحكم الشرعي في مسألة السفر ، فلم يجعل لها الحرية في السفر بدون محرم لما يترتب على ذلك من مفاسد عظيمة ، وهذا نص الحديث النبوي : ' لايحل لامرأة أن تسافر ثلاثة أيام بلا محرم ' وهذا من ضمن ماشنع العلمانيون على صدام في مجال حريات المرأة ، ولم يكن صدام لوحده من يطبق هذا الحكم الشرعي بل سبقته إليه السعودية منذ نشأتها ، وكذلك مازال هذا الحكم الشرعي مطبقا إلى ساعة إصدار هذا الكتاب في دولتي الكويت واليمن فقط حسب علمنا ، ونظن أن هذا ليس مما يذم به بل مما يمدح عليه ، لا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم ، ولكنه شدد كثيراً في مسألة المتزوجة حيث يشترط أن يسافر معها زوجها ، ونحن نتساءل أين ذلك الخطيب الذي كنا نسمعه بعد أزمة الخليج الثانية وهو يقول : إن صدام قد سعى لنشر الزنا ومحلات الدعارة بين الشعب العراقي ، وكأن الشعب العراقي شعب عهر وفجر ، ولكنها العجلة والتسرع في إطلاق الأحكام وإصغاء الآذان لما يقال في كثير من المصادر الإعلامية .
    - وليت هؤلاء الخطباء انبروا لبعض دول العالم الإسلامي التي تصدر نساءها بالليل والنهار إلى بلاد بعيدة لايعرفن المسكينات ماذا سيكون مصيرهن . هل سيعملن في عمل شريف أو **** أو مهين ؟
    5. ظهر حزب البعث في عالمنا الإسلامي كغيره من الأحزاب القومية والعلمانية ، ولكن عندما نتتبع عجلة حزب البعث نجد أنه على خلاف باقي الأحزاب العلمانية أو من تتلحف بلباس العروبة ، فحزب البعث عند مراقبة تنظيماته ومناهجه تجد أنه في حالة تقدم بل وتغيرت جلدته كثيراً ، ولا نقول إن هذا التغير هو تغير تنظيمي لا علاقة له بشرع الله ، بل شكلت لجنة بعد أزمة الخليج بإعادة صياغة المناهج التي تشكل العقلية الدينية لحزب البعث ، وفعلاً خرجت تلك اللجنة بتوصيات مهمة وعرضت على المسئولين من أجل النظر فيها ، وكم كان العجب كبيراً فقد كتبت التوصيات كإبراء لذمة كاتبيها أمام الله وهم كانوا على يقين أنها سترفض ، ولكن تمت الموافقة على أمور مهمة جداً ، فقد عُمّم منهج شرعي علمي على جميع الحِلَق الحزبية مهما علت ، وتم إنشاء معهد مدته سنتان ، ويتم فيه تدريس العلوم الشرعية لكوادر الحزب ، وصدرت أوامر تحذيرية بمعاقبة المتخلفين عن حضور مثل هذه الدروس وغيرها في المعهد ، والذي وضع المنهج أحد الشيوخ الذين نثق بدينه وعلمه ، ومن الأمثلة على ما هو مقرر على الطبقة العليا من مستوى [ عضو فرقة ] حفظ ثلاثة أجزاء من القرآن الكريم ، وتم اختيار كتاب ' فقه السنة ' للسيد سابق ، و ' منهاج المسلم ' لأبي بكر الجزائري ، ومازلنا نذكر كلمة حق من الشيخ عايض القرني قالها في لقاء إذاعي مع إذاعة إم بي سي أثناء ضرب العراق في حربه الأخيرة حيث قال إن حزب البعث قد تغيرت كثير من المفاهيم لديه .
    - وعلى خلاف هذا الوضع ففي بلد أفريقي تفصل أي عضوة في الحزب الحاكم تلبس ثوباً يصل إلى الكعبين .
    - وتم القبض على عضو في الحزب الحاكم في بلد آخر نتيجة تعاطفه مع قضية فلسطين وخروجه مع الناس للتعبير عن شعوره .
    - وفي بلد آخر يسألون وزير في حزب حاكم آخر عن تحكيم القرآن في تلك البلد هل سيكون قريباً فقال لهم ذلك الوزير : أنا مشغول جداً فما استطعت فتح القرآن كثيراً حتى أعرف ، ونحن لانعرف أي حزب حاكم غير ماذكرنا سابقاً يفرض على أحد من منسوبيه حفظ ربع جزء من القرآن فضلاً عن ثلاثة أجزاء ومعها شيء من العلوم الشرعية ، ونقولها بخطاب واضح : إنا نرى أن كل حزب لايتقمص بقميص الشرع فالتحذير منه واجب والحذر منه مطلوب سواء كان حزب البعث أو غيره ، ولكن كما قلنا هذه شهادة سوف نسأل عنها أمام الله يوم القيامة .
    6. كما قام صدام بإلزام أعضاء حزب البعث ببرنامج عملي فضلاً عن البرنامج النظري الذي ذكرناه في النقطة السابقة ، حيث أمرهم بأداء الفروض الخمس جماعة في المسجد والصلاة الأسبوعية ' الجمعة ' ، وشدد على أن هذه الصلاة يجب أن تصلى في المسجد ، ولانعلم إن كانت هناك عقوبة لمن ثبت تركه الدائم لتلك الصلاة في المسجد ، ولكن مجرد الأوامر بهذه الأشياء يعتبر حدثاً مهماً .
    7. بعد انتهاء حرب الخليج الثانية بهزيمة القوات العراقية أمام قوات الحلفاء وقعت العراق تحت حصار ظالم قلّ أن تجد في التاريخ مثله ، وتهاوى اقتصاد البلد حتى أصبح من يجد كل شهر ثلاثين دولاراً فإنه قد أُوتي خيراً عظيماً ، وأصبح الناس يتزاحمون على كل مكان يتوقعون وجود طعام فيه حتى اضطر بعض أبناء أرض الخلافة الإسلامية للتزاحم على براميل القمامة والله المستعان ، وصارت الأم تشاهد ابنها يموت جوعاً أمامها ، وكم شاهدنا من صور المأساة الشيء الكثير ، أطفال على شكل هياكل عظمية قد بَدَت عظامهم الزكية واضحة المعالم يكسوها جلد قد أحرقه الجوع وانعدام الطعام ، واضطرت المرأة المسلمة الحرة أن تبيع عرضها حتى تطعم جوع صغيرها المتهالك وهي تحتسب عند الله أن يجازي من كان من المسلمين سبباً في ذلك ، إلا أن الوضع تطور كثيراً ، وصارت مثل هذه الأعمال فرصة لكثير ممن مات قلبها وقل حياؤها ، فانتشر الزنا في بعض الفئات والمجتمعات وظهرت ظاهرة مايسمى بنات الهوى أو الدعارة الفردية والتي أصبحت في ذلك الوقت لافتة للنظر ، وأُوصلت هذه الظاهرة إلى صدام في إحدى جلساته ، وتغير وجهه ثم أخذ يرعد ويزبد ، ورأى أنه يجب قتلهم ، ولكنه توقف في آخر لحظة وشكل مجموعة صغيرة من أحد المسئولين الكبار وثلاثة من الضباط وطلب منهم التباحث مع أحد العلماء المصلحين في العراق في شأن قتلهن ، وبينما كان ذلك العالم في بيته بعد صلاة الفجر وإذا هو يُطرق عليه الباب ، فلما سأل عمن بالخارج أجابه أحدهم بأننا من جهة سيادة الرئيس صدام ، وكان الشيخ كعادته مهيباً وقوراً فلم يثره ذلك ، وفتح الباب وأدخلهم وبلّغوه ابتداء بسلام الرئيس له ثم طلبوا منه أن يبحث لهم في الشريعة عن إمكانية قتل مثل هؤلاء الداعرات ، وشرحوا له بأدب كيف أن الشر بدأ يعُمّ ويزيد ، وأن بعض الفاجرات بدأن يغرين غيرهن بمثل هذا الفعل الشائن ، وأفتى لهم ذلك الشيخ الصالح [ نحسبه كذلك ولا نزكي على الله أحداً ] بجواز هذا الفعل لحين انكفاف هؤلاء المفسدات عن مثل هذه الجريمة الكبرى ، وانطلقت هذه اللجنة إلى صدام وكأنها تبث إليه هذه البشرى ، ولم يمض يومان حتى بدأت عمليات تطهير المجتمع من مثل هؤلاء الساقطات ، وتم قتل أكثر من ثمان وأربعين عاهرة مفسدة ، وحتى يتم الزجر لغيرهن فقد كانت جثثهن توضع في إناء بلاستيكي كبير ، ثم توضع في أوانٍ أمام بيوتهن حتى يراهن الناس ، وتنزجر كل مفسدة عن مثل هذا العمل ، ويا سبحان الله فقد كانت النتيجة عجيبة جداً ... انكفاف شبه تام في أرجاء البلاد عن مثل هذا العمل الشائن ، وحديث متواصل لعدة أشهر عن الجثث اللاتي رآهن الناس ملقاة لهؤلاء الداعرات ... واليوم عادت بائعات الهوى على أوسع نطاق في أماكنهن المعروفة ، كحي الطرب ، وشارع بشار في البصرة وغيرها من الأماكن ممن يرتادهن نساء من مذهب معروف .
    ونحن نتساءل ماذا يعني حرص هذا الرجل على تطهير بلده من مثل هذه الجرائم ؟ وماهو موقف ذلك الخطيب أو الداعية والذي كنا نسمعه وهو يحرض الناس على مثل هذا الرجل ويزعم أنه نشر الفساد والخراب والانحلال في المجتمع دون تمييز لفترة عن الأخرى بل يحكم بها على حال ماقبل حرب العراق والكويت ؟
    - وعندما تتبع غير بلد العراق من بلدان أخرى تجد العجب ، فبعضها يقنن الدعارة كعمل رسمي تعطى عليه العاهرة بطاقة مهنة وظيفية ، وتضعها على صدرها كمهنة شريفة تكسب منها قوت يومها في صورة لم تجرؤ حتى بلدان التحرر العالمية أن تفعلها ، ولـم يُمنع هذا العمل الرسمي إلا قريباً في ذلك البلد !!!!! .
    - وبعضها يصدر سنوياً عشرات الألوف من بنات ذلك البلد في رحلات عُهْر تحط من معنى كرامة المسلمين ، وتحقر من شأنهم ، وكل ذلك بموافقة سرّية وتهديد علني .
    - وبعضها تحرم زواج الرجل من اثنتين ، وإن ثبت ذلك فعليه الويل والثبور وأما إن كانت صديقة أو خليلة فلا حرج في ذلك .
    - وفي بلد عربي أسيوي صغير استقدمت طفلات من الشيشان يتجاوزن عددهن المائة طفلة على اعتبار أنهن يتيمات يجب الاعتناء بهن ، وعندما نزلن في مطار ذلك البلد ساقهن هؤلاء إلى بيوت الدعارة ومواخير الزنا في صورة تذكرك بما فعل الأسبان بالمسلمين في الأندلس ، وبما فعل الصرب بأهل البوسنة .
    -ومن المضحكات المبكيات ما حصل في بلد آخر يحرم التعدد حيث قبض على أحد المسلمين لأنه متزوج من اثنتين ، ولكن حتى يخرج من هذا الحرج فقد أخبرهم أن الأولى زوجته والأخرى عشيقته ، فضحك القاضي وقال له : الآن أنت أحسنت .
    - وفي بلد آخر متى ما قبض على العاهرة فيكفي تعهد بسيط عند أجهزة الأمن ثم تطلق سراحها .
    - وفي أقطار تتجاوز الأربعة تجد إدارة فنادقها تقول لك إن الدعارة لدينا ممنوعة ، وفي نفس اللحظة وباستخفاف وقح تجد أمامك عند الاستقبال عشرات ******** فيصيبك الغثيان من مثل هذا الاستخفاف .
    - وفي بلد آخر يحاسب رجل بالسجن لعدة سنوات لأنه تزوج خمساً من النساء مع أنه تزوجهن في أوقات متفرقة ، وأثناء مداولات قضيته في أروقة المحكمة خرج رجل من ذلك البلد وقد أعلن أنه تزوج زواجاً عرفياً بأكثر من مائتين وعشرين امرأة مع أن هذا الزواج هو زنا حقيقة ، وقد كان محرماً نظاماً في ذلك البلد ، وما كان من صحافة ذلك البلد إلا أن وصفته بأنه الشهريار النسائي وطالبت الصحافة بعرضه على الموسوعة العالمية لأنه كنز يضاف لقائمة كنوز هذا البلد وقابلته الصحافة تسأله عن صداقاته وعلاقاته وتطالب بتكريمه ولانقول إلا حسبنا الله ونعم الوكيل .
    - وفي قُطْر آخر اشتهر بالدعارة العلنية قام رجل بمحاولة تطهير بلده من تلك ******** فقتل خمساً منهن ، فصدر الحكم بإعدامه بدعوى أنه مجرم روّع الآمنين ، وقتل أفراداً مساكين ، وفي نفس الوقت كانت هناك قضية كبرى في ذلك البلد حيث قبض على فرنسي قام بهتك عرض أكثر من مائتين طفل وطفلة مسلمين خلال عشر سنوات مضت من خلال إدارته لمدرسة أجنبية كان يتولى شئونها ، وساد مدينة التي حدثت فيها القضية اعتقاد أنه سيعدم لا محالة وإذا بالقاضي العزيز يخرج بحكم تستحي أن تحكم به أسوأ محكمة فرنسية ، فقد حكم عليه بالسجن عشر سنوات فقط ، وحتى لا يظلمه فقد طالب ذلك القاضي بأن تحسب منها مدة اعتقال ذلك الفرنسي السابقة ، وهكذا ذهبت أعراض صغارنا وأطفالنا وقدمت هدية لذلك النصراني ، ولكنها كانت بيد وللأسف مسلمة ، فأين تلك الأقلام عن مثل هذا الحدث ؟!!! أين تلك الخطب والمحاضرات عن مثل هذه الجرائم أم أنا مثقفون ودعاة نتحرك بناء على تحرك الإعلام وكأنا عرائس صورية تحركنا خيوط دقيقة في عـروض مسرحية ؟!!!
    8. الدكتور عبد اللطيف هميم رجل ذكي وفطن ، وقد ناصح الدكتور عبد اللطيف صدام بضرورة فتح بنك إسلامي ، وكانت الاستجابة سريعة جداً ، فلم تستغرق سنوات أو عقود وإنما عدة أشهر بسيطة وإذا البنك قائم بنظامه وأفراده وماله .
    - فإنشاء البنك هنا عن قناعة تامة وليس اضطراراً مثلما يحصل في كثير من البلدان ، والتي لما شاهدت بنوكها الربوية تتكبد الخسائر العظيمة نتيجة إعراض الناس عنها متجهة للبنوك الإسلامية قامت بإنشاء فروع إسلامية لتلك البنوك الربوية رغبة في جلب الأموال وسد المنافع عن غيرها من البنوك الإسلامية .
    - وفي بلد إسلامي آخر يضيق على أي بنك إسلامي جديد بطريقة تجعل من المستحيل إنشاؤه ، فيشترط النظام على أي بنك إسلامي جديد أن لايضع مقره في الدور الأرضي أمام الناس بل لابد أن يكون في الأدوار العلوية ، ويشترط عليه عدم وضع لافتة تدل عليه بل يفتح البنك بدون أي علامة يشاهدها الناس ، ويشترط عليه أن لايسلم الناس أموالهم في اللحظة التي يريدونها بل لابد أن يقدم الطلب ويسلم لصاحب المال ماله بعد ثلاثة أو أربعة أيام أو أكثر ، وتجد رجال الأمن السريين يراقبون هذا البنك كل لحظة لعله يتجاوز أي شرط فيغلق مباشرة .
    9. ناصح الدكتور عبد اللطيف هميم حفظه الله صدام بضرورة الاهتمام بالسنة وأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم خاصة بعدما نشر الرافضة شبههم حول أحاديث السنة ، وطالبه بضرورة إنشاء موقع يعتني بمثل هذا العمل ، وتفاجأ الدكتور بموافقة الرئيس على ماهو أكبر من هذا بكثير بحيث لم يخطر على باله ، فقد أمر بإنشاء مركز لجمع السنة النبوية كلها وقد سمي بـ ' مركز الإمام البخاري ' ولم يسمه مركز صدام حسين ، حيث تولى مسؤوليته الفعلية الدكتور ماهر فاضل ، وقد كان عدد العاملين فيه كبير جداً على نفقة الرئيس ، وقد وفرت لهذا المركز مصادر السنة كلها .
    - وعلى خلاف هذا نجد أن هناك من يطبع كتباً كالكتاب الأخضر ويقول إنه أعز من كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم .
    - ونجد هناك من يغلق أو يضيق على الكليات التي تدرس سنة النبي صلى الله عليه وسلم وفي نفس يفتح فروع السياحة والفن والرقص وغيرها مما لاتسر مؤمن .
    - وهناك من أوقف طباعة كتب السنة بعدما كان ينشرها من خلال وزارة الثقافة ، ورغم أن هذه لها ميزانية مرصودة من خلال أوقاف المحسنين الذين يبتغون الأجر والثواب بحفظ سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ... فلا كتب طُبعت ولا أموال أُرجعت .
    10. اشتهرت العراق بتعدد أماكن اللهو فيها منذ الستينات ، وخاصة في المدن الجنوبية بحكم انفتاح الشيعة فيها ، وقد حصل في مجلس صدام حسين حديث عما يحصل في هذه الأماكن من جرائم خلقية حتى أصبحت مرتعاً للفساد والإفساد ، فقام بتحويل مااشتهر منها بالانحرافات إلى أماكن مساجد ودور عبادة ، وفي هذا إشارة واضحة إلى توجه الرئيس ، ونضرب على ذلك مثلاً بما حصل في منتزه لبنان في مدينة البصرة والذي جاءه وقت وهو يعد مرتعاً لبيع الأعراض وعقد الصفقات المشبوهة ، وقد تم تحويل هذا المنتزه إلى مسجد يصلي فيه الناس الجمع والجماعات ، وقد سمي مسجد صدام الكبير ، وهو الآن أكبر مساجد البصرة فعلاً .
    - على عكس من ذلك مارأينا في أحد البلدان التي زرناها حيث رأينا فيها حديقة كبيرة لأحد حكامها السابقين وتعجبنا من وجود شباب وبنات في أماكن مظلمة في أوضاع مريبة ، فلما سألنا عن ذلك كان الجواب عجباً ، قالوا : إن هذه مرتع متعارف عليه بين العشاق ، وإن الحكومة قد منعت شرطة الآداب من القرب منه من أجل توفير مناخ مناسب لمثل هؤلاء .
    - وبلد آخر جعل حدائق بلده الكبرى مكان استجلاب للفرق الاستعراضية الأجنبية من نصرانية وبوذية ووثنية فأصبحت تلك الحدائق مكاناً خصباً لبعض الاستعراضات الخالعة والله المستعان ، فأين الحديث عن مثل هذه المنكرات ؟ وأين الشجاعة التي تجعل الناصح يحاول تصحـيح مثل هذه الجرائر الكبيرة أم أن الشجـاعة لاتظهر إلا عـلى أشخاص دون أشخاص ؟!!!
    11. أصدر الرئيس قراراً بمنع إنشاء أي خمارة جديدة في البلاد ، وأمر بإغلاق الخمارات التي مازالت تعمل ، ومن يجرؤ على خلاف أمره ؟!! ، وتجاوز هذا فأمر بتحويل خمارة كبيرة في الرمادي إلى جامع أسموه بجامع الحق ، ونحن نعرف شخصياً الشيخ الذي دخل على صدام وناصحه بمنع الخمرة ، وقد أمر صدام بإزالة هذا المنكر فور خروج الشيخ من مكانه مع العلم أن الخمر والملاهي تعد المصدر الثالث من الدخل القومي لدولة العراق .
    - وعند تجوال الخاطر في دول أخرى سيجد أن دولة أفريقية عربية تجاوز عدد خماراتها عدد مساجدها .
    - وفي عاصمة أخرى صدرت أوامر صارمة من حكومة ذلك البلد بوجوب العناية بمحلات الأشربة الكحولية [ كما يسمون الخمر ] من أجل تحسين المظهر العام لها أمام السياح الأجانب وفي نفس الوقت رفضت هذه الحكومة أكثر من خمسة وأربعين طلباً لتصليح مساجد تلك العاصمة بدعوى أن المقصود هو أداء الفرائض فيها وليس الانبهار بجمالها .
    12. فتح صدام باب مشاركة المرأة في جيش القدس ولكنه اشترط لها شرطين : أن يكون اللبس ساتراً وأن تضع الحجاب الشرعي على رأسها ، وفعلاً حصلت استجابة كبيرة بين هؤلاء النسوة .
    - بينما في بلاد أخرى مسلمة يشترط الجيش على المرأة أن تلبس لباساً عسكرياً يجب أن يكون على مستوى الركبة في ظاهرة تزين الفاحشة للناظر وتشجع المنظور ، أو تلبس بنطالاً تهتز به ماشية أمام زملائها من الجنود في صورة تحرك نوازع الشهوة وتقوي دواعي الرغبة .
    - وفي بلاد أخرى أيضاً تمنع المرأة المحجبة من العمل ، والطالبة من الدراسة ، وتوضع تحت التضييق والمراقبة .
    13. فتح باب البرامج الدينية في القنوات والإذاعات العراقية ، ومن ذلك نقل صلاة الجمعة ، وتعاد الساعة الثامنة مساءً ، وتوجد برامج دينية تربوية ووعظية يومية في فترة الصباح وما بعد الظهر ، خاصة بالحملة الإيمانية ، وذلك في محطة بغداد والتي يستمع الناس فيها لمثل هذه البرامج بكثرة ، وهذه يسمونها بالفترة الذهبية والتي يستمع الناس فيها لمثل هذه البرامج بكثرة .
    - بينما في قنوات بلدان أخرى تجد الفحش بأنواعه منتشرا حتى وقت صلاة الجمعة من غير مراعاة لشعور المسلمين هناك وقبل ذلك الحياء من الله .
    - وقنوات أخرى تحاول أن توجد ما يسمى بالإسلام المنفتح فتقدم برامج تشوه جوهر الإسلام أو تحرفه من خلال أبواق متشبهة بالعلم وأهله .
    - كما أن كثيراً من البلدان تعرض البرامج الدينية في أوقات ميتة شعبياً مثل آخر الليل والفجر ونحو ذلك من الأوقات التي لا يعيرها الناس أي انتباه وذلك من باب القول بوجود اهتمام بالنواحي الدينيـة.







    14. إجازة الشيخ للطالب وثيقة مهمة عند أهل العلم ، وكانت وسام شرف يضعه كل طالب علم على رأسه تزيد من قدره أمام الناس ، وتعطي الناس ثقة بما عنده ، ومع خروج المدارس النظامية ذهبت أهمية هذه الوثائق العلمية ، وصارت الشهادة التي ينالها البليد أعظم لدى الناس من إجازة ينالها شيخ بارع ، وهكذا ماتت أهمية مثل هذه ، ولكن كان لصدام رأي آخر ، فقد جعل إجازة الشيخ في العلوم الشرعية تعدل هناك شهادة بكالوريوس في الشـريعة ، فيستطيع الطالب المجاز بعد الحصول عليها التقديم إلى الدراسات العليا ، وهكذا أحيا العلم الشرعي بطريقته القديمة النافعة والتي خرجت علماءنا الأجلاّء .
    - وعندما تحاول مقارنة هذا بما يحصل في العالم الإسلامي تجد الفرق شاسعاً ، فلن نتكلم عن الإجازة الشرعية لأنها أصلاً لا يوجد لها مصطلح لديهم فضلاً عن اعتبارها ، ولكنا سنتكلم عن المعاهد العلمية التي أغلقت أو الكليات الشرعية التي دمجت مع غيرها من الكليات غير الشرعية وذهب مسماها ، أو غيرت مناهجها وبدلت حتى أصبح الاسم لا ينطبق على المسمى .
    15. عندما تسير في أي شارع من بلاد المسلمين فسيثير انتباهك اتفاق محلات الحلاقين فيها على عبارات تدل على قدرة حلاقي ذلك المحل على القيام بأجمل القصات الشبابية الغربية ، وتحتوي هذه المحلات في الغالب على كتالوجات لمثل هذه القصات ، والعراق هو من البلدان القلائل التي تمنع هذه في أي مكان من الأمكنة سواء في الشارع أو المدرسة أو البيت أو الملعب ، وحتى يحصل الزجر لمثل هؤلاء الشباب فقد فرض عليهم غرامة مالية ضخمة بالنسبة للفرد العراقي وهي 25 ألف دينار لمن يتشبه بالكفرة في حلق رأسه ، ولانعلم أن هناك بلداً في العالم يفرض مثل هذه العقوبة .
    - وإذا سِرت في شوارع البلدان الأخرى فستجد أكثر الشباب الحاسرين عن رؤوسهم إن لم يكن أغلبيتهم الساحقة قد تشبهوا بالكفرة سواء بقصات الشعر أو لبس القلائد أو الماكياج وأدوات التجميل من غير أن يسبب لهم ذلك أي تعنيف من الجهات الحكومية ، بل يزيد استغرابك عندما تجد هذا منتشراً حتى بين من يحملون القمصان الوطنية من لاعبي المنتخبات الرياضية والتي يعد الكثير من الشباب هؤلاء قُدُوات بينهم .
    - ولم تترك القنوات الفضائية العربية حظها من هذه المصيبة ، فصارت تبث الأزياء الرجالية والقصات الغربية من خلال عروض عالمية يؤديها رجال في صور مخنثين قد علَت وجوههم الحمرة والصفرة بفعل أدوات التجميل النسائية .
    16. بعد البدء بحملة الإيمان في العراق أقيمت على مستوى رقعة تلك الدولة الدورات القرآنية في العطلة الصيفية والتي يحضرها عشرات الآلاف في المحافظة الواحدة ، وهذا بتكليف من الأوقاف ، وتستمر هذه الدورات حتى بعد انتهاء فترة الصيف لمن يرغب في ذلك .
    - أما كثير من بلدان العالم الإسلامي فلهم في الصيف جـولات وجولات ، فتنتشر فيها العروض الإفسادية لشباب الأمة في فصل الصيف بالذات ، فهو وقت فراغهم وقوة نشاطهم ، فالرحلات للبلدان الأخرى لغرض الزنا والفجر بأرخص الأسعار ، والعروض السينمائية تتميز بجرأة العرض ، والحث على حضور الأسواق والمكوث فيها مشاهد ومحسوس من خلال جوائز خيالية ، وغالب جرائم الشرف لاتنطلق إلا من هذه الأماكن .
    - وعلى عكس ما يحصل في العراق فقد قام بلد عربي بإغلاق جميع المراكز الصيفية قبل سنتين ، بل وقام الإسلاميون في ذلك البلد بإنشائها على حسابهم الخاص ، فاعتُقِل عدد من الطلاب الصغار من أجل تخويفهم وقطعهم عن مثل هذه العادة الإسلامية الطيبة مرة أخرى .
    17. في عام 1994م- 1995م صدر قرار بإقامة حد السرقة على من قام بأي نوع من أنواع السرقة ، ولا ندري عن الحدود الأخرى ، ونحن نعرف شخصياً من سرق وقطعت يده فعلياً في السجن ، وإذا استثنينا السعودية والسودان فهل هناك بلد عربي آخر يفعل هذا ويحفظ أموال المسلمين ؟!!!
    - ولم يكن صدام كغيره ممن قال : نحن نحترم الشريعة ولكنا لا يمكن أن نطبق أحكام الحدود فيها [ يقصد بلده ] لأنها قد تسبب لنا مشاكل مع منظمات ودول أخرى .
    18. شدد في عقوبة اللواط ، وطالب بمحاسبة من يفعل ذلك حتى ولو كان من أعوانه ، فقد أمر بإلقاء ثلاثة من فدائيي صدام [ وهم نخبته وخاصة جنده ] من أعلى مبنى في البصرة كتعزير لهم على جريمة اللواط .
    - أما في غير العراق فإنا لا نعرف لوطيين قتلوا غير ما حصل في السعودية فقتل الملك فيصل عدداً منهم في التسعينات وكانوا ينتمون لبلد خليجي آخر وكذلك قُتِل ثلاثة منهم في جنوب السعودية قبل خمس سنوات .
    - وعلى النقيض من ذلك فقد قبض على مجموعة لوطية في بلد عربي يقدر عددهم بأكثر من سبعين شاباً ولم يفعل بأكثرهم شيئاً سوى الإيقاف لمدة يومين فقط ، بل وخرج البعض منهم من شابات وشباب في نفس تلك الليلة
    - وتوجد فنادق في بعض البلدان العربية متخصصة في تقديم مثل هذا النوع من الكبائر والعياذ بالله ومع ذلك لم نجد أحداً ممن تكلم عن جرائم صدام يتكلم عن جرائم هؤلاء .
    19. أمر الرئيس ببناء مسجد في كل محافظة في كل عام مرة كهدية منه لكل محافظة في عيد ميلاده - كما يسمى - ، وكان يستطيع أن يجعل الهدية عبارة عن مسرحٍ أو ملهى أو ملعب أو نحو ذلك ، ولكنه جعل الهدية هو العلامة الظاهرة لبلاد المسلمين وهو المسجد وهو المركز الشرعي للمدينة المسلمة ، ونحن لانقره على مبدأ الاحتفال بعيد الميلاد لأنه عادة نصرانية دخيلة علينا ، ولكنا ذكرنا هذا مـن باب إثبات التوجه الداخلي لدى الشـخص .
    - ونذكر أن كبيراً في إحدى الدول احتفل بعيد ميلاد ابنته ، فقام باحتفال ضخم أحضر له الراقصات والمغنيات في ليلة حمراء نقلت على الهواء مباشرة من خلال فضائيتين ، فأين هذا من ذاك والله المستعان ؟!!!
    20. صدر قرار بحفظ حق الكويتيين والسعوديين وغيرهم ممن يملكون بيوت أو عقارات مستأجرة في العراق ، وبما أن المالك غير موجود ولا وكيل عنه هناك فإن الدولة العراقية تتكفل بحفظ أملاكهم وادخار إيجار بيوتهم إلى أن يرجعوا .
    - وعليك أن ترى العكس من ذلك في أزمة الخليج الثانية ، فقد حصل الأذى الكثير لمن كان عراقياً في بعض الدول حيث حصل له أشبه ما يكون بالتأميم ، فأُخذ ماله ونهبت ممتلكاته بل وهتك عرضه ، ولم يكن لوحده في هذه المصيبة فقد حلت كذلك على الفلسطينيين والأردنيين في صورة تذكرك بالهمجية البربرية .
    21. صدر قرار بعقوبة من سب الله تعالى والنبي صلى الله عليه وسلم أو الصحابة ، ومن يعرف كيف كان سب الله في العراق شائعاً من قبل ، خصوصاً عند الغضب لأتفه الأسباب ، فإنه يستطيع أن يقدر قيمة هذا القرار ، والذي بسببه أساساً وبسبب الصحوة لم يعد العراقيون يستمعون إلى ذلك الأمر العظيم ، كما لم يعد بمقدار أي نصراني أن يتجرأ ولو بصورة كريكاتيرية على انتقاص الرسول صلى الله عليه وسلم ، ولم يعد يقدر الشيعة على *** الصحابة كأبي بكر وعمر واتهامهم بالفجر وعظائم الأمور واتهام أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها بالزنا وخيانة عرض الرسول نزهها الله من هذه الفرية الشيعية القبيحة .
    - وعلى خلاف هذا نجد أن دكتوراً في دولة قد قال : إن الله والشيطان وجهان لعملة واحدة ولم يصبه أي أذى بل هو من المقربين ومن أهل الحَظْوَة والقُرْبة .
    - وآخر يقول : إن الرسول كان يشتهي النساء بقوة وتزوج تسعاً فلماذا تضيقون علينا في حياتنا الخاصة ؟!!
    - والآخر يقول إن الرسول لم يعرف في حياته العدل فقد نشر الإسلام بالسيف دون غيره .
    - والآخر يغني بسورة الفاتحة ويعطى في تلك السنة أفضل جائزة غنائية مع أنه لم يأخذها في حياته .
    - ومغنية نصرانية تسمي كلبها بحميدو [ وهو يعني تدليع محمد ] ، وقد صرحت بذلك في لقاء مباشر ونظراً لجمالها فقد عفي عنها ، واستقدمت للغناء مرة أخرى للبلاد العربية ، ورفع عنها الحظر والذي لم يستمر سوى أسبوعين فقط ، فقدرها عندهم أعظم من قدر حبيبنا محمد صلى الله عليه وسلم .
    - كما تم القبض في بلد على شباب وشابات يلعنون الله ورسوله ودين الإسلام ، ويعبدون الشيطان من دون الله ومع ذلك أطلق أكثرهم وتمت معاملتهم بالحسنى ، ولم يجدوا أي شر من جرّاء هذا الاعتقـال .
    22. مصادرة أملاك كل من يدعي كذباً نسبة للنبي صلى الله عليه وسلم ، وذلك للحد من الابتزاز الذي تقوم به طائفة معينة لأتباعها ، وأعطى الجميع فترة ستة أشهر لإثبات ذلك ، ومصادرة الأموال هنا مناسبة لابتزاز ذلك الكاذب الأموال بهذا النسب والسبب .
    23. في إطار محاربته لليهود ككيان مزروع في بلاد المسلمين أصدر صدام قراراً يلزم كل شركة تتعامل مع العراق أن توقع على شرط يمنعها من التعامل مع الكيان العبري ، ورغم حاجة العراق للتعاقد مع شركات كبرى من أجل أن يمارس ضغوطاً على واشنطن من خلالها حتى يخف عنه الحصار الاقتصادي إلا أنه ألزمها بما لا تستطيعه وهو مقاطعة إسرائيل ، وكل ذلك في إطار سعيه لمحاربة الصهيونية .
    - ونحن عندما نقرأ في إعلامنا ترى كيف يستخف بعقولنا فهو يكرر مقولة : إن صدام عميل للصهيونية ، وأنها زرعته في المنطقة من أجل إحداث القلاقل . نحن لانشك أن صدام أخطأ في جملة من الأحداث ولكنا نقطع أنه لم يكن يوماً عميلاً لليهودية ، وواعجباً كيف يجعل هذا عميلاً للصهيونية بينما من يدعو لإقامة علاقات مشروعة معهم يعتبر مخلصاً ومصلحاً ؟!!! نعم إنه الإعلام العربي الذي عجن العجين كيف شاء فبدل الحقائق وزوّر الثوابت .
    - ومما يجب ألا ننساه ما تقوم به إحدى الدول العربية في إغاثة إسرائيل اقتصادياً من خلال بيع المنتجات الإسرائيلية للدول العربية الأخرى بتغيير المتتج ووضعها اسمها مكان الكيان الصهيوني مع إغراقها للسوق العربية بمثل ذلك ، فهل هؤلاء هم الأنقياء المطهرون ؟!!!
    - ثم أين ذهب مكتب المقاطعة العربية والذي كان شعلة في تفعيل المقاطعة العربية للشركات التي تتعامل مع دولة بني صهيون ... لقد ذهب و أصبح يصلح أن يعرض في برامج من ذاكرة التاريخ ، وأصبحت كل دولة عربية تتبرأ منه وتبدي انزعاجها من عمله ، وإذا مررت على مكان هذا المكتب أصابتك وحشة من قلة العاملين وندرة الزائرين ، وصارت تلك الشركات الممنوعة تكتسح السوق العربية برغبة حكومية ولعلها استجابة لضغوط أمريكية أرادت أن تعوض هذه الشركات سنوات الحرمان من هذه السوق العربية ، فهاهي ماكدونالدز تنتشر في العالم العربي كانتشار بقالات المواد الغذائية ، وهاهي فورد تنطلق بقوة في سوق السيارات حتى تكاد تتجاوز منافسيها .

    24. بعد فشو السحر في منطقة ' هيت ' تجرأ سحرة تلك المنطقة فأخذوا بوضع المصاحف في الحمامات وذلك تقرباً للشياطين كما هو معروف من عادة السحرة ، فأمر الرئيس بالقبض على كل ساحر وساحـرة ، ولا يعرف مصيرهم حتى الآن ، ويقال أنهم قتلوا جميعاً .
    - وعندما تسير في بعض البلدان العربية الأفريقية تجد الشعوذة والسحر في الشوارع كرمز من رموز السياحة والتاريخ القديم .
    - و يوجد سوق في أحد بلدان المغرب العربي مخصص لجميع المواد التي يطلبها السحرة من زبائنهم .
    - وإذا مررت على خمس دول عربية معينة فإنك ستجد في مكتباتها العامة كتب السحر والشعوذة المشهورة ، ولا ندري لماذا لم يحسب لصدام قتل السحرة ويحسب على تلك الدول نشر السحر والتباهي به .
    - ونعرف بلداً عربياً قبض فيه على ساحرة قد وضعت المصاحف في مراحيض النجاسة واكتشفتها امرأة كانت تعالج عندها [ وكانت تظنها تعالج بالقرآن ] فأرادت أن تبلغ عنها الأمن فهددتها الساحرة بالقتل إن بلغت عنها ، وفعلاً بلغت عليها المسكينة لدى الأمن وكل ذلك انتصاراً منها لكتاب الله وقامت تلك الساحرة بتسليط شياطينها على تلك المرأة وقتلوها ، ورفعت قضيتها للمحكمة فحكم القاضي بسجنها عدة سنوات فقط ، فأين حكم هذا من حكم صدام !!!
    - ولا نعلم أن ساحراً قتل في السنوات العشر الأخيرة غير واحد تم قتله في الخليج العربي بعد أن سحر النساء وفعل فيهن الفاحشة فقتله فقط لفعله الفاحشة وليس لأجل سحره . مع أن السحر هو أكبر عند الله من قضية فعل الفاحشة .
    25. وأمر الرئيس بتشكيل لجنة لمنع الربا من البنوك ، وقد كلف الدكتور عبد اللطيف هميم بذلك ، وهو صاحب البنك الإسلامي العراقي ، وطُلِب من اللجنة بيان كيفية تحويل البنوك الموجودة من النظام الربوي إلى النظام الإسلامي ، ونلاحظ أن اللجنة ستقوم بإصدار أوامر منع وليست مجرد توصيات فقط ، لأن التوصيات في الغالب جرى التعامل بها على أنها من باب دغدغة مشاعر الجماهير المسلمة . ولم تتمكن هذه اللجنة من إتمام عملها بسبب الحرب الأخيرة .
    26. وآخر القرارات كان بتاريخ 27 من ذي الحجة 1423للموافق 28 -2 -2003 والذي نص على أن كل عضو في حزب البعث يلعب القمار يطرد من الحزب ، أيا كانت رتبته ، ويسجن ثلاث سنوات .
    - ولنقف مع أنفسنا وقفة صادقة ، ولنسأل أنفسنا أسئلة واضحة وجريئة .. كم من عضو في حزب حاكم نهب الأموال فما قيل له شيء ؟!!! وكم من عضو في حزب حاكم تعدى على حرمات المسلمات فما قيل له شيء ؟!!! وكم من عضو في حزب حاكم استخدم صلاحياته فعذب وآذى عدداً من المسلمين فما قيل له شيء ؟!!!
    - ولننظر إلى أمثلة حقيقية يعيش أصحابها في عذاب نفسي وألم جسمي جناه عليهم عضو ما في حزب حاكم ، فمثلاً بنات لقيطات وضعن في دار اجتماعية من أجل رعايتهن وهن المسكينات يعشن في حزن عميق ، فالأب مجهول والأم مجهولة ويزداد الحزن عمقاً إذا اختصرت العبارة فقيل إنهن لقيطات ، فمثل هؤلاء يحن عليهن من كان قلبه مثل الحجارة أو أشد ، ورغم ذلك يقدمن المسكينات في مجموعات إلى حفلات سمر حمراء يحضرها الأعضاء تهتك فيهن أعراضهن ويجبرن على شرب الخمر ويتعرضن للضرب المبرح على يد هؤلاء ، وأما أعمارهن فهي بين الخامس عشرة والثانية عشرة سنة ، ومع ذلك يتم التطرق للقضية كأنها مجرد سهرة صغيرة احتوت على رقـص فقط ، ونوقشت في إعلام تلك الدولة مدة يومين فقط ثم أغلق ملفها وذهبت كرامة هذه البنات المسكينات ، وبقي هؤلاء يبحثون عن ضحايا جدد تحت مظلة الحزب الحاكم .
    27. فتح صدام للناس الحق في بناء المساجد ، فلم يعد هناك تضييقاً على مثل هذا العمل ، بل إنك تعجب عندما تتوجه إلى العراق تريد بناء مسجد فإن الوضع سيكون أمامك أسهل من أي بلد آخر ، فيكفي أن تختار أي مكان لبناء المسجد حتى تحصل الموافقة المباشرة بشرط خلو هذه الأرض من الحق الخاص ، وأما الإجراءات فهي حسب علمنا أنها أسرع من إجراءات مثيلاتها من البلدان العربية .
    - ولننطلق إلى غرب العالم العربي وكيف أن دولة أمرت بإغلاق ستين مسجداً في عاصمتها بدعوى أنها غير مصرح لها وتخرج زمرة من الإرهابيين مع أن هذه المساجد سمح بها أصحاب الأملاك التي بها بل ورحبوا بها رغبة في الأجر وابتغاء الثواب ، وبعد هذا الإغلاق صار عدد خمارات العاصمة يقارب عدد المساجد إن لم يكن يتفوق عليها !!! ويحق لنا التساؤل لمن يبحث عن الحقيقة .. هل يعقل أن رئيساً يحارب الإسلام والإسلاميين [ كما يُزعم ] ثم يفتح ويأذن بفتح المساجد التي تحارب في حقيقتها أفكاره ؟ فأي عقل عند هذا الرئيس إن كان مبغضاً للإسلام ؟!!!
    28.-ثم صدر قرار لانظن أن أي بلد قد طبقه وهو أن أي شخص يريد أن يبني مسجداً فإن الدولة تعطيه جميع مواد البناء بنصف سعر السوق ، ويستلم من يريد البناء هذه المـواد بعد أيام قلائل فقـط ، وعليك أن تتصور أخي القارئ عدد المساجد التي بنيت حديثاً أو التي كانت ستبنى كم كانت تكلف الدولة ، ثم تجد بعد هذا كله من يقول إن صدام يغلق المساجد و يحارب المصلين ويعتقلهم .
    - وأما غيره فالحال أعلم به الله ، فنحن نعرف ثلاثة بلدان عربية لايمكن أن تبني فيها مسجداً إلا بمال يدفع كرشاوى لأن حقيقة الأوامر العليا هي المنع ، وهذا الوضع لايقتصر على هذه الثلاث ، ولكنا نتكلم من خلال واقع عايشه أناس ثقات نعرفهم .
    29.اهتم صدام بالعلماء والمهندسين وغيرهم اهتماماً كبيراً فقل أن تشاهده إلا وحوله عدد منهم حتى في اجتماعات وزرائه ، فهذا عالم في الفيزياء النووية وذلك عالم في التصنيع ، وهكذا من شاهدهم عرف أنه يعدّهم كجواهر ترصع تاج حكمه ، وهناك كلمة مشهودة له قالها لأحد كبراء الخليج قبل ضرب العراق حيث قال : لو هدمت أمريكا العراق فعندي من يبنيه ... عندي أكثر من سبعين ألف عالم ..! فهؤلاء هم محيطه ومجتمعه وحُق له أن يفتخر ويتباهى بهم ، فهم كنز المسلمين الذي يجب أن يحافظ عليه .
    - وعندما تتلمس السؤال عن خاصة الغير لوجدتها على غير هذا النحو ، بل هي عالم آخر لا يمكن تصوره إلا في الأحـلام ، وبهذا تعرف فرق الأماني وتعرف لماذا حرص العدو عليه دون غيره .
    - ولو رأيت أيضاً ذلك العالم المسكين من إحدى الدول كيف أنه قد استطاع أن يخترع قطعة [ فقـط ] كغيار لإحدى الطائرات ، ورقص فرحاً بهذا الإنجاز ، وصار كلما جاء على فراشه حدثته نفسه بما سيكون تكريمه ، فأصبح يرى الإعلام كيف يستقبله ويهلل له ، وكيف أن الناس يتحدثون بسيرته وعمله ، ولما جاء موسم التكريم قال له المسئول الكبير : هذه هديتك وإن فعلتها مرة أخرى فلا تلوم إلا نفسك ، وتم تحطيمه علمياً ، وإيقاف ترقيته الحكومية جزاء له على جريمته هذه والله المستعان .
    30. وهذه نادية محمود عضوة حزب العمال الشيوعي العراقي تتحدث في لقاء مع قناة الجزيرة عن مستقبل المرأة العراقية حيث تكلمت عن ظلمه للمرأة العراقية فقالت : إنه كان يحرم المرأة العراقية من وظيفة التدريس إذا كانت غير محجبة ويضيق عليها في الوظائف الأخرى . فبالله عليكم أيها القرّاء الكرام هل يصلح أن نطلق على رجل مثل هذا أنه كان يسعى لنشر الرذيلة بين الشباب والشابات كما كنا نسمع من دعاتنا ؟!!!
    - وأين هذا العمل من بعض البلدان العربية التي تمنع لبس الحجاب خارج البيت ؟!!!
    - وأين هذا من بعض البلدان التي تطرد البنت من المدرسة إذا لبست الحجاب ؟!!
    - وأين هذا من بعض البلدان التي تمنع قضائياً الأب من إجبار البنت على لبس الحجاب بينما وفي نفس الوقت تبيح له إجبارها على نزع الحجاب ؟!!
    31. أمر بفتح محطة إذاعية للقرآن الكريم بحيث يستطيع أهل بغداد الاستماع إليها ، وقد كان لها قبول عظيم لدى عامة العراقيين .
    - وعلى النقيض من هذا تجد أن دولاً لديها محطات إذاعية لها برامجها المتميزة وبعد أحداث سبتمبر تغلق جميع برامجها وتكتفي بالقرآن من أجل ذر الرماد على العيون .
    - وهناك دول لديها أكثر من خمس محطات إذاعية وقنوات فضائية وليس فيها محطة واحدة للقرآن .
    32 . لنا أخٌ في الله كان مخصص من قبل الأوقاف للذهاب إلى مدارس البنات لإلقاء المواعظ عليهن، وبعد المحاضرة يوزع عليهن النافع من الأشرطة والكتيبات عليهن، وكان زيه الجبة والعمامة ... وكانت تقف أمام كل مدرسة بنات سيارة شرطة في نهاية الدوام، وتقف أيضاً أمام كل سكن داخلي لطالبات الكليات سيارات شرطة طوال الليل أيضاً، ولكن ماذا حصل بعد صدام ؟! .. فقبل خمسة أيام تقريباً ذهب عشرة من الشباب إلى مدرسة بنات في منطقة ' البياع ' في بغداد وطلبوا من المديرة عشرة بنات، فقالت المديرة : إن شاء الله ... ثم دخلت وأغلقت الباب الداخلي، ثم هيجت أهل المنطقة، فجاءوا واعتقلوا بعض هؤلاء الشباب. وقد ازدادت ظاهرة اختطاف البنات الآن في بغداد . ومن شدة الحرص على الفتيات ومنعهن من كل ما قد يسهل عليهن جريمة الفاحشة فقد منع بيع أقراص منع الحمل في الصيدليات .
    33 . شدد صدام على أهل بيته كثيراً في مجال الأخلاق، فكان ولده عدي عندما كان صحيحاً يقيم حفلات صاخبة وغير شريفة، وكان له جواسيس يتعقبون قدوم والده صدام حتى لا يعرف بهذا الأمر، وقد صرحت خادمته الخاصة لقناة العربية [وهي قناة تنتهج نهج الحكومة الكويتية في معاداة صدام بما هو أشد من القنوات اليهودية والأمريكية لكون الكويت مالكة نصف أسهمها] ليلة أمس ـ ليلة السادس عشر من شهر ربيع ثان ـ بأن عدي كان إذا علم أن والده صدام سيحضر إلى قصره قبل أسبوع قام بتنظيف البيت من الخمر وغيره من أدوات اللهو حتى لا يغضب والده، بل أشارت إلى أن صدام قد حاول قتل عدي بسبب سوء سلوكه وانحراف خلقه غير أن الشخص الذي وُكل بقتل عدي لم ينجح في مهمته، وقد حاولت قناة ' العربية ' إساءة سمعة عدي من خلال برنامج عرض عن انحرافاته - بناء على توجهها العام المعادي لعائلة صدام - غير أن الله قد أوقعها في خطأ كبير غفلت عنه حيث كان هذا البرنامج أعظم تزكية لصدام حسين من جهة محاربته للفجور حتى في قصر أولاده وكيف أن له شخصية قوية في محاربة الفساد، كما يتضح من هذا أنها محاولة رائعة من أب يريد أن يحفظ ولده من كبائر الذنوب .
    وهناك الكثير من القرارات التي لم نضعها لحرصنا أن لا نضع إلا مايبين وجهة الرجل وتوجهه في عقده الأخير


