الدور السياسي للإفتاء وحجاب فرنسا

الكاتب : الصقر الجارح   المشاهدات : 438   الردود : 0    ‏2004-01-13
      مشاركة رقم : 1    ‏2004-01-13
  1. الصقر الجارح

    الصقر الجارح قلم فضي

    التسجيل :
    ‏2003-04-18
    المشاركات:
    2,647
    الإعجاب :
    1
    كتب
    محمد جمال عرفة**


    شيخ الأزهر خلال لقائه وساركوزي بحضور وسائل الإعلام - أ ف ب

    أثارت فتوى الدكتور سيد طنطاوي شيخ الجامع الأزهر بشأن الحجاب في فرنسا ضمن ما أثارت من ردود أفعال.. الحديث عن الدور السياسي للإفتاء في مصر والعالم الإسلامي عموما؛ حيث ارتبطت مؤسسة الأزهر منذ صدور قانون تطوير الأزهر 103 لعام 1961 بمؤسسة الحكم بشكل وثيق من خلال تعيين رئيس الجمهورية لشيخ الأزهر ومفتي الجمهورية منذ ذلك الحين، بعد أن كان يجري انتخابه من بين هيئة كبار العلماء (التي ألغيت).

    وساعد على الربط بين الإفتاء والسياسة في مصر صدور عدة مواقف من عدد من شيوخ الأزهر السابقين ومفتين تواكب سياسة الدولة المصرية؛ مثل الترحيب بمعاهدة السلام مع إسرائيل عام 1979، وتحليل فوائد البنوك وغيرها؛ لحد أن الشيخ طنطاوي أكد في أحاديث صحفية إبان أزمة استقباله السفير الإسرائيلي السابق في مصر تيسفي مزائيل عام 1997 أنه اتصل بالحكومة المصرية ليسأل: هل يستقبل السفير الإسرائيلي الذي طلب لقاءه أم لا؟

    كما ساعد على طرح هذا الدور السياسي للإفتاء أكثر أن آراء علماء هذه المؤسسة العريقة -سواء كان مفتي مصر، أو شيخ الأزهر، أو بيانات مجمع البحوث الإسلامية- بدأت تلعب دورا في حسم العديد من المواقف تجاه أحداث داخلية وعالمية كثيرة؛ مثل القضية الفلسطينية والموقف من العمليات الاستشهادية، وقضية احتلال العراق، والموقف من مجلس الحكم الذين عينه الاحتلال، فضلا عن قضايا الحجاب في دول أوربا وغيرها.

    وقد سعى د.طنطاوي مؤخرا (ترتيب شيخ الأزهر في مراسم بروتوكول الدولة المصرية في منزلة نائب رئيس الوزراء) للخروج من هذه الدائرة عبر فكرة قصر الإفتاء على الداخل المصري، بعدما تسببت الكثير من فتاوى لجنة الإفتاء بالأزهر ومجمع البحوث الإسلامية في مشاكل للشيخ طنطاوي نفسه مع الحكومة المصرية التي اتهمتها دول خارجية مثل أمريكا بتحريض الأزهر ضدها؛ كونه مؤسسة رسمية تابعة للسلطة السياسية.

    ولكن لأن هناك علاقة تاريخية وعضوية قوية بين الإفتاء والسياسية أو الأزهر والسياسة؛ فلم يفلح الشيخ نفسه في التخلص منها، واضطر إلى التدخل في قضية حجاب مسلمات فرنسا والإدلاء برأي أغضب علماء الأزهر، رغم أنه سبق أن أكد منذ أيام قليلة أن الإفتاء مقصور على الداخل، وأنه لا يجوز لعلماء الأزهر الإفتاء في الشأن العراقي!

    بعبارة أخرى: أصبح هناك لبس في مواقف الشيخ الذي طرد رئيسين للجنة الفتوى بالأزهر من منصبيهما (الشيخ نبوي العش، والشيخ علي أبو الحسن)؛ لأنهما أصدرا فتوى في شأن الغزو والاحتلال الأمريكي للعراق يحرضان فيها على الجهاد، وقال: إن شئون العراق يفتي فيها علماء العراق لا مصر؛ لأنهم أدرى بشعاب مكة، ثم سمح لنفسه هو بالإفتاء في شأن خارجي؛ هو الحجاب في فرنسا، وجاء موقفه متوافقا مع رأي السلطة في مصر من نفس القضية!