    والحقيقة أنا لن ننسب هذه الصحوة في العراق لشخص صدام ولا لحملته الإيمانية فحسب ... ذلك أننا إذا نظرنا إلى الواقع وجدنا أن الدين عند العراقيين فطرة وخُلُق ، ومحبة جياشة ... وقد مر على كبت هذه الفطرة وهذا الخُلُق أكثر من عقدين من الزمن وهي تنتظر الفرج ، فجاءت الحملة الإيمانية ، وجاءت تلك القرارات ، فتدفقت تلك الفطرة على الميدان العراقي من هذه القنوات متمثلة في إقبال كبير من الشباب نحو الدين ، ومساجد ممتلئة في صلاة الفجر في كثير من المناطق ، وحجاب عم الجامعات والشارع العراقي ، وحلقات تحفيظ ، وحلقات طلب العلم على الطريقة المتعارف عليها عند العلماء سابقاً ...
    هذا الباب لم يفتح على مصراعيه ، لكنه أخذ في مزيد من الانفتاح نحو الدين بمرور الأيام ، ولو فتح الباب أكثر من هذا أو فتح قبل هذا الوقت ، لكان الحال بغير شك أحسن من هذا ، إن الفضل الأساس لهذا الإقبال هو الفطرة الصادقة الحارة الجياشة لا إلى الحملة ، وإن كانت الحملة الإيمانية باباً حقيقياً وفتحاً على الدعوة إلى الله ... ولا يمكن كراصدين للتاريخ أن نغفل هذا أو ننكره لأن هذا من الظلم ، بدليل أن الوضع الدعوي والإقبال الديني ماكان بهذا المقدار ، ولا عُشره في السبعينات والثمانينات .
    ويجول في خاطرنا أسئلة رسخت أجوبتها في قلوبنا وعقولنا ، ولكنا نوجهها لمن كان في قلبه شك أو تردد :
    1] هل تعتبرون هذه الأمور التي ذكرناها كلها تغيرات حصلت في شخصية صدام أم لا ؟
    2] ثم لو قلتم نعم فهل هذه التغيرات صاعدة للأفضل أم هابطة للأسوأ ؟
    3] ثم هل استفاد أهل العلم والإصلاح من هذه التغيرات أم أنها عادة سيئة متأصلة فينا في هذا الزمن حيث لا نعجل بركوب الخيل ، فإذا انطلقت ندمـنا على فوات ركوبها ؟
    4] ثم من تكلم من أهل العلم في الرجل هل تذكروا أنهم يوم القيامة مسئولون أمام الله فيما أفتوا به الأمة ، وهو خصيمهم لدى الله في يوم تذهب فيه العقول وتنعقد فيه الألسن من شدة هوله ؟
    5] ثم من تكلم فيه أين براهينهم وحججهم .. أهو الإعلام الذي كان يمجد صدام قبل حرب الخليج ثم مالبث أن انقلب عليه في صورة تفقده أدنى درجات المصداقية ؟
    6] وهل يصلح أن يكون علماؤنا بوقاً لمثل هذه المصادر الإعلامية التي أثبتت الأيام عدم حياديتها ؟
    7] وهل يصلح أن يستدل علماؤنا ببعض تصريحات أعداء السنة ممن زعموا أن صدام قتل أربعة ملايين نفس منهم ، نحن نريد أن تعطونا منها مليوناً فقط ولكم منا أن نقول إنه أكبر مجرم على وجه الأرض ؟!!!
    8] وأين أنتم ياعلماءنا ممن كفر بالله ، وجعل كتاباً يقول أنه أفضل من القرآن ، وأين أنتم ممن يرى عدم صلاحية الشريعة للحكم بين الناس [ وماأكثر هؤلاء ] ، وأين أنتم ممن نكل بالعلماء وسجن بعضهم لأكثر من عشرين سنة ووضعهم في جبال على بحر لا يرون فيها بشراً واعتدى على نسائهم واغتصب أموالهم .. لماذا لاتستأسد الفتاوى إلا على مثل هذا وتدع غيره ؟!!!
    9] وأين أنتم يا علماءنا ممن مدح الكثير من أصحاب الشأن حتى أوصله لدرجة العبودية بالشعر العربي الفصيح واللهجة العربية المحلية ولم تتحدثوا عن هذا بينما تكلم شاعر في حزب البعث وقال أمنتم بالبعث ربا ... وقلتم أن صدام يقول بهذا وجعلتموه دليلاً على إلحاده بينما برأتم الغير مما يقوله شاعره مع أن صدام قتل ذلك الشاعر .
    10] ولماذا يا علماءنا لم تتكلموا عن صدام قبل حرب الخليج الثانية وعندما انبرى الإعلام له أشهرتم سيوفكم في وجهه ووجهتم حرابكم نحوه ؟
    11] وبعدما سقط صدام وتبين لكم أنه باب قد كسر ، وسيتلوه شر كبير من خلال الدعوات لبعض الفرق الضالة لانتزاع حقوق تزعم أنها مسلوبة منها وهي في الحقيقة بداية عمل منظم لها مع المستعمر الجديد فنقول لكم ماذا ستقولون للناس وماذا سيكون الحل لديكم لإخراجهم من هذا الخطر القادم ؟
    12] ثم هل تكرمتم وجلستم أمام شاشة التلفاز وسمعتم صيحات الشعب العراقي السني وهو ينادي باسم حاكمه السابق [ صدام حسـين ] ويترحم على أيامه ويتمنى رجوعها ؟ ولاندري نخشى أن تقولوا إن هؤلاء مغرر بهم أو أنهم لم يدركوا كنه الحقيقة .
    13] ثم لما سمعتم زفرات الثكالى ورأيتم دمعات اليتامى فهل تقولون بوجوب جهاد المعتدي كما فعلتم في حرب الخليج الثانية أم أن النفوس لاتقوى على هذا ؟
    14] ونسأل عموم المسلمين .. هل رأيتم ذلك الإعلام الذي كان يرقص عند ذكر صدام تمجيداً وتخليداً في وقت كان صدام في أوجه طغيانه ، وعندما بدأ التوجه نحو الإسلام قلب إعلامنا ظهر المجن في وجهه ، ولم يكتف بالتنكر له فقط بل اختلق القصص وزوّر مآسٍ حتى كان فارسه السابق في صورة تمساح قبيح يفتك بمن حوله ؟ وكأنا نسينا مايحصل في محيطنا ، فعندما تفسد ممثلة توصف بأفضل الأوصاف ، وتهرع الكاميرات وتعقد الصفقات وتوضع اللقاءات ، وعندما تستغفر ربها وتتوجه لباريها يبدأ الهجوم عليها ، فمرة يقال إنها مريضة في بدنها ، ومرة يقال إنها أغريت بمال أعطي لها ، ومرة يقال إنها واقعة تحت تهديد يهدد حياتها . فمتى تعرفون حقيقة ماينقل إليكم حتى لاتغروا من حولكم ؟
    15] وهل ظهرت نبرة العلم والإيمان على المستوى الرسمي والخطاب السياسي في واقع صدام أم لا ؟
    16] وهل ظهر أثر الحملة الإيمانية على شباب الصحوة العراقيين في المساجد والندوات والمنتديات أم لا ؟
    17] وهل ترون التعلق بحزب البعث ومبادئه والدعوة إليه والتحدث بفضائله في العقد الأخير عند صدام كما كانت في السبعينات والثمانينات ؟
    18] وهل ترون أخبار الجهاد والمجاهدين في العالم الإسلامي كما هي في العراق ، حيث تعرض في جريدة بابل يومياً ، وفي لوحات كثيرة في المساجد ، أم أن أخبارهم تُهْمَة كما هي في البلاد الأخرى ؟!
    19] وهل ترون دولة دافعت عن حكومة طالبان كما فعلت العراق ؟ فتصريحاتها واضحة والثناء عليها ومن عندها واضح بل هي تهمة أمريكية ضد صـدام وحكومته .
    20] والسؤال المهم والذي سيعجز عنه كل واحد يرى أن صدام لم يتغير . هل يعقل أن رجلاً يكره الإسلام كشريعة ومع ذلك يسعى في تغييرات كثيرة كلها تصب في تثبيت هذه الشريعة ؟ لاتقل لنا إنه فعل ذلك من أجل كسب الأصوات وتثبيت حكمه، لأن هذه التغييرات حصلت قبل الحرب بأكثر من عشر سنين وليس قبلها بشهرين ولا يعقل أن حاكما يبلغ به الجنون أن يرضى بأعمال هي في الحقيقة تعيد تشكيل عقلية الشاب العراقي المسلم ثم يقول إنه فعلها لخداع شعبه . ثم هل يتقرب لأمريكا بالتمسك بالإسلام ؟!
    وهنا بودنا أن نؤكد على أمر هام ، ذلك أن عموم هذه التغييرات جاء من مناصحين له من أهل العراق أو من غيرهم ... فالذي ناصحه في فتح المعاهد كان الشيخ عبدالكريم المدرس جزاه الله خيراً ، حيث زاره صدام في غرفته العلوية في جامع الإمام أبي حنيفة ... وقيل أن الذي ناصحه هو الشيخ سعيد حوى رحمه الله ... والذي ناصحه في الخمرة والكبريهات هو الدكتور أحمد الكبيسي جزاه الله خيراً ... والذي ناصحه في البنك الإسلامي هو الدكتور عبداللطيف هميم، وقد ناصحه هذا الرجل يقيناً في أمورٍ كثيرة ، منها إنشاء مركز السنة فجزاه الله خيراً .
    وهذه الأمور ليست أموراً شكلية ، بل هي أمور منهجية ، جذرية ، عامة وهامة ... فليست قضية الكتاب ، أو السنة ، أو التعليم ، أو المناهج ، أو المعاهد ، أو الحدود ، أو الاقتصاد أموراً شكلية ... ثم إنها لم تأخذ وقتاً طويلاً للدراسة ، فبمجرد أن تعرض على الرئيس بأسلوب مقنع وأدلة مقنعة ، كان يأمر بتنفيذها في نفس الجلسة وربما يفاجئ الناس بها في الصحافة في اليوم الثاني ، بمن فيهم أقرب الناس لصدام ، وقد حدث هذا مراراً ...
    وتكرار هذه الاستجابة تلقي بلوم شديد على نفوس الغيارى من أهل العلم والإصلاح من أبناء العراق وغير العراق ... وهم يرون الفجور والردة والاندفاع المحموم نحو الجحيم اليوم فيتلاومون : كيف فاتتهم هذه الفرصة التي ربما لن تتكرر لزمن قادم طويل ... لِمَ لَمْ يناصحوه لله تعالى ..؟
    لِمَ لم َ تذهب وفودٌ منهم إليه بمشاريع شرعية كبيرة وعظيمة ... فالرجل يعشق المشاريع الكبرى ؟ لِمَ تركوه نهباً لأهل الضلال ومعتقدي الحزب الذين تخلى عنه أغلبهم في آخر اللحظات ..؟ والحقيقة أنهم لم يتخلوا عنه إلا لأن وقتهم قد خرج من زمن صدام ولم تعد لهم تلك المنزلة ولهذا كان لابد من الانقلاب عليه حتى تبقى الامتيازات والحقوق .
    لِمَ لمْ يذهبوا ـ بائعين أنفسهم لله ـ ليأخذوا من خيره خاصة مع وجود هذه القرائن المبشرة ... فيذهبوا له كما ذهب من باع نفسه ليستكشف خبر يأجوج ومأجوج !
    لِمَ لم يقدموا له منهجاً كاملاً بتطبيق الشريعة ...؟!
    لِمَ اعتمدوا على تاريخ السبعينيات والثمانينيات ، واعتمدوا تهويل مقربين من صدام تقصّدوا ذلك ليستأثروا به ، أو تهويل مهاجرين ليس لهم إلا ترديد بعض الحكايات القديمة ....!
    ولا شك أن أهل العلم والدعوة عموماً وأهل الأنبار خصوصاً ، يذكرون جيداً الأخ محمد الكبيسي الذي نسأل الله تعالى أن يتقبله من الشهداء ، ذلك الذي فجر السينما الوحيدة في منطقة الفلوجة ومحلين لبيع الخمور ، ومحلين لفرق موسيقية تحيي الحفلات والأعراس ، ومحل لبيع أشرطة الفيديو ، وبعد ذلك رمى مقر حزب البعث بعدد من القنابل اليدوية ، فحاصروه ، وطلبوا منه الاستسلام فرفض ، واستمر في المقاومة حتى قتل رحمه الله وقد وقف العلماء هناك في لحظات رهيبة بانتظار العقاب ولكن ماذا كانت النتيجة التي اتخذتها الحكومة بعد هذه الحادثة ؟!! إنها كانت كالتالي :-
    1. تحولت السينما التي فجرها الأخ محمد إلى قاعة للاجتماعات والاحتفالات الدينية وكانت هذه هي آخر عهد للسينما في الفلوجة ، بحيث لا توجد في الفلوجة سينما واحدة الآن .
    2. جميع محلات الفيديو في الفلوجة أغلقت أبوابها وعددها تسعة ، ولم تسمح الدولة لفتح محل بيع خمر أو فيديو .
    3. تم اعتقال مجموعة من الشباب ثم أطلق سراحهم ، والمهم أن هذه الأحداث وقعت سنة 1996 م .
    فماذا ترى لو أن مثل هذه الأحداث وقعت في بلد آخر ...؟!
    وماذا ترى لو أن الناصحين ذهبوا وناصحو صداماً فيما يعتقدون ...
    لقد كانوا بين أمرين عظيمين ، إما الشهادة أو تحول البلد بأكمله تحولاً شرعياً ... وهذا والله هو المظنون بناءً على كل تلك القرائن المتصاعدة بمرور الأيام ...
    وهبها كانت الأخرى ... فماذا خسر هؤلاء العلماء والمصلحون ...؟
    لكن السؤال : من يعذرنا أمام الله تعالى إذا تبين أننا مقصرون مفرطون واهمون ... يوم القيامة ...؟!
    لقد قال دان راذر ... بعد لقائه الشهير مع صدام ، حينما سألته مجلة نيوزويك بتاريخ 11 مارس 2003 ... عن الجديد الذي رآه في صدام ، فكان ما قاله إجابة على السؤال الآتي :-
    هل تعلمت أي شيء جديد من هذه المقابلة مقارنة بتلك التي أجراها راذر معه عام 1990 ؟ هل من استبصار عن التطور النفسي لصدام ؟
    لقد فاجأني كم كان رابط الجأش وثابت العزم ، ليس هذا الرجل مجنوناً بأي حال من الأحوال . لقد أشار إلي أنه لن يشعل النار في حقوله النفطية ، لكنني لست متأكداً من ذلك ، فإذا ما هزم فإنه قد يتخذ خطوة الغضب النرجسي الأخيرة : ' علي وعلى أعدائي ' . وإذا ما استطعت مقارنة هذه المقابلة بمقابلة عام 1990 ، فإن هناك الكثير من المفردات الإسلامية الآن ، يكثر من استخدام المصطلحات الإسلامية ، لقد أعاد أسلمة العراق ، وهو الآن يصلي خمس مرات في اليوم بشكل متفاخر ، ويقول إن القرآن يسري في عروقه .
    إنها أربعة أمور محددة ينبه لها هذا الرجل المتخصص الذي هو أشبه برجل متخصص في هذا الشأن وفي الاستخبارات ، فضلاً عن مهنته كصحفي ... والكلام هنا للمحلل المتخصص الذي استشارته مجلة نيوزويك ...



    الأمر الأول : يستخدم المصطلحات الإسلامية .
    الأمر الثاني :- عمل أسلمة للعراق .
    الأمر الثالث :- يصلي بتفاخر .
    الأمر الرابع :- يقول أن القرآن يسري في عروقي .

    ومن باب إتمام البحث تاريخياً فلا نجد بُداً من أن نقارن تغييراته هذه في ظرف مرحلته ، وما جاوره أو عاصره من بلاد أخرى ولو بالإشارة فنتساءل ...
    هل الصحوة في بلد كالشام أو مصر أو الخليج عدا السعودية ، كما هي في العراق ... ؟ نعم من حق من لم يخرج من العراق أن ينكر هذا ، لكن من شاهد وعايش عرف ما للعراق من فضل وتقدم في هذا المجال اليوم وتعجبنا كلمة الشيخ سفر الحوالي حفظه الله لمدير موقع ' مفكرة الإسلام ' في زيارة خلال موسم حج عام 1423هـ حيث قال الشيخ : إن العراق يعيش صحوة كبيرة لاينكرها إلا جاحد .
    وهل حِلقَ العلم المنهجي في بلاد المسلمين عموماً كما هي في العراق ؟
    وهل مناهج التعليم في الخليج وغيره والتي لا يدرس الطالب في بعضها إلا حصتين دراسيتين للتربية الإسلامية أحسن من مناهج العراق التي يقرر فيها على الطالب كل يوم حصة تربية إسلامية .
    وبعد هذا فسوف يتساءل البعض ، ما السر في هذه التغيرات ، وهو نظام بعثي ، والبعث معروف الجذور والأهداف ، ونجيب عن هذا بسؤال آخر ... هل البعث العراقي هو البعث الأول أو هو كالبعث السوري اليوم ؟!
    وللجواب على هذا السؤال نود أن نُذَكِّر بحقيقة مهمة وهي أن الكثير من المسلمين اليوم ... وهم يستمعون إلى البيانات العسكرية العراقية وفيها لفظ حزب البعث ، ومقاتلي حزب البعث ونحو ذلك من ألفاظ تشمل على لفظ ' حزب البعث ' يتشاءمون ويتساءلون عن الحزب فيقال لهم أن هذا الحزب علماني , أسسه رجل نصراني ، و... و... و... ، أما صدام فحدث ولا حرج !
    ولكن من أجل أن تكتمل الصورة لا بد من إيضاح عدة أمور :-
    أولاً : من المعلوم لدى من كان في العراق أنه في أوائل التسعينات عقدت اجتماعات هامة في قيادات الحزب في العراق ، وكان على الحزبيين أن يقرروا عندها خطاً واحداً من خطين لمنهجية حزب البعث : إما الخط العلماني وإما الخط الإيماني ، وانتهى الأمر إلى اختيار الخط الإيماني ، وذلك بعد إصرار الرئيس صدام على هذه الاختيار ، رغم المعارضة السرية لدى أعضاء في حزب البعث على مثل هذا التوجه والذي اتضح أثرها في خيانة أعضاء من البعث مع القوات الأمريكية في لغز سقوط بغداد ، وبعد هذه الاجتماعات دشَّن صدام حسين حملة سماها الحملة الإيمانية كما هو معروف لكل عراقي اليوم .
    ولذلك فإن دراستنا هذه تأتي للعقد الأخير من حياة صدام ، بناءً على هذا التغيير .. حتى صدام نفسه في خطابه سنة 2002 في ذكرى انتصار العراق على إيران ، قال بعدما ذكر ابتداء الحزب ومراحل تطوره إلى أن وصل المرحلة الأخيرة ... قال : وأرجو أن لا تحاسبونا أو تقيسونا منذ سبع سنين على ما سبق ، فإن ثمة اختلافاً جذرياً في إيماننا .
    ولم يكن هذا التوجه تمثيلياً أو صورياً ، بل كان توجهاً استراتيجياً حقيقياً ، بل عقدياً وقد وجد استنكاراً من أساطين الحزب القدماء ... حتى أنه في تاريخ 29/ 3 / 2003 صرح أحد قادة حزب البعث السوري لقناة الجزيرة قائلاً : إننا وإن وقفنا مع العراق في هذه الحرب بناءً على مظلة الحزب التي تجمعنا والتي تشملنا ، إلا أنه أصبح بيننا وبين حزب البعث العراقي خلافات عقدية عميقة .
    نعم بقي الاسم كما هو إلا أن حقيقة البعث الأولى وعقيدة البعث الأولى التي كان عليها الحزب آنذاك لا تكاد توجد على لسان أصغر حزبي فضلاً عن أكبر حزبي في العراق
    ولقد قال الدكتور محمد الدوري وهو ممثل العراق في الأمم المتحدة في لقاء مع قناة العربية والذي بث يوم 28 / 4 / 2003 م : ' بأن تعليمات حزب البعث في العراق وضعت على الرف !! فلا يؤخذ ولا يعمل بها .. ' إنه يقول هذا بعد ذهاب النظام أي أنه ينقل حقيقته على وجه الخصوص فليس صدام بين يديه يرهبه أو يخوفه ، وكل عراقي يعرف منذ ذلك اليوم رجالاً هم رؤوس في جهاز الأمن الخاص ، وبعثيين من كبار الرفاق ، وقادة عسكريين كبارا صار فيهم تدين وأصبحوا محافظين على صلاة الفجر في جماعة المسجد وهي علامة المنافق عن غيره ، ملازمين لقراءة القرآن ، حريصين على الذهاب بأبنائهم إلى حلقات العلم ... ولولا الخوف على مثل هؤلاء من الضرر لذكرنا الآن أعداداً من أسماء هؤلاء من وزراء وما دونهم ... بينما كان هذا الأمر في البعثيين العراقيين في السبعينات والثمانينات منكراً ، وكان الاستهزاء بأمور الدين ، واحتقار أهله هو الأمر الشائع ، وما كنت تجد لحية ولا حجاباً ولا حلقة ولا حفظة ... ولا يستطيع أن ينكر هذا التحول منصفاً كان أم غير منصف، وكثير من الضباط المتدينين يعتقدون معتقد السلف، وهذا يعرفه كل من يعرفهم .
    وليست صدفة أبداً أن يجد المتابع تحول الخطاب السياسي للرئيس نفسه ... من خطاب قومي صرف ، علماني محض إلى خطاب إيماني يقيد العروبة بالإسلام ، ويفاخر بإسلامه أمام الكافرين قبل المسلمين وينص على ذكر المعاني الإيمانية بكل وضوح وتفاخر .
    وكان صدام حسين يديم قطع اجتماعاته وإنهاءها علانية إذا حضر وقت الصلاة حتى مع الأجانب كما ذكر ذلك الصحفي الأمريكي ' راذر ' فقال : دام اللقاء معه ثلاث ساعات ، لم يقطعه إلا للصلاة ، وهكذا كان الأمر مع مسؤولين كبار عرب نعرفهم معرفة شخصية لم تنشر اجتماعاتهم به ، ولا نريد إحراجهم هنا ، فحين حضرت وقت الصلاة قال لهم قوموا نصلي .
    إن هذه التغيرات التي شملت حتى الفكر القومي عند صدام خاصة ، فمن يقرأ أو يستمع إلى فكر صدام القومي في السبعينيات والثمانينيات وفكره القومي بعد ذلك يجد فارقاً جذرياً ، حيث يجد أنه يربطه ربطاً منطقياً بالإسلام ، فهو يؤكد على أن الإسلام عام للبشرية . ولكن مادته هم العرب ، وحمله إلى الآفاق هم العرب ، وهذا من فضل الله عليهم ، ولا يبنى على ذلك ما يبينه القوميون من جعل القومية دينا أو معبودا أو بديلا عن الدين .
    إنا لا نشك أن كل ذلك التغيير الإسلامي الذي ذكرناه في العراق كان مرصوداً ومحسوباً ومراقباً على المستوى الشعبي والرسمي من قِبَل الغرب الكافر وعلى رأسه أمريكا ، وأن تقديرهم أن أمر العراق إذا ترك سنين قليلة فسوف يشب عن الطوق ... حتى تصورات صدام الذي تنكب فيها لحقيقة البعث كعقيدة ومبادئ ، وأقبل زاحفاً قولاً وعملاً شيئاً فشيئاً نحو الإسلام مرصودة ، وأن لها أثراً مخيفاً بالنسبة لهم ، فمن يدري فلعله يطبق ما أشار له في لقائه مع وزرائه بأنه يريد دولة إسلامية حقيقية لا كالدول المجاورة ، بل على منهاج خلافة أبي بكر وعمر وعلي وعثمان ، هكذا قالها بالحرف ، في لقائه كما رأيناه وسمعناه بأنفسنا قبل الحرب الأخيرة بعام ونصف تقريباً، وكررها في لقاء آخر وهي مسجلة عندنا .
    إن من يعتقد بأن ذلك لم يكن في حسبان أمريكا وهي تهاجم العراق كسبب من أهم أسباب الاحتلال فإنه رجل قد انطلت عليه الحيلة الأمريكية ... فهل يعقل أن أمريكا ترصد مقتل أميرة ، وإقامة الحد على آحاد الناس ، وبريطانيا تحتج على الإمارات في قضية زواج وطلاق واحدة ، وأمريكا ترعى مرتداً واحداً في الكويت ، ولأجل سلمان رشدي يقوم العالم ولا يقعد ، وأن أمريكا تتابع بعض الولايات الأفريقية التي تعداد سكانها سبعة آلاف نسمة فقط لأنها تريد تطبيق الحدود ثم هي لا تعرف كل ما يحدث في العراق من التوجه الإسلامي الرسمي والشعبي أنه لأمر عجيب ! إنها تحتج على آيات تقال عن اليهود في بعض المناهج ، فكيف بتغيير المناهج كلها ، كيف بحملة إيمانية شملت مختلف جوانب الحياة العملية في العراق ؟!!
    ومن يستطيع أن ينكر أن أمريكا قد وجدت في إقبال صدام على الإسلام ثغرة مناسبة تمثل قاسماً مشتركاً مع بعض الفاسدين من القيادة المقربين من الرئيس ... فلقد شعر هؤلاء بأن دورهم الحقيقي سوف يذهب ، وهم أعرف الناس بتوجه الرئيس وبطموحاته ... كما أنهم أعرف الناس بإرادته وهمته ... وهذه النوعية الخسيسة الخفية في القيادة العراقية هي الكثرة ... فإذا لم يمنعها وازع من دين ـ وهذا غير موجود ـ ولم يمنعها وازع وطنية نظيفة . فماذا يمنعها ...؟
    ولعلهم رأوا الوطنية في الاستمساك بمبادئ الحزب بالمفهوم الأصلي للحزب ... فكانت الخيانة المقطوع بها من قبل قيادات ، وكانت الثغرة التي دخلت منها أمريكا على نفوس البعض ... ومما يؤيد ذلك أنه في لقاء صدام بالوزراء ، والذي عرض اللقاء في التلفزيون العراقي ، وكان اللقاء قبل كتابة هذا البحث بحوالي سنة ـ وهو موجود عندنا ـ قال لهم : ' إن تقارير المستوى الشرعي للوزير والتزامه بالمنهج المقرر ضمن الحملة الإيمانية الخاصة بهم سوف يكون ضمن تقرير الوزير العام ، وينبني عليه مستواه وتأهيله لما هو أعلى أو أدنى أو بقاؤه .. فهو جعل الحملة الإيمانية سيفاً مسلطاً حتى على أقرب الناس إليه من وزرائه وأعوانه وذلك رغبة في تنظيف الجيوب وتصحيح التوجهات ، وقال مرة وهو يتحدث عن الأمانة : ' أنا أقول ذلك وسوف أحاسب عليه ' وقال :' أنتم تعرفون جيداً صدام حسين إذا أراد أن يحاسب ' ! ... فعمّ المجلس وجوم عجيب ..! لكنه عقب وقال: ' ولكنني لا أتهم أحداً فيكم أبداً ... إنما هذا أمر ضروري ويجب التنبيه عليه ...'
    وخرج برنامج حواري في محطة فرنسية ، وقد حضر أحد الزعماء الفرنسيين فقال : إن من المناطق الإرهابية الكبرى في العالم هي في منطقة في العراق تسمى ' الفلوجة ' . ونحن نعلم ماذا تعني كلمة إرهاب في قاموس الغرب إنه الإسلام ، وتحزن عندما ترى غربياً يقر بمثل هذه التغيرات في مدينة قريبة من بغداد ومثقفونا لا يعترفون بمثل هذه الحقائق .
    ولعل صدام نفسه كان يدرك خطورة حملته الإيمانية ، وأن انكشافها يعني ذهاب حكمه وهلاك نفسه ، ولذلك فإن جدول الحملة الإيمانية ومنهجها لم ينشر في الفضائية ولم يركز عليه كما يركز عادة على إنجازات الرئيس ..
    ومع هذا فإن ذلك لا يفوت على أمريكا التي تعاملت مع العراق بدقة متناهية حتى لكأنها قسمت استخباراتها قسمين : قسم على العالم وقسم على العراق ـ فيما يظهرـ ثم إن أمريكا نفسها كانت تصنف خطابات صدام بأنها خطابات دينية ... وهي تعرف ماذا تعني كلمة دينية في الإسلام !
    وهناك سؤال آخر يلجلج في قلب كل مسلم غيور : ألا نتوقع أن تكون هذه خدعة من صدام ثم ينقلب بعد ذلك ...؟!
    فنقول لمن جال في خاطره مثل هذا السؤال : لقد شهد الإسلاميون في العراق على جميع التغييرات التي مضت حين فتح صدام للدعوة مساحة من الحرية ، وذلك عندما أطلق الحملة الإيمانية وترأسها بنفسه ، وجد الدعاة الفارق هائلاً نسبة لما كان عليه الوضع من قبل ، فوجدوا اختلافاً جذرياً منذ ذلك الوقت إلى قبل سقوط صدام في كل شيء ، اللهم إلا ما يظهر من مضايقات شديدة أحياناً لبعض الأساتذة الجامعيين وبعض الدعاة الذين يطعن فيهم بالوهابية . وهذا بحكم توجه نائب الرئيس عزت الدوري المعادي في تصرفه المغالي في تصوفه ، فالصوفية ذاتهم ينفرون منه في العراق ، والذي يتولى بطبيعة الحال الجانب الديني .... وكذلك بعض حالات الاعتقالات قبيل ضربة 1998 وبعد تفجيرات الفلوجة ...
    نعم وجدنا الفارق في كل شيء ـ والواقع خير شاهد ـ وجدناه فيما يقوله الخطيب على المنبر ، وجدناه في الدورات الصيفية لحفظ القرآن الكريم ، وجدناه في انتشار الكتب الإسلامية الحديثة والتي كان تداولها ـ من قبل ـ جريمة ، وجدناه في الملصقات على لوحات في المساجد ، وجدناه في انتشار الأشرطة الإسلامية المثيرة والمميزة ، وأشرطة أفاضل المشايخ ، في سيارات الأجرة وفي كل مكان ، وجدناه في انتشار المكتبات الإسلامية صوتية وكتبية ، وجدناه في شيوع المعاهد الإسلامية والكليات ....
    وجدناه في تحول العراق إلى أطهر بلد من المخدرات ... وجدناه في فحص كل عراقي يعود إلى العراق ـ بعد الخروج منه ـ فحصاً مختبرياً من أمراض الجنس ... وجدناه في الشارع العراقي المحتشم تقريباً ...
    ومنذ ذلك الوقت وحتى يومنا هذا ، لم ينسف صدام ما بناه ولم يرجع في قراره ، بل الأمر في مزيد ، والحمد لله رب العالمين ...... أليس هذا الأمر دليلا كافيا على الوفاء بالعهد ، وأن المسألة ما كانت تمثيلاً ولا تمريراً ...
    إنها ليست مسألة قرار نظري ، ولا خطاب ناري ، ولا أشهر معدودات ، إنها عشر سنوات عمل على أرض الواقع ، مثبتة بقرارات رئاسية مدعومة بحملة إيمانية يرأسها الرئيس نفسه ... شاهدها المساجد الممتلئة ، والشوارع المحتشمة ، والخير في تصاعد ... بحمد الله ...
    بل لقد وجدنا التغيرات حتى في الاعتقالات التي حدثت ... فكل أخ اعتقل في هذه الفترة ليشهد أن أسلوب الاعتقال وصورة المعاملة التي وجدها في المعتقل في الفترات الأخيرة كانت مثيرة للاستغراب من حيث التهاون والتساهل نسبة لما كان يسمعه من غيره ، أو لما وجده إن كان قد دخل من قبل هذه المرة ، وعندنا من الشواهد الكثير ، ابتداء من اعتقاله وانتهاء بإطلاقه ، بل عندنا شواهد كثيرة من المشايخ الذين كانوا مطلوبين من قبل ولربما مطلوبة رؤوسهم وأرواحهم ففروا من العراق إلى خارجه ... أصبح الأمن العراقي يستدعي بعض أهليهم ... لماذا؟
    ليرجوهم أن يعودوا إلى بلدهم معززين مكرمين ... ليس عليهم أي خوف ولا تهمة .. ونحن نعرف بعض هؤلاء الذين رجعوا وما أصابهم أي ضرر .
    نعم هكذا أصبح الحال في السجون ... اللهم إلا أن يجد المسجون رجالاً من الأمن من الشيعة الحاقدين وليس أي شيعي ، فيذيقونه المر تقرباً ... ولهذه الحالات عندنا شواهد كذلك ... وعندنا شواهد بأن من بلغ خبر تعذيبه المسؤولين من رجال الأمن السنة ـ لم يدعوا الأمر يمر بغير عقاب ذلك المعذب الحاقد ...
    ولا شك بحصول حوادث على غير هذه النسق ... لكن هذا الذي ذكرناه هو المنهج الجديد ... كما أن الإيذاء الشديد هو المنهج القديم عندنا ... القائم في كثير من الجمهوريات العربية الأخرى ...
    ولا شك أن البعض سيتبادر إليه هنا ثلاثة حوادث حقيقية تمثل سلب المصداقية من صدام:
    أولها حادثة ابن عمه حسين كامل المجيد .. وكارثة حلبجة .. ودعوى خيانته لشعبه وهربه تاركاً إياهم لقمة سائغة للأمريكان .
    أما الأولى فكان الأولى بالمحتج بهذه على غدر صدام أن يحتج بها على غدر حسين كامل ، وليسأل هذا المحتج نفسه : هل قصّر صدام مع حسين كامل في شيء ...؟!
    ألم يسلمه أصعب مكان .. فلقد رفعه ورفعه حتى سلمه مسؤولية التصنيع العسكري ؟
    ألم يزوجه صدام ابنته ..؟ وغير ذلك كثير ...
    وبعد كل هذا يترك البلاد هاربا ... ويجتمع مع الاستخبارات الأمريكية وربما الإسرائيلية في الأردن ، ويعطيهم ما يعطيهم من أسرار ... ولم يعطوه هم شيئاً ...
    في وقت كاد الحصار أن يرفع ، فكان خروجه بمثابة تجدد الكارثة وتبريراً للواقع الأليم ؟
    أما كان من الحكمة أن يستدرجه صدام حتى يأتي به فيقضي عليه قبل أن يقضي على البلد بأكمله ؟!
    ثم ما جزاء من يخون بلده بهذه الخيانة العظمى ... ما جزاؤه لو كان حكم الله قائماً إلا أن يكون مصيره كمصير العرنيين وأمثالهم ؟
    ثم من يثبت بأن صدام أعطاه عهداً ألا يقتله ولما عاد غدر به وقتله ؟ علماً بأن صدام قال أن العشائر هم الذين قتلوه قبل أن تستقبله الدولة .
    وعلى أسوأ احتمال فإن العاقل لا يخالف في أن ما حصل له هو بعض ما يستحقه..
    ولو كان صدام قد أعطاه عهداً ثم قتله ، لكان هذا دليلا على أن حسين كامل يعرف تمام المعرفة بأن من طبيعة صدام الوفاء بعده ، وإلا كيف يجازف بروحه ويعود ...؟
    والقضية لا تحتاج لكل هذا لولا أنها أصبحت هي الدليل الذي لا يقبل النقض على الغدر.
    وأما موضوع حلبجة ، فالله تعالى أعلم كم تحرينا عن هذا الموضوع من مصادر مختلفة التوجه والروايات وقد وصلنا من خلالها إلى قناعة تامة عندنا ...ثم وقعنا بحمد الله تعالى على من كان في حلبجة نفسها قبل الضربة بنصف ساعة تقريباً...
    فلقد كانت حلبجه بؤرة للمخابرات الإيرانية ومركز تجمع الإعداد للهجمات على العراق وقد وجه لهم أكثر من مرة العراق تحذيراً ، علماً بأن تضاريس المنطقة صعبة للعراقيين ، فمع أنها عراقية إلا أنها سلسلة جبلية مغلقة من ناحية العراق مفتوحة من ناحية إيران ، فما كان أمام القوات العراقية إمكانية دخولها بتلك السهولة ولم يستسلم هؤلاء حتى قبل الإنذار بساعات ، فما كان من منهجية صدام حسين أن يتركهم فيها ، فجاءت الضربة القاصمة ، والتي روجت لها أبواق رافضية ، وهبت معها أسماء إسلامية في العالم ، فأولئك الرافضة هم أعرف الناس بأنهم هم المقصودون بها ، وأنها قصمت مخططاتهم ، وهدمت أوكارهم ، ورددها بعض الإسلاميين على أنها كانت مركز الدعوة الإسلامية ، وهذا أمر العجب فقد كانت مركز المعارضة الكردية التي سامت الإسلاميين أشد العذاب ، فحاربت كل ماهو إسلامي حتى ألجأت جماعتي أنصار الإسلام والجماعة الإسلامية للجبال ، فعاش هؤلاء المساكين في برد شديد وزمهرير قاتل .
    وأما خيانته لشعبه فلقد هبت عاصفة بغداد المدمرة واقتلعت صدام من عرشه ، وانطلقت بعدها هواية البعض المعروفة فقالوا : إنه عقد صفقة آخر لحظة بعدما رأى الموت ، وآخرون قالوا بل هو الأمريكي اليهودي منذ أن جاء إلى يومنا هذا وعند غربلة هذه الاحتمالات نجد أنها قابلة للاحتمال قبول الطينة لتشكل ، لكنها في حقيقة التحليلات مبنية على ربط الأوهام ، فوهم من هنا وآخر من هنا وقرينة من هنا ومن هناك .. وقد اكتملت الصورة وخرج الحاذق بتحليل ألمعي يتشدق به في المجامع والمجالس وينافح منافحته عن اليقين وجل ذلك يدخل في باب الجدل المنهى عنه .. كما أنها أمور لا ينبني على أغلبها أعمال ....



    ويأتي الدليل من ' ابريماكوف ' نفسه الذي كلف بمهمة إقناع صدام بالتتحي عن السلطة بأيام على أن يجعل له مكاناً خاصاً في العراق حيث يريد أو خارج العراق !
    ولكن ' ابريماكوف' يعقد مؤتمراً صحفياً بعد سقوط بغداد بخمسة أيام يقول فيه ما لا يشرف ابريماكوف ولا غيره أن يقوله ، حيث يخجل أي إنسان أن يقوله عن نفسه مما واجه من صدام من الاستهجان والاستكبار من مقترحه هذا .... فقد قال ابريماكوف مجيباً على سؤال عن ما قاله لصدام في ذلك اللقاء وما أجاب به صدام ... فقال لقد قلت له :' يجب أن تجنب بلدك الدمار والكوارث وتسلم أنت وليس من طريقة إلا أن تترك الحكم لغيرك ... ' فأجابني صدام قائلاً : ' لقد قلتم مثل هذا الكلام في حرب الـ 1991 ، ثم ربت على كتفي ثم تركني وخرج ! '. وهذا هو اللائق بشخصه الموافق لشموخه ...
    ثم هل من المعقول أن صداماً يترك العراق ليسلم نفسه إلى إيران لتوصله هي إلى روسيا !
    وهل من المعقول أن روسيا وهي تعمل هذا التحالف الكبير الجديد مع ألمانيا وفرنسا تخادعهما بهذا النوع من التعامل مع المخابرات الأمريكية وتعقد هذه الصفقة معها ...
    ويأتي الدليل الأقوى الذي قاله الدكتور ظافر العاني في مقابلة مع قناة الجزيرة بتاريخ 14/ 4/ 2003 حيث قال : قبل ثلاثة أيام وقعت معركة شرسة في الأعظمية مابين القوات الأمريكية والمقاتلين العراقيين ، وقد كان صدام يقاتل بنفسه مع المقاتلين .... يقول الدكتور العاني : وقد أخبرني بهذا الشيء الذين كانوا يقاتلون مع صدام ... ويقول كذلك : وقد أخبرني من سمع صدام بنفسه يقول وهو يتحرق : ' لقد غدروا بي ' يقصد في تسليم بغداد من قادة حزبيين وسياسيين وعسكريين ، باعوا بلادهم ومبادئهم إلى أمريكا ....
    وللعلم فإن ظافر العاني أستاذ العلوم السياسية في جامعة بغداد ومن أهل الأعظمية نفسها ، فكيف نكذب من شاهد ويخبر بما شاهد على الملأ ، ونأتي لنصدق أوهام مربوطة أو أضغاث أحلام مخبوطة لا توافق الواقع كما لا توافق شخصية الرجل ...
    إن كل من يردد هذه الأوهام ... ويكاثر بها ... يبرأ عن كل ما قاله بمجرد أن تسأله سؤالاً واحداً وهو : ما نصيب الخيانة إذا ثبتت لك أن صدام قد قتل في القصف الجوي أو في حرب الأعظمية ؟
    ويأبى الله إلا أن يظهر في محطة الـ [ ال بي سي ] شاهد عيان يقول بالتفصيل : لقد صلى معنا صدام يوم 9/4 صلاة الظهر في مسجد الإمام الأعظم أبو حنيفة ، وجلس إلى ثلاثة رجال كبار من أصحابه القدماء ، وتحدث معهم قليلاً وكان مما قال لهم : ' لقد غدروا بي ....' ثم خرج صدام من المسجد فاجتمع الناس من حوله ، فحياهم كعادته ، ثم تزاحموا عليه في منظر عجيب بثته قناة أبو ظبي منفردة كما رأيناه . قال : ثم توجه صدام بالسيارة إلى مكان آخر من الأعظمية .... فوقع فيه قتال شديد جداً واشترك صدام في القتال لمدة ساعتين .... وكان سلاح صدام في القتال هو الـ [آر بي جي ] .
    وجاء الدليل الأخير القاطع ، وهو خطابه الذي بثته قناة أبو ظبي بصوته هو ، وكان أن سمى التدخل الأمريكي احتلالاً عازماً على المقاومة ... وقد اعتذرت القناة ، بعدم استطاعتها بثه في وقته ، وقد استلمته يوم سقوط بغداد، أي يوم 9/ 4 ...
    و نقول : ما مصلحته أن يخرج بهذه المهانة التي لن ينساها له التاريخ والأجيال ... وقد وجدت له أسهل المخارج قبل المعركة مباشرة ، كمبادرة دولة الإمارات أو مبادرة روسيا أو السعودية أو عروض أمريكا نفسها عليه الأمان وعدم المطالبة القانونية ابتداء من بوش إلى وزير الخارجية إلى وزير الدفاع إلى رئيس وزراء بريطانيا ، وانتهاءً بمستشارة الأمن القومي ، وكان يرفض كل تلك العروض باستعلاء ، ولو قبلها لدخلت القوات الأمريكية في نفس اللحظة التي يخرج من الحكم أو من البلاد بحجة حفظ الأمن والاستقرار إلى حين تعيين حكومة جديدة .. كما تزعم ... وتكون قد حققت الأمرين سلامة البلاد ، وسلامة قواتها ومنهجية استسلام البلاد الأخرى دون قتال ... وما يريدون إعادة تعميره من خلال العقود من غير تدمير ... والأهم من كل هذا أنهم يدخلون من غير نقمة الشعب عليهم .
    وأخيراً .. إن الخيانة سهلة وعواقبها قد تكون محمودة على صدام في الدنيا ، فهو يستطيع أن يخون ويعيش كما يعيش غيره ويهنأ بملكه وسلطانه وماله من غير أن يعيش طريداً فريداً في زمن قد كبر فيه سنه وقلّ فيه صديقه ولكنه أرادها حرباً يهلك فيها العدو ويحرر بها البلد رغم خذلان أمته له.



























    صدام في ميزان الإسلام

    الجزء الأخير


    العبر المريرة من الحرب الأخيرة :



    العبرة الأولى ـ لا قليل من الإثم:



    مع كل الذي ذكرنا من أعمال صدام الشرعية في الواقع العراقي والتي حاولنا أن نظهرها بعدما طمسها الكل إلا أن الآثام الكثيرة الباقية القائمة في الساحة العراقية كانت كفيلة بهدم أركان الخلافة العباسية العظمى ـ لو أنها كانت قائمة ـ وأنها كفيلة بتخلي الله تعالى عن جيش المسلمين الفاتح لبلاد الكافرين لو كان موجودًا ...

    فليس هينًا عند الله امتلاء الساحة العراقية بالأصنام الشامخة لشخص صدام [ وماأكثرها في عالمنا الإسلامي ] !

    وليس قليلًا امتلاء البلاد بالبنوك الربوية التي توعد الله عليها بالمحق !

    وليس قليلًا امتلاء البلاد بالمعتقلات والتهاون بأرواح الناس !

    فإذا كان التحذير الأكبر والوصية الأهم في رسالة عمر رضي الله عنه إلى قائد المسلمين في القادسية سعد بن أبي وقاص هو تحذيره وجنده من الآثام قليلة كانت أم كثيرةٌ ... كما يروى أن النصر حبس عن المسلمين في بعض معاركهم بسبب تركهم لسنة السواك ..

    ولقد جاءت الجيوش العراقية على أحسن تقدير بنية حسنة وهي الدفاع عن البلاد والعباد والنفس والدين والمال... لكنهم جاءوا مثقلين بالآثام على جميع المستويات، جاؤوا متخلفين عن استكمال شروط نزول النصر على جند الله، والله تعالى يقول [ إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم ]

    نعم: إن خطابات الرئيس الأخيرة [ والتي بدأت تظهر من عام 1992 م وصارت واضحة وبقوة منذ عام 1996 م ] كانت تفيض بالمصطلحات الإيمانية وعبارات التوكل على الله تعالى والثقة بنصر الله تعالى ... لكن تلك الخطابات لم تكن كافية لنزول نصر الله تعالى . فالله تعالى أعلى وأجل وأكبر وأعظم من أن يغرّه أو يغْرِيه خطاب قائد أيًا كان، فينزل عليه نصره بحسن الخطاب وحسن نيته بينما شروط النصر العقدية والعلمية غير مستكملة فيه ولا في جنده ولا في بلده ... ومع إيماننا بأن لكل امرئ ما نوى ... والناس يبعثون على نياتهم، لكن إقرار الحق على أرض الواقع وانتصاره على الباطل شيء ... وحصول الشهادة أو الأجر والمعذرة بعدم العلم ونحو ذلك شيء آخر ... فالثاني فعل فرد والأول فعل أمة والخلط بين الاثنين خطأ عظيم .....

    وهذه والله عبرة عظيمة لمن أراد نصر الله حقيقة ... وبعد أن كان كثرة الاستدلال والاستشهاد قاصرًا في الغالب على قِلّة من المسئولين العرب كالسعوديين والسودانيين فإننا أصبحنا نشاهد صدام خلال الثمان سنوات الماضية يكثر الاستشهاد بالآيات والاستدلال بالأحاديث بل وتجاوز ذلك بالتفاخر بقصص المجاهدين ورموزهم وكم من مرة طالب جنوده بالاقتداء بهم وخاصة الأخوة السبعة الذين حوصروا وقتلوا في مستشفى قندهار رغم علمه أن ذلك قد يكون ذريعة في القضاء على حكمه ونهاية نظامه بدعوى ارتباطه بالقاعدة ... وأكثر القراء يجهلون هذا الأمر ... ومن تابع خطاباته علم بذلك، وأكثر من ذلك، لكن كل ذلك لم يكن كافيًا لنزول النصر الإلهي .... ذلك أن الله لا ينظر إلى الألسنة والصور ـ وإن صدقت ـ إنما ينظر أولا ً إلى القلوب وصلاحها وصدقها، وينظر إلى ما يصدقها من الأقوال والأعمال ... ثم إذا حوسب الفرد على عمله وحده، حوسب الحاكم عليه وعلى عمله في أمته وبلاده وما ولاه الله إياه .

    ومن ثم وكل الله تعالى الخصمين في هذه المعركة إلى قوتهما فكانت القضية محسومة قبل ابتدائها ..

    وهذا ما ينبغي أن يستدركه المسلمون في صراعاتهم القادمة فيخلصوا النيات ويتخلصوا من الذنوب، ويقوموا الألسنة ويستقيموا بالأعمال ويفوضوا الأمر إلى الله ظاهرًا وباطنًا مع اتخاذ كامل الأسباب المادية والعدة العسكرية المستطاعة ...

    إن ميزان السيئات والحسنات ليس هو الأذواق، ولا ما يطلبه المشاهدون ... إنما هو ميزان الكتاب والسنة ... فالحلال ما أحله الله والحرام ما حرمه الله، والدين ما شرعه الله فإذا كانت الملائكة لا تصحب رفقة فيها جرس، فكيف تنزل على جيوش حاديها مزمار الشيطان والغناء باسم الوطن وصدام ....؟! فكيف بما هو أعظم من ذلك ..؟!

    معاذ الله أن نقول هذا شماتة، فإن ما في العراق من قرارات رئاسية في السنوات الأخيرة كان مبشرًا بخير عظيم، ولكن يجب علينا أن نلتزم القواعد الربانية حيث أن للنصر عدته، وله تضحيته ... ولا قليل من الإثم ... وعندها لن يكون لقوة العدو العسكرية ترجيح في الميدان، لأنه لن يغلب الله أحد ولن يغلب جند الله أحدٌ، والله يقول: [وإن جندنا لهم الغالبون].












    العبرة الثانية ـ تزكية النفوس أولاً:



    أما تزكية النفوس فلقد حاول صدام كما مر معنا تزكية نفسه حسب مفهومه وكان لذلك صور متعددة، فكان يقطع أي اجتماع مع أي ضيف، ومع القادة السياسيين والعسكريين ليقوم بأداء الصلاة إذا حضر وقتها، وقد تكرر هذا الأمر مرارًا في الاجتماعات المنقولة تلفزيونيًا كما حصل مع أفراد مخصوصين في اجتماعات لم تنقل تلفزيونيًا كما تحدثوا بها هم أنفسهم معنا، وكان يحرص جدًا على قراءة القرآن ويقول كما مر معنا ما نقله عنه الأمريكي راذر: [أشعر أن القرآن يسري في عروقي] وقد كان يحدث مبعوث الرئيس الهندي عن الإسلام حينما زاره قبل الحرب بأشهر، وقد استمعنا لذلك بأنفسنا من خلال التلفاز العراقي .. ولقد جاءت الأحداث الأخيرة لتثبت ذلك بأقوى صور الإثبات حين عثرت القوات الأمريكية على بيت في منطقة الأعظمية، وانفردت الجزيرة ببث صورة البيت بغرفِهِ ... وأركانِهِ ... فوجدوا أن هذا البيت هو المقر الرئيسي لصدام طوال فترة العشرين يومًا تقريبًا، وهي أيام الحرب والقصف على بغداد، حيث ظهر في البيت سرير متواضع عليه لحاف ينام عليه صدام، وفيه مكتب عليه فنجان فيه أثر القهوة، ونصف كوب ماء، وفيه مشجب معلق عليه لباسه العسكري برتبته العسكرية، وثوب نوم، وعلى الأرض سجادة للصلاة باتجاه القبلة وبجوارها كرسي مصحف، وعليه المصحف مفتوح على سورة الحجر، ونرجوا أن لا يقول البعض منّا إنه كان يتوقع الكاميرا التلفازية أن تأتيه يومًا من الأيام فجهز تلك الغرفة للتصوير والدعاية فقد شبعنا من كثرة المداخل من أجل الطعون في الآخرين حيث أصبحت عادة ساذجة ملت منها الشعوب المسلمة ...

    ولقد قال عن حالته النفسية يوم أن أراد القسم على المصحف حين أعيد انتخابه كرئيس للجمهورية ..

    قال: لما وضعت يدي على المصحف للقسم، أخذتني حالة من الرهبة الداخلية لم أشعر بمثلها في حياتي ولن أستطيع وصفها ..

    وكثيرا ًما كان يوصي قادته علانية بكثرة قراءة القرآن الكريم، وما كانت كتابته شيئًا من المصحف بدمه إلا من هذا الباب بفهمه هو ... ذلك أنه شخص يريد أن يسبق دائمًا إلى مالم يسبق إليه، وبمفهومه هو وطريقة تعبيره عن محبته العميقة بأسلوبه القوي حيث بذل أغلى ما يملك لأغلى ما يعرف فكان الدم للقرآن، ولربما لو كان رئيسًا آخر لفكر أن يكتب القرآن بالعطور أو نحو ذلك ... مما يناسب نرجسيتهم ونعومتهم .

    ونحن هنا لا نتحدث عن جواز ذلك شرعًا، فهذا أمر قضي وانتهى ولا يحتاج اليوم إلى فتوى، والمسألة راجعة إلى طهارة الدم، ومن العلماء من قال بطهارته، وقد أفتاه العلماء بذلك فعلًا ...

    لكن محاولة تزكية الرئيس نفسه شيء وحصول التزكية شيء آخر . وإن كان صادقًا في طلبها كما يظهر لنا، ثم إن تزكية الرئيس نفسه لوحده شيء وسوء نفوس الآخرين من المحيطين به شيء آخر!

    ولذلك فإنك حين تسمع لصدام شيئا وحين تسمع للصحاف مثلًا شيئا آخر ... فالصحاف تعود على إطلاق العبارات والمواعيد دون تعليقها على مشيئة الله، وتعود نسبة النصر للحزب وأبطال الحزب والأسباب الأرضية مما كان ينفِّر كل مسلم من عباراته !

    ومن ثم فإنه لما لم تتزك النفوس القيادية بالإيمان كما ينبغي، لم يعد هؤلاء حقيقين بالنصر، ولا مؤهلين لنزول السكينة عليهم، والله تعالى يعلل نزول السكينة على أهل البيعة للبيعة وما في قلوبهم فيقول في كتابه العزيز [ لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحًا قريبًا ..]

    وكان لعدم تعميم التزكية أثر بليغ في حصول الهزيمة، فالنفوس التي لم تتزك زكاة إيمانية صحيحة سهل اصطيادها بشرك الدولار أو السلامة من الموت أو المناصب أو نحو ذلك مما فيه إيثار الحياة الدنيا على من لم يتزك كما قال الله تعالى [ قد أفلح من تزكى . وذكر اسم ربه فصلى . بل تؤثرون الحياة الدنيا والآخرة خير وأبقى ]

    وهذه سر وقوع الخيانات الكثيرة في قيادات الحرس الجمهوري بل قيادات حزبية، وقيادات سياسية، كما ذكر ذلك الدكتور ظافر العاني ....

    فماذا تعني زكاة نفس القائد ـ على فرص حصولها ـ إذا كانت البلاد بمجملها غير مزكاة ... ولهذا كانت من مهمة النبي صلى الله عليه وسلم الأساسية تزكية نفوس الأمة . قال تعالى: [ هو الذي بعث في الأميين رسولًا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة، وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين ] .. الجمعة 2

    ولو كانت النفوس مزكاة، فما أهون الدنيا على من تزكى . قال تعالى: [ أتمدوننِ بمال فما آتانِ الله خير مما أتاكم . بل أنتم بهديتكم تفرحون ] النمل 35

    وفائدة أخرى عظيمة لتزكية النفوس، تلك هي أن التزكية إنما تكون قبل المواجهة العسكرية وهي جزئ أساس من الإعداد، حيث إن المقاتل المثقل لا يملك أن يتزكى في ميدان القتال وحده ـ عادة ـ فلا بد من الانتصار على النفس أولا ً في ميادين الدنيا، لا بد من ممارسة التزكية عند المعاملة بالمال، وشؤون الحياة، لا بد من القيام والصيام وصلاة الجماعة والأوراد والأذكار ... لا بد من التزكية من خلال العبادة، ومن خلال المجاهدة المتواصلة ...

    أما التزكية النظرية أو المظهرية فإنها لا تغني شيئًا إذا وقعت الواقعة، فحين خُيرّ المقاتل بين أن يقرب نفسه وأهله وولده وماله وأمته وسعادته أو يستسلم، وفوق ذلك يحصل على مبلغ، وبين أن يقرب دينه وأمانته،ويسلم ويسلِّم أمانته لعدوه … فإن لم يتزك فلن يتردد في قبول السلامة وطول العمر وإيثار الدنيا ... عندها يعلم الناس إلى أي مدى كانت التزكية ضرورة، ويعرف ما معنى قوله تعالى [ قد أفلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى بل تؤثرون الحياة الدنيا ]

    لقد حاول صدام تزكية نفوس أصحابه المحيطين به [ على ضعف في معنى التزكية لديه ]، لكنه نجح فيما يظهرونه أمامه ولأجله ـ في أغلبهم ـ أما الناس فلم يستطع تزكية نفوس أغلبهم، لأن المصداقية كانت مفقودة بينه وبين أغلبهم ... وأما من حوله، فكان صدام يظن أنه بتكوين معهد إسلامي خاص بهم، وفرض حضور الجماعة والجمعة عليهم كاف في تزكية النفوس ... وما علم أن دون ذلك أعمالا وأعمالا، ومجاهدة وصدقا، وتوفيقا من الله تعالى وحده ...

    ولقد أخذ الطالبان من قبل صدام بشراء القيادات العسكرية التي قبضت الدولارات بالشمال وسلمت الثغور باليمين، وما هي إلا لحظات حتى سقطت كابول وتبعتها المدن الأخرى تتساقط تساقط الفراش في النار !

    وتبقى هذه الحقيقة مخيفة لنا كثغرٍ واسع سليك لأعداء الدين المحاربين، ونبقى مهددين في كل معركة قادمة بدخول العدو من ثغور قلوبنا بإغفال التزكية الإيمانية الحقة ...

    بل إن الأصل هو أن الإنسان كلما كبرت مسئوليته القيادية، ازدادت فرضية تزكيته لنفسه، وازدادت قوته الإيمانية وازدادت محافظته على أمانته، والواقـع اليوم يختلف عـن هذا على النقيض ...

    ومن ثم كانت من أعظم العبر التاريخية التي ينبغي أن يصل إليها المسئولون المسلمون، هي أن لا يستعجلوا تولية أحد قبل أوانه، وأن لا يتخلوا عن التزكية الإيمانية لأي فرد تحت أي ظرف من الظروف، ومع أي شخص من الشخصيات الموهوبة ... وأن القاعدة في ذلك هي: [ إن خير من استأجرت القوي الأمين ] أما أن نركز على صفة القوة دون الأمانة، فالنتيجة ظاهرة .








    العبرة الثالثة ـ تصفية الصفوف:



    الناظر في القيادات العراقية يجد أنها مركبة تركيبًا عجيبًا، والناظر في الجيش العراقي يراه كذلك ... والناظر في الشعب العراقي يجده هو مصدر تلك التركيبة ..

    نعم؛ إن القيادة مختزلة كلها في شخص صدام إلا أن أولئك القادة الذين معه كان لكل واحد منهم دوره الذي يؤديه في مجتمعه، وله صورته أمام العالم .

    فطارق عزيز رجل نصراني يتولى منصب نائب رئيس الوزراء وظل فترة يمثل الدولة في صورتها الخارجية بتوليه وزارة الخارجية ... ونحن لا نبحث هنا الحكم الفقهي لهذه المسألة بل ولا نتحدث في صدق ولائه للعراق ولصدام بقدر ما نتحدث عن كونه ثغرة في حصن الأمة، وثلمة في السيف العراقي ... وخصوصًا في وضع اندفاع الرئيس نحو الإسلام . فطارق عزيز إما أن يكون رجلا نصرانيا علمانيا أو يكون نصرانيا صرفا .. وعلى كلا الاحتمالين لا يسعده أبدًا توجه صدام هذا .... فهل يا ترى سيغلب حبه لصدام ووطنيته كرهه للإسلام وحبه لبعثيته ..؟!

    وأما الصحاف فهو رافضي معروف، ولا ندري هل مثّل الصحاف دور ابن العلقمي في هذه النكسة الكبرى بناءً على تاريخ القوم القديم ... ؟! وهل كان هو الصلة المأمونة ما بين القيادات الأمريكية والقيادات العسكرية العراقية من خلال صلاته المفتوحة على آخرها مع الإعلاميين ؟!

    وهل كان طرد ألـ [ سي إن إن ] من العراق من قِبَل الصحاف دليلا أخيرا يقدمه لصدام على وفائه وغِيرته ..؟!

    وهل كانت مصطلحاته التي كان يطلقها رسائل مفهومة لدى القياة الأمريكية مثل مصطلح الأفعى، ومصطلح التقطيع، والحبس في الدبابات ونحو ذلك مما لم يأبه لها أحد في وقتها؟

    وهل بقاء الإعلام العراقي يبث إلى أن وصلت الدبابات جسور دجلة دليل على ذلك، فلقد أثبت الأمريكان أنهم قادرون على إغلاقها من القمر الصناعي وقد فعلوا حين أرادوا. فلم لم يغلقوها من أول يوم من الهجوم ...؟! أم أن للصحاف مهمات ورسائل ..؟!

    وهل كانت تصريحات الصحاف الأخيرة التي قالها للمراسلين في اليوم الأخير لظهوره بعدما غابت الكامرات عن التصوير، آخر دليل يقدمه على علقميته ... فلقد كانت تصريحاته مريبة جدًا كما ذكر لنا ذلك بعض المراسلين بأنفسهم ... !

    وهل يثبت كل هذا ظهوره العلني المتكرر في شوارع بغداد وعلى الهواء وفي مكان معروف ومشاهد دون قصفه من قبل الأمريكان والتي كانت طائراتها تكاد تغطي سماء بغداد بينما كانوا يتقصدون القيادة العراقية حتى في المطاعم التي يتوقعون اجتماعهم فيها؟

    أم أن الذي أكد ذلك أن صور القيادة العراقية التي نشرتها وكالة المخابرات الأمريكية والمطلوب القبض عليهم ليس من بينهم صورة الصحاف ... تشكل دليلًا إضافيًا على ذلك ..؟!

    وهل كان عدم وضع وزير الخارجية معهم تغطية لصفقة الصحاف ...

    وهل كان التعثر المستهجن من قبل كل العالم بدعوى عدم القدرة على تصوير آلاف القتلى الأمريكان في أرض المعركة أمرا مقصودا من الصحاف حين أعلن العجز عن ذلك وأنه يحاول استدراك ذلك ... علمًا بأن هذا الأسلوب كان أمضى سلاح في المجتمع الأمريكي من أجل الضغط على الرئيس الأمريكي حتى يتوقف عن الحرب وماقضية سحْل وسحب الجنود الأمريكان في شوارع مقديشو عنا ببعيد حيث هاجت الجماهير الأمريكية ضد رئيسها وسحبت الجنود من أجل جنديين أو ثلاثة فقط ..؟!

    إنها مجرد تساؤلات مشروعة نطرحها، ولا نملك القطع بها ولا نفيها .

    أما بالنسبة لتصفية صفوف الجيش العراقي: فإن المؤرخ لا يسعه أبدًا أن يقفز على حقيقة عظمة الجيش العراقي ... فإن جيشًا مثل هذا الجيش يستحق التحية والتقدير ... جيش أرانا في عصرنا انتصارًا بينًا ونصرة تكررت مرات ومرات ...

    أما الانتصار الحقيقي فهو ما تحقق من الانتصار البين على إيران صاحبة أقوى خامس جيش على مستوى العالم، وأما النصرة فسيأتي الحديث عنها ...

    ويكفي أنه الجيش الذي وقف هذه الأيام وقفة دامت عشرين يومًا في ملحمة طمس الإعلام لها كل بريق نصر ... حتى غدت وصمة عار عند الآخرين ...!

    فهذه أعظم دولة في العالم ... جاءت بأعظم جيش في العالم .. يملأ الجو والبر والبحر ويملك من الأسلحة ما أعده منذ الحروب الباردة لدول عظمى ولم يحارب به ... جيش أعدته أمريكا لروسيا والصين ولأوروبا الشرقية وللعالم الإسلامي ... فاختزل العالم كله في مواجهة العراق، بعدما طور تلك الأسلحة مرارًا ... وكان المتوقع لدى الجميع أن تكون ساعات وإلا أيام لا تزيد عن سبعة !

    لقد نسى العالم كل ذلك، نسوا صمود أم قصر اثني عشر يومًا وقد تغنوا بها كثيرًا، ونسوا صمود الفاو، والزبير، والبصرة، والنجف بداية والناصرية .. ثم اختزلوا كل ذلك الصمود في ليلة سقوط بغداد، وكأن ما فات كان ساعة من نهار، كحال الدنيا تمامًا، وصد ق من قال: من ضحك أخيرًا ضحك كثيرًا .. فضحك الإعلام العربي مرددًا قهقهة أمريكا في أجواء من الخذلان العجيب، وسكر في عظمتها رهيب ..

    ولكن الناس قد نسوا كل هذا وجاؤوا يذكرون لحظة سقوط بغداد ...؟!

    ولم تكن قضية سقوط بغداد سقوطًا عسكريًا بل كان سقوطها سقوطًا خيانيًا .. حين سلم أفراد معدودون بلدهم ليَسلَموا هم وعوائلهم، ولتذهب دماء من قتل هدرًا، ولتذهب أمريكا بالنفط ولتذهب البلاد كلها من أولها إلى آخرها، وليذهب التاريخ كله هدية بأيدي اليهود النصارى ثمنًا لسلامة أفراد وسلامة عوائلهم..!

    مع أن بغداد قد أعدت لتبقى صامدة سنين طويلة، وقد قال الفريق سعد الدين الشاذلي: أتحداهم أن يدخلوا بغداد بعد أربعين سنة ! وقد كان صدام يكرر مرارًا وتكرارًا بأن بغداد هي مقبرتهم، وعلى أسوارها سوف ينتحر هولاكو العصر الجديد، وقد كانت ثقته عالية جدًا، وحتى اللحظات الأخيرة كان وزير دفاعه الوفي سلطان هاشم يكرر ذلك بل ويحدد لهم وقت وصولهم بغداد ... وهناك سوف تكون المعركة .

    وما علم الجميع أن ابن العلقمي قد باع واشترى ... وقضي أمر بغداد بليل، ونفد صدام بجلده في آخر لحظة ليعلن إعادة الكرة عليهم، ويخرج بعدها مباشرة إلى شوارع الأعظمية أمام الملأ كما بثته قناة أبو ظبي التلفزيونية، وكما أذيع خطابه الإذاعي والذي سمى فيه ولأول مرة الدخول الأمريكي: احتلالًا ...!

    ونحن نقول: والله ثم والله ثم والله ثم والله إن أعظم سبب في سقوط بغداد هو الموقف المخزي من جميع الدول العربية، وإنا نسألكم بالله من أين طارت تلك الطائرات التي أحرقت أرض العراق المسلم فقطعت الأجسام وحرقت الأخضر ودمرت بلد كامل وغطت سماء عاصمتها حتى قال الكثير إن ماسقط على بغداد يفوق ماسقط على بعض العواصم الغربية في الحرب العالمية الثانية ؟ والسبب واضح وهو أن الطيار الأمريكي هنا يحس عند حرق هذا البلد بنشوة غريبة وباستمتاع شديد تحركه صليبيته الوقحة وعنصريته القذرة .. هذا السؤال جَبُنَت عن الإجابة عليه جميع القنوات العربية والشخصيات السياسية والعسكرية والإعلامية العربية في سكوت عن إظهار هذه الحقيقة الرهيبة .. ثم من أين انطلقت الدبابات وحملت الأجهزة والمعدات ومن أي القنوات البحرية دخلوا ومن أي الموانئ العربية أطلقوا صواريخهم المدمرة ؟ ثم من كان يقود تلك الجيوش للدلالة على المواقع العسكرية العراقية ونقاط الضعف فيها أليسوا هم استخبارات بلدين عربيين ؟ وقد أثبتت التقارير أن مع كل فرقة أمريكية دليل عربي يدلّها في أرض المعركة، ثم من أين كانت تأتيهم التموينات الغذائية ونحوها والتي هي زادهم وغذاؤهم ؟ وقد بلغ العطف والشفقة بتاجر تركي فعرض على القيادة الأمريكية في تركيا أن يوفر عاهرات من أجل التخفيف عن الكبت الجنسي لدى الجنود الأمريكان، وكذلك وجد هؤلاء الجنود شيئًا من هذه المتعة في بلد عربي آخر تهمّه نتيجة المعركة وقد امتلأ الانترنت بصور بنات ذلك البلد وهن عرايا مع هؤلاء الجنود في صور مخزية، فحسبنا الله ونعم الوكيل .

    ومع كل الإعداد والعتاد فإن الذي ينقص الجيش العراقي هو ما لو توفر لحصل النصر بإذن الله تعالى، وكأن الله تعالى يريد أن يضرب به للناس المثل قبل أن تأتي الملاحم الموعودة، والحروب اللاحقة، إن كنا سوف نرى ملاحم، ونرى حروبًا بعد هذه الحروب ..!

    فمن العبرة العظيمة أن هذه الدول العربية لن تملك جيشًا مثل الجيش العراقي من حيث شراسته وقدمه، فهو أول جيش عربي وهو مؤسس أغلب الجيوش العربية، وهو أكبر جيش خبرة في الحروب، ومجرب في مختلف أنواعها ومواقعها الجغرافية ... دخل حروبًا في الجبال وحروبًا في البحار، وحروبًا في الأهوار، وحروبًا في النخيل، وفي داخل بلده وفي خارجها، حروبًا مع العجم وأخرى مع الروم، حروبًا كان فيها مدافعًا وأخرى مهاجمًا وحروبًا كان مناصرًا ... بقيادة رجل رضع الشراسة والقوة منذ صغره، كما هو معروف عنه، وما اكتسب الشجاعة تعليمًا أو دُرْبه أو تصنّعها لمّا أصبح رئيسًا ! وبعد هذا عركته الحروب كلها .. وما أخذ إلا بالخيانة والذنوب !

    لكن الذي كان ينقص الجيش العراقي أمورًا نوعية عديدة، نذكر منها:-



    أولًا: الوحدة العقدية ... فالواجب بناء الجيش بناءً عقديًا موحدًا وفق الكتاب والسنة، وذلك من خلال الدعاة المتخصصين، المتفرغين لهذا الأمر .

    ثانيًا: الهدف الواضح ... وهو القتال لإعلاء كلمة الله تعالى وحده .



    ولو أن ألفًا من المجاهدين في سبيل الله، المجربين، البائعين أنفسهم لله تعالى، وقفوا للقوات الأمريكية على الجسر، لما استطاعت مجاوزته أيامًا وربما أبدًا ..

    .

    ثالثًا: رفع سياط الظلم والقهر عنهم وإزاحة الطبقية المقيتة التي مزقت نفوس كبار الجيش قبل صغاره .



    رابعًا: إعطاء جهاز الدعوة الإيمانية، أو ما يسمى بالتوجيه المعنوي أو الديني الأولوية، لا أن يكون ثانويًا كما هو الواقع ... بحيث يكون أمره ونهيه ملزمًا مادام ملتزمًا بالكتاب والسنة، وهذا موافق لشرط البيعة المعروف شرعًا: ' إلا أن نأمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة '



    خامسًا: أن يصبح الجيش هو أكثر الأجهزة التزامًا بالكتاب والسنة قولًا وعملًا، وذلك لشدة حاجتهم إلى عون الله تعالى ـ وما من أحد إلا وهو فقير إلى الله ـ ولشدة حاجة الأمة لهم، فإنه بذهابهم تذهب الأمة كلها كما هو واقع الآن ...



    وكل التزام شرعي يعمله الجيش ويقرر عليه إنما هو قذيفة رعب في قلوب أعداء الله تعالى فاللحية مثلًا فرعية مخيفة لأعداء الله حتى لو كان المجاهدون بالعشرات، فكيف إذا كانوا بالملايين، وصلاة الجماعة كذلك، وقراءة القرآن، وتعليم أحكام الجهاد، وما يلحق به وما هذه الأمثلة إلا قليل في علم كبير كان يجب على ; أن يكوِّن له الرئيس جهازًا شرعيًا علميًا ضخمًا يبني الإستراتيجية ثم التطبيق والوسائل، وفيه المتابعة ... كما أن للأجهزة العسكرية الأخرى أهميتها ... أما أن تجعل أجهزة أسباب الأرض أولًا وأسباب السماوات آخر الحلول فهذا هو الخسران وهذه هي النتيجة ..

    أما بالنسبة لصفوف الجيش العراقي فإنه مختلط بطريقة عظيمة ما بين السنة والشيعة، ولقد كانت هذه الخلطة أعظم ثغرة بغير نزاع في حصن العراق ... فمع أن صدامًا كان يدرك ذلك جيدًا، وكان يذكر ابن العلقمي مرارًا كرمز للخيانة وتسليم الخلافة العباسية .... إلا أن في شعبه من كان يفاخر بأن جده ابن العلقمي، كالمعارض الخارجي الرافضي فائق الشيخ علي، ومثله أمثال داخل العراق وأشد !

    ربما كان صدام يتصور أنه من خلال أحاديثه التي يؤكد فيها على أن الجميع عراقيون، ولتجمعنا مظلة العراق، أو أن ترميمه بعض المقامات الشيعية، ونحو ذلك، يتصور أنه يستطيع كسب هؤلاء، وما علم أن هدف هؤلاء ليس الترميم بل هو البلد بأكمله، وما علم أنه يكفي لينسف بنفسه كل كلامه وكل عمله لديهم حين يقف يصلي في كربلاء واضعًا يده اليمنى على اليسرى !

    لقد كان صدام يتصور أن جهاز الأمن هم أقرب الناس له، وأوفى الناس بحقه، وما علم أن عموم السنة كانوا ينفرون من هذه الوظيفة والحمد لله، وأن جُلّ من فيها من غير القيادات الكبرى كانوا الحاقدين من الرافضة الذين كانوا يذيقون دعاة السنة على الأخص أمر العذاب، ثم ينسب ذلك لصدام [وما صدام عنه ببريء فهو المنشئ له وهو المتولي أمره]، وكانوا يشيعون الرشوة في البلاد، وينسب ذلك لصدام، وكانوا يفعلون كل عمل مشين، وينسب ذلك لصدام ... أناس يكتبون التقارير وأناس يعذبون، وكان ذلك ينتشر في الآفاق منسوبًا لصدام وهم أكثر ناشريه في الخارج من خلال أجهزتهم [وليس هذا لصدام وحده ونحن نعلم في سجون كثير من الحكام من ينتهك أعراض الإسلاميين والإسلاميات بفعل الفواحش بل منهم من **** الله بالليل والنهار ويقول لمن يعذبه: أرسل لي ربك حتى أضعه في القيود الحديدية].

    لقد كان الواجب عليه أن يفعل بهم فعل الرشيد بالبرامكة، ولو تركهم لقضوا عليه قبل أمريكا، ولو عاد اليوم لكانوا هم أشد الناس له عداءً .

    لقد كان صدام يتصور أنه من خلال النظام الأمني الصارم يستطيع أن يضبط كل انفلات وخيانة ولو كانت في ساعة الصفر من خلال القبضة الفولاذية لابن عمه علي حسن المجيد على الجنوب ... لكن المبيّت كان أدهى ... وكان الذي في الفخ أكبر من العصفور كما يقال !

    لقد كان صدام يتصور ذلك وغير ذلك، لكن ما في النفوس الرافضية الحاقدة كان أكبر، والعقائد كانت أكبر، والتاريخ كان أكبر ... فغلب التاريخ صدامًا وأعاد التاريخ نفسه وما عاد صدام، ليجدد ابن العلقمي دوره من خلال ذريته في العراق، ليمارسوا ذات الدور الذي مارسه جدهم، قبل المعركة، وفي أثنائها، ثم يمارسوا دور التتار بعد المعركة وهذا مالم يعد خافيًا على أحد ...

    فما طاب لعلاقمة العصر في العراق أخبار المقاومة التي قام بها عامة الشيعة حتى أصدروا الفتوى من الداخل والخارج بما يسمى: ' وجوب الحياد الإيجابي ' ... أي لا تقاتلوا مع الأمريكان ولا مع صدام، ومقتضاها أن اسمحوا للأمريكان باحتلال بلادكم فتساقطت مناطقهم بعد الفتوى سريعًا: النجف وكربلاء والناصرية والعمارة والبصرة، ثم جيء لبغداد من بوابة مدينة الثورة والتي يقطنها أكثر من مليوني شيعي، وهي المسماة بمدينة صدام وحولوها الآن إلى مدينة الصدر، فكان أن ظهر أهلها في استقبال مذهل للأمريكان ...

    وقد بلغنا بطرق متواترة لا تقبل الشك بأن من المجاهدين المتخندقين لمقاومة الزحف الأمريكي على بغداد، واجهوا خدعة كبرى، حيث كان الحاقدون من الرافضة يترصدون لهؤلاء المجاهدين المتخندقين من الجيش العراقي أو المجاهدين العرب فيقتلونهم من الخلف قبل أن يصلهما أمريكان، فوقعوا بين نارين .

    ومن المعلوم أن الشعب العراقي كله كان مسلحًا في عمومه ... ولا يعرف هذا المجاهد المطعون من الغادر به ... فاهتبل الحاقدون من الرافضة فرصة الثقة بهم وغفلة العين عنهم، فانقضوا على المجاهدين العرب باسم الحكومة ونسب الغدر بهم إلى الدولة ....!

    ولا يختلف إثنان في العراق أن الغدر ليس من طبيعة أهل السنة ... فضلًا عن أن يغدروا بضيفهم ... فكيف يغدروا بأخيهم الغيور الذي جاء يدافع عنهم ....؟!

    ولذلك فإنا نعذر كل مجاهد تحدث بأن العراقيين أو الحزبيين غدروا به ..

    نعم إنهم عراقيون، لكنهم كانوا هم الحاقدين من الرافضة الذين بيّتوا الأمر بليل على قتل هؤلاء المجاهدين العرب .. وربما يكونون حزبيين في النهاية لكنهم في النهاية كانوا رافضة مخصوصين !

    وها هي الأخبار تأتي عن تتبع الحاقدين من الرافضة للمجاهدين العرب أينما كانوا في العراق ... بل إن منهم من أخذ يبحث عن المجاهدين في المستشفيات ويقتلونهم على سرير المستشفى في لحظة ذهول الناس عنه بغيره، وما أعظم الذهول في هذه الظروف، ونحن نعرف بعض من قتل بأسمائهم في المستشفى .!

    كيف لا وهم يعتبرونهم ألد أعدائهم ولو كانوا عراقيين من بني وطنهم ..!

    أليسوا هم الذين يحاربون الشباب العراقي الملتزم أشد الحرب بحجة أنهم وهابيون كما يسمونهم ... فالخضّار الحاقد الرافضي يرمي الداعية العراقي بالطماطم ـ إذا مر بسوق الخضار في العشار مثلًا ـ ويصيح بهذا الشاب: هوبي .. هوبي .. أي وهابي، وذاك السجّان يوقع على الشاب السني أقسى العذاب لأنه سني، وهو حين يفعل ذلك إنما يتقرب إلى آل البيت بتعذيبه كما يزعم، وموظف الاستخبارات يهييء الأمر ويقوم بالدور، فيكتب عنه أفظع التهم، ويلفق له ويفتري عليه وهكذا كل حاقد من الرافضة من موقعه يؤدي دوره نحو هؤلاء الشباب ... الذين يسمونهم [ وهابية ] ...

    فكيف إذا جاء القوم [ وهابي ] ـ كما يقولون ـ من خارج العراق يريد نصرة إخوانه أهل السنة وأهل العراق ...؟

    هذا وأهل السنة غير قادرين على حمايته ...!

    فليس بمستغرب أبدًا أن يقع هذا الغدر بهؤلاء العرب من الحاقدين من الرافضة ... بل هو المنطق المحتم الذي يحكيه لنا التاريخ من قبل مرارًا في حواث لا تعد ولا تحصى، وجاء الواقع ليثبته ...

    ولقد أوكلت أمريكا أمر المجاهدين العرب إليهم ... كان الله في عونهم .

    وبغير هذا التغير العقدي التاريخي والجغرافي لن يصل أحد من المحللين إلى فهم المعادلة العراقية والوصول إلى السر الخفي في هذه المعادلة، وسيبقى البحث عن النتيجة الصحيحة لمن لم يعتمد هذه القضية العقدية طلسمًا لن يفككه حتى لو تفككت أعضاؤه ...!

    ولقد فهمت أمريكا هذا الأمر جيدًا قبل المجئ إلى العراق، وركزت على هذا الثغر جيدًا، وما زالت حتى بعد نزولها أرض العراق تستحلبه ... ابتداءً بالهجوم الأول عن طريق الكويت، وتركًا للهجوم البري عن طريق السنة الأكراد تمامًا، وقفزًا للهجوم على البصرة والناصرية والنجف والعمارة وكربلاء وتركًا للهجوم على أهل الرمادي الذين هم من أهل السنة المجربين في القتال والإباء ... وقد جرب الأمريكان فعلًا حظهم هناك، فما هي إلا ساعة أو دونها حتى قتلوا جميع الأردنيين وأسروا جميع الأمريكان، وهو مجموع الفريق الذي أسقط إنزالًا .

    لقد فهمت أمريكا هذه اللعبة جيدًا حين ركزت على الفاصل العقدي من بعيد .. من خارج العراق .. لعلمها أنه أقوى من الرابط الوطني العراقي الذي حاول اعتماده صدام .. فسخرت عملاءها العلاقمة في بلد خليجي صغير أولًا وإخوانهم في لندن وغيرها ثانيًا، وقام الجميع بدور فظيع في تفكيك الوحدة الوطنية العراقية بعدما ضربت مثلًا رائعًا في الوقوف صفًا واحدًا أمام عدوها دفاعًا عن بلده في أول أيام الحرب ... وما بين عشية وضحاها، تحولت العراق إلى مزق وفرق وأشتات وأشلاء وأعداء .... ووصلت أمريكا إلى عمق بغداد ... حين تحول استقبال الأمريكان من استقبال بالرصاص إلى استقبال بالترحيب والوقوف معهم صفًا واحدًا ضد بلدهم ...!

    لقد كان صدام يستطيع أن يعالج هذا الشرخ الهائل في جيشه الكبير بما ذكرنا من تطهير الجيش وتزكيته وتصفيته وإكرامه ... على فترات حكمه الأخير ... ولكنه إذا لم يستطع فعل ذلك، فقد كان يستطيع أن يعالج هذا الشرخ الهائل قبل المواجهة بأشهر ...

    نعم، إنه كان يستطيع أن يستفيد من أئمة المساجد وشباب المساجد الذين يتمنون لقاء العدو تحت راية إسلامية صرفة ...

    فإن الشباب العراقي المتمسك بدينه كان كثيرًا ـ بحمد الله تعالى ـ وكل واحد من هؤلاء الشباب دخل الخدمة العسكرية العراقية الجديدة، فهو لا يحتاج إلى تدريب كثير، والعراق لا يحتاج إلى هذه الملايين المجندة، فالعبرة ليست بالكثرة، ومائة ألف شاب مجاهد بحق يمكن توفيرها من محافظتين أو ثلاث ... وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: [ لن يغلب اثنا عشر ألف من قلة ] أخرجه أحمد [ 26689] وأبو داود [ 4286] والحديث صحيح

    وإن قناعة الشعب بأمر الجهاد إذا ما تصدى المجاهدون للصليبيين، سوف تتغير رأسا على عقب، وسوف يتسابق الناس إلى الدفاع تدينًا، وسيكون الاستشهاد لديهم أُمْنية .

    وقد جرب العالم كله كما رأى صدام بنفسه ماذا صنع المجاهدون العرب في ميادين القتال العراقية، والأفغانية من قبلها، علمًا بأن هؤلاء الذين جاءوا العراق ـ فيما أحسب ـ أغلبيتهم لم يعرفوا القتال قبل ذلك، إنما هو الدين وحب الشهادة فحسب ... ثم إن ثلاثمائة وأربعة عشر رجلًا في الأرض نزل لأجلهم ألف وألف حتى بلغوا خمسة آلاف ملك من السماء .. والله تعالى يقول: [ إذ تقول للمؤمنين ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين . بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين ]

    نعم، كان بإمكان صدام أن يستغني عن الشيعة وعن الغوغاء من سنة وشيعة، ويصفي جيشه من كل منافق بهذه الطريقة .. إذ لم يستطع أن يصفيه قبل سنين، وسوف يرى الصليبيون جنودًا لا قبل لهم بها ولكن يبقى صدام هو ذاك الرجل الذي يظن في نفسه اكتمال التصور ودقة الرأي وهو بعيد عن ذلك، وغيره من أمثاله كثير..