    - ففي شهر فبراير 2003، وقبل احتلال القوات الأمريكية للعراق صرح الشيخ "علي أبو الحسن" رئيس لجنة الفتوى بالأزهر حينئذ بفتوى يؤكد فيها "وجوب قتال القوات الأمريكية إذا دخلت العراق، وأن دماء الجنود الأمريكيين والبريطانيين تعد في هذه الحالة حلالا، كما أن قتلى المسلمين يعدون شهداء".

    وقد أشيع وقتها أن أمريكا احتجت على هذه الفتاوى؛ لأنها تحرض ضدها؛ فتمت إقالة الشيخ أبو الحسن وتعيين غيره.

    والحقيقة أن شيخ الأزهر الدكتور محمد سيد طنطاوي سبق أن أصدر عدة تصريحات تدور حول رفض هذا العدوان، معتبرا أن مقاومة العدوان واجب شرعي، ولكن إقالته لرئيس لجنة الفتوى عقب تصريحاته ضد الحرب أثارت السؤال عن حقيقة الأمر، وهل هو مجرد إجراء إداري لا علاقة له بتصريحات الشيخ أبو الحسن عن الحرب، أم أن هناك أسبابا سياسية وراء الإقالة؟

    - وفي العاشر من مارس 2003 أصدر مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر الشريف بيانًا يحض فيه جميع المسلمين على الجهاد ضد القوات الأمريكية الغازية إذا بدأت في حربها ضد العراق، ويعتبر هذه الحرب "صليبية"، ومع أن شيخ الأزهر لم يوقع على البيان رسميا، كما أن المجمع هو المنوط به الإفتاء في المسائل السياسية؛ فقد توالت الضغوط من السفارة الأمريكية ومن كنائس غربية بشكل دفع شيخ الأزهر للتراجع جزئيا عن البيان، ورفض وصف حرب العراق بأنها "حرب صليبية".

    ثم تكشف أن الإدارة الأمريكية هي التي احتجت على وصف بيان مجمع البحوث الإسلامية حربها الحالية على العراق بأنها "صليبية"، وأنها تدخلت بقوة لوقف ما اعتبرته "تحريضا دينيا" ضدها!

    وأثار البيان انتقادات واسعة في الخارجية الأمريكية، قامت على إثرها بإعداد تقرير عاجل إلى البيت الأبيض، وصفت فيه الأزهر بأنه إحدى أعلى المؤسسات الدينية في العالم العربي، وأن آراء الأزهر الدينية تكون محل احترام وتقدير.. ليس من المسلمين العرب فحسب ولكن من كل مسلمي العالم.

    وجاء في تقرير الخارجية الأمريكية أن "الأزهر بصفته مؤسسة دينية مصرية كان من المفترض ألا يشجع على الإرهاب ضد القوات الأمريكية؛ فهذه المؤسسة الدينية المصرية تجاهلت الفظائع والأهوال غير الإنسانية التي ارتكبها الرئيس العراقي في حق شعبه، كما أنه -أي الأزهر- لم يصدر أي إدانة للرئيس العراقي في مجال أسلحة الدمار الشامل التي يمتلكها".

    ودعا التقرير الذي أعده "ريتشارد سكوتي" -أحد مستشاري الخارجية الأمريكية- الإدارة الأمريكية بأن تتدخل بحسم لدى الحكومة المصرية حتى يصدر الأزهر بيانا آخر يعتذر فيه عن مثل هذا البيان الإرهابي، "وإلا فإن الأزهر يجب أن يكون على قائمة المؤسسات الإرهابية التي تجب محاربتها"!

    - وفي نهاية أغسطس 2003 صدر قرار للشيخ سيد طنطاوي شيخ الأزهر بإيقاف الشيخ "نبوي محمد العش" رئيس لجنة الفتوى عن الإفتاء وإحالته للتحقيق؛ لأنه أفتى بعدم شرعية مجلس الحكم الانتقالي العراقي وحرم التعامل معه، وأكد شيخ الأزهر أن الفتوى التي صدرت (ممهورة بشعار خاتم الجمهورية المصري وشعار الأزهر) لا تعبر عن الأزهر الذي لا يتدخل في السياسة وسياسات الدول (كما قال)!