    وهناك حقيقة مهمة وهي أن الفرصة التاريخية بل الخطأ التاريخي الذي يجب أن يعترف به الإسلاميون هو أن الذي يتحمل خطأ تفويت هذه الفرصة بالدرجة الأولى هم الإسلاميون أنفسهم، الذين يتطلعون دائمًا إلى لقاء الصليبيين واليهود في ساحتهم، فلما أن جاءوا إلى ساحتنا يريدون احتلال بلادنا، وقفنا منهم هذا الموقف الذي أشبه ما يكون بالموقف السلبي ... وهذه بعض النقولات المهمة عن فقهاء الإسلام في هذه المسألة:

    قال السرخسي الحنفي رحمه الله [المبسوط 10/ 98 ]: ' إذا كان قوم من المؤمنين مستأمنين في دار الحرب، فأغار على تلك الدار قوم من أهل الحرب، لم يحل لهؤلاء المسلمين أن يقاتلوهم لأن في القتال تعريض النفس، فلا يحل ذلك إلا على وجه إعلاء كلمة الله عزّ وجل وإعزاز الدين، وذلك لا يوجد ههنا؛ لأن أحكام أهل الشرك غالبة فيهم، فلا يستطيع المسلمون أن يحكموا بأحكام أهل الإسلام، فكان قتالهم في الصورة لإعلاء كلمة الشرك وذلك لا يحل إلا أن يخافوا على أنفسهم من أولئك؛ فحينئذ لا بأس بأن يقاتلوهم للدفع عن أنفسهم، لا لإعلاء كلمة الشرك، والأصل فيه حديث جعفر رضي الله عنه، فإنه قاتل بالحبشة العدو الذي كان قصد النجاشي، وإنما فعل ذلك؛ لأنه لما كان مع المسلمين يومئذ آمنًا عند النجاشي فكان يخاف على نفسه وعلى المسلمين من غيره، فعرفنا أنه لا بأس بذلك عند الخوف'.

    وقال محمد بن الحسن رحمه الله [شرح السير 4/ 1515]: 'إذا كانوا يخافون أولئك الآخرين على أنفسهم، فلا بأس بأن يقاتلوهم؛ لأنهم يدفعون الآن شر القتل عن أنفسهم، فإنهم يأمنون الذين هم في أيديهم على أنفسهم، ولا يأمنون الآخرين إن وقعوا في أيديهم، فحل لهم أن يقاتلوا دفعًا عن أنفسهم'.

    وقال البهوتي الحنبلي رحمه الله [كشاف القناع 3 / 63]: 'تحرم إعانة الكفار على عدو منهم إلا خوفًا من شرهم، لقوله تعالى [لا تجد قومًا يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادّون من حاد الله ورسوله]'.

    إن الحكم الشرعي الذي قرره هؤلاء العلماء الثلاثة وغيرهم كثير هو:

    'الجواز الشرعي للقتال تحت راية الحاكم الكافر بالقيد المذكور، أما إذا كان مسلمًا فلا خلاف في الوجوب، ومع هذا فثمة أمور لابد من بيانها على ما نقلناه عن السرخسي ومحمد بن الحسن والبهوتي، لئلا يخطئ أحدٌ في تطبيقها على الواقع العراقي، تلك الأمور هي:

    أولًا: قال السرخسي 'إذا كان قوم من المسلمين مستأمنين في دار حرب'.

    والواقع أن العراق بلد إسلامي وهي دار إسلام واهلها ليسوا مستأمنين وإنما هم مسلمون في دار إسلام، وعليه فإنه إذا اختلف الوصف إختلف الحكم .... والحكم يدور مع علته كما هو مقررويصبح الدفاع عنها، دفاعًا عن دار الإسلام والدفاع عن دار الإسلام فرض عين على أهلها ... كما سيمر معنا في المعالم القادمة .

    ثانيًا: قوله 'إلا أن يخافوا على أنفسهم من أولئك' وهذا ضابط المستأمنين الذين في دار الحرب، أما إذا كانوا مسلمين في دار إسلام فإن الخوف يتعدى النفس إلى الدين أولًا وإلى بلاد المسلمين ثانيًا، وإلى انتهاك الضرورات الخمس، وقرائن ذلك في أفغانستان وغيرها قائمة.

    بل لو كان ثمة عدو تخافه على نفسك وعدو تخافه على دينك، فوجب رد العدو الذي تخافه على دينك، وإن اقتضى ذلك الوقف مع العدو الذي تخافه على نفسك، وذلك لقول الله تعالى 'الفتنة أكبر من القتل' وقوله 'قل إن كان آباؤكم .... إلى قوله وهو الشاهد ... أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره'.

    من حق القارئ أن يسأل 'مفكرة الإسلام' فيقول: أهذا وقت إثارة هذه الفتنة ما بين السنة والشيعة ...؟ أليس من الحكمة إغفالها ولو لهذه الفترة ...؟

    فنقول: إنا نؤكد أننا لم نتحدث أبدًا عن عموم الشيعة العراقين ... إنما نخص دائمًا فئة قليلة بمصطلح الحاقدين وأغلب هذه الفئة هم ممن يتلقى تعليماتهم من الأعاجم، فوطنيتهم معدومة .

    نقول: كل واحد له خبرة في شيعة العالم، يعرف جيدًا أن شيعة العراق هم أقرب ما يكونون من حيث العلاقات والتعاملات وإسقاط الحاجز النفسي ما بينهم وبين سنة العراق ... ولكن هذا واقع فيما بين العامة من الفريقين ... أما حين يتدخل الحاقدون، فإن هذا العامي يتحول إلى شيء آخر ... إلى سهم مسموم !

    ثم إننا حين نحكي التاريخ لا ينبغي أن نحكيه على أنه تاريخ فترة بل تاريخ أمة فهذا حق الأجيال القادمة، ولو أننا فرضنا أن صدامًا استوعب هذا الأمر جيدًا ولم يغره زعم الوحدة الوطنية، واتخذ الاحتياطات اللازمة والكافية والكفيلة بالحيلولة دون الوقوع في هذا المهوى القاتل لما حصل للعراق كل هذا الذي حصل ...

    نحن لا نشك أن صدامًا كان على علم كاف بسقوط بغداد الأول بابن العلقمي ودوره ... كيف لا وهو المولع بقراءة التاريخ وهو الذي أنشأ كلية خاصة للتاريخ الإسلامي .؟! لكن الواقع الذي رآه كان أكبر من الذي توقعه ... ولك أن تتصور لو أنه تصور هذه الكارثة كما هي الآن ... فلا شك أنه سيكون لصدام ولها شأن آخر ... وسيعلم أن الفتاوى التي أمر بإصدارها من الحوزات بوجوب وحدة الصف لم تكن كافية ..!

    وأن العهد والإيمان التي اتخذته العشائر الشيعية لم يكن كافيًا !

    وأن الاجتماع الشيعي والتعاهد على خرقة العباس وهي أعلى موثق عند القوم لم يكن كافيًا ..!

    وأن مبايعة أهل العشائر في التلفزيون العراقي أمام العالمين لم يكن حاجزًا دون الرجوع عن كل ذلك إذا ما صدرت فتوى تنسف كل هذه الأيمان المغلظة والعهود الموثقة .... وقد كان ذلك، وانقلب القوم رأسًا على عقب ....!

    وأخيرًا فإن رواية التاريخ كما هو في واقع الأمر واجب علينا من جهة، وحجة علينا وعلى الأمة من جهة أخرى إذا لم تقم بدورها في الحيلولة دون تكرار الكارثة بعد ذلك مرارًا، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: ' لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين ' كما أن هذا هو من واجب النصح لكل مسلم .

    بل إن التاريخ يقول يجب أن تكونوا أشد ريبة وخشية منهم إذا رأيتم علماء الرافضة يطالبون السنة بإسقاط الفروق العقدية وتناسي المذاهب، والانضواء تحت راية الإسلام الموحدة ومظلته العامة ... كما هو حاصل الآن ... ذلك أنهم إنما يريدون أن يجعلوا من السنة العراقيين مطية لبلوغ هدف حكمهم لأهل السنة في العراق ...

    ذلك أن الرافضة على علم بأمور ثلاثة ...

    أما الأول: فسلامة قلوب أهل السنة العراقيين وقابليتهم للانخداع مرة ومـرات ولهم في ذلك تجـارب ...

    والثاني: أنه ليس للسنة في العراق حوزة ولا مرجعية علمية يرجعون إليها ... فضلًا عن أن يكون لهذه المرجعية هدف حكم البلاد ..!

    ثالثًا: ليس لأهل السنة في العراق سند سني خارجي، فضلا عن أن يكون لهم دولة شرعية سنية تعتبر قضيتهم قضيتها، أما الرافضة فعلى العكس من كل ذلك بالإضافة أن دولتهم العقدية مجاورة ....؟!



    أوليس السكوت هنا جريمة في حق أهل السنة، وأهل السنة ليس في العراق اليوم وإنما في حق أهل السنة على مدى تاريخهم الطويل وعلى مستوى الأمة، بل هو خيانة الأمانة التاريخية للأجيال القادمة، وإعانة على تمرير هذا المخطط الرهيب تحت ستار العفو من جهة واحدة فهم في الوقت الذي يخرجون في المناطق التي فيها الغلبة للسنة بمظاهرات تقول: [لا سنة ولا شيعة ...] ويلقون خطابات التسامح، يقوم إخوانهم في مناطقهم بشعارات واضحة ولافتات كبيرة تقول [حوزتنا تحكمنا] ... ولافتات تقول [ لا ديمقراطية ولا بعثية ... بل جمهورية إسلامية] ...

    وإنهم في كل تصرف من تصرفاتهم اليوم، ويقطعون خطوة نحو هدفهم النهائي، ففي الوقت الذي تجد فيه كل شيعي ينوح بأعلى صوته على قتلاه الذين قتلهم صدام حسين، ربما منذ فترة طويلة، وكأنهم أحياء في السجون، وربما لم يقتلهم أساسًا تجد كل شيعي يسود صورة صدام حسين بأبشع ما يستطيع من التشويه، في هذه الوقت تجد الكثير من أهل السنة يرددون هذه المقولات من غير تبين وعلى حسن نية، أما الرافضة فيريدون الوصول منه إلى هدفهم الحقيقي وهو ... أن حكم السنة للعراق هو حكم ظالم بدليل ما فعله صدام حسين السني فينا ... فلا نريد حكما سنيًا بعد اليوم وعليه فإن البديل الصحيح هو أن يحكم العراق الرافضة ... وخصوصًا وأنهم الأكثرية كما يزعمون ....

    ولقد جاء إحراقهم لسجلات الدولة كخطوة إستراتيجية رهيبة في هذا السياق ...

    فلقد ذهبت بهذا الخطوة حقيقة التركيبة السكانية للعراق، وذهبت أسماء من طردهم صدام من قبل من العراق ممن لهم أصول فارسية وولاءاتهم فارسية ...

    وبهذا الإحراق أصبحت التركيبة السكانية الآن مفتوحة، وسوف يشهد العراقيون السنة هجرة رهيبة من المناطق الشيعية الإيرانية العربية إلى المناطق العراقية العربية ... وسيكون للسجلات الجديدة مصداقية أكبر، وللشيعة لأول مرة نسبة أكبر.

    هكذا يغير التاريخ على الأرض، ويفرض على التاريخ الحق تاريخًا مصطنعًا، لكنه واقعًا، رضى من رضى، وأبى من أبى ... ومن يستطيع أن يفرز هؤلاء عن هؤلاء

    فإذا لم تكن ثمة سجلات ولا تواريخ ... اللهم إلا شهادة العشائر، فكيف إذا كانت عشائر هؤلاء هي المتواطئة لهؤلاء، 'وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال '.

    وللحقيقة التاريخية فإنه لا يمكن إنكار ما فعله صدام حسين بهم، ولكن الواقع خير شاهد على أن ما اتخذه صدام حسين في الجملة كان هو الأسلوب الأنسب لضبط البلاد بالطريقة الموافقة لمنهج صدام حسين من جهة والمناسبة لمواقف الحاقدين منهم من جهة أخرى، فما كاد شبح صدام حسين يختفي عن السلطة العراقية حتى صنع الشيعة ما صنعوا في العراق وخصوصًا في مناطق السنة المجاورة إلى مناطقهم ... فماذا ترى لو أن قبضة صدام ارتخت يومًا من الأيام ...؟!

    والأيام ستثبت ما سيصنعه هؤلاء الحاقدون في البلاد والعباد بعد غياب صدام ..!

    ولعل البعض يحتج بأنهم ماكانوا كذلك قبل صدام حسين وقد كانوا طوال عمرهم موالين للعراق، وحكومتهم ....

    والجواب: نعم، إن هذا كان صحيحًا قبل قيام الدولة الخمينية، أما حين ظهرت دولة الخميني فقد تحول ولاء كل شيعي في العالم إلى قم وإيران وبني فارس بعدما كان ولاؤه من قبل إلى بلدانهم وبني قومهم ...

    نحن لا ننكر أبدًا ما فعله صدام بهم، ولكن ينبغي أن لا ينكروا ما فعلوا هم بالعراق في السلم والحرب، من المظاهرات، والاغتيالات والتفجيرات، وشبكات تجسس لإيران، ولغير إيران، ومحاولات الانقلاب، وخيانات على أعلى المستويات، وأما في الحرب العراقية الإيرانية فحدث ولا حرج، وليس تسليم منطقة المحمّرة العراقية المحاطة بالألغام والأسلاك والحفر والتلال وغير ذلك لإيران من قبل قائدها الرافضي عنا ببعيد، تلك التي راح ضحية الخيانة فيها ما يقارب الستون ألف جندي عراقي، منهم من غرق في شط العرب وأغلبيتهم الساحقة وقعوا في الأسر في أيدي القوات الإيرانية في مأساة كبرى لم تتطرق لها وسائل إعلامنا لعدم رغبة كثير من الجهات في إحيائها والتذكير بها ...

    إن الذي يتحدث عن العراق ويريد أن يفسر ما يجري في العراق تفسيرًا صحيحًا ينبغي أن يتصور العراق كما هو في تركيبته الفريدة من بين دول العالم جميعًا، ولو تصور المحلل من خلال موقعه كرأس للعراق يريد حكم هذه البلد، لربما لن يجد طريقة لحكمه ولا لبقائه في الحكم وبقاء الأمن مستتبًا في البلاد إلا بواحد من ثلاثة طرق، فإما طريقة صدام حسين الاستئصالية للمخالفين وإما ترك الحكم والاستسلام أو انتظار الغدر والخيانة في أية لحظة به...

    وإننا إذ نذكر هذا إنما نذكره لنوصل القارئ إلى تصور الأمر كما هو في العراق لا كما هو في المملكة الأردنية ولا المملكة العربية السعودية ولا الشام ولا مصر ... إنه العراق وإنه التاريخ ..!

    الرافضة العراقيون الذين كلما هدأوا يومًا قام من يثيرهم من الجيران، الرافضة العراقيون الذين هم قِبْلة الرافضة في العالم كله، ذلك أنهم أصحاب قبلة الحسينيات في العالم، فالمقامات هنا، والمزارات هنا والأئمة هنا .... وما هو أفضل من الكعبة عندهم هنا ..!

    فكيف يرضون يومًا أن تكون قبلتهم تحت حكم خصومهم الأصليين ؟!

    ومازالوا منذ زمن يحلمون بهذا الحلم، وقد اقترب .... أيتركونه وهم يستطيعون غير ذلك ...؟!

    لا لن يتركوه، حتى لو لم يكن حكمًا شيعيًا صرفًا، فليكن حكمًا علمانيًا أو ديموقراطيًا أو أي حكم على أن يكون الحاكم شيعيًا ... إن القضية قضية مدروسة، وهادفة عند الشيعة، فمن رأى إحراق المكتبات السنية التاريخية في العراق عرف أنها كانت مدروسة، ومن رأى إحراق مكتبة المتنبي العظيمة قبل الحرب في بغداد من قبلهم عرف أنها مدروسة ومن علم أن صدامًا كان قد أمر بتخزين دار المخطوطات العراقية في مكان آمن قبل الحرب كان يعي الكثير من الخطر، وأنه يعي ما قاله من قبل من إطلاق إسم ' مغول العصر ' على الأمريكان، لكن المغول هذه المرة كانوا هم الحاقدين من الرافضة العراقيين بإشارة وتشجيع الأمريكان، وبتغذية الخارجين الحاقدين من الشيعة ...

    إن الأيام تثبت أن صدامًا كان على حق في كثير من شدته على هؤلاء .. ونحن نطالب من أي معارض لهذه الفكرة أن ينظر فيما صنعه الشيعة في مساجد السنة القائمة في النجف وكربلاء والعمارة والناصرية ومصيرها بعد ذهاب صدام، هل بقي منها مسجد لم يحول إلى حسينية ولم يطرد منه إمامه ؟!

    ولأننا نكتب التاريخ منتهين إلى اللحظة التي نكتب فيها، فإننا نسأل الله تعالى أن لا يسجل التاريخ مذابح يكون ضحيتها الشعب العراقي، والسنة على وجه الخصوص، ويطير بخيرها الاستعمار الأمريكي .

    ومع هذا فإنا هنا نؤكد ونذكر بأننا في هذا البحث ما كنا نعمم الخطأ على جميع الرافضة العراقيين … حاشا … فالذي يتأمل في البحث يجد أننا ما ذكرناهم مرة إلا وخصصنا بقولنا [ الحاقدين من الرافضة ] وحرف [ من ] للتبعيض .

    ومع هذا فإنا نعود لنؤكد بأن الأسلوب الأنسب للتعامل معهم هو الحوار الصادق والدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة ...

    وإن الخطأ الفاضح الواضح الذي وقع فيه صدام حول الرافضة من المستحيل علاجه قبيل الحرب بأيام، ولقد حاول محاولات جادة لكـن الوقت كان ينفـد من بين يديه نتيجة سياساته الخاطئة ..!



    الأكراد:



    إن من العدل والإنصاف أن نذكر بأن الأكراد قد واجهوا البطش والتنكيل والتشريد والتقتيل أيام صدام ما لا يعلمه إلا الله تعالى ... فلا يخفى على أحد ما جرى للأكراد من عملية الأنفال الإجرامية، والتي شرد على أثرها عشرات الألوف منهم، وغيرها الكثير الكثير مما يصعب على الأكراد نسيان تلك الذكريات الأليمة والمصائب الفظيعة، ولعل شعر صدام بما شعر به غيره من الأكراد عندما قُتِل ولداه قصي وعدي وحفيده مصطفى في الموصل .

    ولكننا لن نبحث ما حصل للأكراد لسببين رئيسين:



    الأول: هو أنها أخـذت حقها أضعافًا مضاعفة من قبل أجهزة الإعلام بالصـوت والصورة والكتابة ...



    والثاني: منهما هو أنها خارج حدود موضوع دراستنا الزمني، فموضوع دراستنا هو العقد الأخير من حياة صدام، وهذه الأحداث قبل هذا العقد .



    أما مطالبة الأكراد باستقلال الشمال بأكمله عن العراق فإن العدل والإنصاف يقتضي كذلك أن نعيد المسألة إلى أصلها الشرعي والتاريخي وعليه فإن الاحتمالات القائمة أمام الأكراد واحد من اثنين:

    إما أن يعاملوا كأمة كردية منفصلة، وأما أن يعاملوا كجزء من العراق؟! ونحن كأمة إسلامية، لا خيار لنا ولا لهم إلا أن نقول إن الواجب أن يعاملوا كجزء من الأمة الإسلامية، وقد كانوا طوال تاريخهم جزءًا من أمة الإسلام، ولم يحدث أن طالبوا بدولة أخرى في ظل الخلافة الإسلامية، بل كان الأكراد مصدرا للعلماء والقادة وطلاب العلم وطلاب الجهاد ...

    وهل يمكن أن تتنازل الخلافة الإسلامية أو ترضى أن يكون للأكراد دولة مستقلة دون الخلافة الإسلامية..؟

    كما أن هذا المنطق مناف للقواعد الشرعية من وجوب الاجتماع، والنهي عن التفرق ووجوب الصف الواحد، والتعاون على البر والتقوى، والنهي عن الانفراد والتفرد وأنه من الشيطان، ونحو ذلك من أصول وقواعد شرعية ثابتة لا جدل فيها ولا نزاع ... هذا لو كان انفصالهم عن الخلافة مع إقامتهم حكم الله تعالى !

    ولكن للقائل أن يقول فماذا إذا لم تكن خلافة ولا حكم إسلامي في الأمة ولا في العراق؟

    والجواب: هل سيقيمون هم حكم الله حقيقة بهذا الانفصال ... أم سيقيمونها علمانية إباحية، كما هو مشاهد من مناطق حكمهم الذاتي .!

    إن بناء دولة جديدة .. بناءً على قومية جديدة ... فيه من الأضرار بهم وبالعراق وبالأمة ما لا يعلم به إلا الله تعالى، وهو شرخ عقدي في بنيان الأمة في الأساس ... ذلك أنه مبني على أصل جاهلي صرف، وإقامة لراية جاهلية منتنة جديدة، كما أن فيه مزيد تمزيق للأمة وتشقيق لصفوفها .

    وهذا هو ما تريده اليهودية العالمية ويريده كل أعداء هذا الدين ... ولذا تجد أن السائرين في رفع هذه الشعارات هم علمانيون جاهليون ... لا هدف لهم إلا أن يحكموا دولة .... مجرد دولة، ولو في آخر أيام حياتهم ... بغض النظر عن المنظور الشرعي لهذه الدولة ..!

    إن إقامة مثل هذه الدولة في العراق يغري القوميات الأخرى في العراق وفي غيره على المطالبة بدول ... وهذه إذا وقعت فإنها سنة سيئة وسابقة خطيرة تهدد جميع بلاد المسلمين بالخطر المحدق بهم ... فإذا ما قامت هذه الدويلات بدأت الصراعات الحدودية والاقتصادية والسياسية والاجتماعية والعسكرية بطريقة سيئة فوق ما نحن فيه بأضعاف وهل نسينا الصحراء الغربية والمغرب، وتيمور الشرقية وإندونيسيا ؟!!

    والحقيقة أننا لا نجد أي مبرر شرعي للحديث عن فكرة إعطاء الأكراد دولة ...

    وكل كردي وعربي يدرك أن الحروب في الشمال العراقي كانت استنزافية للشباب العربي والكردي، ناهبة للثروات، مذهبة للأمن، مزيلة لاستقرار الدولة كدولة حتى جاء صدام حسين وبطريقته الاستئصالية المعروفة حرك الجيش العراقي فعالج هذا الثغر النازف، فتوقف النزف إلى يومنا هذا .... وهذا العلاج مع مافيه من ضحايا، إلا أن الأكراد جميعًا يدركون إلى أي مدى بلغ الحال سوءًا في الشمال آنذاك ... كما يعرفون المحاولات العديدة التي بذلتها الحكومة العراقية من اجتماعات وحوارات ووساطات وغير ذلك مع الأكراد أيام صدام حسين وكل ذلك لم يفلح ولم يجد شيئًا وقد تكون طبيعة صدام حسين نفسه هي عاملا في فقد الثقة بين الطرفين .!

    ولو سُئِل المنصف سؤال محدد: أيما خير أن يستمر العراق بأكراده وعربه بتقديم ضحايا يومية وشهرية لا تنقطع مع ذهاب الأمن والاستقرار، ونزف الثروات على الطريقة القديمة للحكومات العراقية القديمة أم أن يتدخل الجيش بكل قوته ليستأصل الورم من جذوره، ويوقف الخسائر المتواصلة على جميع المستويات، وإن كان فيها ما فيها من خسائر؟ ...

    لا شك أن خيار كل عاقل في مثل هذا الظرف لو كان حاكمًا حاسمًا هو العلاج الحاسم . لكن المشكلة في الأسلوب الرهيب الذي استخدمه صدام في هذا العلاج والذي كان فيه الاستئصال أعظم من الورم!

    وأما أن أمريكا هي التي أعانت صدام على الأكراد، فهذا أمر بالإضافة إلى أن العقل ينفيه بحكم فارق القوة ما بين الجيش العراقي والأكراد ... فإنه قول لا دليل عليه إلا مجرد التوهمات الجزاف التي قيل مثلها كثيرًا من قبل الأكراد والإيرانيين وغيرهم عند تبرير العجز، وتبرير الهزيمة، ولسلب النصر روحه ... حتى مع إيران قيل الكثير من ذلك، لكن الذي ثبت أن السلاح الإيراني كان أمريكيا، والمساعدات الإسرائيلية العسكرية لإيران مقطوع بها ...

    وفي العقد الأخير من حكم صدام أصدر قرارًا قبل سنة تقريبًا من زوال حكمه بتخصيص مبلغًا لإصلاح البنية التحتية وإنشاء مشاريع إنمائية في الشمال لمحافظة كركوك .. بمبلغ قدره خمسة وخمسون مليار دينار ؟

    ويبقى السؤال الأخير للأكراد العلمانيين المتزعمين تلك الانتفاضات: ماذا قدمتم أنتم في مقابل كل هذا ؟! وماذا ستجنون بعد كل هذا ؟! وهل ستقيمون دولة بعد صدام كما كنتم تحلمون بها ؟!!

    وهل ستصبحون قادرين على حمايتها من تركيا؟ وعلى أي دين ستقيمونها؟ وبأي حكم ستحكمونها؟!!

    أم أن العمالة تقضي بتفضيل الحكم الذاتي مع أمريكا على الحكم الذاتي مع صاحب البلد الذي تنتمون إليه..؟!

    لقد أشار صدام ـ وصدق ـ في رسالته الأخيرة الموجهة إلى جلال الطلباني ومسعود البرزاني بوجود علاقات واتصالات ما بينهم وبين الصهاينة .

    وهاهي الصحف تنشر يوم 29 / 4 / 2003 سعي إسرائيل لتهويد مناطق كردستان العراق ... كما استطاعت تركيا أن تمسك شحنة متوجهة إليها .

    ولكن من لا دين له فإن دينه مصلحته، وغايته تبرر وسيلته، لأنه اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم ...!

    ويتساءل البعض: ماذا تريدون من حاكم بلد أن يفعل وهو يرى جماعة من بلده خانته في أخطر ظرفين: الحرب الإيرانية وحرب الخليج الثانية ؟ ابحثوا لنا عن حاكم في العالم حصل له ماحصل فماذا تريدون منه أن يفعل ؟!!! وكلنا نذكر بعض الجنسيات المسلمة في حرب الخليج الثانية لما وقفت مع العراق في ظلمه على دولة الكويت كيف كان الموقف منها في أحد البلدان، لقد تم اغتصاب بنات تلك الجنسيات المسلمات في حفلات جماعية وابتهاجية بالتحرير، وقدمن هدايا لجنود بعض الدول المشاركة في الحرب، ومنهن من حملن سفاحًا، ومنهن من قتلن نتيجة الاغتصاب الجماعي وفعل بهن من الأفاعيل مالا نستطيع ذكره، وملفات الأمم المتحدة مليئة بمثل هذه الأشياء ومكتوب فيهن الأسماء المغتصبة وصفات المغتصبين وجنسياتهم، ومع كل هذا ماتت قضاياهم ونجا المجرم لأنها باختصار سياسات عالمية يعاقب فيها أناس دون آخرين .

    ويبقى بحث الأمر الأخير وهو ما طنطنت حوله الأجهزة الإعلامية العربية والعالمية على وجه الخصوص، وهو طرد الأكراد من منازلهم وتهجير آلاف الأسر العربية وتسكينهم في مساكن أولئك الأكراد بأمر من صدام حسين ..!

    هكذا تناول الناس هذه القضية من الإعلام ـ كالمسلمة التي لا يشك فيها ـ وحسبت على أجندة النظام السابق المثقلة بالمظالم أساسًا !

    لكن ديننا الإنصاف والعدل ... وقوام التاريخ الصحيح شهادة الحق وكل عراقي وخصوصًا من يعيش في الشمال يعرف جيدًا بطلان هذه الدعوى وهو يرى بعينه المساكن الخاصة التي بنيت لكل أسرة عراقية عربية انتقلت إلى الشمال بحيث ملكتها الحكومة ذلك البيت أو تلك الشقة .. فهي مبان جديدة بنتها الحكومة العراقية ولم تكن يومًا من الأيام للأكراد .. حتى يأتي اليوم الذي يأخذونها من أصحابها الحقيقيين بدعوى أنها كانت لهم ... نعم ربما أخذ بعض المسؤولين الكبار بعض بيوت الأكراد، فهذا علم والله لا نعلمه ولم يبلغنا، ولا نستبعد حدوثه لبعض البيوت الخاصة بهم أو بمن يخصونه .. والله أعلم .

    إن من عرف أهداف هذه الحملة التهجيرية علم بعد النظرة ... لو أنها استمرت وتناسلت عليها الأجيال بعد ذلك ... فمن أهداف هذه الحملة ترسيخ وحدة العراق فعليًا بحيث لو جرى التصويت على بقاء مناطق الحكم الذاتي مستقلًا تابعًا للعراق أو منفصلًا عنه، كان للعرب دورهم وصوتهم في إثبات عراقية هذه المناطق، والعراقي العربي لا يرضى أبدًا باقتطاعه من العراق ... وعليه فستبقى هذه المناطق الكردية مناطق عراقية، وهذا هدف شريف وعظيم ربما لن يحتاج له صدام في عهده إنما سيبقى أثره أكبر ما بعد صدام وعلى مستوى الأجيال القادمة أكثر ... وبالتالي يكون صدام قد توصل إلى حل جذري لمشكلة مزمنة عجزت عنها الحكومات والأجيال ... وخصوصًا إذا ما تكاثرت هذه الهجرات إلى الشمال. ومن أهدافها المتحققة فعلًا:- هي تعليم الأكراد اللغة العربية ... فلو كانت عوائل معدودة مهاجرة إلى منطقة الأكراد لربما تحولت لغة هؤلاء إلى اللغة الكردية، أما أن تكون العوائل بالآلاف وفي وسط الأحياء الكردية فهذا ما يستعسر معه الذوبان اللغوي والخلقي ... وبحكم الحاجة والتعامل فستفشو اللغة العربية بين هؤلاء، وهذا بحد ذاته مكسب عظيم يظهر تأثيره أكثر على أبناء الجيل الصاعد، ويجعل هذه المناطق مهيئة لتعميم اللغة العربية، وهذا هو المعمول به في المناطق الكردية ومن تابع الفضائيات الكردية عرف كيف كان اثر هذه الحملة فأغلب برامجها عربية .

    ولا يخفى ما لهذه الهجرة الكثيفة من تأثير مستقبلي في التركيبة الاجتماعية المستقبلية، حيث المخالطة والمصاهرة والأرحام بين العرب والأكراد ... ولا نريد أن نتجاوز إلى أهداف أخرى متكلفة وإن كانت متحققة شئنا أم أبينا، كانتشار الأخلاق العربية، والعادات العربية . ونحو ذلك ....

    وهذا الذي فعله صدام يعتبر إنجازًا تاريخيًا نوعيًا، ومن الإنصاف أن يحسب له ومن الظلم أن يحسب عليه، بينما لا تكاد ترى دولة واحدة استطاعت أن تحل هذه المشكلة أو تسعى في حلها سعيًا صحيحًا جذريًا فهذه إندونيسيا خسرت تيمور الشرقية وهاهي المغرب تكاد تخسر الصحراء الغربية، وهاهي تركيا لم تستطع أن تحل المشكلة الكردية المستعصية وهاهو السودان يعجز أيضًا عن حلها في الجنوب....

    ومع هذا نقول من منظور الإسلام، وهو المنظور الحق الوحيد: كان بإمكان صدام أن يتخذ أسلوبًا أفضل من هذا بالإضافة إليه ـ وهو الرجل القوي صاحب الإرادة المعروفة ـ وذلك بأن يعتمد الأخوة الإسلامية أساسًا لهذه الوحدة ـ بالإضافة للأساليب التي اتخذها ـ فأسلوب الأخوة الإسلامية هو الأسلوب الأوحد في ربط الأقليات وبناء المجتمعات، ويكفي دلالة على ذلك ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم في مجتمع المدينة بفئاته المختلفة وقد رأينا ماحصل من حكومة أربكان التركية لما تولت القيادة السياسية في ذلك البلد كيف أنها أكرمت الأكراد وحسّستهم بإنسانيتهم ووطنيتهم فتوقفت العمليات الكردية ضد الجيش التركي غير أن الجيش التركي رفضها لأنها ستجعل أربكان بإسلاميته أول زعيم تركي معاصر يحل مشكلة استعصت على غيره .

    وقد كان بإمكان صدام ليحقق ذلك أن يحققه من خلال منهج شرعي لا يضعه هو بل يضعه أهل العلم والدعوة والتربية الصادقين الصالحين، ذلك أن الرابط المطلوب هنا ... ليس رابطًا ظاهريًا أو اجتماعيًا أو لغويًا فحسب، إنما هو في أساسه رباط القلوب وهذه لا يقدر عليها إلا الله وحده ... وقد قال الله تعالى في كتابه العزيز:

    [وألف بين قلوبهم لو أنفقت ما في الأرض جميعًا ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم] آل عمران 103 .

    كان بإمكانه أن يسخر الوسائل المناسبة لتحقيق تلك الأخوة كالمساجد وأجهزة الإعلام الخاصة وشباب الصحوة ثم يتكفل هو بمتابعة تلك الوسائل، والمستوى الذي بلغته تلك الأخوة الإيمانية على الأرض العراقية ولكن هيهات لصدام ذلك وهو له تفكيره الخاص وضوابطه الخاصة ونظرته الخاصة والتي تفتقد إلى ضوابط إسلامية كثيرة مفقودة في شخصه وإن كان هو يظن أنه قد بلغ الكمال فيها من خلال المطبلين حوله والمزمرين والذين كانوا دائمًا سبب هلاك كل حاكم وقائد.

    إن البعض يرى أن هذا الأمر أشبه بالحلم والخيال، وأنا أقول نعم لمن نظر بمنظار واقع أغلب الحكومات القائمة، لكن من علم أن أُلْفة القلوب لا تأتي بملايين براميل البترول ولا دنانير الذهب، إنما هي من الله وحده، وأن الأمر فيها كما قال الله تعالى: ' ولكن الله ألف بينهم ' و ' وأن القلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن '، وأنه إذا صدقت النوايا تنزلت إعانة الله وتحققت الألفة القلبية ... عندها نعلم أن الأمر ـ بإذن الله تعالى ـ يسير وخصوصًا إذا كانت وراءه قناعة وإرادة من صدام نفسه و الذي كان بمقدوره أن يحقق لنفسه ولدينه ولآخرته إنجازًا ...

    إن الخطأ الواضح الذي اعتمده صدام في تحقيق هذه الألفة القلبية هو اعتماده على الخلايا الحزبية، والدوائر الأمنية بالدرجة الأساس ... ! وهذا للأسف راجع لطبيعته وقناعاته الشخصية بل وناتج عن بيئته التي خرج منها والمحيط الذي عاش فيه ... ولكن أنىّ للخوف أن يحقق أمنًا ! وأنى للقوة المجردة عن المحبة أن تربط قلبًا أو تستجلب حبًا ..؟!

    إن خطبة جمعة واحدة يعمم فيها موضوع الأخوة منزلة على الواقع العراقي معززة بالأدلة الشرعية ... لكفيلة بتحقيق مالم تحققه هذه الدوائر الأمنية والخلايا الحزبية طوال سنة بأكملها ... هذا لو حققت هذه الخلايا وهذه الدوائر قطرة من محبة ...!

    فكيف لو كان ثمة منهج شرعي متكامل بحيث يخضع لهذا المنهج تلك الدوائر الأمنية والخلايا الحزبية كي يبنيها الإسلام بناءً شرعيًا إيمانيًا حقيقيًا ... وليس تمثيليًا أو مرحليًا لتحقيق غاية ... فلربما لو تحققت الغاية تخلى هؤلاء عن إيمانهم !

    إن الإسلام لا ينسف التنظيمات الإدارية والاجتماعية .. بل هو يؤيدها ويقويها ما سارت على منهجه، ناسفًا ما فيها من جاهليات مقيمًا إياها على عقيدة الإسلام الصافية، بانيًا أصحابها بناءً إيمانيًا خلقيًا على وفق كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ... رابطًا إياها برباط الإيمان ... واضعًا أمامهم هدف مرضاة الله تعالى .

    وعلى هذا الأساس سوف تكون هذه التنظيمات قوة شرعية موجهة في تحقيق الأخوة الإيمانية ومتابعة بلوغ أهدافها المرحلية ووصولًا إلى هدفها النهائي ..











    العبرة الرابعة ـ الحذر من اليهود:



    من الحقائق التي لا ينبغي أن يغفل عنها من يريد أن يتصدى لقضية الأمة الكبرى، هو استبانة سبيل المجرمين، ورصد كيدهم، وأخذ الحذر منهم، والاعتبار بما صنعوا بغيره من قبل، وجعل ذلك جزءًا من الإيمان، فالمؤمن لا يلدغ من جحر مرتين ... وهنا نتساءل هل كان صدام عدوًا لليهود حقيقة ؟

    والجواب: إن قول البعض أن صدامًا عميل لليهود ليدل على مدى المكر اليهودي الذي جعل هذا القائل الحاذق ضحية من ضحايا اليهود، وهو يرى بعينه ويسمع بأذنيه ما صنع اليهود بصدام ... ثم يبقى يقول: كذبت عيني وأخطأت أذني وصدق اليهود، ولكن سينقطع نفس من يعتقد هذا الأمر من كثرة ما سيحتاج إلى تأويل مواقف هذا الرجل ويحملها على أسوأ المحامل من كثرة مواقفه المعادية لليهود، بل من منهجيته في عداء اليهود حتى يخال لك أنه ليس لهذا الرجل من هم في الدنيا إلا الإعداد لليهود، ومعاداة اليهود، والثبات على ذلك حتى آخر نفس في حياته ولو كلفه ذلك ملكه، وحياته، وقد كان منه ذلك وقد كان من اليهود ما رأينا ...!

    وسوف نتناول عينات من عداء صدام لليهود وعليك أن تقارنها بالمواقف الأخرى لأمثاله ....



    الموقف الأول ـ الصراع النووي:



    الحقيقة أن هذه حلقة واحدة من الصراع، لكنها حلقة مظلمة وطويلة ومريرة ومستمرة إلى لحظة سقوط بغداد .. وبعدها انفتح الطريق أمام اليهود ..

    صراع متواصل بين المخابرات الإسرائيلية والمخابرات العراقية ... وملاحقات حول صفقات أرادها العراق، وأراد منها الحصول على السلاح النووي، وعلماء عراقيون كثر أرسلهم صدام كي يتمكنوا من هذا العلم ليأتوا بسره إلى العراق من أمريكا وفرنسا وبريطانيا وغيرها من الدول ... وعلماء عرب استقطبهم صدام ومنحهم كل ما يريدون حتى يحققوا حلمه باقتناء السلاح الذري، ومصانع حاول شراءها وخصوصًا من أوروبا الشرقية ومن الجمهوريات الروسية المنحلة، ومحاولات ... ومحاولات .....

    وقصص تكفي لعرض مسلسلات بوليسية تلفزيونية تستمر لسنوات ..!

    وعلى سبيل المثال نذكر من تلك القصص ما ظهر للناس من طرد وقتل بعض العاملين من إحدى الدول العربية في العراق وترحيلهم إلى بلادهم ... ذلك أن العراق حين فتح الباب أمام هذه الجالية للعمل في العراق في الزراعة والصناعة والتجارة المحلية وغيرها، حتى بلغت أعدادهم أكثر من ثلاثة ملايين ... عندها تمكن الموساد من خلال رجاله المتغلغلين في هؤلاء من دخول العراق حتى استطاعوا أن ينفذوا إلى أضخم معامل التصنيع العسكري العراقية، حتى يتمكنوا جيدًا من تلك المصانع إلى اللحظة الحاسمة التي استطاعوا تفجير عدد منها في وقت واحد، وقد كان منها مصانع صواريخ ضخمة ... وبعد التحقيق تبين أن الموساد هو صاحب اليد الخفية فيها ... فتتبعوا بقايا رجاله وعملائه في العراق فأخذوا جزاءهم .. ورحل من رحل منهم إلى بلدهم ... وبقي أكثر هؤلاء في العراق وهم يشهدون إلى هذا اليوم بأنهم عوملوا معاملة الضيف طوال إقامتهم الطويلة، إلا بعض حالات فردية لا يمكن إنكارها ...

    أما صدام نفسه فقد كان يأمر مرارًا بوجوب مساواة هؤلاء بالعراقي في كل شيء ...

    لقد كانت ضربة أليمة وموجعة للتصنيع العراقي في ذلك الوقت العصيب !



    الموقف الثاني ـ ضرب المفاعل النووي العراقي:



    لقد كانت إسرائيل أكثر حذرًا وأبعد نظرًا من هؤلاء العرب الذين أساؤوا الظن كثيرًا حين علمت أن العراق قد أوشك على الانتهاء من استكمال المصنع الذري العراقي، وما بقي بينه وبين صناعة القنبلة الذرية إلا أشهر ...

    لقد كانت إسرائيل أكثر وعيًا من هؤلاء الذين ظنوا أن العراق إنما صنع هذه الصناعة العظيمة للهجوم عليهم، في وقت لم يكن صدام قد هاجم فيه الكويت بعد ..!

    هذا وهم يعلمون أن هذه الدول أهون من أن يستخدم صدام معها السلاح الذري ...

    والدليل ظاهر ... أليست إيران أقوى دول المنطقة ... لقد ذاقت إيران أقسى هزيمة ... وتجرع الخميني عندها السم باعترافه هو ... هذا ولم يستخدم معها صدام سلاحًا ذريًا ... فكيف يطلق ذلك السلاح على الكويت وهي لم تقف من أولها إلى آخرها أمام جيوشه ساعة واحدة ؟!!

    إذًا فدعوى أن العراق إنما أراد امتلاك السلاح الذري لتهديد دول الجوار، إنما أراد به الأمريكان والإسرائيليون إعانة دول الجوار عليه إذا ضربوه، وقد كان لهم ذلك ..

    وإن الخطأ الذي يبقى معذبًا لصدام ـ بغير شك ـ حتى يموت، هو وقوفه تلك الليلة وبيده قطعة بحدود النصف ذراع، وقد ظهر منتشيًا يتساءل .. أتعرفون هذا ..؟ هذا هو القاذف الذي صنعه أبناء العراق .... والذي به سوف أحرق نصف إسرائيل !

    نعم؛ لقد أراد صدام بهذا الخبر المفاجئ أن يضع إسرائيل أمام الأمر الواقع فلا تستطيع عمل أي شيء إذا علمت بأنه تم للعراق استكمال صناعة القنبلة الذرية كي تمضي الأشهر المتبقية فيتم له ما يريد فعليًا ... ومن يدري فلعل ذلك كان نتيجة شك منه أن لدى إسرائيل علم بعدم انتهاء صناعته، فأراد أن يقطع المسألة عندهم ... فأعطاهم هذه المعلومة كي يسقط في أيديهم ... ولعل إسرائيل كانت على علم مسبق بما وصل إليه البرنامج الذري العراقي من خلال خيوط أخطبوطها المهيمن على عموم مصادر السلاح الذري في العالم، أو لعلها تفحصت المفاعل الذري العراقي من خلال الأقمار الصناعية الأمريكية التي ما وجدت الرنين الذري أو الوميض الذري في المفاعل فاستعجلت الهجوم . فكانت تلك الضربة القاضية بالمعونات العربية المعروفة !

    لقد كان صدام والإسرائيليون يعرفون جيدًا النص الوارد في بعض الأسفار[سيكون ملك بابلي يحرق نصف إسرائيل] ...!

    أما هؤلاء العرب فما كانوا يعرفون أكثر مما يقال لهم، ولا يثقون إلا بعدوهم ..!

    وبعدما دمرت إسرائيل المفاعل الذري العراقي قام صدام وقال: سوف نرد على إسرائيل في اللحظة المناسبة ...ومنذ ذلك الحين وهو يسعى لتحقيق وعده ذاك ... وجاء دور المدفع العملاق ... والذي ظنناه في وقته وهمًا مصطنعًا أراد العدو من خلاله أن يقدم مبررًا لضرب العراق، ولكنه كان فعلًا حقيقة ... وقد شرع العراقيون يبنون موقعًا للمدفع تحت الأرض بأربعة عشر طابقًا، وأما وصف طبقة الخرسانة وضخامتها فهذا شيء مذهل، وأما قصة المدفع الأساسية فإن الذي أبدع فكرته كان عالمًا كنديًا ... فذهب إلى أمريكا وعرض عليهم الفكرة .. فرفضوها لسببين:



    الأول: استغناؤهم عنها بالصواريخ ...



    والثاني: تكلفته الباهظة ...



    علمًا بأنه لا يوجد في أمريكا ولا في غيرها مدفع عملاق، وحين علم صدام حسين به أرسل له مباشرة ووقع معه اتفاقًا سريًا، وشرعوا في العمل ... وجيء بقطعة عملاقة، وعندها اكتشفت للمخابرات البريطانية الخبر وأمسكت السفينة ...

    وكان مدى هذا المدفع أكثر من ألفي كيلو متر ... أي أبعد من إسرائيل ويغني عن الصواريخ في الوصول إلى الهدف المطلوب ..

    ومع هذا استمرت محاولاته المستميتة لتحقيق وعده ...

    ولقد بدأ الرئيس العراقي المخلوع بمفردة عربية غريبة، حين فكر بإنشاء جيل من العلماء العراقيين الكبار، فكان يسمى [أبو العلماء]، فلقد جعل جلّ وزرائه من أساتذة الجامعات وحاملي شهادات الدكتوراه، ومنهم علماء كبار في علوم الذرة كالدكتور [عامر رشيد] وزير النفط العراقي وزوجته العالمة الجرثومية المسماة في أمريكا بـ [الجرثومة]، وعالم الذرة الدكتور [همام عبد الخالق] وزير التعليم العالي والبحث العلمي، وهو مطلوب لأمريكا وإسرائيل قبل الحرب، وقد أشاعوا أنه سلم نفسه ... والله أعلم بالحقيقة .

    ثم أنشأ جيلًا كبيرًا من العلماء، وأغدق على إبداعاتهم، وأنفق على دراستهم في الخارج وأتى بهم إلى العراق ووفر لهم ما يريدون، وأنشأ لهم وزارة أسماها: وزارة التصنيع العسكري، وهيئة كبرى اسمها: هيئة الطاقة الذرية ... وأتى لهم بعلماء ذرة من روسيا المتفككة وغيرها ... وما يأتي بعالم إلا ويجعل العراقيين يصحبونه، حتى يأخذوا عنه علمه .

    وللحقيقة التاريخية المتيقن منها نقلًا عمن سمع صدام نفسه، أن العلماء العراقيين بلغوا أكثر من سبعين ألف عالم متخصص، وهاهم اليوم في أرض العراق كل واحد منهم ثروة سائبة لا يساوي شيئًا، مع أن الحقيقة أن بئر النفط لا يساوي عالمًا واحدًا منهم، لكنهم أصبحوا بعد صدام ثروة بلا حام، وصغارًا كالأيتام، وأصفارًا بلا أرقام ... كيف وقد كان الأهل والأرحام من كثير من الدول العربية يتشفعون عند صدام كي يسلمهم إلى عدوهم من أجل أن يحققوا معهم ... لكنه أَنِفَ من هذا الخلق ولم يفعل كما فعل الرئيس الليبي معمر القذافي بأصحاب ' لوكربي '، حتى قامت الحرب فعلًا وهو ثابت، ولا أحد من الأهل والأرحام اليوم يجرؤ أن يأوي واحدًا منهم في بلده ... لتدخل إسرائيل فرقًا خاصة للبحث عنهم في جنبات العراق .. هذا إن بقي أحد منهم حتى اللحظة في العراق، ومنهم من لجأ إلى إيران حتى ينجو بنفسه وقد كانت الفرحة الإيرانية كبيرة بهم، فهم من سيرفعون من مستواها النووي، ويا حسرتا على مثل هذه الكنوز العراقية والتي ستجعلها بلا شك إيران أدوات في توسيع نفوذها و إرهابها في منطقة الخليج بالذات .

    والواقع أن ما وجدته أمريكا من الوثائق السرية العسكرية في الملفات العراقية يساوي عندها احتلال العراق كله، فبها طوقت أعناق بلدان، وبها كشفت أسرار شركات، وبها عرفت علمًا وعلماء ... وبها قفزت على الجراح بالحراب .

    ولم يكن هؤلاء العلماء صورًا ولا أسماء بلا حقائق .. بل شهدت السوح لهؤلاء العلماء بإنتاج عجيب، وليس إنزال أو إسقاط طائرة الاستطلاع الأمريكية أمر سهل، ولا إنشاء مئات المنشآت العسكرية شيئا قليلا ولا صناعة طائرة استطلاع أمرا تافها .. ويبقى الاكتفاء الذاتي من قطع الغيار للمصانع العراقية والآليات إنجازًا لم تستطع الدولة المطلقة السراح الوصول إليه فكيف بالعراق المكبل من أكثر من عقد من الزمن ...

    لكن كل ذلك ... وغيره أصبح اليوم تاريخًا سيئًا..!



    الموقف الثالث ـ الانتفاضة الفلسطينية:



    وجدت الانتفاضة الفلسطينية من نظام صدام المخلوع ما لم تجده من كثير من الدول التي تنادي بحب فلسطين ... هذا إن وجدت منها أكثر من مواد إغاثية أو إعانات لصندوق المنظمة تصرف في كل شيء إلا فيما يقوي الانتفاضة ...

    وقد كانت المعونات العراقية مركزة بالدرجة الأولى على ما يسعر الانتفاضة ... وكان منها السرية ومنها العلنية، وأعلم الناس بهذا هم الإسرائيليون والمجاهدون الفلسطينيون واسألوا قادة حركة حماس سؤالًا خاصًا لاأمام تلفاز أو جهاز تسجيل فالخبر عندهم يقين ... نعم إن إسرائيل تعرف ذلك جيدًا ... وإلا كيف تضع وزيرًا خاصًا بالعراق اسمه وزير الدولة للشؤون العراقية ...

    وفي آخر زيارة شارون لأمريكا قال بوش لشارون: لعل الانتفاضة أتعبتكم وآذتكم ..؟! فقال شارون: 'إن الانتفاضة مثل الزكام .. أما العراق فهو الصداع النصفي ..!'.

    وقد قال بوش وطاقمه مرارًا وتكرارًا: 'بأن السلام بين إسرائيل والعرب لن يتحقق مادام صدام في السلطة، وسنتمكن من تحقيق السلام بعد زوال هذا النظام ؟!'

    وقال أيضًا 'ولن نتمكن من تحقيق مشاريع السلام ومشروع خارطة الطريق إلا بذهاب صدام ! وسيكون العالم أكثر أمنًا بذهاب صدام ...' أي أمنًا لهم ولليهود .

    وآخر ما سمعنا ما نقلته إذاعة سوا الأمريكية الناطقة باللغة العربية عن وزير الخارجية كولن باول وذلك في 3-7 – 2003 م في تمام التاسعة وسبع عشرة دقيقة مساءً عندما صرح بقوله: ' لقد آن للعراقيين وغيرهم من دول الشرق الأوسط أن يمدوا يد السلام للإسرائيليين بعد ذهاب دكتاتور العراق' ويقصد به صدام حسين .

    وقد صرح شارون تلفزيونيًا قائلًا: لم تستعد دولة مثل استعداد إسرائيل لهذه الحرب. ولذا فقد كانت فرحة اليهود الإسرائيليين بسقوط بغداد أعظم من فرحة الأمريكان أنفسهم، حتى قال بعض مسئوليهم: 'الآن يعيش الإسرائيليون بأمان'. وهذا التصريح في الإذاعة الإسرائيلية، ولو رصدت ردة فعل اليهود بسقوط بغداد، لأظهرت أنها كانت في نظرهم أكبر من احتلال بلد ... إنما كانت تعني سقوط نبوءة النهاية لدولة إسرائيل على يد هذا الآشوري ...

    ومع هذا، وحتى تلك اللحظة وبعض الذين يعيشون على أوهام الأوهام يقولون إنه عميل لليهود ... حتى جاءت الضربة للعراق ... فقالوا: استنفذ دوره وجاؤوا بغيره !

    ولو عاد غدًا لقالوا: ظهرت اللعبة ... ! ... وهكذا .. سلسلة لا تنتهي أبدًا .

    وكأن أمريكا ما ابتدأت بالضربة الأولى التي سمتها [ قطع رأس الأفعى ]، وكأنها ما تقصّدته مرارًا، وكأنها ... وكأنها ...

    وإلى متى ...؟

    ولماذا يطبق صدام حسين كل هذه التطبيقات العملية الشرعية ـ التي ذكرنا بعضها ـ لمدة عشر سنوات ؟

    لماذا يبني جيلًا ..؟

    لماذا لم يجعله مجرد كلام ....؟

    لماذا ...؟ ...... ولماذا .......؟ ........ ولماذا ..........؟

    ثم لماذا لم يتبع سياسة اليهود في إفساد الأخلاق، ونشر الأفيون في شعبه .. لماذا ..؟

    ولماذا ظهر رأس اليهود بمجرد سقوط رأسه ... وجاء الحاخامات لينشئوا فجأة في بغداد خمس معابد يهودية، كما نشرتها الصحف بتاريخ 23 / 4 / 2003 .

    وهاهم يرون اليوم الحقيقة، وكيف أصبح الباب الإسلامي مفتوحًا على مصراعيه أمام الإسرائيليين لا يستطيع أن يمتنع من مال ولا أمر، حتى أن الإنسان أصبح يشفق ـ والله ـ على بعض المسؤولين العرب وعلى المسؤولين السوريين خصوصًا الذين كانوا يرددون أقوى العبارات والمصطلحات، ويشنون أقسى الهجمات الخطابية على أمريكا، أما اليوم فيراهم الرائي وقد تغيرت نبرتهم تمامًا، أما رئيسهم فما عاد يصرح تصريحًا علنيًا، وأما الشرع فقد نشف ريقه في مؤتمره الصحفي مع وزير الخارجية المصري، وتقعقعت أسنان مندوبهم الدائم في الأمم المتحدة وهو يتصل بالهاتف مع الجزيرة.

    فليسأل هذا المتوهم نفسه: على من كان يستند أمثال هؤلاء يوم أن كانوا شجعانًا ؟

    أليسوا مازالوا جميعًا موجودين على كراسيهم وفوق عروشهم ؟

    فماذا تغير، ومن الذي غاب عن الساحة ...؟!

    عندها يعرف الجواب: إن الغائب هو صدام !

    أترى إسرائيل اليوم لو طلبت من إحدى دول الشرق الأوسط رفع العلم الإسرائيلي على أضخم مبنى فيها لجعله سفارة إسرائيلية فهل ستمتنع هذه الدولة عن تنفيذ هذا الطلب، بل هذا الأمر ....! بينما وقف صدام بمسدسه أمام جميع القادة المجتمعين في آخر مؤتمر لهم في بغداد قائلًا:' والله ... من يعمل أي علاقة مع إسرائيل أقتله بهذا المسدس ... ولو كان على فراشه '.

    ويخبرنا أحد الوزراء الذين حضروا ذلك المؤتمر أن الرئيس الليبي معمر القذافي اقترح قبل تهديد صدام لهم مقترحًا [ غريبًا كعادته ] يطالب فيه بكسر الحاجز النفسي مع إسرائيل، يقول هذا الوزير: فقاطعه صدام وقد بلغ به الغضب منتهاه، وصاح عليه بأعلى صوته باللهجة العراقية: 'إنجب' بمعنى: اخرس . فسكت القذافي ولم ينبس ببنت شفة ...! ثم هددهم بما ذكرنا آنفًا.

    وستمر الأيام ... وسيرى الناس التهافت على التشرف بخدمة إسرائيل ... بعد التغيرات الأخيرة حيث كان الكل يخشى أن يمد اليد للحبيبة إسرائيل للسلام بينما يبقى صدام منفردًا عن ذلك، وبالتالي يحصل له التفرد في الموقف، ولكن الوضع الآن اختلف!

    وقد كان أول قرارات الحكومة العراقية بعد صدام في اجتماع من تسموا بالضباط العراقيين الأحرار في مركز العلوية عمل جيش عراقي صغير لا يهدد جيرانه !

    والأمر عند صدام أكبر من ذلك فلقد طلب العراق أكثر من مرة السماح له بقتال إسرائيل من خلال فتح الحدود أو نحو ذلك، فامتنعت دول الطوق من تلبية طلبه، كما امتنع المؤتمر العربي في بيروت والمؤتمر الإسلامي في قطر مناقشة ذلك، واكتفى بالاستماع وهو يرتعد الفرائص ....

    ومن يستمع إلى أحاديث صدام في خطاباته أو لقاءاته الرسمية أو الشعبية، وكيف يتحدث عن اليهود، والألفاظ التي يذكر عنهم مما يستحقونها ... يعجب حقيقة من أمرين:



    الأول: هو البغض والكره الذي يعتلج في صدره عليهم بحيث لا يترك مناسبة إلا ويذمهم فيها .. في الوقت الذي نرى جميع رؤساء العالم ووزرائهم يتجنبون الاقتراب من هذا الحمى المخيف ... ومن جازف فسرعان ما ينال عقابه علانية ...



    الثاني: ترك صدام الهجوم عليهم بالألفاظ التي يستخدمها العلمانيون والقوميون والوطنيون العرب إلى الألفاظ الشرعية كـ [ لفظ اليهود وأبناء القردة والخنازير .. ونحو ذلك من الألفاظ الشرعية ]

    ثم جاء مؤتمر بيروت، وقد ألقى عزت الدوري في خطاب نيابة عن صدام حسين وأعلن فيه خطة عسكرية جاهزة لقتال اليهود موزعة الأدوار، فما تكلم أحد بكلمة واحدة، بينما شكل المجتمعون لجنة لبحث المطلب المقدم من معمر القذافي بإدخال إسرائيل في الجامعة العربية، ومناقشة فكرة هدم المسجد الأقصى وبناء مسجد آخر بدلًا عنه في فلسطين .

    ولقد اقترح صدام على العرب منذ زمن بعيد وكرر مقترحه مرارًا بإنشاء صندوق دائم للجهاد في فلسطين ولأهالي فلسطين بحيث يقتطع من الدول النفطية عن كل قيمة برميل دولار أو أكثر أو أقل لفلسطين ؟ وأكد عزت الدوري هذا المقترح في المؤتمر الإسلامي الذي انعقد أخيرًا في بيروت .

    وله إعانات كثيرة جدًا للشعب الفلسطيني فمن إعانته للانتفاضة الفلسطينية: كفالته عائلة كل شهيد فلسطيني وذلك بمنح عائلته منحه قدرها خمسة وعشرون ألف دولار واسألوا قادة حماس لماذا قمتم معه في موقفه من حرب الكويت ولماذا ناصرتموه والجواب ماكان يعطيه لشهدائهم وأيتامهم وأراملهم ....

    وبعد السؤال والتحري الميداني ممن نعرف وممن لا نعرف، تبين أن هذه المنحة تصل حقيقة للعائلة وفي أسرع وقت ممكن حتى قال رامسفيلد بعد إحدى العمليات الفلسطينية الكبرى ناسبًا إياها لمعونة صدام: [حتى تعرفوا أي عدو لنا هذا الرجل ... إنه يغري الصغار بالمال كي يقتلوا أنفسهم].

    كما يعطي لكل من يهدم بيته خمسة وعشرين ألف دولار بشرط ألا يخرج من فلسطين ..

    ولقد صرح الشيخ الشاعر محمد صيام بعد مؤتمر إسلامي انعقد في بغداد سنة 2002 بأن الرئيس العراقي المخلوع أمر بتسجيل كل عائلة فلسطينية في البطاقة التموينية العراقية كي يتكفل بها كما يتكفل بكل عائلة عراقية ... على أن تذهب الشاحنات إلى الحدود الأردنية ويتم استلامها هناك وإيصالها لأهل فلسطين ولكن فعلت الحكومة الأردنية كل المعوقات دون وصول هذه المساعدات في وقتها المناسب.

    ومن المعلوم أن كل دارس فلسطيني له الحق أن يدرس في الجامعات العراقية مجانًا مع السكن الداخلي، وانظروا ماذا حصل للعائلات الفلسطينية بعد سقوط نظام صدام . أصبحت فريسة لكل غادٍ ورائح، شردهم شيعة العراق من بيوتهم رغم أن أصحاب هذه الطائفة يتشدقون بفلسطين ليل نهار وفلسطين عنهم بعيدة، فصارت الشوارع مأواهم، والمزابل طعامهم، افترشوا الأرض، وتلحفوا السماء، هربوا من اليهود، وسقطوا في أيدي يهود المسلمين من شيعة الخميني .



    الموقف الرابع ـ الحرب الاقتصادية:



    يكفي شاهدًا لكل أحد على حقيقة الحرب ما بين صدام وإسرائيل هو مطالبة إسرائيل فور سقوط بغداد بإعادة إصلاح الأنبوب النفطي الواصل ما بين كركوك وبين حيفا، ولو أوصله صدام لما علم بذلك أحد، وما استطاع أن ينتقده أحد، ولَمَا دخل ذلك في ممنوعات الحصار .! بل سيكون من أهم أسباب رفع الحصار .

    لكنه العداء الحقيقي العميق لبني صهيون !

    هذا بالإضافة لمقاطعة العراق كل الشركات اليهودية في العالم ولو لم تكن في إسرائيل، ولقد اشترط العراق من بين دول العالم جميعًا على أي شركة تريد أن تعمل في العراق أن لا تعمل في إسرائيل وتوقع على تعهد صريح بذلك ..!

    فماذا ترى لو عملت بهذا العقد بقية دول العالم العربي والإسلامي ... أما يعني مقاطعة، بل قطع إسرائيل .. ولكن ...!

    ومن يدخل بعض السفارات العراقية .. ولا ندري لعلها كلها ... يجد لوحة مكتوب عليها: 'لا تمنح فيزة دخول العراق للأجنبي' ونعتقد أن هذا في الفيزا الشخصية، أما الشركات فهؤلاء يدخلون كشركات، ولذلك فإن العراقي الذي يخرج من العراق إلى البلاد العربية ويرى الأجانب في الأسواق الإسلامية يتقلبون في البلاد يستغرب أشد الاستغراب، فهذا منظر غير مألوف في العراق !

    ولقد نادى صدام مرارًا بوجوب قطع النفط والغاز عن إسرائيل وما التفت إليه أحد ولقد باشر بقطع النفط فعليًا عن أمريكا ـ إبان الانتفاضة ـ وأذاع الخبر في خطاب بنفسه على العالم، وجعله مبررًا بمساعدة أمريكا لليهود، وجعله شهرًا كاملًا وظن البعض أنه أوقع بني جلدته جميعًا في حرج بالغ ... وما علم أن بني جلدته قد عوضوا نقص النفط العراقي، ومع هذا، فقد قال البعض وقتها: إنها اتفاقية بينهما من أجل تحسين صورة صدام !

    لكن يبقى السؤال يقول: ماذا ولو أن دولة واحدة من دول أوبك كإيران وافقت صدام جدلًا على إيقاف النفط؟ لكانت أوقعت العالم في ارتباك عظيم .... ولكن إيران كعادتها تخلفت بعدما تحدثت عن ذلك، وأفسد العالم كله عمل صدام وأبطلوا مفعوله .... مع أنه شهر ليس إلا ...!

    ويخبر بعض الأخوة المثقفين من الخليج من الذين لا يعرفون الكثير عن صدام وليسوا من المحبين له ... بحقيقة عدائه لليهود، ونعرفهم جيدًا ذكر أسمائهم ... أنهم يعرفون صديقًا تونسيًا يخبرهم بأنه التقى صدام في القاهرة سنة 1970 أو 1971 .. فقال له صدام: أنا أعرف أن لليهود قوة ونشاطا في الأرجنتين، وأنا أريد منكم أن تشكلوا جبهة لمقاومة اليهود هناك، وأنا أتكفل بالتمويل، يقول وكان يعطينا شهريًا مائة ألف دولار .



    أما الميزان الشرعي لهذا الموقف من اليهود ...



    أولاً: فنحن نؤكد أن الإسلام يجعل من معاداة اليهود المحاربين لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم ولدينه وللمؤمنين مبدءًا أصيلًا في دين الله تعالى، وأننا نتمنى هزيمتهم في كل ميدان من ميادين الحياة، والأمر لا يحتاج هنا إلى تفصيل ولا يفتقر إلى تعليل، حتى لو أن كوريا مثلًا حاربت أمريكا لتمنينا أن تنتصر كوريا على أمريكا، ليس ذلك حبًا في كوريا، وإنما بغضًا في أمريكا لموالاتها ورعايتها لليهود .... فكيف إذا حمل راية العداء لليهود رجل يحكم بلدًا مسلمًا وصار يرفع شعار الإسلام في آخر خمس أو ست سنوات بوضوح على غبش يخالطه، وينادي لا إله إلا الله صباح مساء و.... و..... ويحاربهم كما يصرح لأنهم يهود قتلة الأنبياء، ولأنهم سموا النبي صلى الله عليه وسلم، ويحاربهم غيرة على أعراض المسلمين والمسلمات في فلسطين وانتصارًا للمظلومين في فلسطين ؟!

    ثانيًا: فإن الموقف الذي يقفه صدام من اليهود في عالم اليوم لم يقفه أي حاكم على وجه الكرة الأرضية طولًا وعرضًا ولا يجرؤ حتى رئيس أمريكا ولا أي عضو في الكونغرس الأمريكي على الوقوف ببعض من موقف صدام، فلقد جعلوا عضو الكونغرس جيمس موران الأمريكي عبرة لغيره، لأنه قال عن حرب العراق:' هذه الحرب لمصلحة اليهود '. كما جعلوا رئيس وزراء النمسا يوركن هايدر عبرة لغيره أيضًا لأنه شكك في مذابح هتلر لليهود، وهكذا صنعوا بوزيرة المالية الفرنسية وبكل مسؤول أيًا كان وأنى كان وأيًا كان بلده ... وأذلوا بوتين وهو رئيس روسيا حين حاول المساس بتاجر يهودي روسي من أفراد شعبه ...!

    أما صدام فإنه لا يفتأ أبدًا من ذكر حقده على اليهود، ومحبة الانتقام منهم، ولقائهم عسكريًا فضلًا عن إطلاق الصواريخ عليهم .

    إذًا فلم يكن موقف صدام موقفًا خطابيًا مجردًا، إنما موقف صدقته آلاف المواقف والأعمال لو استطعنا إحصاءها ...

    حتى إن كلمة صدام التي ألقاها عنه وزير الخارجية العراقي ناجي صبري في مجلس الأمن الدولي والعالم يعد للحرب على العراق قال صدام: 'إن بوش يتهمنا بأننا نعين الفلسطينيين على الانتفاضة أما في هذه فقد صدق بوش ونحن فخورون بهذا لكن الذي يؤسفنا كثيرًا أن أيدينا تقصر عن الوصول إليهم ' أي بالقوة العسكرية '.

    وبينما نجد أن أعظم دول العالم في مجلس الأمن لا تجرؤ على ذكر المفاعل النووي الإسرائيلي بكلمة ... لم يترك المندوب العراقي جلسة إلا وتكلم فيها على إسرائيل ..!

    بل إن الإنسان والله ليعجب من هذا الرجل وهو يعلم بأنه يستطيع أن يصرف الحرب عن نفسه بأن يجعل لإسرائيل سفارة في العراق ويفتح أنبوب كركوك فورًا إلى إسرائيل ليقيم علاقات تجارية معها ويخفض جيشه، ومع هذا لم يفعل بل استمر على مهاجمتها، بل إن الإنسان ليستغرب من ثباته حتى آخر لحظة قبل ابتداء الحرب والعروض تنهال عليه إلى حين يصل الأمر إلى تضحيته بملكه، وهذا خطابه بعد سقوط بغداد فيما يبدو بتاريخ 9/4/2003 والذي بثه تلفزيون أبو ظبي فقط وهو ينطق بآخر كلمة في خطابه ـ عاشت فلسطين حرة أبية !!

    والعجيب حقًا ما نشرته جريدة البيان الإماراتية في عددها 8335 صورة لكرسي شخصي لصدام حسين لم نره ولا مرة واحدة في التلفزيون أو الصحافة العراقية، أي أنه ليس للإعلان والدعاية والمزايدة مكتوب في أعلاه ' نصر من الله وفتح قريب ' وأسفل منها فوق رأس صدام مباشرة صورة لقبة الصخرة ومكتوب على يمين الكرسي وعن يساره ' القدس لنا '

    وكنا نتابع التلفاز العراقي بدقة في آخر سنة من أجل تكوين صورة صحيحة عن بعض الأحداث استعدادًا لاحتمالات الحرب ولم نجد خلال هذه الفترة أي صورة لمدخل كركوك، وبعد سقوط العراق وجاء الإعلام العربي والغربي يصور لنا كركوك وإذا مدخلها الرئيس ليس عليه سوى صورة المسجد الأقصى مع العلم أن كركوك هي محافظته الأولى فمسقط رأسه فيها .

    ثالثًا: مشكلة صدام أنه اجتمع في نفسه النظرة الدينية والوطنية تجاه فلسطين فهو يحارب اليهود لأنهم قتله للأنبياء ويحتلون أرضًا مقدسة وفي نفس الوقت يحاربهم وطنية وعروبة وبالتالي تداخلت الأهداف وتضادت التصورات، وهذا الذي جعل مثل هذه الدعاوى تبقى في ضعف رغم التضحيات في سبيلها، فنصر الله الذي وعد به لا يكون إلا لجند قالوا حميه لله وانتصارًا لدينه فقط، ونظرا لخطأ هذا الصور فقد رأيناه على أصحابه، فالذي ينظر إلى كثير من كبار المتحدثين العراقيين يشعر أنه لا يكاد يجد فارقًا جوهريًا ما بين نظرة 'أبو نضال' وغيره من الشيوعيين وبين نظرة أصحاب صدام، فعداؤهم لليهود لأنهم مغتصبون فلسطين .. نعم إن فلسطين كافية ولكن الواجب هو الربط العقدي ما بين فلسطين والعقيدة ... فهي أكبر من قطعة أرض يمكن أن نفاوض عليها. إنها جزء من الإيمان الشرعي ... فهل يفاوض على الإيمان .

    الواجب هو الربط القرآني الذي يذكر تاريخ اليهود مفصلًا وخصوصًا مع موسى ومع نبينا عليه الصلاة والسلام، هذا الطرح يجعل العداء مع اليهود ليست امتدادا لإرث ورثناه من زعماء عرب شتموا اليهود علنًا، بل الواجب أن تُغرس هذه العقيدة في نفوس الجيش بهذا الشمول واضعين نصب أعينهم أنّ هدف القتال مع اليهود لإعلاء كلمة الله وقتل أولياء الشيطان، وأنه قتال لله تعالى وحده، وانتقامًا لأنبياء الله تعالى، وانتقامًا للمؤمنين في أرض الله عمومًا وغيرة ونصرة للفلسطينيين على وجه الخصوص، وحماية الناس من شر محدق .

    إن القضية بهذا العمق وبهذا الاتساع تأخذ وضعها الصحيح في الصراع، ذلك أن اليهود يحاربوننا من منطق ديني عقدي قديم متجدد، كما أن القضية بهذه المنهجية تتميز بمعتقدها الشرعي، وبعدها المنهجي عن كل الواقفين ضد إسرائيل من رسميين ومنظمات لأسباب وقناعات معروفة .



    الموقف الخامس ـ خطر اتحاد صدام حسين مع تنظيم القاعدة:



    من المعلوم أنه ليس من عدو لليهود على وجه الأرض أشد من عداوة الإسلاميين لليهود، كما وأشد الإسلاميين عداوة في [ القتال ] و فيما نعلم هم تنظيم القاعدة والذي يتبع زعيمه أسامه بن لادن، والذي سبب قيامه أصلًا هو محاربة اليهود وكل من ساهم في دعمهم، ولو كان ثمة توافق وتعاون وقع ما بينهم وبين صدام لفجّر ذلك العالم على اليهود ولبلغت يد تنظيم القاعدة حيث بلغت يد صدام، ولكن القاعدة تحسن العمل الجهادي أكثر من العمل السياسي، وهذه نقطة ضعف كبيرة فيها، بخلاف القائد خطاب في حرب الشيشان فقد كان يتقن العمل العسكري والسياسي، حتى وصف في الصحافة الروسية بأنه أفعى ذات ذيلين، وكانت هناك إشارات من جهة صدام تجاه تنظيم القاعدة، و لكن القاعدة فيما يبدو لم تتنبه لتلك الإشارات ..... ذلك أن المتابع لخطابات صدام من جهة وخطابات متحدث القاعدة سليمان أبو غيث وزعيم التنظيم أسامة بن لادن من جهة أخرى، يجد المغازلة المستمرة بأساليب مختلفة من صدام، لكنه يجد في الوجه المقابل النفرة والتكفير والبراءة من قبل أسامة وأبو غيث لصدام علانية ... في وقت كان الطعن في صدام نصرة لأمريكا ... ولعل القاعدة خشيت أن تفقد عددًا كبيرًا من مؤيديها نتيجة مثل هذا التوافق لو تم بينهما، وإن كان كما يقول عدد من المختصين أنها ضيعت فرصتها الذهبية في احتضان دولة لها، ونجزم أن مثل هذا التنظيم قد اعتمد مثله مثل بقية الجماعات الإسلامية على مصادر عراقية قديمة قد نقلت لهم أخبارًا على خلاف التغيرات الأخيرة للرئيس المخلوع وبالتالي فاتتها فرصة عظيمة، وكما يقول السياسيون: [إن الإسلاميين لا يعرفون متى يركبون الخيل وإذا ركبوها لا يحسنون التعامل معها] والواقع يشهد لهذا كثيرًا نقولها والله بكل حزن وأسى .

    نعم: لقد استمر صدام في مغازلتهم ... فهو لا يقول أسامة مجردًا .. ولكنه يقول: السيد أسامة . كما سمع ذلك كل من سمع لقاءه مع الصحفي الأمريكي راذر، والذي بثته محطة العراق الفضائية، وقد حاول الصحفي جرجرته مرتين إلى شتم زعيم تنظيم القاعدة بأي طريق، فأبى ... بل امتدحه وأشار إلى أنه بطل وغيور، وراذر يقول 'قل كلمة يسمعها الشعب الأمريكي خاصة كي يبرئك ويقف معك ضد الحرب' فيزيد صدام إصرارًا ويقول مبررًا هدم البرجين بعمل أمريكا في فلسطين ولكنه قال: 'أما حكم السيد أسامة فيّ فأنتم تعرفونه وقد ذكره في رسالته الأخيرة '!

    وقد كان صدام يشير إلى أمور منها: اهتمامه برسائله، وأن هذه كانت الرسالة الأخيرة ولعله كان ينتظر منه إشارة أو نحوها، وأنه حكم ابن لادن فيه كان هو: التكفير ...

    وهذا اللقاء محفوظ عندنا كما في لقاء راذر .

    ومن مغازلته لتنظيم القاعدة ذكره مرتين في اجتماعه مع قادة الحرس الجمهوري والمقاتلين حيث كان يضرب لهم مثلًا في قصة من قصص ثبات المجاهدين العرب فيقول وهو يعرض ذلك في معرض القدوة والتضحية 'موقف أولئك السبعة من المجاهدين العرب في المستشفى الذين صبروا للرشاشات والدبابات وما استطاع الأمريكان اقتحام المستشفى أيامًا، حتى جاءت الطائرات التي دكته دكًا' ... كان يذكر هذا الموقف بإكبار لهم، ثم يقول: 'فإن سألتم عن السبب كان الجواب واحدًا: إنه الإيمان ' .

    وفي خطابه الذي سمي ' الاعتذار من الكويت ' قال للمجاهدين العـرب بالحرف الواحد ' تعالوا فلنتعاون تحت راية ربنا ' وفي هذا إشارة إلى خطة تعاون وليس انضمام، وفيها تحديد للهدف، فما قال فلنتعاون تحت راية حزبنا ولا شخصنا وإنما تحت راية ربنا ...

    نعم لقد كان ثمة تباين في التصور، أثمر خللًا في الصلات من بينهما ... ولعلهم قاسوا على الموقف من أنصار الإسلام، مع أن صداما لم يضرب أساسًا أنصار الإسلام، ولم يساعدهم فيما نعلم، والذي يجب أن نعلمه أن صدام يعلم عن أنصار الإسلام كجماعة إسلامية جهادية، وهو والله لو أرادها لما أعجزه شيء عن الوصول إليها فتستطيع طائراته أن تصل إليها وتلقي عليهم من القنابل التي ضاقت منها مصانع صدام، بل لو أراد صدام لأحرقها بصواريخها ولن يغضب هذا أمريكا لأنها ستؤدي إلى القضاء على عدو إسلامي يحتمل منه شر كبير عليها . فلماذا لم يفعل صدام هذا ؟ نترك الجواب لك صاحب عقل . مع محاولة أن لا ننسى أن هذه الجماعة عددها قليل جدًا يقارب الثمانمائة، وبالتالي لن تكون في ميزانه لها أثر كبير على الساحة القتالية وإن كانت لها شأن آخر في ميزان الله تعالى .



    صدام ما بين الدول العربية ودول الجوار ...



    لقد كانت علاقات صدام بجيرانه هي الذريعة الكبرى على الإطلاق لضربه، ومحاولة الخلاص منه مرارًا ... فجيشه الكبير يهدد جيرانه !!! وأسلحة الدمار الشامل التي يمتلكها تهدد جيرانه !!! وغروره وجنون عظمته يخيف جيرانه !!! ويبث الفزع في قلوبهم !!! فما هي حقيقة ذلك في الواقع أولاً ...؟! وما قيمة ذلك في ميزان الإسلام ...؟! وماذا سيسجل التاريخ ؟!



    أولا ً: حرب إيران



    ربما يقول القائل كما روج الفرس وأبواقهم، في داخل العراق وخارجه ... أن صداما هو الذي أدخل العراق حروبًا متتابعة أولها مع الجارة [ المسلمة ] إيران !

    نعم، هكذا يقول كل العرب والمسلمين مع أن الحقيقة على العكس من ذلك ... ولكن لأجل الحقيقة التاريخية نقول إن نسى هؤلاء فلن ينسى التاريخ بأي شيء رد الخميني على رسالة التهنئة التي أرسلها له صدام بإقامة جمهورية إيران الإسلامية ؟

    لقد رد عليه بقوله: السلام على من اتبع الهدى ... حتى قال صدام إنه يكفرني ..؟

    ألم يعلن الخميني وجوب تصدير الثورة، ووجوب تحرير العتبات المقدسة قبل الحرب ...؟

    ألم يبدأ الفرس بتفجيرات في الجامعة المستنصرية وغيرها ؟

    ألم يبدأوا باحتلال المخافر الحدودية ؟

    فهل الموقف الصحيح هو أن يخلي صدام ما بين الخميني وبين العتبات المقدسة ؟! أم يخلي بينه وبين فلسطين كما قال الخميني: إن الطريق نحو فلسطين يمر عبر النجف الأشرف!

    فأحلام الخميني لم تكن بغداد ولا النجف فحسب ... إنما كانت جميع الدول العربية التي في الطريق من النجف إلى فلسطين .

    فأين أحدث الحرم والتي ذهب ضحيتها بالمئات ؟ وأين جريمة نفق المعيصم والتي قتل فيها أكثر من 400 نفس مسلمة ؟ وأين جريمة تفجير موكب أمير الكويت ؟ وأين جرائم التفجير التي هزت الكويت في الثمانينات ؟ والعجيب أن الكويت اتهمت فيها إيران صراحة، وبعد الغزو العراقي على الكويت بدأت صحافتها تتهم العراق بتلك التفجيرات . ولاندري كيف يفجرها العراق مع أن الكويت من الداعمين الأساسيين له في الحرب ... ياليت لقومي عقل به يفهمون .... ثم أين القلاقل التي هزت البحرين ولم تنته إلا قبل سنة ونصف فقط [ مؤقتًا ] وكلها عن طريق نظرية تصدير الثورة الخمينية؟ وأين القلاقل التي فعلها الشيعة في شرق السعودية لما فعلوا تفجيرات الخبر وغيرها ؟ وأين ذهبت الجزر الإماراتية الثلاث التي استولت عليها إيران مع أن التاريخ يشهد لها أنها لم تكن إلا إماراتية ؟

    والعجيب أن الدول المعنية بالقضية الإيرانية تضحك على شعوبها ؟ فإذا غضبت على إيران ذكرتها بأنها السبب في حرب الخليج الأولى .. وإذا غضبت على العراق قالت أنتي التي هجمتي على دولة إيران المسالمة .. وهكذا تمشي الشعوب وفق خطة يجن منها المجنون قبل أن يعقلها العاقل .

    ونحن نسأل من كان راغبًا في الحق: هل كانت الحكمة أن يترك صدام جيوش الخميني تجتاح العراق وتنتقل إلى الكويت والجزيرة والخليج والشام حتى تعانق إسرائيل ليكتمل الحلم التوراتي من الفرات إلى النيل؟!

    ومع كل هذا نقول إننا لا نؤيد اتخاذ قرار تلك الحرب أبدًا، ولكن طبيعة الرجل القتالية غلبت كل شيء ... وكان أمر الله قدرًا مقدورا...

    نعم، إنه قدر الله وسنة الله في المدافعة ... وإلا أي عراق سيقف أمام خامس قوة في العالم وقد امتلكت أضخم سلاح في الشرق بعد روسيا، خلّفه لها ابن أمريكا الشاه , بالخبراء والقادة ؟! أي رجال سيقفون في وجه رجال عقيدة حمقاء، انطلقوا بذلك السلاح، وبتلك الكثرة الكاثرة، وبأيديهم مفاتيح الجنة، طالبين تحرير الحسين من أسره، والأخذ بثأره، فاندفعت أمواج متتابعة نحو العراق هي أضعاف أمواج المغول.؟

    فهل ترون جيش العراق سيصمد لهذه الهجمة لو كان برئاسة فلان وعلان ممن ترون من أصحاب الكراسي، أو برئاسة أي رئيس للعراق سابق ؟

    إن الحقيقة تقول أن العلامة الفارقة الفاصلة في رد أخطر هجمة عقدية باطنية في التاريخ المعاصر على الإسلام لم تكن إلا: صدام ... الذي استطاع أن يسخر الشعب العراقي سنة وشيعة لهذه الحرب سواء كان رغبة أو رهبة .

    نعم، نقول هذا: وإن خالفناه فيما خالفناه فيه ... إلا أنها حقيقة ... حقيقة ينبغي للمسلمين لو فعلها بوذا لهم لشكروه عليها، ولو دمرت فرنسا الكيان العبري لشكرناها على ذلك، ولقد تفاعل المؤمنون ـ من قبل ـ أعظم التفاعل مع الروم ضد الفرس ... وسجل الله في كتابه العزيز وبشرهم بنصره هو سبحانه للروم، ولكن السؤال: هل كان الروم مسلمين ؟

    إن من لم يشكر الناس ... لم يشكر الله، ومن شك في ذلك فليتصور للحظة واحدة فقط وبصدق: ماذا لو اجتاحت إيران العراق وقتها ؟... أي شيء سيقف أمام هذا المد الباطني وأي الدول الأخرى ستثبت أمامه ؟

    إن الجيوش الفاتحة لتلك البلاد الإسلامية أمام الهجمة الباطنية لن تكون خارجية فحسب إنها جيوش في الداخل ... من أهل الرفض من مواطني تلك البلاد !

    فإذا لم يذكر هذا الفضل بقية الدول المجاورة، أفنترك التاريخ ينساه ؟ أم نترك اليهود يسودونه ؟ أم نترك الباطنيين يلطخونه ؟

    ثانيًا: احتلال الكويت

    الكويت ... وما أدراك ما الكويت ... يقولون لأجل احتلاله الكويت يحدث اليوم ما يحدث، وصدام هو الذي أتى بأمريكا للخليج أساسًا !

    ولا ينبغي لكاتب التاريخ أن يقتطع واقعة معينة من الحياة ليحكم عليها منفردة .. ثم يريد من الأجيال تصديقه فيما يكتب ...! فمما لا شك فيه أن لاحتلال الكويت أسبابه التي لم تعد خافية على أحد، ولا ينبغي أن يجتزأ الناس النظر إلى ردة الفعل العراقية المتهورة، وينسون أساس المؤامرة ... وقضية المؤامرة ليست هنا وهمًا، ولا استنتاجا، بل هي ظاهرة قاطعة قد عجز الكويتيون عن الإجابة عليها، حين عجزوا عن الإجابة على أسئلة صدام الأربع في رسالته التي اشتهرت، برسالة الاعتذار .

    قال للكويت في تلك الأسئلة: لقد أعطيتمونا معونات بصورة هبات، وما أن انتهت الحرب حتى حولتموها إلى ديون ثم ديون حالة الأجل، ثم بعتم هذه الديون لأمريكا ... فهل هذا جزاؤنا لما حميناكم ودفعنا بشبابنا ونسائنا تجاه تصدير الثورة الخمينية التي كانت ستنالكم وغيركم ؟!!!

    وحاول الكويتيون الإجابة من خلال لقاءات تلفزيونية مع عضو مجلس الأمة محمد جاسم الصقر، ومشاري العنجري .. وغيرهما ... لكنهم في النهاية لم يستطيعوا إنكار هذه الحقيقة فضلًا عن الإجابة عليها ؟

    قال لهم: تعلمون حاجتنا بعد خروجنا من الحرب لتقوية الاقتصاد، فأغرقتم السوق بالبترول، ونحن لا نستطيع أن نواكب المعروض لحاجتنا إلى الصيانة والميناء، ولم يستطع الكويتيون إنكار ذلك ...!

    قال لهم: أوصلتم سعر البرميل إلى ستة دولارات والتي لن يكون منها إلا زيادة انهيارنا فهل هذا حقنا عليكم ؟!!! ولم ينكر الكويتيون ذلك ...!

    قال لهم: كنتم تشفطون النفط من حقولنا ونحن منشغلون بدفع إيران عنكم .. ولم ينكر الكويتيون ذلك...!

    إلا أنهم قالوا أخذنا 25 ألف برميل !!! وهل يعقل خلال هذه السنوات لم يأخذوا سوى خمسة وعشرين ألف فقط ؟!!! ثم أي شيمة عربية أو إسلامية تجعل هؤلاء القوم يستغلون حالة جارهم في الحرب - والتي أتاهم نصيب منها من خلال تفجير موكب الشيخ جابر - من خلال نهب بتروله وثروته ؟!!!

    قال لهم: جاء لكم قائد القوات الأمريكية ' شوارسكوف' لغزو العراق بعد ذلك، وعمل معكم خططًا ومؤامرات، وعندنا وثائق تثبت ذلك، ولم ينكر الكويتيون مجيئه في تلك الظروف ...!

    إلا أنهم قالوا إنه جاء عابر سبيل ولم يبق في الكويت إلا يومًا أو يومين !!!

    لقد قدموا له بطريقة مفاجئة كل هذه الإثارات المريبة ... هذا وهو خارج للتو منتشيًا منتصرًا على إيران ... ومن: إيران ! ... ثم تأتي الكويت وتفعل كل هذا ... ومن: الكويت ؟!

    نعم، ومن الكويت ... ؟! وكأنهم قاسوا ردة كل فعل فعلوه، فكانت ردته مثلما توقعوا وربما أكثر ... وكانت الكويت هي المهلكة لصدام وللأمة قبل ذلك .

    لقد تذكرنا قصة لاعب مصري نزل إلى أرض الملعب مع منتخب بلاده، وأخذ المسكين الكرة على صدره فضربه لاعب من دولة غربية من خلفه على عجيزته بخفية ـ فيما يبدو ـ فاستشاط المصري فلطمه على وجهه أمام الحكم وأمام الناس، فطرده حكم المباراة فورًا، فخرج مغضوبًا عليه من الحكم، ومن الجماهير المصرية، بل ومن فريقه ومدربه .... وربما من أهل بيته ...!

    وبقي اللاعب المصري المسكين مخطئًا في نظر الجميع ـ وهو المطرود المظلوم ـ وبقي الخنزير الغربي هو البريء ! فمن يصدق اليوم عكس ما كان يعتقده وما شاهده بعينه ....؟!

    لقد ابتدأنا بالسيئ المسلّم به من التهم في تاريخ صدام أما الوجه الآخر فإنا سنذكره سريعًا حتى لانطيل على قارئنا الكريم .

    إن شهادة التاريخ تحكي لنا بعد سقوطه حكاية السودان ونصرته له حينما تقوى قرنق بالخطط الأمريكية والأسلحة والخبراء الإسرائيليين، وزحف من جنوب السودان حتى أصبح على مقربة من الخرطوم، فما أنقذه جيرانه ولا عرب آخرون ولا مسلمون، إنما كان الغوث من صدام حيث فتح جسرًا جويًا عسكريًا إلى السودان، وسيطر طيرانه على سماء السودان، واندحر قرنق إلى أن تخلى عن جميع مواقعه الرئيسية الأولى، واستتب التمكين للسودانيين إلى أن دخل صدام الحصار، وعلى العكس من ذلك فقد وجد الجيش السوداني صناديق أسلحة كتب عليها مصنع دولة عربية مع قوات قرنق النصرانية .. والله إنه الفرق بين الفرقتين ..

    ويشهد التاريخ والمؤرخون المصريون المنصفون بأن الطائرات الأولى التي عبرت خط بارليف ودكت الخطوط الإسرائيلية كانت طائرات عراقية ...

    ويشهد التاريخ بأن الدولة العربية الوحيدة الحاضرة في حرب اليمن والتي كان لها نصيب الأسد من تحرير اليمن من الشيوعيين وطردهم إلى الأبد حتى عاد اليمنان يمنًا واحدًا هي العراق بالطائرات العسكرية العراقية التي أرسلها صدام مع الخبراء العسكريون لهذه المهمة واسألوا رئيس اليمن، واسألوا رئيس تجمع الإصلاح الشيخ الأحمر .

    والعجيب أن أكثر من ثلاث دول عربية أرسلت أسلحتها ودبابتها تناصر الجيش الشيوعي الجنوبي في حربه مع اليمن الشمالي وأرسلوا معهم بعض الخبراء .

    وهذه الأردن أعطاها صدام أرضًا طويلة في العراق ... بينما الآخرون يتقاتلون على الحدود ... كما أن صداما أعطاها البترول وجعل نصفه هبة والنصف الآخر بسعر رمزي وفي شكل بضائع ... وهكذا أعطى سوريا البترول .

    وفي مقابل كل هذا لم يشترك أي جيش عربي أو إسلامي مع العراق في حربه ضد أمريكا ... بل كان الأمر على العكس من ذلك تمامًا ..

    هنا أتوقف .... لأترك حكم التاريخ للتاريخ، وأترك الحكم الشرعي لكم ...

    والحكم لله أولاً وآخرًا ...

    إن كراهية الحكام للرئيس العراقي المخلوع لم تكن من قبيل الكراهية النفسية وتنافر الطباع الخلقية فحسب، فربما كانت من قبل كذلك، أما بعد ذلك فقد اتخذت مناحي عملية، واتفاقات سرية، ابتدأت بُعيد الانتهاء من الحرب العراقية الإيرانية، وقد تجلت في مؤتمرات الوزراء والقمم الأخيرة هادفة إلى إعطاء أمريكا المبرر لضرب العراق بمباركات من بني الجلدة، حيث يحمّل هؤلاء العراق مسؤولية الحرب من خلال مطالب تعجيزية، وذلك بعدما يئست أمريكا من إقناع شعوب العالم بمبرراتها، جاءت تأخذ وتقدم حجتها للعالم بموافقة العرب على ذلك، وهم أحق النــاس بالعــراق ... قائلة لهم .. ولستم عربًا أكثــر من العــرب ...!



    ولقد فاحت الأخبار وظهرت علانية، بأن الجولات التي قام بها بعض الرؤساء إلى الدول الأوروبية المعارضة لضرب العراق ... إنما كانت وساطات تهدف إلى تثنية تلك الدول الرافضة لضرب العراق عن موقفها .... لقد كان هؤلاء يعملون كمراسلين ممتهنين مجانًا عند الإدارة الأمريكية، وجاءت بعد ذلك المكافآت ثمنًا لهم












    طلوع البشائر



    الذكريات الأليمة .. والواقع الحزين



    إن المسلم وهو يقف في هذه المرحلة التاريخية الأليمة ... يقف على أطلال حزينة ..... تحكي ضياع خلافة قديمة ....!

    يقف هنا وهو يرى تدرج زوال سلطان أمة ... عن أعظم دار خلافة إسلامية من حيث عمرها، وغزارة إنتاجها، وكثرة علمائها، وسعة امتدادها ...

    يقف في لحظة من الزمن ـ وهو واحد من أهل فترتها ـ ليرى تساقط الخلافات الإسلامية تباعًا من الأسفل إلى الأعلى ... تمامًا كما هو ابتداء خلق الإنسان وموته، فالروح ابتدأت من الأعلى وسرت إلى الأعضاء إلى الأسفل، لكن سحبها يبتدئ من الرجلين حتى ينتهي بالرأس ..!

    فها هي الخلافة العثمانية قد ذهبت أولًا وهي آخر الخلافات، وجاء اليوم دور بلاد الخلافة التي بعدها ... دار الخلافة العباسية وما كادت بغداد تسقط من هنا حتى ابتدأت أمريكا بتهديد دار الخلافة التي بعدها مباشرة الخلافة الأموية، مع التلميح في حواشي الكلام وعوارضه إلى الخلافة الأولى .... الخلافة الراشدة !

    يقف أحدنا في هذه الحقبة من الزمن ـ وهو أحد أبنائها ـ ليقول له التاريخ:

    ذق ما ذاق قبلك ممن شهدوا ضياع الخلافة الإسلامية، وشهدوا زوال سلطان الإسلام عن ديار الإسلام ! أم حسبت أنك ستفلت من سنة الله الماضية، القائمة، الدائمة ... وقد فعلت ـ وأبناء جيلك ـ كما فعل المضيعون من قبل وزيادة !

    ذق ما ذاقه من شهد نكبة زوال شمس الإسلام عن بلاد الأندلس !

    ذق ما ذاقه من شهد زوال الإسلام عن فرنسا وبلاد أوروبا !

    ذق ما ذاقه من شهد نكبة الـ 48 من أهل فلسطين !

    وأن لك اليوم أن تتجرع مرارة سقوط خاتمة الخلافة الراشدة ومحضن الخلافة الأعظم في تاريخ الإسلام .. بغداد، وبلاد الرافدين ....!

    يقف المسلم متألمًا على هذه الأطلال مطأطئ رأسه تارة، مما أصابه من الهوان والمهانة والإهانة، رافعًا رأسه مرة أخرى شاهقًا نحو البعيد متسائلًا:

    إلى متى ستبقين يا دار الخلافة تحت سلطان هؤلاء ..... إلى متى ....؟!

    ومتى سيتوقف نهم المغضوب عليهم والضالين من ابتلاع بقية بلاد المسلمين ؟

    أسئلة متتابعة تحكي مشاهد التاريخ الماضية يجدها المسلم اليوم حاضرة أمام عينيه على بساط هذه الأمة ـ بساط التيه الجديد ـ فلا يدري أحدنا هل سيرى رد الكرة لهذه الأمة أم سيموت وسيكون ممن تطويه سنة الاستبدال ليحرم تذوق ' وأخرى تحبونها نصر من الله وفتح قريب '، يموت بمرض صدره، وغيظ قلبه ولا يجد دواءه: ' ويشف صدور قوم مؤمنين ويذهب غيظ قلوبهم '. يقف أمامها وهو يبكي بكاء الأيتام على مائدة اللئام ... اغرورقت عيناه ثم سالت دمعاته حتى بلت خديه .. وهو يقول إيهٍ عليك أمة مكلومة ...

    ومع هذا تبقى الحقائق القادمة .. آتية لا ريب ... قريبة مشرفة على ساح هذه الأمة بإذن الله تعالى .... طلائعها منيرة فواحة طيبة أحيانًا كتباشير الأزهار بمقدم الثمار .. وأحيانًا أخرى مظلمة حالكة كطلائع الفجر قبل انفلاقه ...

    إن الدراسة الصحيحة المتكاملة للتاريخ هي التي لا تقتصر على سرد ما مضى من أيام الله، ولكنها الدراسة التي تستخلص العبرة من أيام الله الماضية لأيام الله الباقية ..

    الدراسة التي تعد ما أخبر به الوحي من قادم الموعود كما مضى من سالف العهود ...

    فما مضى مما شاهده الناس من انتصار الفرس كما بقي مما أخبر الله به من غلبة الروم: ' ألم . غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين .لله الأمر من قبل ومن بعد ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله '

    وجاء ذلك اليوم الموعود من الله وفرح فيه المؤمنون بنصر الله ... وتحول ـ بعد هذا ـ هذا اليوم بنصره وفتحه وفرحه إلى تاريخ يحكى كيوم من أيام الله تعالى ..

    ومن هذا الباب كان تمام فقه الإمام ابن كثير حين ألحق النهاية بالبداية، فجاء كتابه متكاملًا مستحقًا بحق وصف ' البداية والنهاية '

    وها نحن في هذه الدراسة التاريخية قد عرفنا البداية .. فماذا بقي عن النهاية ..؟ وكم بقي من النهاية ...؟ وهل سنشهد البشائر الموعودة فنفرح بنصر الله ...؟ لتتحول تلك الأيام الجميلة إلى أيام من أيام الله الماضية .

    إن معرفة ذلك لا تتم إلا بدراسة الأخبار الشرعية التي تحققت قطعًا، والأخبار المنتظرة غيبًا وسمعًا ... عندها تقترب الصورة من الاكتمال، ويبدو الموعود من الأحوال، كالمشاهد للعيان من الأفعال، وهذا ما نود دراسته مختتمين هذا البحث به وذلك بتثبيت ما أثبته الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، مستخلصين من مجموع تلك النصوص اقتراب البشائر من الوقوع، ذاكرين الأدلة على هذا الأمل الموعود، والفرح القريب المنشود . مما يختص منها بالعراق فحسب .



    الأدلة على طلوع البشائر



    المطلع الأول: انحسار الصراع نحونا



    من نظر في توزيع الصراع على المساحة الجغرافية على الكرة الأرضية في هذه الحقبة الزمنية من عمر هذه الحياة، وجد حقيقة لا يمكن بأي حال من الأحوال تجاهلها أو الوصول إلى تنزيل صحيح للأدلة الشرعية دون النظر فيها، تلك هي حقيقة انحسار الصراع عن بلاد الكفار إلى بلاد الإسلام ... فإننا شهدنا في عمرنا هذا القصير حركة الصراع بين قوى العالم المتصارعة، وكيف أخذت تنسحب شيئًا فشيئًا عن أطراف الكرة الأرضية مقتربة من ساحة الصراع الختامية ومنها إلى نقطة الصراع النهائية ..

    فلقد شهدنا حروبًا باردة وأخرى ساخنة بين تلك الدول البعيدة عنا، ثم ذهبت تلك السخونة منها حتى تحولت إلى باردة وها هي تبرد وتبرد عندهم حتى غدت كتلًا جليدية متجمدة متمثلة في اتحادات دولية وتحالفات أممية قاسمهما المشترك هو الشرك بالله رغم الاختلاف في كل شيء ... وبقي الجزء النافر والمتناثر عن تلك الكتلة هو دول العالم الإسلامي وقاسمهما الوحيد هو التوحيد ...

    وإن الأدلة على أن ساحتنا الإسلامية ثم ساحتنا العربية وأخيرًا ساحتنا الشامية هي ساحة الصراع الختامية أدلة لا تقبل المنازعة، فمنها: أحاديث الملاحم الثابت وقوعها في بلادنا ومنها أحاديث المهدي ... ومنها أن الدجال يطوف بالأرض وفي ختام رحلته يعود إلى هذه البلاد ليدخلها، فيمنع من مكة والمدينة والطور والمسجد الأقصى ... ومنها نزول عيسى عليه السلام في بلادنا وعلى نزوله تعلق الأمم آمالها، ودعوى نصرته هي مقصود جميع الأديان في آخر الزمان ... حتى النار التي تخرج فإنها تحشر الناس إلى الشام، فهي أرض المحشر والمنشر ...

    وما الحرب على العراق إلا مرحلة من مراحل تحول الصراع إلى هذه البلاد العربية بعد ما كانت ساحته إسلامية أفغانية ولهذه الحرب ارتباطها الوثيق والمستقبلي بساحة الصراع العربية، بل الشامية، إذا ً فإن هذه الحرب أكدت حقيقة شرعية على الواقع وهو دخول الصراع العالمي إلى مرحلته الجديدة وربما الأخيرة، وذلك بدخوله إلى أرض الصراع النهائية، وهي الأراضي العربية، وما إعلان الروم ' أمريكا وبريطانيا ' التهديدات لسوريا إلا إتمامًا لحلقة الصراع وإثباتًا للنصوص واقترابًا من مركز الصراع النهائي ... ألا أنها أرض الشام والله أعلم ....



    المطلع الثاني: ابتداء ولادة العصائب



    إن هذا ليس كلامًا حماسيًا للاستهلاك وإثارة الغيرة والثورة فينا .. ذلك أن العراقيين هم أسعد المسلمين بالمهدي' هذا قدر الله لهم وأنعم بقدر الله واختياره ودليل ذلك حديث فيه كلام بين التضعيف والتحسين يؤيده أثر صحيح له حكم المرفوع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم .

    أما الحديث فهو ما رواه أبو داود عن أم سلمة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: 'يكون اختلاف عند موت خليفة فيخرج رجل من أهل المدينة هاربا إلى مكة فيأتيه ناس من أهل مكة فيخرجونه وهو كاره، فيبايعونه بين الركن والمقام ويبعث إليه بعث من الشام، فيخسف بهم بالبيداء بين مكة والمدينة، فإذا رأى الناس ذلك أتاه أبدال الشام و عصائب أهل العراق فيبايعونه ...' رواه أحمد وأبو داود والطبراني، والحديث ضعفه جماعة من أهل العلم وحسنه آخرون منهم ابن القيم في المنار المنيف، والحديث يحتمل التحسين لمجموع طرقه .

    أما الأثر الصحيح، فلقد ثبت عن سالم بن أبى الجعد قال: 'خرجنا حجاجا، فجئت إلى عبد الله ابن عمرو بن العاص فقال: ممن أنت يا رجل؟ قال: قلت من أهل العراق، قال: فكن إذا من أهل الكوفة فقلت: أنا منهم قال: فإنهم أسعد الناس بالمهدي' والأثر صحيح كما ذكرنا وهذا غيب والغيب لا يعلم إلا بوحي، من هذا الأثر يتبين مكانة أهل العراق بالنسبة لأنصار المهدي، ومكانتهم في التغيير العالمي المنتظر، وعبد الله بن عمرو لم يقل هذا الحديث برأيه، وابن كثير في كتابه القيم ' الفتن والملاحم' قال عن المهدي 'ويؤيد بناس من أهل المشرق ينصرونه، ويقيمون سلطانه، ويشيدون أركانه'.

    ولا خلاف بأن أهل العراق بالنسبة للمدينة مشرق، ولا يقال اعتراضا على هذا بأن غير العراق بالنسبة للمدينة مشرق مثل إيران، والجواب ظاهر من نفس الحديث وهو أن ابن عمرو ذكر أهل العراق تحديدًا وهذا يقطع بالمقصود، ثم إن ما جبل عليه أهل العراق طوال التاريخ من النجدة والنصرة، يقول صاحب كتاب عون المعبود شرح سنن أبى داود للعلامة أبي الطيب محمد شمس الحق العظيم آبادى ما نصه في تفسير كلمة 'عصائب أهل العراق': أي خيارهم من قولهم عصبة القوم خيارهم قاله القاري، وقال في النهاية جمع عصابة وهم الجماعة من الناس من العشرة إلى الأربعين ولا واحد لها من لفظها، ومنه حديث على رضى الله عنه الأبدال بالشام والنجباء بمصر و العصائب بالعراق، أراد أن التجمع للحروب يكون بالعراق وقيل أراد جماعة من الزهاد وسماهم بالعصائب لأنه قرنهم بالأبدال والنجباء انتهى .

    فالظاهر والله أعلم أن هذا الظرف هو الظرف الأنسب لولادة العصائب العراقية، فالحافز موجود، والسبب مشروع، وأهل العراق مؤهلون بفطرتهم إلى هذا النوع من التصرف، فترويضهم من قبل الصليبيين أمر محال، كيف وهم من أكثر الناس اشتياقا للجهاد في سبيل الله في كل مكان، ولو لا ما كانت ظروف الحصار ورسوم السفر إلى الخارج لضاقت الساحة الأفغانية بالمجاهدين العراقيين، ولقد أصبح أكثر اسم يتسمى به المواليد الجدد في العراق هو أسامة [زعيم تنظيم القاعدة]، وأصبحت أخبار المجاهدين الأفغان تعلق في المساجد يوميًا ... كما تنشر يوميًا بالصور الممكنة في الصحف الرئيسة للدولة مما لا يوجد له نظير ـ فيما نعلم ـ في البلاد العربية والإسلامية .

    ولعل الأيام القليلة القادمة ستشهد ـ والله أعلم ـ أعمال تلك العصائب المباركة المتناثرة على أرض العراق وفي مناطقه، وهذا ما يوحي به الحديث الشريف أنها ليست عصبة واحدة ولا عصبتين إنما هي عصائب عديدة ... وكثرة هذه العصائب يوحي بكثرة العدو وانتشاره، وهذا هو الواقع على أرض العراق ... وأن العصائب العراقية ما تكونت لما قام المهدي أو بأمر المهدي، وإنما هي موجودة بالأساس ... فكان خروج المهدي سببًا لخروجها للبيعة .. ولنصرته .

    وهذا لا ينفي أبدًا إمكانية اجتماع أهل العراق على قيادة شرعية تطرد الروم الصليبيين الغزاة عن بلادهم أو أنها تطردهم ثم تجتمع على قائد واحد وتحديد الكيفية لا يعنينا كثيرًا .



    المطلع الثالث ـ انتهاء مرحلة حصار العراق :



    عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: 'يوشك أهل العراق ألا يجبى إليهم قفيز ولا درهم، قلنا: من أين ذاك ؟ قال: من قبل العجم يمنعون ذاك، ثم قال: يوشك أهل الشام ألا يجبى إليهم دينار ولا مدي، قلنا من أين ذاك ؟ قال: من قبل الروم ثم سكت هنيهة، ثم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يكون في آخر الزمان خليفة يحثي المال حثيًا لا يعده عددًا'.

    ربما يتساءل البعض: كيف يكون الحصار من قبل العجم كما في الحديث ... والواقع الذي نراه أن الحصار من قبل الروم، كما هو الحال في حصار الشام ..؟

    والجواب عن هذا من جهتين: من جهة السبب ومن جهة المنفذ، فإن السبب الحقيقي في حصار العراق هو حربه مع إيران وانتصاره عليها، الذي جعل الكافرين ينصبون له مصيدة الكويت ... فحرب الخليج الثانية إنما هي امتداد لحرب الخليج الأولى مما نتج عنها الثمرة المرتقبة وهي حرب الخليج الثالثة .

    ومن جهة أن الروم لم ينفذوا الحصار على العراق إنما الذي ينفذه حقيقة هم إيران وتركيا وبقية دول الجوار، وما كانت الروم إلا مراقب لتنفيذ الحصار كما أنها مراقب لخطوط العرض .

    ومن المستبعد أن يكون ثمة حصار آخر يصدق عليه الحديث، بحيث أن العجم يحاصرون العراق، فالنبي صلى الله عليه وسلم قد ذكر حصارًا واحدًا للعراق وواحدًا للشام .

    فكم من علامة على نبوته صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث العظيم؟ وكم من علامة على اقتراب الساعة؟ وكم من علامة على اقتراب دور العراق الإسلامي العالمي؟

    لقد قاله المصطفى صلى الله عليه وسلم قبل دخول العراق في الإسلام، ففيه علامات عديدة: علامة على إسلامها وعلامة على حصارها وقد وقعت العلامتان، وعلامة على تدهور العملة، وعلامة على ضيق في العيش، وفى الطعام، وعلامة على القهر عليها من خارجها لقوله: ' يمنعون ذاك '، وعلامة على أنه سيشمل العراق جميعا فيه دلالة على ظهور التقصير من الأمة نحو العراق . كما أن فيه استثارة نبوية لهمة المؤمنين في ذاك العصر وفى كل عصر أن يهبوا لنجدة إخوانهم وإلا فما مدلول هذا الإخبار الأليم على نفوس الأخوة المؤمنين نحو إخوانهم، وما سر سؤال الصحابة رضي الله عنهم؟.

    إن مما يثير العجب والإعجاب هو تخصيص ذكر حصار العراق، فالأحداث في حياة هذه الأمة المعاصرة كثيرة لكنها لم تذكر كلها، ولو ذكرت فرضًا فإنها لم تحفظ، وكل ذلك بأمر الله تعالى واختياره، أما حصار العراق فيذكر على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم على وجه التخصيص، ويحفظ في كتاب من أصح كتب الحديث في صحيح مسلم أليس ذلك الحفظ بإرادة الله تعالى ' أليس له من حكمة بالغة'؟.

    إن معرفة جميع الحِكَم أمر راجع لعالم الغيب والشهادة وحده، لكن الذي يتجلى أمامنا والله أعلم أن سرّ التخصيص في هذا الحديث أن الحدث حدث دولة وليس فرد، وأنه حدث عظيم في حياة الأمة والأمة معنية به من أوله إلى آخره ... وها نحن نراه وكيف أصبح مرحلة فاصلة في حياة الأمة مرحلة تحول رهيب من حال إلى حال ... بحيث لا يقتصر أثرها على العراق وحده بل يعم الأمة ويعم البشرية جميعًا، ابتداء بحصاره وانتهاء بتتابعاته .

    ونحن إذ نذكر هذا فإنما نذكره كحدث وقع، وعلامة نبوية نظنها تحققت ... والبشرية جميعًا عليها شهود، وهم حول العراق قعود ... لكن وقوع هذه العلامة لا يعني انتهاءها وانقضاءها، بل ثمة تتابعات لا يعلم مداها إلا الله تعالى ... فالمذكور هنا هو الحصار، ودام الحصار اثني عشر عامًا، وجاءت بعده جيوش الصليب، وها هي تهم بالانتقال إلى بلاد الشام لتفضي إلى مرحلة أخرى مذكورة في هذه السنة ...

    ولكن السؤال كيف تعتبر هذه العلامة بشارة وفيها ما فيها، نعم: إنها بإذن الله بشارة لأنها إذ وقعت ورأيناها علمنا أننا أصبحنا اليوم أقرب ما نكون إلى مراحل النصر على أعداء الله تعالى ... وتعليل ذلك: أن الحياة تسير منطلقة إلى منتهاها، والزمن يمشي يمثله الليل والنهار ... لا يتوقف إلا إلى أجله المسمى ... لكن هذا الزمن ليس له من معلم يتعرف عليه فيه الناس الذين يعيشون فيه ... فجاءت هذه العلامات لأهداف عظيمة منها أنها جاءت تبيانًا للناس موقعهم من عمر الزمن ...؟ أين هم الآن؟

    فإذا رأى الناس علامة، علموا أنهم قطعوا مرحلة أو شوطًا بمضي تلك العلامة ... وأصبحوا من الساعة أقرب ... وهذا من هذا الباب .. وهذا بغير شك يدفعنا إلى مزيد من العمل .



    المطلع الرابع ـ ابتداء زوال أمريكا :



    يقول أبو قبيل: كنا عند عبد الله بن عمرو بن العاص وسأل أي المدينتين تفتح أولا ً: القسطنطينية أم رومية ؟ فدعا عبد الله بصندوق له حلق، قال: فأخرج منه كتابًا، قال: فقال عبد الله: بينما نحن حول رسول الله صلى الله عليه وسلم نكتب إذ سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي المدينتين تفتح أولاً: قسطنطينية أو رومية ؟

    فقال: رسول الله صلى الله عليه وسلم 'مدينة هرقل تفتح أولاً'. يعني قسطنطينية. أخرجه الحاكم وهو صحيح

    جاء في معجم البلدان لياقوت الحموي ج3 ص113: 'رومية: هي مدينة شمالي غربي القسطنطينية بينهما مسيرة خمسين يوما أو أكثر وهي اليوم بيد الإفرنج'. وهي اليوم عاصمة إيطاليا.

    وفي الحديث فوائد عظيمة:

    الأولى: أن هذا الحديث العظيم آية من آيات النبوة ذلك أن القسطنطينية قد فتحت وهي المدينة التي تسمى [إسلام بول] أي مدينة السلام، وقد حرف اسمها إلى [استنانبول] وقد حظي فاتحوها بتزكية رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أن فتحها وقع سنة 1453 م على يد السلطان محمد الفاتح رحمه الله تعالى، فلقد جاء في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري في التاريخ الكبير وغيره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ' لتفتحن القسطنطينية، فلنعم الأمير أميرها ولنعم الجيش ذلك الجيش'.

    الثانية: مثلما تحقق الجزء الأول من الحديث فلا بد من أن يتحقق الجزء الثاني منه حتمًا مقضـيًا، كما أن الليل يعقبه النهار وأن النهار يعقبه الليل ... إذًا ففتح المسلمين لعاصمة روما وعد حق وخبر صدق .

    الثالثة: هذه علامة ـ والله أعلم ـ على زوال ملك أمريكا وقوتها ووحدتها وسيطرتها وأنها علامة على ظهور نجم أوربا كقوة مسيطرة بديلة لأمريكا ـ والله أعلم ـ .

    فالنبي صلى الله عليه وسلم ذكر بلدانًا تدخل الإسلام بأسمائها وذكر أماكن لم يعرفها المسلمون حال الحديث ووقع ما أخبر به صلى الله عليه وسلم غير أنه لم يذكر هنا 'أن المسلمين سيفتحون أمريكا ولا واشنطن' ولم يذكر أن المسلمين سيغزونها بل ذكر روما أو رومية، وعدم ذكر النبي صلى الله عليه وسلم لأمريكا يعني أنها لن تكون مركزًا للقوة وقت الفتح، كما لم يذكر موسكو وقد كانت قبل ذلك هي الأقوى وهكذا هوت موسكو، وواشنطن على إثرها هاوية بإذن الله تعالى، ولو لم تكن روما هي مركز القوة وبقيت واشنطن هي القوة العظمى كما هو الحال الآن لما كان لفتح المسلمين لروما كبير فائدة، ذلك أنهم لو فتحوها الآن مثلا ًلكان من المقطوع به أن قوة عظمى كأمريكا ستخرج المسلمين من روما، وعلى هذا فإن افتتاح المسلمين لروما كما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم إنما يعني سقوط مركز قوة النصارى وعاصمتهم وسقوط ساريتهم ومقر قيادتهم وعواصمهم الأخرى من باب أولى أو أنه سقوط لآخر مدينة عندهم، والله تعالى أعلم .

    ويستأنس لهذا الاستنباط بما يحدث الآن من أحداث حيث إن علامات انهيار أمريكا أصبحت ظاهرة بل متسارعة .

    لكن كم سيستغرق ذلك ؟







    ميزان التاريخ



    أولاً: قول الميزان



    أولاً: قال الميزان ـ في الأصنام :



    من حق كل مسلم يرى صنمًا يهوي أن يفرح ... وهذا هو ما خالط قلب كل مسلم حين رأى تمثال صدام يهوي ... لكنه ودّ لو أن الذين حطموا هذا الصنم، لم يكونوا عبدة الأصنام ...! ودّ الذين حطموا الصنم الفارغ من المعتقد ما جاءوا ليعبّدوا الناس لأصنام حقيقية يصدق فيهم ما قال خليل الرحمن: 'رب إنهم أضللن كثيرًا من الناس'.

    ود ّ الذين حطموا الصنم ما وقفوا دون تحطيم بوذا بكل ما يملكون من قوة ... وكانوا يعلنون أن حربهم ضد طالبان كانت لأسباب منها: الانتقام للأصنام بدعوى أن تلك الأصنام كانت تمثل التاريخ والحضارة ... والطالبان يمثلون التخلف ويهدمون الحضارة .!

    إن الإنسان أصبح وهو يرى الفرح لسقوط تمثال صدام، يراه وهو يتذكر البكاء لأجل انهيار بوذا فيعجب أشد العجب من تلاعب اليهودية والصليبية بمشاعر البشرية ومعتقدها وتوجيههم إياها حيث شاؤوا، ويضحكونهم متى شاؤوا، ويبكونهم متى شاؤوا، ويسوقونهم كما تساق القطعان .. حتى جعلوا أهل التوحيد والعلم مسلوبي المشاعر، يسيرون إلى بلاد الأفغان ليشفعوا للأصنام ..!

    أما هنا، فيغارون ويغضبون ... لأنه صنم ؟!

    فحين هدم بوذا حزنوا ...! وحين هدم تمثال صدام فرحوا ...! ولو بقي تمثال صدام لحزنوا ... ولو بقي تمثال بوذا لفرحوا ! قال تعالى: [ إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون ]

    فأين الأصنام من الأصنام ؟ وأين العباد من العباد ؟ وأين المقام في قلوب العباد من المقام ؟

    وإنا نتحدى عالمًا واحدًا صارح صدام وناصحه في قضية التماثيل ... كي يسقط عن باقي العلماء عذر البلاغ ... نتحدى واحدًا من العلماء بلغه ولم يستجب له صدام، فليت واحدًا من هؤلاء العلماء الذين ذهبوا شفاعة لبوذا كي يبقوه للمصلحة ذهب إلى صدام وبلغه بوجوب إزالة التماثيل للنصوص الصحيحة !

    ألم يقل البعض عن تماثيل بوذا أنها جائزة ولا يلزم هدمها ... بناء على أنها لا تعبد، مثل الأهرامات، ومثل التماثيل العراقية من قبل الميلاد إلى اليوم ... وقد مرّ عليها المسلمون الفاتحون وتركوها،وهذه صنعت لتبقى للتاريخ لا للعبادة ... ونحو ذلك من تعليلات ظاهرها الصواب وباطنها النفاق ..!

    نعم، هذه في معتقدنا حرام وتلك حرام .. ولكن أين الدين الخالص الذي لا يجعل من مصادره أقوال الأمم الضالة، واستحسان اليهود، ومصالح النصارى المرسلة ...؟



    ثانيًا: قال الميزان في الأمن والأمان :



    سيبقى التاريخ يردد على مسمع الرجل قول الله تعالى: [الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون] ... والظلم هنا هو الإشراك بالله تعالى.

    أما الدوائر الأمنية التي أنشأتها عند مجيئك أيها الرئيس، ثم أخذتْ تتنامى، وتتوالد، وتتمدد، وتمتد خيوطها إلى كل خلية ممكنة في البلد وفي خارج البلد كذلك ... حتى أصبحت غولًا مخيفًا لا للناس وحدهم، ولكن لك أنت كذلك ... نعم لك أنت ...

    فرغم علمك بكثير من تجاوزاتها التي لم تكن راضيًا عنها حسب زعمك، إلا أنك كنت تهاب تفكيكها، لأنها قد صورت لك أنها الحامية والكالئة، والراعية لك ... وبدونها سوف تتبخر .. فصدق المثل العربي القائل [سمن كلبك يأكلك] ...

    نعم، لقد وصلك حالات وحالات من ظلم الأمن لها، وعندنا منها الكثير .

    ولقد روى لنا أهل من جاؤوكم، أو أصحابهم، أو معارفهم بشكاوى ومظالم ولقد كنت ترد الحق سريعًا لصاحبه أو صاحبته بغير توان أو ضعف ... والشعب العراقي يعرف من هذا أحداثا كثيرة وكثيرة بأسمائها وتفاصيلها .. شيعة كانوا أم سنة .. بل كنت كثيرًا ما تعاقب المشتركين في ذلك الظلم أشد العقاب، ولو كانوا من رجال الأمن

    نعم .. تعلم بكل هذا ولم تباشر تفكيكها فيما نعلم ... وتعلم بأنها أصبحت في جبينك وصمة عار في الداخل وفي الخارج تطاردك بأفعالها في الميدان وفي الإعلام، وتتحمل أنت جرائر جرائمها التي تعرفها والتي لا تعرفها، ومع هذا لم تفككها ...

    حتى أصبحت لا تعرف الكثير الكثير من جرائمها إلا ما يبلغك قصدًا منها، أو عرضًا، أو رغمًا عنها أحيانًا قليلة، ومن ثم باشرت هي استغلال بلدك باستغفالك ...

    فرجال الأمن بدوائره وحلقاته المظلمة يعلمون جيدًا أن الناس يهابونهم أشد المهابة .. ولهذا كان الواحد منهم يظلم وهو آمن بأن الناس لن يصلوا إليك، وكان يرتشي وهو آمن في دائرة أمنه، ويعذب وهو آمن، وهكذا ... حتى شعر كل واحد منهم أنه رجل أمن لنفسه وبنفسه لا للناس ..! إنها دوائر مغلقة مظلمة ملتوية ...

    ولكن ..! أين دوائر الأمن حين جاء الخوف اليوم ؟ لقد تبخرت ... لقد اصبحت أثرًا بعد عين ... لقد تركتك وما بقي منها إلا ما لا يكاد يذكر منها لتبقى تبحث ـ أنت ـ عن الأمن فلا تجده إلا بملازمة قراءة القرآن ... حتى وأنت ترى القصف فوق رأسك من كل مكان من البر .. من البحر .. من السماء .. ورأسك هو المطلب الأول منذ أول إطلاقة ... حتى اقترب الأمر منك جدًا وفاجأك الخطر فخرجت مسرعًا تاركًا كتاب الله مفتوحًا على سورة الحجر ... كشهادة منك بأن السكينة هنا ... والطمأنينة هنا ... وإن اشتعل العالم حولك نارًا ... لتلجأ بعده إلى ـ مقر الأمن الحقيقي ـ مسجد الإمام الأعظم ' أبي حنيفة النعمان ' .. فتصلي مع الناس صلاة الظهر .. لتحكي لأصحابك الثلاثة الكبار قصة الغدر التي حيكت خيوطها في ظلمة الليل البهيم عليك وأنت لا تدري ... ومِن مَنْ ...؟!

    من أقرب الناس منك ... بعيدًا عن رجال أمنك .. لتجد الأمن مع عامة الناس في المسجد وتجده بجوار المسجد حين خرجت وبدأ الناس بالتجمع حولك ... فارتفعت فوق الجموع في مشهد عجيب ومخاطرة مخيفة ... في مجتمع مسلح ... في لحظة سقوط بغداد .. في لحظة خلعك من حكمك ... في لحظة أصبحت الصيد الثمين لكل من يمسك بك ويسلمك لأمريكا ... ارتفعت فوق الجموع ... موشىً بالمهابة كسابق عهدك ..! لماذا كل هذه المخاطر بلا رجال أمن كما هي العادة، لأن الأمن ـ والله أعلم ـ أصبح في داخلك .

    هذا المنظر وحده يكفيك شهادة ... شهادة على رباطة جأش لا نظير لها في عالم الزعامات، وسكينة أذهلتك عن كل المخاوف التي من حولك .

    وبقى الناس يروون الكثير الكثير من مشاهدتك في الأسواق وفي غيرها ...

    بينما رأى الناس رجالًا يبكون على ذهاب شيء يسير من الدنيا، ورأوا زعماء وأمراء بكوا أمام العالم لذهاب ملكهم أو لفشلهم في الانتخابات كما بكى بوش الأب حين فاز عليه كلينتون وبكى أمير الكويت جابر الصباح أمام العالم في مبنى الأمم المتحدة حين احتل صدام دولته ...

    إنها حكاية تاريخية عجيبة حقًا . توصل الرسالة الأمنية إلى كل الزعامات فائدة لهم ... أن طريق الأمن الذي تسلكون هو طريق الخوف ... وستشهدون بأنفسكم على ذلك ... وأن الأمن هو في قول الله تعالى:[ الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون ] ....

    وأن الأمن في بيوت الله تعالى، وأن إخافة أهل المساجد هي ممن لا نصيب لهم من الأمن . وإن ضاعفوا أجهزتهم ...

    والله تعالى يقول: [ ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها أولئك ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين . لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم ]



    ثالثًا: قال الميزان لأهل العلم والإيمان :



    تذكروا العقد الأخير من حكمه ... وقارنوا ما بين عهده في السبعينات والثمانينات ... واسترجعوا جيدًا كم فتح من الكليات الشرعية، كم فتح من المعاهد، كم امتلأت المساجد بحلق تحفيظ القرآن في الحلقات الصيفية ....

    تقولون: إنه سلمها لعزت الدوري ...؟

    نعم . سلمها لعزت الدوري: لكن من منكم تقدم له وناصحه ؟

    أكنتم تخافون بطشه ... نرجوكم اذكروا لنا من العلماء العراقيين من بطش به في السنوات العشر الأخيرة حين ناصحه ... ونحن سوف نذكر من العلماء العراقيين في بغداد ممن قد طلب منهم بنفسه المناصحة، وناصحوه وعمل بنصحهم فورًا ...

    ونذكر لكم آخرين استفتاهم في مسائل شرعية تتعلق بإقامة حدود، وأفتوه كتابة أو مشافهة، ونفذ ما أفتوا به مباشرة ...

    ونذكر آخرين أرسل لهم بطريق مباشر وغير مباشر رغبته أن يكونوا قريبين منه .

    لكن الذي منعهم أمران لا ثالث لهما:



    الأول: الخوف من بطشه ... مقدمين الخوف وإساءة الظن للأسف ...



    والثاني: خوف السقوط من أعين الناس لا من عين الله ..



    إذًا. فمن الذي ترك المجال لعزت الدوري وغيره ...

    لقد كان بعض أقرانكم يناصحه على خجل أحيانًا، ولا يناصحه إلا إذا طلب منه، وكان يرى أثر ذلك فورًا عليه، ونحن ندعوا هنا هذا الدكتور المكرم إن كان حيًا وأقرانه إلى إثبات تلك المواقف والمناصحة في كتب تاريخية صادقة وموثقة من غير تردد ولا خوف ... لتستمر سلالة الحسن البصري، ومحمد بن واسع بالتواصل والتواصي إلى يوم القيامة .

    ونحن والله، نعرف عالمًا في كلية الشريعة ناصحه وصارحه في عزت الدوري، فأتى به، هو ووزير الأوقاف، وكلمه بشكوى العلماء وأنّبه أمام الشيخ، والشيخ نفسه يروي الحادثة، ولقد تقلص دور عزت بعد هذه الحادثة على المساجد وأهلها، وعلى حملات الحج العراقية ... فكانت هذه المعاتبة منه لعزت كالطامة ... ولكن كان ذلك قبل سنة من نهاية حكمه تقريبًا .

    وقد بث التلفزيون مرة لقاءً، وقد أحضر فيه عزت الدوري ومعه بعض أهل العلم وبعض الوزراء وذلك قبل سنتين من نهاية حكمه، وكان معهم الشيخ الناصح عبد الحميد العبيدي حفظه الله ورعاه ..

    فسأل صدام سؤالًا واحدًا وكان يشير إلى الأستاذ العبيدي: 'هل يمكن أن يبلغ الحاكم مرضاة الله ؟'

    فقال العبيدي كلامًا طويلًا جميلًا ابتدأه: 'من تاب تاب الله عليه' !

    وما كان يقول له: سيدي الرئيس .

    فقال عزت: سيدي أنت مأجور في كل حالاتك لأنك مجتهد ...

    فقال له صدام وقد التفت إليه جانبًا: لكن السلطة لها آثامها .. ثم قال: دعونا نسمع العبيدي ...

    فتكلم العبيدي، ومما قال له: لو جرب الحاكم حكم الله لما رضى بحكم غيره .

    وانتهى اللقاء، وقام الجميع وصافحهم صدام، بمن فيهم مشايخ تلفزيون معروفون، كانوا يظهرون المديح عادة، وكل منهم ألقى نفسه عليه يعتنقه إلا العبيدي، فإنه لما جاء دوره مدّ يده فقط، فأخذه صدام واجتذبه إليه وعانقه .

    وبعدها، كاد عزت الدوري للدكتور العبيدي .. حتى أخرجه من العراق إلى اليمن، ونرجو التنبه إلى السؤال الذي أُلقي على ذلك العالم الناصح ... وانظروا إلى تعليق الرئيس عليه ...

    ومع كل هذا أقول: لقد كان الواجب عليه أكبر من ذلك بكثير ...

    كان الواجب على صدام أن يشكل مجلس حل وعقد ممن يتوفر فيهم هذا الاستحقاق العظيم، ويعطيهم من المكانة فوق ما الوزراء، بل فوق الرئيس نفسه .....

    وقال الميزان لعلماء من خارج العراق أصدروا فتوى بجواز الاشتراك مع أمريكا في ضرب العراق وخاصة بعض مشايخ ودعاة إحدى الدول الخليجية الصغيرة:

    فهنيئًا لكل عالم من هؤلاء ممن ساهم في ظهور ذلك كله بشطر كلمة أو قطرة ماء، أو فتوى، أو أي نوع من أنواع مشاركة المجرمين ..

    هنيئًا له بالمشاركة بأوزار ستستمر إلى ما شاء الله على ساحة تغطي العراق وتتمدد شيئًا فشيئًا إلى بلاد المسلمين إلى ما شاء الله ..

    لا أدري .. أيسعد هؤلاء بكل هذه المصائب ونكبات الدين في العراق لثمن سقوط صدام

    أيستبدلون الحكم الجبري بالحكم الكفري ؟! أيستبدل هؤلاء من يجلد الظهر بمن يأخذ الدين ..؟!

    أيستبدل هؤلاء بمن في سيفه رهق شديد ... بالردة عن الدين والمبتدعة في الدين والفتنة عن الدين، وهتك عفاف المسلمات، وعلو الباطنيين ... وربنا يقول [والفتنة أكبر من القتل] .

    سيبقى الميزان يقول للرجل وللمسلمين: ليس كل من تسمى بالداعية، وظهرت عليه مظاهر الإسلام، كان رجل الموقف ... فلقد افتضح دعاة كثر في هذا العدوان، حين عرض عليهم صدام بالسر الوقوف معه . فقالوا: لن نقف معك، ولكن إذا سقطت فسنقاوم ...! وسقط صدام وذهبت بغداد وكل البلاد ... ولما تظهر منهم مقاومة أبدًا .. سقط صدام وبغداد والعراق ... فإذا بهم يَظهرون اليوم ليضفوا شرعية على الاحتلال ... بإعلان حزب سياسي إسلامي في العراق ينطلق من بغداد الخلافة تحت راية الصليب، ويزعمون زورًا أن لديهم فرقًا تقاتل في سبيل الله . وسبيل الله عنهم بعيد ولكنها دغدغة المشاعر والحفاظ على المكتسبات فالله عليهم شهيد .



    قال التاريخ:



    قال التاريخ متعجبًا: يا أصحاب التشيع أين عقلكم وأين فكركم ؟!!

    أيسلم من سلاحكم اليهود وحملة الصليب ... ولا يسلم من سلاحكم ' أهل لا إله إلا الله' ؟!

    أيهما أحق بالقتل، من قال: 'أن الله ثالث ثلاثة' .. أم من قال: لا إله إلا الله ..؟!

    أيهما أحق بالقتل، من قال: 'نحن أبناء الله وأحباؤه' .. أم من قال: لا إله إلا الله ..؟!

    أيهما أحق بالقتل، من قال: 'إن الله فقير ونحن أغنياء' .. أم من قال: لا إله إلا الله ؟!

    أيهما أحق بالقتل، من قتل الأنبياء وقال عن مريم بهتانًا عظيمًا، أم من قال: لا إله إلا الله ..؟!

    اجمعوا كل أقوالكم وأفعالكم وصالحاتكم، واجعلوها في كفة، واجعلوا لا إله إلا الله في كفة، فأي الكفتين أرجح عندكم ... بالله عليكم ..؟!

    فكيف تستبيحون دماء غيركم من المسلمين وجميعكم يقول: لا إله إلا الله .

    أما تكفي لا إله إلا الله ... وقد جاء في وصية نوح لولديه [وآمركما بلا إله إلا الله؛ فإن السموات والأرض وما فيهما لو وضعت في كفة، ووضعت لا إله إلا الله في الكفة الأخرى؛ كانت أرجح منهما، ولو أن السموات والأرض وما فيهما كانت حلقة؛ فوضعت لا إله إلا الله عليهما لقصمتهما] رواه الحاكم.

    يقول التاريخ عن نفسه :



    سينطوي التاريخ، ويرث الله الأرض ومن عليها، ويكون أول قضاء بعد ذهاب التاريخ واستقبال يوم القيامة يقضي الله فيه ... هو الدماء .

    فكيف ينجو من جاء بدم صاحبه كان يقول: لا إله إلا الله ...؟!

    والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: [ قتل المؤمن أعظم عند الله من زوال الدنيا ]

    كيف تكون النجاة، وترجح الكفة، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول [ يا موسى لو أن السموات والأرض وضعت في كفة ... ووضعت لا إله إلا الله في كفة لرجحت لا إله إلا الله]

    فيا ويل من يقتل أو يحض ـ باسم العلم والدين ـ على قتل أهل لا إله إلا الله، وهي عماد الدين والعلم ..

    كيف يرجو النجاة ... من جاء قاتلًا لمؤمن يقول أن الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة ؟!

    كيف يرجو النجاة من قتل رجلًا يعتقد بأنه: من لم يحب علي فليس لله بولي ؟!

    كيف ير النجاة من قتل من يقول [ من لم يصل على آل البيت في صلاته فلا صلاة له ]؟!

    إن من قتل هؤلاء، فخصمه يوم القيامة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم وآل بيته الأطهار ... وجميع المؤمنين

    يقول التاريخ:



    يا شيعة العراق: هل كان من عادتكم في العراق ... وهل كان من أخلاق أهل لا إله إلا الله ... أن تهينوا الضيف الذي حل ببلادكم ؟!

    إذًا كيف يطردونه ..؟ وكيف تطاردونه ..؟ بل كيف تقاتلونه ...؟!

    كيف وقد جاء ضيفكم لا يريد منكم مالًا ولا أجرًا .. إنما جاء يبتغي الأجر من الله دفاعًا عن العراق ـ بلد لا إله إلا الله ـ أمام هجمة الكفر التي غزت بلادكم ... يدافع عنه بما فيه من سنته وشيعته ...؟!

    تذكروا جيدًا أنهم يقولون لا إله إلا الله، وأنهم ما جاؤوكم ـ من بين الناس ـ إلا استجابة لأمر الله ... وعتاب الله لهم على القعود حيث قال سبحانه: [وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها واجعل لنا من لدنك وليًا واجعل لنا من لدنك نصيرًا] .

    فهل من استجاب ـ من بين المؤمنين في العالم كله ـ يستحق القتل وهو يقول لا إله إلا الله ...؟! أم يجوز أن تسلموه إلى أعداء لا إله إلا الله، ليقتلوه أو يعذبوه ... فتتحملون أنتم أوزار الكافرين ... لتحشروا معهم يوم الدين ... كيف يعمل المسلم جاسوسًا للكافرين على المسلمين المجاهدين ... وربه يقول له [ ولا تجسسوا ] ... ؟



    قال التاريخ معاتبًا:



    أما أنتم فيا معاشر علماء التشيع الكبار:- هل تجيزون أن يأخذ إنسان أرضًا ليست له ؟ أم تجيزون أن يأخذ بيتًا ليس له ؟

    إذًا فكيف تجيزون أن يأخذ أبناء شيعتكم بيوت الله التي بناها أهلوكم من السنة، ورعوها سنين طويلة ...؟

    نعم: نحن نعلم أنكم ستقولون أنها لم تؤخذ بأمرنا، ولا بمشورتنا، وسوف ترجع إليهم بعد هدوء الوضع ... وهذا وقت فتنة فاعذرونا.

    وهنا نقول:إذا كنتم تقولون بهذا ... لِمَ لم ْ تخرج فتوى منكم بتحريم هذا العمل ؟ مشفوعة بوجوب رد ما أخذ فورًا ..؟ على أن تكون هذه الفتوى صادقة لا تقية فيها ولا مراوغة. لا كما أصدرتم فتاويكم قبل العدوان الظالم على العراق، ثم لما اشتدت المحنة على المسلمين تخليتم عنهم وبعتم عراقنا للرجل الأحمر. لم لا ترسلوا وفودًا من الحوزة العلمية إلى كل مسجد من مساجد أهل السنة سُلب منهم حتى يعاد إليهم ...؟

    لِم لَم تؤخذ كنائس النصارى وكنس يهود وأصدرتم فيها الفتاوى كما أحللتم مساجد السنة أم أن كنائس اليهود والنصارى أعز وأجل من مساجد المسلمين ...؟

    فإذا عوملت مساجد أهل السنة معاملة الكنائس والبيع ... فإنكم لا تجيزون اغتصابها منهم ؟

    وإذا عوملت معاملة الملة الواحدة ... فإنكم تجيزون للجعفري أن يأخذ مسجد الزيدي، ولا تجيزون للشافعي أخذ مسجد الحنفي، إذا ًفبأي منطق أو دليل أو دين أجيز أخذها ؟!

    وإذا كان النظام بناها لأهل السنة، فلا يجوز أن تؤخذ سواءً كانت هدية أم أمانة أم تولية وهذا يمكن أن يقال عن المساجد التي بنيت لأجل الشيعة في العراق أو في إيران أو في أي مكان ...

    ثم هل أخذ أهل السنة حسينية واحدة منكم وحولوها إلى مسجد ..؟

    وما حكم قتيل السنة إذا دافع عن المسجد حتى قتل ؟ أليس بشهيد ..؟

    وما حكم قتل أحد الشيعة إذا هاجم لاحتلال مسجد حتى قتل ؟ أليس إلى النار لأنه معتد ..؟

    أفيكون الرجل شهيدًا .. إذا دافع عن بيته وماله ... ولا يكون شهيدًا .. إذا دافع عن بيت من بيوت الله تعالى ..؟!



    قال التاريخ نيابة عن السنة :



    أم تريدون يا أيها الشيعة أن تقولوا: لن نترك لكم مسجدًا واحدًا إلا وأخذناه منكم في كل منطقة أنتم فيها أقلية، تمامًا كما فعلنا بكم في طهران .؟

    أم تريدون أن تقولوا للسنة في مناطق أكثريتهم افعلوا مثل ما فعلنا ... كي تصبح بيوت الله صراع بين أهل الإسلام ...؟!

    قال التاريخ :

    هكذا أعيد نفسي ... ولكن أين المعتبر ...؟!

    ها هو ابن العلقمي يتجدد ثانية ... ليتجدد وله المصير الذي قاله الله: [ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله ...] [ومكر أولئك هو يبور] .

    باع الخوئي دينه ومبادئه وبلده ووطنيته، فكان أول الداخلين تحت الحراب الأمريكية إلى كربلاء، فكان جزاؤه أن يكون أول المقتولين بحراب قومه، في مكان كان يتمنى أن يكون سنده ومأواه، فأصبح مقبرته ومثواه الأخير ... فلا هو من دينه وآخرته ولا هو من دنياه ....

    فسبحان من حكم فعدل .... وجازى وعجّل ...!

    ولحق به خائن آخر فرّ ـ كما يقول ـ من نظام صدام ... بعد ما كان بطلًا في بلده، وقد تردد اسمه مع البطولات في حرب بلاده ضد شيعة الفرس ... إذ به يلجأ إلى بلاد الكافرين إلى أمريكا، ليفرغ في جعبة مخابراتهم العسكرية كل خزينة سنوات رئاسته للأركان، وهاهو اليوم يعيش ذليلًا لامنصب موعود به ولامكان كان يرجوه ... مشهودًا عليه بالخيانة والولاء للكافرين المعتدين والعياذ بالله تعالى ... فأين ذهبت الدنيا التي سعى إليها ...؟!

    وأخيرًا وليس آخرًا ... جاء دور الخائن الأكبر والسارق الأخطر أحمد الجلبي ... ليعتقل باليد التي قبلها وركع لها، فأصبح سجينًا بعدما كان يطمع أن يكون رئيسًا ثم أطلقته أمريكا بعدما رجع الكلب في قيئه .

    فالشرف لا تمنحه أمريكا .... إنما تمنح العار .



    قال التاريخ للرئيس :



    اكتب ... أيها لرئيس في عهدك عن نفسك ما تشاء ...

    صور ... لنفسك ... عن ذاتك ـ من الصور ـ ما تشاء ... ابعث بها في الآفاق كيف تشاء ...!

    انحت .. اشعر .. انثر .. سجل .. لحن .. تغن .. ارفع .. ارخ ....واجمع لنفسك ما تشاء ..!

    ها أنت اليوم تراها أمام عينيك جذاذًا .. وآثارها دخانًا طارت بها الريح .. وبقاياها رمادًا اشتدت به الريح ... والرئيس في وسط الهول كالذي: [ يقلب كفيه على ما أنفق فيها وهي خاوية على عروشها . ويقول ياليتني لم أشرك بربي أحدًا . ولم تكن له فئة ينصرونه من دون الله . وما كان منتصرًا . هنالك الولاية لله الحق هو خير ثوابًا وخير عقبًا ]

    فبعد ذروة العز عاد المهيب .. وحيدًا .. طريدًا .. كأن عمر العز الطويل جُمع في عشية وضحاها .. وكأن الليل والنهار ـ عند عزيز القوم ـ توالجا وتمازجا ... حتى اصطبغ الفجر المتنفس بظلمة الليل الدامس .. فاكتسى ضحى الرئيس وشاح السواد الخانس .. وتاه الرئيس في أودية العراق فصاح ... وناح ...



    أنـوح على ذهاب العُمر منىّ وحقي أن أنوح وأن أنـادي

    وأنـدب كلما عاينت ركبــًا حدا بهم لِوَشكِ البيَنِ حـادي

    يعنفـني الجهـول إذا رآنـي وقد ألبست أثـواب الحـداد

    وها أنا كالخطيب وليس بدعًا على الخطـباء أثواب السواد

    فقلت له: اتعظ بلسان حالـي فإنـي قد نصحتك باجتهادي

    ألم ترنـي إذا وافيت ربْعـًا أُنـادي بالنوى في كل وادي

    أنوح على الطلول فلم يجبني بساحتها سوى خرس الجماد

    فأُكثِـر في نواحيهـا نواحي من البيـن المفتـت للفؤادي

    تيقظ يـا ثقيـل السمع وافهم إشارة ما تشير به العــوادي

    فما من شـاهد في الكون الا ويشهـد بالمصـير إلى النفاد

    فكم من رايح فيها وغـادى يناديني بقـرب ٍ أو بعــادي

    لقد أسمعت لـو ناديت حيًا ولكن لا حياة لمـن تنــادي

    ونارًا لو نفخت بها أضاءت ولكن أنت تنفـخ في رمــاد



    هذه حالة نفسية لا بد أن يمر بها من تمرغ بالعز ثم تمرغ بالفلاة ... فمن الناس من يستسلم لها، بل منهم من تنتهي حياته عندها .... فلا يطيق الحياة الشهيدة مع الذكريات السعيدة، فيضطر لأن يطلب النجاة بنفسه طالبًا السلامة ..

    لكن منهم من تتعدى هذه الحالة عنده خاطرًا عابرًا، وهذا في الناس قليل، ولا نحسب صاحب العراق إلا من الصنف الذي يتأبى على الاستسلام لمشاعر عاطفية تدعوه لليأس، وإن كان في السابعة والستين من عمره، وشواهد حياته من أولها إلى آخرها خير دليل على ما نقول، وشواهد الحرب الإيرانية ليست عنا ببعيد، وما رأيناه في الحرب الأخيرة إلى يوم سقوط بغداد شاهد حاضر على ذلك ... وكأنه قد وطّن نفسه على هذا الأمر من قبل .. وكأنه يقول للآخرين:

    وتجلـدي للشامتين أريهــم أني لريب الدهـر لا أتزعـزع



    أما أنتم أيها الرؤساء، فإن التاريخ يقول لكم: لا تحاولوا تغيير التاريخ وتضليل الضعفاء ... فأنا لا يكتبني الأقوياء .. إنما يكتبني القوي .. الحي القيوم .. الذي: [لا تأخذه سنة ولا نوم . له ما في السموات وما في الأرض] .

    كتبتم ـ أيها الرؤساء ـ عن نفسكم أم لم تكتبوا ... فالله وحده يمحو ما يشاء ويثبت . حيث لا عين ولا بشر .. ولا قلم ولا دفتر .. ولا مؤرخ يسطر ..

    يثبـت .... ولو كان صاحبه عراقيًا .. في ظلمات بطن حوت .. في ظلمات بطن بحر . في ظلمات الليل البهيم !

    يثبـت ... ولو كان صاحبه عراقيًا .. وسط نار تفور .. وسط أعظم تنور .. وسط قوم أقرب من فيهم أبٌ حقده يفور ..!

    يثبـت ... ولو كان صاحبه عراقيًا .. في عمق التاريخ . في سفينة .. بين أمواج كالجبال ما بين طوفان الأرض ومنهمر الماء المتدفق من أبواب السماء ..!

    وصدق ما قاله الإمام مالك: ' ما كان لله بقي واتصل .. وما لم يكن لله انقطع وانفصل'.

    تاريخ .. وتاريخ: تاريخ قال الله في أصحابه: [وتركنا عليه في الآخرين] .

    وقال: [واجعل لي لسان صدق في الآخرين] .

    وتاريخ قال في أصحابه: [ فخسفنا به وبداره الأرض].

    وقال: [واتبعوا في هذه لعنة] .

    وذهب ما كتبوا .. وبقي ما أثبت الله: [إنا نحن نكتب ما قدموا وآثارهم وكل شيء أحصيناه في إمام مبين].

    أما أنت أيها الرئيس فإن التاريخ يقف اليوم منك قريبًا ليقول لك: لعل من رحمة الله بك أن أراك بعينيك عبر التاريخ ودروسه الذي كنت تسعى لمعرفته طويلًا ... !

    لترى بنفسك ماذا يمحو الله ... وماذا يثبت ..!

    وترى كيف ذهب ـ مالم يكن لله ـ دخانًا في الهواء .. وكيف صفى الماء من الرغاء ... فأما الزبد فيذهب جفاء ... وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض ... لينبت فيها ثم يعلو فرعها في السماء ..

    لكن؛ تأكد أيها الرئيس بأن التاريخ لن يظلمك، وإن تنكر لك القريب قبل البعيد .. وسود عليك صفحات الكتب، والصحف بمداد السواد .. لسواد عيون اليهود .. وسواد قلوبهم السود ...

    لن يكون ما نذكره هنا تزكية لك مطلقة ... ولا اعتذارات ملفقة ... بل هي بالنظر لما سبق عقدك الأخير مما عملته من جرائم ماحقة، وبالنظر لعقدك الأخير وما فيه من قربات عملية نحسبها صادقة، وبالنظر كذلك لما سيعقبك من مصائب في الدين بدت طلائعها ناطقة وليس بالنسبة لما نرجوه ونؤمله من الأمالي الصادقة .

    ستبقى أيها الرئيس طويلًا .. صفحات التاريخ لك حنينة .. وفيّة .. أمينة ... تطلق الحسرات والآهات على فوات هذه الفرصة بالتخوفات والتوهمات، وعلى تعلق آمال العراقيين بعدو دينهم ... فلما ذهبت، وجاء العدو، علمنا أننا إنما كنا في سبات .

    سيبقى التاريخ يكتب لك بمداد دموع الدعاة الغيارى ... تخط على صفحات خدودهم المنيرة .. تتحدر على لحاهم الوفيرة .. حارة ملتهبة .. تكتب شهادة لك ... كلما رأت فتنة ميتة بعثت في بلاد الرافدين من جديد ... أو تهتكًا وتشبهًا وتعريًا قمعته ـ أنت ـ بالحديد .

    شهادة لك ... ممن كانوا أعزة بالأمس في دينهم وفي بلادهم .. فأصبحتْ ترى جموع الشرك تعلو وتنادي: اعل هبل .. ولا تسمع ـ بعدك ـ صدى ولا رجع صدى .. يجيبها: الله أعلى وأجل ..

    شهادة لك ... وهي ترى مظاهر الوثنية تعود في بلاد الرافدين .. بأعداد كأعداد الحجيج أو يزيد .. تسيل دماؤها كالأضاحيأضاحي أ يوم أكبر عيد .. تقول للعالم: انظروا ... هذا هو الإسلام الحنيف يعود من جديد ..!

    شهادة لك ... كلما رأت عيون الموحدين ... بعوث الشيوعيين والعلمانيين تخرج في العراق ثانية ... بعدما ألقاهم التاريخ خلف التاريخ .. بأقسى عبارات الذم والتوبيخ ...

    شهادة لك ... من حمَلتِك الإيمانية المباركة التي سيّرتها ... على طول البلاد وعرضها .. فجاء دور حملات الشيطان ... التي يتراقص لها أهل الأهواء من العذارى والذكران ..

    شهادة لك ... مكتوبة على صفحات بيوت الله المكتظة بالشباب في صلاة الفجر .. في عقد حكمك الأخير ...

    شهادة لك ... مخطوطة بترانيم البراعم ... من حلقات التحفيظ المباركة الكثيرة المنتشرة في أرض العراق ... في دورات المساجد في صيف العراق ... في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه ... في قيام لليالي رمضان ازدحمت برجاله بيوت الله، بشجو نبرة عراقية حزينة ودمع رقراق ...!

    شهادة لك ... وهي ترى ألسنة الضلال ... وصور الإنحلال ... ورؤوس التتر تطل من كل مكان ... وفي عيونها شرر ... فيعود التاريخ إليك مخاطبًا:

    أين أنت أيها السد الحصين ... لو كنت كما كنت لكنت قاطعها .. وطامسها .. وقاطفها ...؟

    شهادة لك ... من على أدراج الطلاب في المدارس ... حيث قررت تفسير القرآن كاملًا لكل طالب ودارس ... وأحكام التلاوة ومنهج الأحكام .. وفقه سنة سيد الأنام عليه الصلاة والسلام .

    شهادة لك ... على أنك لم تتوقف عند القول وجمود الدراسات، ومقابر اللجان بل أخذت للتغيير عدته ... وقطعت منه شوطه ومسافته .. فأدرك العدو أن للأمر خطورته ... شباب ملؤوا المساجد، وطالبات أخذوا العلم والدين والتزموا حشمته وقيادة مقبلة لا تحسب لردة فعل العدو غضبه ونقمته، ومن شك في أن صدام سبب ذلك فلينتظر ... حتى يدور العام القادم دورته .

    هناك تنادى الأعداء أن اقطعوا الطريق بقطع رأس الأفعى أولاً ..!

    فبقي الرأس بحمد الله في الشموخ رأسًا ... ولتتجرع الأفعى من ذات سمها كأسًا ....

    وهكذا يطوي التاريخ الآن صفحة مرارة، وكأنه يقول للرجل ' دع الساحة لغيرك، فالوقت ليس وقتك ... فوقتك قد مضى، وجاء وقت الـ ... فما عاد في الكبراء بعدك من يرفع رأسًا ...!'

    لكن الحياة لن تتوقف عند صدام ولا غيره .

    [وكم أهلكنا من القرون من بعد نوح، وكفى بربك بذنوب عباده خبيرًا بصيرًا].

    وسنة التغيير قادمة حاسمة .

    [ يأيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أّذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء ...]



    قال التاريخ:



    العجيب حقًا أن البعض لا يزال يأمل بتحقق الرجعة لك، وقد مضى على ذهابك أشهرًا ... فأي أمل هذا ...؟ هذا وهم غير موقنين بحياتك الآن ..!

    إن ذاك البعض يصر بتفاؤل غريب مبني على أدلة ملتقطة من هنا ومن هناك .. فيقولون: إن الله على كل شيء قدير ... ويقولون: إن الله لن يضيع دعاء المؤمنين وهو مازال متواصلا والذين بعضهم يدعوا حبًا لصدام وهم غالبية الشعوب المسلمة أو يدعوا له نكاية بأمريكا وليس حبًا في صدام كما هو غالب المشائخ وأفراد الحركات الإسلامية .

    يقولون: لقد جاء في تفسير حديث السفياني في بعض كتب بني إسرائيل، تفاصيل هذه القصة ... وأنه سيخرج للناس بعد أربعين يومًا بعد اختفائه .. ويأتي هؤلاء بتفاصيل صفاته منطبقة على صفاتك ... فإذا بها كأنها هي .

    يقولون: والعلامة الأخيرة والخطيرة أن في التوراة منصوصا على ظهور السفياني أربعين يومًا، وها هو صدام يقدم خطبته إلى جريدة القدس العربي بعد أربعين يومًا من ابتداء الضربة ، والحقيقة لا ندري هل ما نشر في القدس هي من رسائل صدام أم أن محبيه أرادوا أن ينطبق عليه وصف السفياني، والذي دلت عليه الأحاديث ولكن كلها كانت ضعيفة وقد يرفعها البعض لدرجة الحسن لتعدد طرقها، وليست هي مجال بحثنا. والله أعلم .

    ينظرون إلى وضع العراق المخيف المرعب، فيقولون موقنين: ليس لها إلا صدام وإلا فلا نرى نهاية لهذا الوضع .

    يقولون: لقد جاءت مبشرات كثيرة من الرؤى الصالحة فيك ونحن متفائلون .

    يقولون ... ويقولون ... ويقولون ... لكن !

    المنطق العقلي والمنظور الواقعي يقول غير ذلك ...

    إنه يقول: لقد طار النسر بالعراق كله، بعيدًا عن مدى سلاح الصياد ....!

    يقول: لقد أنزل النسر الأمريكي مخالبه الفولاذية على كل جزئية في العراق ....!

    يقول: ليس في الأفق القريب خلاص للفريسة ...! بل نحن بانتظار الفرائس القريبة .

    فها هي الإدارة الأمريكية قد دخلت جحرًا وأغلقت عليها صخرا ... فهي تتردد ما بين احتمالات محدودة ... فإما أن تسلم الأمر للسنة ... ومستحيل أن يرضى الشيعة بعد هذا الأمل والعمل بهذا الأمر ... ولو سالت دونه أنهار من دماء ..وإما أن تسلمه لمن قالوا: 'حوزتنا تحكمنا' وفي هذا إعلان النجف عاصمة دينية للعراق وإيران مجتمعين ...



    يقول التاريخ:



    قبل طي صفحة [شهادة التاريخ] هذه ... فقد التاريخ يشهد الهزيمة النفسية والتاريخية ... حيث تطفو شهادة الهزيمة تلك على ألسنة المثقفين والخطباء والكتاّب ممن يعرفون الحقيقة ... حين انسحب الجميع من الإدلاء بشهادة حق من ذكر حسنة واحدة أنشأها صدام .. من ذكر باب شر واحد أغلقه صدام ... فالذي يعلم والذي لا يعلم سبّ، وشتم ... وشجب ... ولعن .... حتى ذاك الفلسطيني الذي أخرج من بيته في منطقة 'بلديات' في العراق ... قال: نحن منطقة كلها فلسطينيون ... فيها ثلاثون ألف فلسطيني كان الرئيس قد أسكننا فيها وهو يدفع الآجار عنا طوال الفترة السابقة ... واليوم طردونا ثم استدرك وقال: كان الرئيس يتاجر بالقضية ... !!

    هذا ومالم نذكر من الحسنات هنا الكثير ... الكثير ... كما لم يكن من منهج صدام أن يجاهر في الإعلام بحسناته الشرعية .... فلم تجد الحملة الإيمانية أثرا يذكر في الإعلام الخارجي ... بدليل أن أغلبية القراء لا يعرفون عنها شيئًا ... كما لم تحض لقاءاته الشعبية شبه اليومية بالمواطنين والتي تبدأ عادة في الساعة الثالث فجرًا وحتى الثامنة إلا خمس دقائق صباحًا ...

    وهكذا ... مراكز القرآن الصيفية ... ونحو ذلك الكثير ... الكثير ...

    ولا أدري .. فلعل السر في عدم إظهارها ربما يكون خشية صدام من وأدها في مهدها .. وخنقها حتى الموت قبل فطامها ... وقد كان ما كان ... وطوت أمته صفحة حسناته، وشموخه، وإبائه، بطي النسيان أو الكتمان ... ولعنته بلعنة اليهود وأهل الصلبان ... وعبدة النيران ...



    وأخيرًا قال التاريخ: اشهد يا ربنا على ما قالته مفكرة الإسلام

    وأخيرًا فإنا:

    نُشْهِد الله عز وجل بأن صدام حسين كان بعثيًا طاغية أسرف على البلاد والعباد قبل عقد من الزمن، وفي نفس الوقت كان حوله كثير ممن نادى بالديمقراطية والتي هي أشد شرًا من البعث وفكره، لأن البعث وإن كان شرًا عظيمًا فإنه يبقى فيه بعض الشيم العربية التي تخفف شيئًا من عظيم شره أما الديمقراطية فهي الحياة الغربية بكل معانيها.

    ونشهد الله أن بعضًا ممن كانوا أسودًا في تكفير حزب البعث وأتباعه قد التحفوا بريش النعام في تناول الديمقراطية وساستها والتي هي في حقيقتها أعظم ضررًا من حزب البعث القومي .

    ونشهد الله أن الناس قتلهم الخوف من صدام حتى آخر يوم من حياته، وذلك راجع لحكمه الحديدي الذي كان شديد البأس فأذل به الناس .

    ونشهد الله عز وجل أن صدام قد تغير في آخر عقد من حياته وكلما مضت سنة كان أكثر قربًا إلى الخير، ولو ترك على ما هو عليه لزاد خيره ولقَرُب معروفه .

    ونشهد الله عز وجل أن من أهم الأسباب في حرب العراق وذهاب ملك صدام هو توجهه الديني الأخير الذي لن يكون منه مضرة إلا على الكيان العبري، ويا ليت قومي يعلمون .

    ونشهد الله عز وجل أنا قابلنا عددًا من الصالحين ممن يعملون في بعض الأنشطة الإغاثية في العراق وهم من دول أخرى فقالوا لنا إن كثيرًا مما ذكرتم شاهدناه بأعيننا هناك، وبعضها لا نعرفه غير أنا لا نملك الشجاعة في طرح هذا الموضوع .

    ونشهد الله أن هذا الرجل لو لم يكن من خيره إلا إيقاف الجيش الخميني لكفاه شرفًا وهاهو بعد ذهابه تتسابق الدول لاسترضاء الرافضة خوفًا من مطامعهم التي لم تظهر إلا بعد سقوط صدام حتى قال بعضهم في برقية لأحد الحكام: لا تضطرونا أن نركب الدبابة الأمريكية ونقدم على هذا البلد .

    ونشهد الله عز وجل على أن بعض الدعاة الفضلاء وزعوا اكثر من ثلاثين ألف كتاب و كتيب ومعا خمسة عشر ألف شريط إسلامي وكلها عن التوحيد والشرك والرقائق وذلك على قافلة الحجيج العراقية في منى من آخر حج [1423 هـ] ولم يجدوا من البعثة إلا كل معاملة حسنة وسألنا بعض الحجيج لما وصلوا إلى العراق: هل صودرت منكم الأشرطة والكتيبات ؟ فأخبرونا أن المسئولين استقبلوهم بكل ترحاب ولم ينزعوا منا أي شيء .

    ونشهد الله عز وجل أنا مررنا على اكثر من سبعين داعية في مساجد العراق المختلفة من الذين يقيمون حِلَق القرآن وبعض هؤلاء يوجد في حلقاته أكثر من ثلاثمائة طالب وهم يقيمون حلق القرآن أمام الناس في المساجد ولايمنعهم أحد من الأمن .

    ونشهد الله عز وجل أنا نركب سيارة الأجرة ونجد سائقها السني يرفع صوت شريط المحاضرة أو القرآن من غير أن يخاف من شيء، وغن كان بعضهم يعيش في هاجس الخوف أو قد يقع في يد أمن رافضي فيضره والشواهد قليلة .

    ونشهد الله أنا صلينا في المساجد فلا نجد في أغلبها موضع قدم من غير أن يمنعهم أحد من ذلك ومن غير أن نجد رجال شرطة أو أمن يراقبونها .

    ونشهد الله أنا صلينا في المساجد وكانت أخبار المجاهدين معلقة على جدران المساجد وأكثر هذه الأخبار من صحف أبناء صدام حسين .

    ونشهد الله أنا مررنا على مدارس الفتيات فوجدنا الشرطة تحميهن من كل فاجر وفاسد، وتخرج البنت بزي نحمد الله عليه قد اكتست بالحياء والعفاف .

    ونشهد الله أنا رأينا أهل السنة في العراق بعد صدام أذلة صغارًا بعد أن كانوا أعزة كبارًا لايدرى أهم يدركون صباحهم أم إن مساءهم هو القريب .

    ونشهد الله بأنه إن ذهب صدام وأتى من هو خير منه فإن ذلك أحب إلى قلوبنا، وهو أملنا بعد الله، لأنا نبحث عن الخير للأمة الإسلامية ...

    ونشهد الله عز وجل أنا وجدنا مشايخ وطلاب علم عراقيين يمدحون كل عالم قال كلمة حق في هذه المصيبة الكبرى التي حلت على المسلمين جميعًا، وخصّوا بهذا المدح بعض علماء الكويت من أمثال فضيلة الشيخ الدكتور عجيل النشمي والذي زأر بكلمة الحق يوم أن عجز الكثير عنها، ورغم الضغوط التي وقعت عليه من أصحابه أو من الساسة إلا أنه بقي على فتواه التي لن تنساها له الأمة، ورأيناهم يمدحون كذلك الموقف المشرف من الدكتور حاكم المطيري والذي طالب بعض علماني الكويت بتطبيق عقوبة الخيانة العظمى عليه فأنجاه الله من كيدهم وبقي موقفه هامة في السماء، ورأيناهم يمدحون كذلك فضيلة الشيخ حامد العلي صاحب المقالات الجريئة والتي أصبح الكثير هناك لها من المتابعين، ولم ينسوا الدكتور عبد الله النفيسي وعبد الرزاق الشايجي ووليد الطبطبائي وغيرهم، وكم كان حزنهم وهم يعتصرهم الألم عندما تتناقض المبادئ وتسقط القيم من بعض دعاة ذلك البلد والذين كان عدوهم الأكبر ' الشيطان الأمريكي ' كما يسموه، ثم مالبثوا أن تعالت صيحاتهم بدعاء الله بسقوط عراق الخلافة في يدي النصارى زاعمين أن هذا الأمريكي إنما هو الرحمة المهداة في إزالة حكومة صدام .. وكما قال أحد هؤلاء المشايخ العراقيين: ليهنأ هؤلاء ما أفتوا به، فالله بيننا وبينهم يوم القيامة فيما أريق من دمنا، وهتك من عرضنا، وأخذ من مالنا، وفوق هذا زوال حكمنا بحكم نصراني كافر متجبر أو رافضي حاقد متهور .

    ونشهد الله عز وجل أن مامن حاكم مسلم يحمل حسنة إلا كانت فرحة في قلوبنا، ومامن سيئة تقع منه إلا كانت حزنًا على نفوسنا سواء صدرت من صدام أو من غيره، ولن نكون ممن يفرح بخطئ الحاكم المسلم، ويحزن لمعروفه والعياذ بالله .

    وأخيرًا نشهد الله أن كل حقيقة في هذا الكتاب قد وقف القلم معها أيامًا طويلة، وربما أسابيع عديدة خشية أن ننقل شيئًا فيه من القصور المضل





    حوار بين عراقي وعربي



    هذا لقاء تم بين من ينتسب للعراق وشارك في صياغة الكتاب وبين مخالف له، وكان اللقاء عبارة عن أسئلة تحتاج إلى جواب .. ولا حقيقة مقبولة منها إلا أجيب عن الجميع ...

    عربي: أزعجتم الأمة بما كتبتموه عن هذا البعثي صدام حسين .. فماذا تريدون من هذا البعثي وأنتم تمثلون خطًا إسلاميًا طالما نال هذا الخط ويلات وعذاب من صدام وزبانيته ؟

    عراقي: بعثي ؟!!! إذا كان صدام بعثيًا فلماذا يفتح ميادين الخير على العراق والتي ذكرناها في الجزء الثاني وبعض الجزء الثالث من هذا الكتاب .

    عربي: صدام رأى أنه أصبح وحيدًا طريدًا فأراد أن يكسب الشعب حتى يخفف عنه الضغط ويلتف الناس حوله حفاظًا على ملكه .

    عراقي: ألم يكن من الأجدى له أن يسلك طرق الغير ويعيش في بحبوحة قصوره ورغد ملكه كما يعيش غيره ويعطي إسرائيل مبتغاها بالأمن والسلام والبترول ولا يحتاج أن يقدم هذه التنازلات التي ستذهب مبادئ حزبه؟!!!

    عربي: صدام خبيث وذكي يعرف متى يتكلم ومتى يسكت ولهذا هو يحرك المنطقة على حسب مبتغاه ولكن على حسب شروره وغواياته .

    عراقي: أخي عدة مرات أنت تقول إنه يستخدم سياساته الحمقاء، وأنت تقول هنا ذكي فانتبه فإن التاريخ يسجل ألفاظك وكلماتك والناس لاينسون مدحك أو ذمك وكما قال إمام أهل السنة الإمام أحمد رحمة الله عليه: استعينوا على الكذابين بالتاريخ، أي أن الذي يكذب ستجده يناقض نفسه بعد فترة بسيطة، وإني أريد منك أن تكون معي فيما أقوله الآن: هل تتوقع رجلًا بعثيًا وذكيًا كما تقول قبل قليل يفتح باب الخير في أخطر ميادين الحياة في العراق فالتعليم جعل فيه حصص الدين يومية وصارت التربية الوطنية حصة واحدة فقط أسبوعيًا، ومعهد حزبه الذي يخرج خاصته وأتباع فكره صار يدرس كتبًا إسلامية من أمثال فقه السنة للسيد سابق والقرآن والأخلاق الإسلامية، فأي ذكاء فيه لو كان فعلًا مجرمًا وقصده خبيث حين يترك أهم موضعين في البلد يدرس فيهما على خلاف ما كان قديمًا يدعو إليه .

    عربي: أنتم تقولوا أنه تغير ولكنا نرى أنه يخاطب باسم حزب البعث فكيف حصل التغير ؟

    عراقي: البعث حزب أنت قلته بلسانك، وهذا يحصل مع كل رئيس فنجد الرئيس فلان ينادي الحرس الجمهوري والآخر الحرس الوطني والآخر الجيش الجمهوري وهكذا .. فلماذا أولئك حلال وهو حرام وإن كنا نحن نحارب أي عقيدة للبعث مهما كانت .

    عربي: هز رأسه ساكتًا .

    عراقي: نحن نعرف حكامًا يغدقوا على شعوبهم الأموال والخيرات أو حتى يخففوا عنهم مظالمهم الأمنية وفي نفس الوقت هم حراب مسلطة على الطيبين والخيرين والمصلحين من أكثر من أربعة عقود، ومع ذلك تجد الشعب يحبهم لكون رغد العيش كثير وأحيانا لا يوجد رغد عيش ولكن الظلم قليل، ونسي الشعب محنة المصلحين فلماذا لم يفعل صدام هذه الطريقة وهي الأجدى له بدلًا من أن يفتح الباب لأشرس أعداء البعث وهم الإسلاميين ؟

    عربي: لعل سبب مصيبة صدام هو شهامته العربية ورفضه للخنوع للغير وليس حبه للإسلام أو الإسلاميين فهو قومي عربي كالجاهليين الأوائل مما جعله يقف في وجه المارد الأمريكي رغم فارق القوة والذي قذف به خارج اللعبة ؟

    عراقي: نحن نرى في كلامك تناقض فتقول أنه شهم ويرفض الذل . فبالله عليك كيف يكون شهمًا وفيه عزة العرب وهو يرضى أن يقدم التنازلات للعمل الإسلامي في العراق رغم البغض [ المفترض منه ] تجاه العمل الإسلامية فهل سقطت عزته هنا على هذه الحالة ورضي بالضعف أمامها ؟ ولماذا لم يفعل نفس الصورة مع الطلبات الأمريكية ويبقى في حكمه وملكه ؟

    عربي: إنه عميل صهيو أمريكي ولهذا أظن أن فترة مـدته انتهت فكان لزاما أن يبحث عن البديل .

    عراقي: أخي تناقضك عجيب .. ولست أنت الوحيد، فكثير من الإعلام هكذا وحتى الإسلاميين من المبغضين لهذا الرجل تجدهم يقولون عناده وعنجهيته واعتزازه بعروبته سبب لنا المأساة ومرة يقولون إنه عميل ولا ندري كيف تجتمع العزة والعمالة، حتى الصرب النصارى في حربهم ضد المسلمين في البوسنة وجدنا منهم قاتلهم الله عزة لا عمالة فيها، ومثلهم شياطين الروس وهم كلهم من الروم فكيف لو كان العرب فإنهم أشد ...

    عربي: أظنك أيها العراقي بعثي [ قالها وهو مبتسم ]... أليس كذلك ؟

    عراقي: بغض البعث يسري في عروقي وبغض الديمقراطي أشد منه سريانًا غير أني شجاع في الجميع أما أنت فقد ركبك الجبن وصرت بوقًا مع الصارخين .. أين أنت من الكلام في بعض الشخصيات التي تحارب الإسلام وترى أن الشريعة رجعية في حكمها ؟

    عربي: إنا نتكلم في موطن الحدث ونحن الآن ليس همنا سوى العراق .

    عراقي: ولكن ذاك البلد أنت تعلم أن سكانها يتجاوزون خمسة عشر مليون مسلم ومع ذلك لم تتحدث فيه فلماذا ؟؟ هل هؤلاء المسلمون أوغاد لا يستحقون أن يناصروا أم انك تركب ما يسمى الموجة الإعلامية فتعتذر بها ؟

    عربي: سنتكلم عنها بعد فترة ولن ندعها بإذن الله لأنها رقعة من قلوبنا وليس كما قلت أوغاد والعياذ بالله .

    عراقي: متى ستتكلم عن ذلك البلد مثلما تكلمت عن العراق ؟ بعد سنة أو سنتين ؟ أخي: إني أعرفك قبل عشر سنوات ولم تتكلم عن مصيبة ذلك البلد خلال السنوات الماضية سوى مرات قليلة جدًا وكانت عارضة فقط، ولكن مشكلة العراق ومن على العراق أراك استمت في الكلام فيها .. فهل هذا هو الذي يمليك عليك دينك .

    عربي: دعنا من هذا ولكن هل تتمنى رجوع صدام للحكم مرة أخرى وأنا أرى منك الاستماته في الدفاع عنه ؟

    عراقي: إني أتحداك أن تراني استمت في الدفاع عنه غير أني قلت حقائق مغيبة عمدًا عن هذا الرجل فإن كنت ترى هذه استماتة فإلى الله المشتكى، ولكني أقول لك حقيقة، وهي أني لست مثلك أما أنت فقاعدتك غير مضطردة سكوت وكلام على حسب ما يمليه الإعلام، ولكن لو أتى رجل خيرًا من صدام والله لهو أحب إلى قلبي، ولأنصرنه بكل ما أوتيت من قوة، ولكن لا يعني هذا أني أظلم من سبقوا، فالخمرة ذكر الله فيها العدل فلها محاسن ومساوئ، والشيطان قال فيه الرسول صلى الله عليه وسلم لأبي هريرة: ' صدقك وهو كذوب ' فأين قاعدتك ونظرياتك اللاتي طالما أشبعتنا منها في كلماتك وكتاباتك ؟!!

    عربي: ولكن من قلتم أن لديه أعمالًا خيّرة فقد كفره مجموعة من العلماء منهم سماحة العلامة الشيخ عبد العزيز رحمة الله عليه ومنهم كذلك الإمام الألباني وكذلك سماحة الشيخ ابن عثيمين وغيرهم كثير فهل أنتم اكتشفتم شيئًا غفل عنه هؤلاء .

    عراقي: أظنك أيها العربي نسيت عنوان كتابنا فنحن نتحدث عن العقد الأخير أي العشر سنوات الأخيرة من حياته

    عربي: ولماذا لم يخرج صدام ويعلن توبته أمام الناس ويتبرأ من البعث ؟

    عراقي: لم يشترط أهل العلم من المذنب أن يقف أمام الناس ويعلن توبته، ولو اشترط أحد هذا لقلنا إنه بدعة ولا نشك في ذلك فهل ستشترط هذه البدعة .

    عربي: لكنك نسيت أنه لم يتبرأ من حزب البعث . فهل هذا تهرب من الجواب ؟

    عراقي: لا والله . ولكنك عجل كغيرك في الحكم على الناس، ولعلك تذكر ما كان من أهل العلم من الحكم على الرجل لو كان نصرانيًا ثم وجدوه يصلي ويصوم فقد جعلوا هذه علامة على شهادته وتوبته من شركه وكفره، ومن نتكلم عنه حصل منه ما هو أكبر من ذلك فماذا تعد هذا الأمر ؟!!! أما حزب البعث فيجب أن تعلم أن صدام رجل يجعل حزب البعث فكر يطبق على واقع الأرض، ولهذا لما حصل عنده التغير الكبير لم يتبرأ منه لاعتقاده أن هذا تطور إيجابي استطاع من خلاله تغيير الكثير من قناعاته، ولعل هذا أهم سبب للخيانة من أقرب الناس إليه لإحساس الخائنين أن صاحبهم أصبح متغيرًا عليهم وبالتالي ما كانوا يسترزقون منه قد قرب قطعه وذهابه فكانت الخيانة .

    عربي: ولكن صدام غدّار وقد يخون بمن بجواره فلهذا كان لابد من إزالته حفاظًا على بقاء كيان الأمة .

    عراقي: أنت أيها العربي تفتخر أمامي دائمًا أنك ذكي ومتفوق دراسيًا، ولكن تبين لي أن ثوبك أفهم من عقلك .. صدام موجود منذ تحرير الكويت، وسعيه للأسلحة الكيماوية موجود من تلك الفترة، ولكني تمنيت أنك حاولت أن تجلس مع نفسك وتستخرج الجواب .. الأسلحة لو كانت بغير يد صدام لما كانت هناك خشية كبيرة ولكنها اجتمعت بيد رجل ظهرت عليه علامتنا خطيرتان تستوجب إزالته بالسرعة الفائقة مهما كلف الوضع ... فهو بدا عليه التوجه الحسن من خلال إنجازات ذكرناها سابقًا والأمر الأخطر من هذا مغازلته للعدو الأكبر لأمريكا وهي القاعدة والتي صار يربي شعبه على الالتفاف حولها من خلال نشر جميع أخبارها في مجلاته وجرائده اليومية وحتى تلفازه الرسمي بل ويعلقها في المساجد .. وبهذا يكون وصل لمرحلة الشارة الحمراء التي لا يمكن مهما فعل أن يترك دون أن يقضى عليه .

    عربي: هل ترى من المناسب إنزال الملف بعد سقوط صدام ؟ ولماذا لم ينزل هذا الملف قبل سقوطه ؟

    عراقي: أظن أن من أنزل الملف كانوا بين أمرين، فإما الإنزال قبل السقوط وهو يعني أن هناك تواطئ بين الكاتب وبين المكتوب فيه ولها عواقبها المعلومة إعلاميًا من جهة عدم المصداقية، وإما أن ننزله بعد السقوط فيكون ليس هناك أي ثمرة مرجوة للكاتب من المكتوب فيحصل الملف على مصداقية .

    عربي: ولكن ما هي الفائدة المرجوة من إنزال ملف بهذه الحساسية والذي قد يؤدي للفت الأنظار عما يقوم به أهل الخير من جهاد المحتل في العراق ؟

    عراقي: هو أنزل لعدة أمور:

    أولًا: نريد تبيين حقيقة الإعلام وأنه وسيلة لمآرب أخرى بُدلت بها حقائق وزُيفت بها وقائع، ولم نجد أفضل فرصة من هذا الكتاب وخاصة أن صدمة سقوط العراق كبيرة على النفوس ولهذا لن نجد أعظم فرصة منها .

    ثانيًا: لن يكون هذا الكتاب سببًا في وقوع الخلاف بين المقاومة العراقية أبدًا بل قد يكون سببًا في اجتماعها لقتال العدو فصدام لديه الأتباع الخائفين والذين يبلغون قرابة نصف مليون جندي مجهزين ومع مضي الوقت ستتملكهم الشجاعة رويدًا رويدًا وهذا الذي حذر منه العدو في تقاريره وأن بقاء صدام على الحياة فترات أطول هو ازدياد المقاومة وتطور في العمليات وقصدهم من ذلك أتباع النظام السابق .

    وثالثًا: لن أقوله لك لأنه فوق مستواك [ قالها وهو متبسم ]

    عربي: لنا الله يالبخيل ليتك كنت كريمًا فأعطيتنا السبب الثالث، ولكني سألجمك بسؤال أخفيته في جعبتي حتى أرميك به في آخر هذه الجلسة لأنه لا جواب عليه [ قالها ضاحكًا وقد علا صوته في المكان ] ما رأيك لو رجع صدام وكان شرًا على المسلمين وقد التنازلات وذهب كتابكم في باطن البحر ؟

    عراقي: أخي الحبيب ... نحن أمة نبحث عن الحق ... وقد يكون الحق معك بالأمس واليوم عليك، وأنت تشاهد من حولك بالأمس كان كافرًا لا يصلي واليوم ولله الحمد اكتسى وجهه بلحيته الوفيرة الجميلة، وبالأمس كانت ممثلة فاجرة تحرك الشهوات وتدعو إلى النزوات، واليوم نراها بحجابها تلقي موعظة تحرك بها القلوب، ولهذا لو رجع صدام لما قبل عقد من الزمان فإننا لن نقع في حرج أمام الناس بل سنتكلم عليه ونتحدث بما ندين الله عز وجل به، وتربينا على أن [الحق أحق أن يتّبع]، وهل نسيت ما حصل في الخمر فقد ذكر الله فيها إثمًا كبير ومنافع للناس ثم نزل تحريمها في الصلاة فقط ثم بعد ذلك جعلها الله على لسان رسوله أم الخبائث ولم يقل الصحـابة: لا يمكن أن يحصـل هذا .. كيف كانت تحتوي على منافع وأصبحت اليوم أم الخبائث ... وهذا زواج المتعة كان حلالاً ثم صار حرامًا ثم صار حلالاً ثم صار حرامًا ولم يقل أحد لماذا حرمه الله مرتين بعدما كان حلالاً أليس الله يعلم الغيب ويعلم عدم صبر الناس عنه في بداية أمر ظهور الإسلام ؟!!!

    وفي الختام جاءت هذه الشهادة العزيزة ... بهذه الكلمات الوجيزة ... قد قلنا فيها جلّ علمنا ... وتركنا ما يصعب على القوم تصديقه منا ّ... فبلّغنا قومنا ... وإلى ربنا أعذرنا . ألا هل بلغنا ... اللهم فاشهد .... والله على ما نقول شهيد ...



    ==========



    صدام ... الفرصة الضائعة


    --------------------------------------------------------------------------------

    فضيلة الأستاذ محمد سرور زين العابدين حفظكم الله ورعاكم ...لا يستطيع أحد لديه بعض الإنصاف أن ينكر سبقكم في ميدان الدعوة الإسلامية المعاصرة ، ولا فضلكم ـ بعد فضل الله ـ على إفهام الدعاة ومواقفهم في السنين المتأخرة وكل هذا وغير هذا مما يصعب حصره في هذه الورقات المعدودات لا يمنعني من بيان الحق الذي أعتقده ، وإن خالف ذلك رأيكم ، فهذا هو من واجب النصح لكل مسلم ... كما أنه من واجب كل مسلم نحو منهجه حيث إتباع الحق لا إتباع الأشخاص ، إذا ما خالفوا الحق .. فلقد قرأت ردكم لما جاء نشره في موقع مفكرة الإسلام حول الكتاب الذي نشروا بعضه ، والذي يحمل عنوان [ العقد الأخير من حياة صدام في ميزان الإسلام ] ونحن بانتظار بقية الكتاب بلهف شديد ...وبما أنني ـ كما أعتقد ـ صاحب شهادة مستقل ، وإطلاع دقيق على أحداثٍ ورد ذكرها في كتاب المفكرة المذكور ، وعلى أحداث أخرى كثيرة لم يرد ذكرها في ذلك الكتاب كان لا بد لي من أن أذكر رأيي هنا مصدراً إياه بما صدرت المفكرة كتابها حيث أقول : [ هذه شهادتنا والله على ما أقول شهيد ] .معترفاً بأن الأليق بي أن أختمها باسمي الصريح ... لكنني ـ وفي مواجهة التيار العام ضد صدام ـ والذي توحد فيه وللأسف الإسلاميون على مختلف أحزابهم ـ ولأول مرة ـ كما توحد فيه معهم اليهود والنصارى ومختلف الملل ، وعبدة الشيطان في العراق والرافضة في كل مكان ، والعلمانيون ، والليبراليون ، وحكام المسلمين ، وأنصار تحرير المرأة ، والشيوعيون ، وكذلك البعثيون وغيرهم في سابقة عجيبة غريبة ... أقول : فإنني لا أملك شجاعة المفكرة حتى أكتب اسمي الصريح ، وهنا تكمن عظمة 'مفكرة الإسلام' التي نشرت ما نشرت وهي تعلم تكاليف هذا الموقف بين الإسلاميين قبل غيرهم ... كما تكمن عظمة المفكرة في ثقتها وتحديها بنقض ما نشرت من معلومات بطرق علمية تعتمد المنهج الصحيح في الأخبار والإخبار ! فهنيئاً للمفكرة هذه الغربة في هذا العالم كله .. ولسوف تظهر الأيام بإذن الله تعالى أن المفكرة كانت نقطة نور وسط ظلمة معتمة ، ما لبثت تلك النقطة أن تحولت إلى قمر مستنير ، وفجر منير ... ولسوف أحرر ما أريد ذكره للشيخ في هذه النقاط ...

    أولاً : يقف المرء متأملاً فيما كتبته المفكرة في كتابها ' العقد الأخير من حياة صدام في ميزان الإسلام ' وبين ما كتبه الشيخ محمد سرور زين العابدين ... فيرى عجباً ... يرى من قبل الشيخ تصديراً لموضوعه بمدح مفكرة الإسلام والقائمين عليها بقوله إنهم ' أهل خير وصلاح ' ويرى في الجهة المقابلة اتهام الشيخ لهم بالسذاجة في نقل الخبر وسذاجة أكبر في تحليله ..! علماً أن نقل الأخبار المجردة لا تحمل السذاجة ، إنما هي واحد من إثنين : إما صدق وإما كذب .والمفكرة إنما نقلت أخبار من خلال مجموعة من مراسيلها الثقات ، وشددت على ذلك بأن حاسبت نفسها محاسبة الشاهد في أخطر قضية وأكثرها حساسية ، وعليه فإن وصف السذاجة مردود ... ينبغي إلغاؤه أو استبداله بوصف الكذب ...!ولعل الميل إلى التكذيب هو ما أشار لترجيحه الشيخ بقوله : ' وانطلاقاً من حسن ظننا بالقائمين على هذا الموقع نقول : إنها أفكار ساذجة ونتائج أكثر سذاجة '.والسؤال : هذا رأيكم بناءً على حسن الظن ... فماذا لو كنتم واقعيين ، وتعاملتم مع النص كنص مجردٍ دون المنة بحسن الظن ؟!لقد ذكرت المفكرة أحداثاً ووقائع وأرقاماً وقرارات رسمية ، ومفردات في التطبيقات العملية ، وكان المطلوب من الشيخ منطقياً ومنهجياً أن يرد عليها بذات المنهجية العلمية ، لا أن ينسفها بكلمة أو كلمتين ، كما هو المنهج المعادى للأنبياء وللقرآن المبني في رد الحق بتفاصيله على قولهم ' أساطير الأولين ' !فأين ' منهج الأنبياء في الدعوة إلى الله ' ! المتمثل في قوله : ' قل هاتوا برهانكم ' والبرهان هنا هو أن تنسف ما قالته المفكرة دليلاً بدليل ، وخبراً بخبر ، وقراراً بقرار ، وتحليلاً بتحليل ... ثم تأتي بما يثبت قناعتك ! فكلمة سذاجة لا مقام لها هنا ، ولا موقع لها في ميزان الترجيح العلمي ... اللهم إلا أن يتلقاها أتباع تعودوا الإتباع بمجرد الإستماع ...! وقد أيد الشيخ هذه المنهجية الخفية في الإلقاء والتلقي بقوله : ' لولا خوفي من تصديق البعض لما ورد في الفصول التي نشرت من هذا الكتاب لما كتبت هذا التعليق ' فهذا يقتضي ـ عند الشيخ ـ أنه بمجرد هذا التعليق الموجز غير المعلل ولا المدلل ، سيزول احتمال التصديق الذي ربما تسرب إلى بعض الأخوة !فإن كان الأمر كذلك ، فإني أرى أن المتعصبين لمذاهبهم الفقهية معذورين ... وذلك للإمامة الحقيقة التي يتولاها من قلدوهم من أئمة الإسلام !ثانياً: لا ينبغي إتباع منهجية الإتهام للمقاصد والنيات كما تعامل الشيخ مع بعض الأخبار التي لا يراها هو ولا يرى مدلولاتها ، مثل قول الشيخ : 'وإذا جاء ذكر ابنه عدي قالوا : كاد يقتله مرة من المرات ، وعدي نفسه كان يخاف من أبيه ، ويخفي عليه ما كان يقترفه من منكرات ، وكأن المنكرات قاصرة على ابنه عدي ، وليس النظام ورموزه كلهم منكرات هكذا يعقب الشيخ على ما قالته المفكرة ، علماً بأن ما ذكرته المفكرة لم يكن تحليلاً ، إنما كان نقلاً عن لقاء خاص نشرته محطة العربية ، وقد تابعه الناس وليس خاصاً بالمفكرة ، وقد كان ذلك اللقاء مع الخادمة الخاصة لعدي .. والقوة في الإستشهاد أن اللقاء جاء لإدانة عدي وأبيه بأقوى ما تكون الإدانه ، حتى أن الغريب أن هذه الفقرة عبر عليها المقدم سريعاً ولم يلتقطها كثير من الناس ، وأنا هنا أشيد بنباهة وشجاعة المفكرة التي رصدتها وسجلتها ، ولولا أن اللقاء كان على الهواء لما وضعت هذه الشهادة للمشاهدين .نعم ، إنها ذكرت بأن عدي كان يسكر ويسهر أسبوعياً مرتين ، فإن علم أن أباه سوف يأتيه في أسبوع ما ... أزال كل شيء قبل أن يأتي أبيه بإسبوع .. أو من حين يعلم ! كما قالت : بأن أباه همّ بقتله فعلياً .. فقال المقدم لها : هل كان صدام لا يرضى بذلك .؟

    قالت : نعم . لأنه كان يعتقد بأن هذا مخالف لعادات العراقيين .!!هذه إمرأة معادية متزلفة تريد أن تذكر ذماً لترضى به قناة العربية ، فذكرت خبراً عايشته ورأته .. فهل من حق أحد أن يرد هذا الخبر بهذه الطريقة ...؟!ثم ما الذي يغيظ في هذا الخبر ؟! وهل يكفي أن نقول : ' وكأن المنكرات قاصرة على عدي ، وليس النظام ورموزه كلهم منكرات ' .هب أن النظام ورموزه كانوا فاسدين ... فهل هذا يدخل في موضوع البحث ، وموضوع البحث واضح ومحدد [ العقد الأخير من حياة صدام في ميزان الإسلام ] .أنا أعلم أن الجواب سيكون : ' وماذا ينفعني صلاح رجل إذا فسد النظام وأزلامه ؟!وهنا أقول : ماذا كان ينتظر الشيخ من رجل نشأ بعثياً وحكم بعثياً وأحيط طوال هذه الفترة برموز بعثية وعزل دعوياً ..؟!ومع هذا فإن صدام نفسه أنشأ ثلاثة معاهد شرعية خاصة للبعثيين الكبار وهذا العدد من المعاهد مما لم تذكره المفكرة ، فأحدهما موجود في بغداد وآخر في الموصل وثالث في ديالى ... حيث يتفرغ فيها الكادر تماماً من كل الإلتزامات ، وتمنح له شهادة دبلوم إذا أتم الدراسة ، ويعطي كل من يأتي بتقدير امتياز شهادة تكريم ، ورحلة إلى الحج أو العمرة .. ويجعل هذا التقدير المميز أو التقدير السيء في تقرير الدارس ، حتى لو كان عضو قيادة ، أو وزير . ونحن نعرف المنهج المدرس ، وهو منهج كما ذكرت المفكرة فيه فقه السنة ، وفيه منهاج المسلم ، وفيه حفظ ثلاثة أجزاء من القرآن ، وفيه النحو واللغة ... ونحو ذلك .وأنا أعرف شخصياً من أتى بتقدير امتياز ومنح مكافأة الذهاب إلى الحج والعمرة .ألا يدل هذا على جديته في إصلاح القيادة حسب فهمه واجتهاده الشخصي الذي لا نعذره فيه أكثر من أن يفرض على القادة عقوبات تصل إلى السجن والغرامة لكل من يلعب القمار مثلاً ، ثم يعلن هذا القرار في نشرة الأخبار ..!وإلا فمن كان يلزمه بذلك لو لم يفعله ..؟! ولماذا لم يجعل هذه المعاهد للتعاليم العفلقية ...؟!ولماذا تبرأ منه البعثيون بشهادة أكثر من واحد منهم : الرفيق الدكتور صلاح عمر العلي عضو القيادة السابق ... حتى قال الدكتور : 'إن الذي دمر حزب البعث هو صدام ، رجالاً ومبادئ ، وهو الذي عزل عفلق عن الحزب وعن المبادئ '...؟وهذا غيض من فيض ذكره صلاح عمر العلي في حلقات في قناة ' الجزيرة ' كما ذكر أكثر من واحد ...

    ثالثاً : والغريب حقاً ، وأنت الرجل الذي تنادي دائماً بوجوب التحقق والتحقيق ، وعدم الإستعجال في إصدار الأحكام ... تصدر حكمك في هذه القضية وتحسمها ، وأنت لم تقرأ بعد ربع الكتاب الذي وعدت بنشره المفكرة على حلقات .!!فلقد حسمت القضية ولم تسمح للمفكرة بأن تتم بحثها الذي أنفقت عليه من الوقت والمال والجهد والتحقيق ما أنفقت ... هذا وأنا لا أشك أبداً أن معتقد القائمين عليها هو معتقد السلف الصالح القائم على الكتاب والسنة بمفهوم العقيدة الشامل للحياة الذي يتعامل مع معتقد السلف في الشركيات القبورية ، كما يتعامل مع التطبيقات الشركية للولاء والبراء ، ويتعامل مع عقيدة السلفية في الأسماء والصفات ، كما يتعامل معها في الجوانب الشرعية ... وفوق هذا ، فلهم في جانب الحياة ، والفرق المعاصرة ، والمذاهب الهدامة ورموزها ... بحكم ما ذكرنا وبحكم تخصصاتهم الشرعية ، ودراساتهم الخاصة ، وتلقيهم من أئمة أهل العلم والدعوة في هذه الأيام ، وممارستهم اليومية لهذه العقيدة في موقعهم ... ما يجعلنا نضع سؤالاً كبيراً وكبيراً جداً :ما الذي جعل هؤلاء الأخوة يعرضون هذا البحث ..؟!ما الذي أوصلهم إلى هذه النتيجة ...؟!هذا وهم قبل هذا البحث بفترة ليست بالبعيدة قد كانوا ينشرون أخباراً كأخباركم على النقيض مما جاء في هذا البحث .النفاق ....! حاشاهم ، فهم أقوى ثم أغنى من ذلك!وهل ينافق أحد نظاماً بعد انهياره ، في وقت تخلى فيه المنافقون الأصليون عنه ؟!حب الشهرة ! وهذا بالإضافة إلى حرمته فإن مثل هذا البحث ليس مما تطلب به الشهرة ، وخصوصاً عند قرّاء كقراّء مفكرة الإسلام .إنه شيء واحد ... إنها الحقيقة التي وجدوا لها من الشواهد مالم يستطيعوا حصره .. في وقت كان يضيق عليهم جداً الحقيقة التي شعروا .. حقيقة أنها شهادة .. فجاؤوا يؤدونها جزاهم الله خيراً ..الحقيقة التي ضربوا لأجلها أطناب العراق ـ كما ذكروا ـ وراجعوها على الخاصة والعامة ، وغربلوها ، ثم غربلوها ، ثم جاؤوا بما لا يدع ـ عندهم ـ مجالاً للشك ونثروها بين أيدينا ...إنهم لم يشهدوا لصدام في كتابهم بصلاح أو إمامة أو طهارة داخلية ... إنما ذكروا أعمالاً وقرارات ووقائع تصدقها امتدت عشر سنين متواصلة ... ثم يأتي الشيخ محمد سرور ـ عفا الله عنه ـ لينسف خمسمائة ورقة وزيادة بصفحة واحدة ، بل بعنوان حين كتب : ' صدام طاغية ' !!!ثم يقول عند ابتداء البحث : [ تناول الباحثون في كتابهم الدفاع صدام حسين وأنه ليس شيطاناً رجيماً ...] وأنا أسأل الشيخ : هل يعتبره الشيخ شيطاناً رجيماً بعد كل ما سردته المفكرة من إنجازات شرعية ...؟! وكان أقل واجب على الشيخ ـ وإن لم يوافق المفكرة على ما ورد في الكتاب من أخبار وأحكام ـ أن لا يكذب الأخبار ! وإن لم يكن منه هذا وذاك ، فكان حري به أن يحترم ذلك الجهد العظيم وتلك المخاطر المحيطة ... أما أن يتفه جهد الآخرين الذين وصفهم بأنهم 'من أهل الخير والصلاح' ويسذج سعيهم فهذا ما لا يليق برجل مبجل كالشيخ !! ويعقب ذلك بالنصح بعد كل هذا بأن تترك المفكرة هذا الموضوع ، فهو أكبر منها بكثير وأنه كما قال الشيخ في نصيحته : 'ونصيحتي للأخوة القائمين على هذا الموقع أن ينصرفوا لما يقدرون عليه ' !!!ويعقبه اتهام صريح ، فيقول : ' ولعل هؤلاء الأخوة أو غيرهم ممن أشاع أساطير ممجوجة عن جهاد صدام وبطولته ...' ! ولا أريد أن أرد على هذه الإتهامات ـ تاركاً لأصحابها الرد إن شاؤوا ، وأنا واثق بأنهم لم يكونوا كذلك بدليل أنهم كانوا قبل هذا البحث على النقيض كما ذكرت ذلك آنفاً ، فجاءت هذه التهمة ، وليس لها من رصيد إلا الإثم الذي لا يغني عن الحق شيئاً :
    ' اجتنبوا كثيراً من الظن إن بعض الظن إثم ' ... [ إن الظن لا يغني من الحق شيئاً ] .ثم إننا إذا لم نكتب نحن التاريخ بعد كل هذا الجهد والعناء والصدق ؛ فلمن نترك كتابة هذا التاريخ في هذه المرحلة الدقيقة ... ونحن نرى كيف كتبه أقلام وأفلام وإعلام اليهود والصليبيين منفردين ...!خامساً : في هذه النقطة تحديداً ، لي عند الشيخ ومن سار على طريقته مطلب واحد ومحدد ، أرجو أن يوافقني عليه ، وخصوصاً وأنه مطلب شرعي ... نعم ؛ إنه مطلب واحد ومحدد ومشروع : وهو أن يجعل ثمة إمكانية للتنازل عن رأيه ... إمكانية الخطأ في موقفه أنا لا أريد إلا أن يجعل احتمالاً ، نعم إحتمالاً واحداً فقط ... أن يكون صدام صادقاً في مواقفه التي اتخذها ... احتمال أن يكون تائباً إلى الله ... واحتمال أن الله قد قبل توبته ...أنا لا أريد أكثر من الإحتمال فقط ... ولا أظن الشيخ يملك منع هذا الإحتمال ، كما لا يملك ـ بالتأكيد ـ حجب التوبة عن هذا الرجل أو غيره ..!ليس من حقي أن أطلب هنا هذا المطلب ، وقد قال الله تعالى للمشركين: [ قل أرأيتم ] [ قل أرأيتكم ] ...؟! إن من الضروري أن أطلب هذا الطلب ، ذلك أننا اعتدنا عند أي نقاش في قضية طرفها صدام أن تغلق دونها أبواب الإفهام مقدماً ، بحيث لا يصبح من حق أي متحدث في هذا الموضوع إلا الإتهام له ... إما بالخيانة ، وإلا فبالسذاجة ، والضحك على طرحه ، وتسخيف عقله ... هذا إذا أحسن فيه الظن طبعاً . وبهذا ينتهي النقاش قبل أن يبتدئ ..! لماذا ...؟ لأن طرفها صدام ...!!إن كل متابع للتوجهات المختلفة ، يرى أن هدر مصداقية صدام في كل ما يقول ويعمل ويقرر محل إجماع بين جميع الطوائف والأطياف ، فلا يملك المدافع إلا الإستسلام أو الإنسحاب ، أو التحول مع التيار ... ولعل الشيخ قد لاحظ من كانوا يوماً يدافعون عن صدام في الإعلام أصبحوا اليوم لا يملكون حتى الظهور ، ومن يظهر منهم فلا بد أن يقدم ضريبة القبول عند السامعين بقربان يتمثل ببعض اللعنات عليه ... وتقديم بعض مثالبه وجرائمه ...! أو يتحدث على استحياء ، وكأنه يغص بالشوك ، وبهذه اللغات تصدق عقيدة الولاء والبراء عند المتكلم أو الكاتب عند سامعيه ...!فمن أين جاء هذا المعتقد ...؟ ومن الذي أسسه ...؟!إن الحقيقة الخفية ، أن الذي أسسه ، هو التلمود المحرف بتطبيقاته المعاصرة ، مع تغذيته ببعض جرائم صدام نفسه... من خلال تركيز إعلامي رهيب ، رهيب على جميع الأصعدة والمستويات ، وبجميع وسائل التأثير ، والمهم أن هذا التركيز جاء في ذات الفترة التي غيب فيها الإعلام العراقي بجميع مستوياته وصفوفه عن خارج العراق ، ومن تبقى من الإعلام الخارجي المتعاطف أو المتعامل مع صدام بقي فاقد المصداقية ، وذلك كثمرة من ثمرات الآلة الإعلامية اليهودية والصليبية الضخمة المواجهة لهذه الوسائل القليلة الهزيلة البدائية ... وأصبح عموم الإسلاميين ، أمثال الشيخ المبجل بين وسيلتين لا ثالث لهما ، هذه الآلة الإعلامية الضخمة وبين رجال هربوا في فترة الثمانينات طلباً للسعة في الرزق أو فراراً من بطش البعث...!ومرت تلك الفترة وجاء التحول بشهادة كل الأحداث المذكورة وشهودها ... إلا أن القاعدة التي رسخت في أذهان أولئك الصالحين من الخارجيين ، والتي رسخوها في أذهان الملاحقين لهم كانت كفيلة بأن تحول كل إيجابية تذكر على أسوأ المحامل ، وتفسر كل غامض على أقبح تفسير ... ولو كان ذلك الشيء إنجازاً طالما حلموا به كإسلاميين ...!إنها فترة ما بعد احتلال الكويت ...الفترة التي أستطيع أن أقول عن ثقة ، أنها بداية التحول الجذري في البعث العراقي وعند صدام خاصة ... وسبب هذه الثقة هو ما ورد ذكره في المفكرة وهو ذاته ما أخبرني به شيخان من كرام مشايخنا في العراق في جامعة بغداد ، أحدهما ما زال في الكلية والآخر خارج العراق الآن .. بأن صدام أصر على المجتمعين من القادة البعثيين في اجتماعات متعاقبة بأن يغير منهج الحزب العلماني إلى الإيماني ... ونجح فعلاً في ذلك ... وفرض على الجميع ما هو مشهور في العراق باسم الحملة الإيمانية ...وهذان الشيخان لا أشك والله في صدقهما ، كما أنهما ليسوا من مشايخ البعث ولا النظام ... لكنهما يذكرانها للرجل من باب : [ ولا يجرمنكم ...]أليس هذا إنجازاً تاريخياً وعقدياً ... ولماذا نحوله إلى سلبية ...؟!
    وهل يستطيع الشيخ أو الأخوة الآخرون أن ينفوا تأثيرها في المجتمع العراقي ...؟وهل يستطيع أحد منهم أن ينكر بأن العراق إلى فترة قبل الاحتلال يعيش فترة عز الدعوة السلفية ...؟وهل يستطيع أحد منهم أن ينكر الدور الكبير الذي تولاه المسجد بعد ابتداء الحملة الإيمانية ...؟ وهل يستطيع هؤلاء أن ينكروا بأن تزايد الرواد من براعم العراق ذكوراً وإناثاً ممن يرتادون المسجد في كل صيف لحفظ القرآن وتعلم العلوم الشرعية ...؟وهل يستطيع هؤلاء أن ينكروا شيوع الحجاب الشرعي في العراق ...؟وهل يستطيع هؤلاء بعد كل هذا أن ينكروا بأن صداماً لو اعتقل من كل منطقة واحداً فقط أو قتله ، لا نفضت الجموع من بيوت الله تعالى ...؟فما الذي كان يمنع صدام من ذلك لو أنه كان كما كان ...؟!أليس دماء هؤلاء هي أعظم القرابين لأمريكا ...؟!لا تقولوا قتل الكثير ... فالمفكرة كانت تتحدث عن أهل السنة ، وتتحدث عن العقد الأخير في حياته ..بالله عليكم ، اذكروا لنا من الذين قتلهم ، غير الذين قاموا بانقلابات أو ثبت عليهم تفجيرات ..؟ ولا يعني هذا أن من قتلوا قد قتلوا بحق ... لكننا نريد أن نحقق في دعاوى طويلة عريضة .. نحن لا نريد آلافاً ... بل اذكروا لنا ـ غير هؤلاء ـ عشرة أو عشرين في العشر سنين الأخيرة .. وسوف نذكر لكم أعداداً كبيرة جداً عفا عنهم صدام نفسه بعدما صدرت عليهم أحكام ، ومنهم أناس شاركوا في انقلاب عليه !\ودعكم من مصطلحات فضائيات اليهود .. من مقابر جماعية وغيرها ، وهم أعلم الناس من هؤلاء ، وعلى أي أساس قتلوا وفي أي ظروف ...؟ والشيخ يعرف ذلك جيداً ..إن هؤلاء الشباب الذين حرروا الفلوجة ، وسيحررون الأنبار وغيرها ـ بإذن الله تعالى ـ إن لم يكن منهم من جند صدام حقيقة .. فهم ممن ترعرعوا في المساجد في عهد صدام في السنين العشر الأخيرة ... فلماذا حتى هذه تحسبها عليه ...؟!لا يقولن قائل : إذن فلماذا لا تقول في شباب الإنتفاضة أنهم شباب تربوا أيام عرفات ؟! أقول : لا شبه بين الإثنين .. فإن شباب فلسطين لم يكونوا يوماً خاضعين لعرفات كحاكم ، بل هو رئيس منظمة يراد لها الإستقرار على الكرسي ، ولما تستقر حتى اللحظة بعد ... ثم إنهم كانوا كذلك قبل أن يأتي عرفات ، فهم الأصل وعرفات هو الطارئ .. حقيقة أن المرء ـ ليعجب والله ـ من مطالب يطالب بها الإسلاميون ، وأماني يتمنونها ، فإذا ما قام بها صدام لم يقبلوها منه ، وحملوها على أسوأ النيات ...!فبأي شيء يمكن أن نفسر هذا ...؟!يطالب الإسلاميون بمقاطعة إسرائيل ، فلا يجدون في هذا العالم أذناً صاغية لمقاطعة تامة .. ويبقى صدام الوحيد في هذا العالم الذي يقاطعهم على جميع المستويات ، إلى درجة أن الشركة التي تتعامل مع إسرائيل أو لها أفرع في إسرائيل لا يسمح لها بالعمل أو التعامل أو فتح فرع في العراق إطلاقاً ...يطالب الإسلاميون بقطع النفط والغاز عن أمريكا وإسرائيل ... فلا يتجرأ أحد في العالم حتى على بحثها ، ولكن صداماً كان هو الوحيد في العالم كله الذي قطع النفط فعلياً عن أمريكا وإسرائيل ، ومع هذا فإن ذلك يحمل منه على أنه أسوأ المحامل ...لماذا كل هذا ..؟ الجواب : إنه صدام ... وكفى ..!يطالبون بنصرةالشعب الفلسطيني ، والشعب الفلسطيني نفسه ، وقادة الإنتفاضة يشهدون بأن الوحيد الذي كان يناصرهم من بين الحكام العرب هو صدام .. سواءً بالمال أو التعويضات ، أو المواقف ، ويطالب علناً باستخدام الجيوش العربية ... ويبقى الوحيد الذي يتجرأ في كل محفل على اليهود علانية ... ومع هذا ، فإن ذلك يعد منه ركوباً للموجة ...!لماذا ...؟الجواب : لأنه صدام ... وكفى ...! إن أعظم الإنجازات إذا تحققت على أيدي صدام .. تعتبر في معتقد هؤلاء نكسات وهزائم ..!جيلنا يحلم برؤية الأمة الإسلامية منتصرة ولو لمرة واحدة .. ولم يشاهد تلك المرة إلا على يد صدام ، ومع هذا يعد انتصاره ذاك كارثة ...!وإلا ؛ فماذا يعد الإسلاميون انتصاره على دولة المجوس ؟ ألم يكن انتصاراً حقيقياً على الأقل للعرب إن لم يكن للمسلمين ..؟!فلماذا لا يعد هذا في عرف العرب والمسلمين مفخرة ، وخليفة ابن السوداء قد اعترف بنفسه بالهزيمة؟والشيخ يعلم بأن المعتدي هم من فجروا الجامعة المستنصرية ... وهم من أعلن تصدير الثورة باديء ذي بديء .. وهو من قال إن تحرير فلسطين واجب ، لكن الطريق إليه يمر ببغداد والنجف ... ! وهو من احتل المخافر الحدودية العراقية ، وهو من رد على رسالة صدام : بالسلام على من اتبع الهدى ... وهو من أعلن أن شط العرب سيبقى خليجاً فارسياً ...! فكانت النتيجة أن جرعهم صدام كأس السم يشربونه حتى الموت ... وكأس الهزيمة حتى الإعتراف بها أمام العالمين ..!فهل لنا تاريخياً أن ننسف هذا النصر الوحيد في عصرنا الحاضر ، لأن صداماً هو الذي قاد العراق إلى تحقيقه ...؟!فهل سألنا أنفسنا سؤالاً عن وضع السنة فيما لو أن المجوس كسروا حاجز العراق ... الذي فيه من فيه من الموالين لإيران ..؟!لماذا ننسى كل هذا ... وبين أيدينا كتاب : ' وجاء دور المجوس ' ؟فمن الذي رد الله به دورهم ونقض به غزلهم ...؟!أنا لا أشهد هنا بنية ، فالنية إلى الله تعالى ... لكنني أتحدث عن حقيقة تاريخية ... حقيقة تعنينا نحن ، ووالله لو كان ذلك قائداً يابانياً أو أجنبياً لشكرناه على هذا الإنجاز ، ولم تنسه له الأجيال .. ! فما بالنا لا نذكرها للرجل ... مجرد ذكر ...؟! بل ما بالنا نعدها من كوارثه على الأمة ..؟!وما هو الحل الآخر عند هؤلاء ... هل كان الخير للأمة أن يفتح بوابات بغداد ، ويسلم مفاتيح المراقد كما سلم الخميني مفاتيح الجنة لأصحابه إذا ماتوا في القتال ...؟!وعلى هذا المنهج سار الناس في التعامل مع إنجازات صدام ...!قالوا : الأمة محتاجة إلى العلماء ... ها هو صدام يحتضن جيلاً فذاً من العلماء ... لكنهم لا قيمة لهم ولايذكرون ، لأن صداماً هو من أخرجهم ...!الأمة محتاجة إلى الإكتفاء الذاتي ... ها هو العراق يحقق أعظم اكتفاء ذاتي في مختلف ميادين الصناعات ، وقطع الغيار رغم الحصار .. لكنه لا قيمة له ، لأن تم في عهد صدام !الأمة محتاجة إلى أن تستغني برغيفها على الأقل : ها هي الزراعة العراقية تتضاعف مرات ومرات في العقد الأخير ... نعم ؛ ذلك صحيح ، لكنه لا قيمة له ..! لأن صدام هو السبب فيه ..! الأمة محتاجة إلى التناصر ... وها هو العراق ينصر سوريا ضد إسرائيل ، وينصر مصر ضد إسرائيل عام 1973م ، وينصر السودان ضد قرنق ، وينصر اليمن كي تتوحد ... وهذه النصرة لا قيمة لها ، لأنها على يد صدام ...!تريدون تغييرات منهجية ... ها هو صدام يغير مناهج مدارس كما ذكرت المفكرة ، وذلك مردود لنفس السبب !تريدون تغيير إقتصاد إسلامي .. ها هو صدام يغير فعلياً بنكاً واحداً ،ويبتدئ بتغيير جميع البنوك من خلال تلك اللجنة من العلماء الشرعيين ...تريدون تغييراً سياسياً ... ها هو صدام يعلن عن تغيير الدستور ... وأنا أحلف بالله أنني سمعته يذكر أنه يعلن طموحه إلى تحقيق نظام الحكم إلى نظام على نهج الخلافة الراشدة .. وقالها في لقائين ..
    ومع كل هذه التغييرات ، وهذا الطموح نحو التغيير السياسي مع الإبتداء الفعلي في تطبيق بعض الحدود .. ورغم كل هذا وغير هذا ، فهذا غير مقبول لأن من قام به هو : صدام !ثم يعتب الشيخ على المفكرة أنها تقارن أفعال صدام في العقد الأخير بأفعال الحاكمين الآخرين .. ويلجأ الشيخ إلى مقارنته بالأسد ... إن صدام لم يكن كالأسد حتى ما قبل التسعينات ، فكيف يكون مثله بعدما ذكرنا من تغييرات شمولية منهجية ...؟!ولا أدري ما الضير في أن تقارن المفكرة ما بين صدام وبين الحكام العرب ؟
    ويؤسفني أن أقول للمفكرة : لقد فشلت معكم قاعدة [ وبضدها تتميز الأشياء ] لأن طرفها كان صدام ..!!!وفي مقابل كل هذه الأعمال الكبرى على أرض الواقع بأننا قد اعتدنا من كثير من إخواننا الإسلاميين الموعظة العامة والأفكار الجميلة التي دون تطبيقها على أرض الواقع العجز والإستسلام .. ومن هذا الباب ما ختم الشيخ به رسالته حين قال : 'وهذا هو الوقت المناسب لتوحيد جهود أهل العراق ...على المنهج الذي كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحبه الكرام ...' فهل بالإمكان اليوم توحيد جهود الإسلاميين ، فضلاً عن توحيد جهود أهل العراق ...؟وهل يمكن أن يكون هذا التوحيد تحت راية الكتاب والسنة ، وفي أهل العراق من فيهم من أعداء الكتاب والسنة ...؟ نعم ؛ إنها نصيحة جميلة ... ولكن الواقع شيء وهذه النصيحة شيء آخر ...؟ولو تغيرت البلاد بمثل هذه النصائح المثالية العامة المجردة عن الآلية لما احتجنا أكثر من قراءة القرآن على كل صعب وصلب وعسير .. [ ولو أن قرآناً سيرت به الجبال أو قطعت به الأرض أوكلم به الموتى ].وأخيراً ؛ فلنتفق على أن صداماً كان شراً وكان جباراً .. وكان وكان ... ولكنني لا أدري هل رأت عين الشيخ أو عيونه ... الفارق ما بين العراق قبل ذهاب صدام بشهر وبينه اليوم ؟ وهل رأت عينه جموع الشرك وهي تزحف بالملايين على بطونها متجهة صوب مقاماتها وكعبتها ، وهي لا تدري بأي الإثنين ... بعودة الشرك أم بزوال صدام ...؟!والله . لو كان ثمة حارساً مشركاً يمنع من هذا الشرك ، لإستأجرناه وشكرناه وبكيناه حين فقدناه ! فكيف وهو الذي يفاخر بإسلامه ويعلن حبه للقرآن والسنة والصحابة .. ويجعل عقوبة لمن يسب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ..؟!وهل رأت عيون الشيخ الحشيشة وهي تباع في شوارع بغداد ، والخمرة وهي تباع على الأرصفة ... والمشركين يتقلبون في البلاد ، بعدما كان العراق أطهر بلد في الخليج وفي بلاد العرب ـ فيما أعلم ـ من الكافرين .. وهل يرى أسراً سنية عزيزة قد أهينت في الجنوب وهي تنتظر دورها .. أو دورطفل لها موعود بالخطف في كل لحظة من اللحظات!من الذي حال دون علو الرافضة وعلو المنكرات ... من أيها الشيخ ..؟!أيها الشيخ : لو تركنا النوايا لقلنا بمليء الفم أن من حق العرب اليوم أن يفخروا برجل عرض عليه البقاء على قيد الحياة هو وأسرته ومن يختاره معه في أي مكان يختار من رؤساء العرب ، بل من بوش وطاقمه ... فأبى ..!ولو سلمها بغير دم ، فلن يرحل العدو إلى الأبد ...!ومن حق العرب أن يفخروا برجل كان يستطيع أكثر من ذلك بسهولة ... كان يستطيع أن يبقى في الحكم لو رفرف العلم الإسرائيلي ، وسمح للشركات الإسرائيلية بالإستثمار في بلده ، وأوصل النفط إلى حيفا .... لكنه لم يفعل .. ولو فعلها ، فمن يقدر على الإعتراض عليه ... ولو فعلها لأصبح رئيس الحنكة السياسية ، ولأصبحت تلك أعظم الإنجازات في حياته ؟!من حق العرب أن يفخروا برجل ، خانه أقرب الناس إليه ، وسقط عن كرسيه ، ثم عاد ليقاتل ، ليجدد من لا يزال العرب يفتخرون به ، أحاول ملكاً أو أموت فأعذرا ... لكن صدام ومنذ خطابه بمناسبة تحرير الفاو 2001 وهو يعلن تصميمه على الشهادة وها هو يعلنها اليوم دون تسليم نفسه ، في وقت أنت أعرف الناس بنوعية الآخرين .. هذا وهو على مشارف السبعين من عمره ! كم خرجت التهم من هواة الإتهام بأن صداماً كان عميلاً في دخول الكويت ، فتبين أن الكويت شاركت أمريكا في نصب هذا الفخ للمنتصر على إيران فدخل الفخ من باب التهور والتهييج ..!وبأن صداماً كان عميلاً في سقوط بغداد ، وأنه خرج في صفقة ... وأنه باع البلاد ... وأشاعت أمريكا هذا الأمر ، وأكدته بطريقة خبيثة ، حينما عرضت مكافأة هزيلة لمن يقبض عليه مقدارها 200 ألف دولار فقط ! وطار بهذه الإشارة أناساً فرحاً بدليل على المؤامرة !وتمر الأيام ... فإذا بها تخصص فرقاً للقبض عليه ، وتضاعف المبلغ إلى 25 مليون دولار ! وها هو اليوم يقاتل بشهادة الجميع ومنهم إخواننا !ولو أنه عاد ثانية بعد اليوم إلى الحكم رغماً عن أمريكا وعلى أنقاضها ... لقالوا : هذا هو عنوان الصفقة وموضوعها وثمرتها ! فمع من كان عميلاً إذا ما كان الطرف الخاسر هو أمريكا ذاتها ؟!إنها قضية لن تنتهي أبداً ... وأنا أعلم يقيناً بأن التهمة جاهزة لي على هذه الشهادة الغريبة ..! وهذه والله لا تهمني ... فأنا والله لا أشهد له شهادة قلب ولا شهادة إمامة ، ومعاذ الله أن أشهد لبطانته ... وإنما هي دعوة لاستخدام العقل ... واحترام من يستخدم عقله ، وعدم هدر دماء من يحمل لواء شرف في أي ميدان كان ولو خالفناه ..! حاربوه لأجل ثلاثة أمور ، فكذبوا فيها جميعاً ن أما هو فقد صدق ...!! صدق في قضية أسلحة الدمار الشامل ، صدق في قضية العلاقات مع القاعدة ، وصدق في قضية الأسرى ... وأنا أخبرك شخصياً بأننا والله نعرف من كان يرافق باص للأسرى الكويتيين المرحلين من الكويت إلى العراق أثناء الإنسحاب في سيارة عسكرية ... فيقول ـ وهو رجل فاضل وصادق ـ : بأن الطائرات الأمريكية جاءت وقصفت الباص حتى تفحم بمن فيه ، ويبدو هكذا صنعوا مع بقية الباصات الأخرى . بالله عليك أيها الشيخ : إذا لم تكن تسمع إذاعة القرآن الكريم في بغداد ، ولم تكن ترى تلفزيون العراق ، ولم تكن تسمع أخبارهم وقرارات الرئيس من مصادرهم ، ولم تسمع خطاباته ولقاءاته ، ولم تكن تعلم ماذا يصدق ذلك في الساحة العراقية من أعمال ، بل ولا في المسجد العراقي من ثمرات ، ولم يكن عندك خبر صحيح موثق عن المسار الحقيقي للحملة الإيمانية الكبرى ، ولا عن مسار الدعوة السلفية .. وكان كل ما عندك أخبار قديمة ، ورؤى صخرية لا تقبل الخطأ ولا النقض ، مع تضخيمات أخرى ممن حولك مثيرة جداً لأخبار الإعتقالات والقتل التضييق والتشريد ... فبأي حق تتحدث ، وبأي حق ترد شهادة من شهد الحق [ ها أنتم هؤلاء حاججتم فيما لكم به علم فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم ]أيها الشيخ المكرم : إن كثرة خوض السياسي الإسلامي في التحليلات السياسية من منظور إسلامي ، لا تمنحه حقاً مطلقاً في الحديث عما يعلم وما لا يعلم ... وإن إصابة الرجل في كثير من التحليلات لا تعني العصمة في كل تحليل ، وإن كثرة المعجبين لا تقتضي وجوب التسليم من الآخرين بمجرد ذكر الإسم والعنوان من غير دليل ...إلى متى ونحن نتصيد ، ونترصد ، ونتلمس ، ونتحسس ، و .. و ... عبارات ، أو مواقف تحتمل ألف معنى ومعنى ... فنقتنعها ونعرفها للناس كأنها الدليل القاطع على خيانة الرجل ... بينما التصريحات القاطعة قبل الحرب بسنين وبعدها على أن صدام هو الرجل الأخطر على دولة إسرائيل وعلى أمريكا وعلى الأمن ... ثم بعدما أسقطوه ، قال بكل صراحة : إن هذا السلام مع إسرائيل ما كان ليتحقق لولا سقوط صدام ...! يقول هذا رموزهم جميعاً ، ويقولونه في كونغرسهم وخطاباتهم التي يحاسبون عليها ، فنترك كل هذا كأننا لا نسمع ... ونركز على تلك الإحتمالات ... فإلى متى ...؟ وإلى متى أيها الشيخ .....؟! أيها الشيخ : أليس من حق البعض أن يتساءل فيقول : لماذا كل هذا الرد المعلن في مجلة السنة النقية في هذا الظرف..؟!وهو ذات السؤال السابق : لماذا شاعت موجة ذكر معايب صدام قبل ابتداء الحرب ؟!هل تريد ـ أيها الشيخ ـ أن تقول لأتباعك لمن يتأثروا بقولك في الداخل : ساعدوا الأمريكان في القبض عليه ..؟!أم تريد أن تقول للمجاهدين لا تثقوا به ولا تقبلوا توبته ... وإن تاب حقيقة ...!!الجواب الأكيد : أنه لا هذا ولا هذا .... ولكن السؤال يبقى : هل لها من ثمرة عملية إلا هذا ...؟!ثم ألا يمكن تأجيل هذا الهجوم لغير هذه الفترة الحرجة ...؟!ألا تفضل حكم صدام ـ رغم كل ما تذكره عنه ـ على حكم الأمريكان ؟ أو تفضله على حكم الرافضة ؟ بعدما أصبح حكم السنة للبلاد بعيد المنال ـ فيما يبدو للعيان ـ؟!أيها الشيخ : لا مجال والله للمقارنة أبداً .فكيف والأمل ـ بالله ـ قبل اليوم يشير إلى أن وضع الرجل كان في خير متصاعد ... كيف وقد رأى خيانة أساطين البعث المتبقين له في أحرج اللحظات ...؟!كيف ولو جاء اليوم أي حاكم سني لثار الشيعة ... وثارت إيران ...؟!إلا هذا الرجل ـ ربما ـ ...! فإنهم ـ وإن ثاروا ـ فإنهم أعرف الناس به وهو أعرف الناس بتأديبهم ...!إنها معادلات ، وأبعاد ... فمن يحسن استثمارها لمصلحة الإسلام لا لمصلحة صدام ولا فلان وعلان ....أم أنه يكفي لنسف كل المكاسب الممكنة مادام صدام في الكفة المقابلة ، حتى لو كان فيها علو للصليبيين واليهود ، وسخرة السنة للرافضة في الجنوب ، وانتشار الردة والأفيون وغير ذلك وكثير .... فهل هذا يتوافق مع ميزان المصالح الشرعية ....؟!إن في قصة الملكة بلقيس [ عابدة الشمس ] أمل ودليل ، مع أنها لم تظهر أي دليل مسبق على الإقبال إلا بالتحايل على نبي الله سليمان 'بهدية' . وإن في قصة اختيار النبي صلى الله عليه وسلم النجاشي ، لإيجابية واحدة واستثماره صلى الله عليه وسلم لها تثقل كاهل الإسلاميين اليوم بسبب هجرانهم صداماً طوال السنين العشر الأخيرة ... وأرجو أن لا تثقل كواهلهم يوم القيامة وهم المؤتمنون على الأمة .. حين أخذوا بأمورٍ أكثرها ظنوناً ، وبنوا عليها أكبر قطيعة لأعظم نصيحة ، حتى انقضت اللعبة اليهودية بتدمير ما يريدون ، وإزاحة من يعادون ، وإبقاء من يستعبدون ، وأغلب الإسلاميين في أوهامهم يتخبطون ... فلقد ترك الإسلاميون صداماً يتحوطه رجال منهم قليلو العلم أو قليلو التقوى ... وأخرون كثيرو النفاق ممن حوله .. ثم يأتي من يعتب ويقول : ' أما وجد صدام أناساً صالحين يستشيرهم ...؟!كيف يجد صدام ... ومقاييسه في الصلاح هو ما رآه من زهد عزت الدوري وأمثاله ..؟وكيف يجدوا ... أولئك الإسلاميون في هجوم دائم عليه ..؟ حتى قال رمز من رموزهم بعد احتلال العراق ـ وذلك لشدة حقده وجهله ـ : ' الآن سمع صوت الأذان في العراق ...! وما علم أن عدد السلفيين في العراق أصبح في عهد صدام ربما أكثر من شعبه ! كيف يجد ونحن والله نعرف من دعي من العلماء والدعاة للقرب والمشورة ، فلم يوافق وبعد فترة خرجوا من العراق أو رفضوا العودة إليها حين دعاهم ! أما من يقترن ويشير ويناصح ، فهو في عين الجميع قد أصبح منافقا ًمعلوم النفاق ، حتى وإن كان في بعض مواقفه صادقاً ناصحاً ، وأتى بإنجازات كبرى للإسلام ..!إنها قصة مختومة بخاتم الأسى والحسرة اسمها (صدام.. الفرصة الضائعة )

    هذه الرسالة وصلتنا من أحد طلاب العلم العراقيين

    الرابطة العراقية
     

مشاركة هذه الصفحة