    وجاءت هذه الضجة عقب لقاء تم بين السفير الأمريكي بالقاهرة وشيخ الأزهر، قيل: إنه تطرق للفتوى الصادرة، وقيل: إن شيخ الأزهر اضطر تحت الضغط الأمريكي للتراجع وإعلان أن الفتوى التي صدرت لا تمثل الأزهر.

    وقد قال الشيخ العش وقتها -لمجلة المصور المصرية 5 سبتمبر 2003-: إنه لو علم أن هذا السؤال (الفتوى التي وجهت له) سيحدث كل هذه الضجة لما أجاب عليه إطلاقا(!) وقال: إن "التعليمات" بعدم التعرض للأمور السياسية (في لجنة الفتوى) كانت بشأن المستقبل، وإن "كلام شيخ الأزهر ماشي على رقبتي"!

    كما أكد الشيخ أبو الوفا أبو عجور وكيل الأزهر أنه صرخ فيه (أي الشيخ العش) عقب فتواه، وقال له: "مالك أنت ومال العراق.. لازم تاخد بالك من حدودك في الفتوى"!

    هل يجوز قصر الإفتاء على مصر؟

    وقد فتح قول الشيخ طنطاوي "إنه ليس من حق لجنة الفتوى الإفتاء بأمور سياسية أو بشئون دول أخرى" باب الجدل مبكرا حول علاقة الأزهر بالسياسة، خصوصا أن هذا الدور لا يعود إلى أزمة العراق أو فلسطين، ولكن يعود إلى تاريخ نشأة الأزهر نفسه قبل أكثر من ألف عام، ودوره السياسي المتعارف عليه، ودوره في طرد الاحتلال الفرنسي والإنجليزي من مصر.

    إذ قال شيخ الأزهر في قضية احتلال العراق: إن الإفتاء مقصور على حدود مصر، وإنه "ليس من حق أي عالم مصري أن يتحدث في شأن أي دولة"؛ وإنه هو شيخ الأزهر لو عرضت عليه مثل هذه الفتوى (عن العراق) لأحالها لعلماء العراق.

    وقد ربط محللون سياسيون بين فتوى طنطاوي بعدم الإفتاء في شئون العراق والعلاقة بين الإفتاء والسياسة في مصر، وقالوا: إنه حتى عندما رفض شيخ الأزهر الإفتاء في الشأن العراقي كان يخدم السياسة الرسمية المصرية(!) من زاوية أنه كان من الواضح أن هناك تراجعا في الموقف المصري عموما -في ظل الضغوط الأمريكية المكثفة على مصر والدول العربية- للاعتراف بمجلس الحكم العراقي؛ وهو ما تم لاحقا، وجرى استقبال أعضائه رسميا!

    بل إن هناك من يعتبر إصرار الشيخ طنطاوي على رفض تغيير رأيه في شأن الحجاب في فرنسا جاء في أعقاب تأييد الرئيس المصري حسني مبارك -في حوار مع الإذاعة المصرية بمناسبة العام الجديد 2004- لفتوى حق فرنسا في إصدار ما تراه من تشريعات وعدم التدخل في شئونها؛ على اعتبار أن هذا يعضد بدوره مطالب مصر بعدم تدخل واشنطن أو أوربا في التشريعات المصرية (التدخلات الغربية في قضية الشواذ المصريين ومحاكمتهم، وقضية سعد الدين إبراهيم).

    طنطاوي.. موقف سياسي لا فتوى!

    والمشكلة -كما يقول المستشار طارق البشري نائب رئيس مجلس الدولة المصري- أنه "لا يمكن الفصل بين الإفتاء والواقع الذي قد يكون سياسيا أو اقتصاديا أو اجتماعيا"؛ حتى إن شيخ الأزهر نفسه لم يقل فتوى لوزير الداخلية الفرنسي، ولكنه "اتخذ موقفا سياسيا فقط"، وقال: إنه يحق لفرنسا فرض ما تشاء من نظم قانونية!

    وفي طرح الواقع بمشاكله على الجانب الشرعي يظهر دور الإفتاء في إصدار الأحكام النصية وإسقاطها على الواقع المتطور بطبعه.

    ولا ينفي المستشار البشري أن "الإفتاء يُستغل أحيانا في تبرير أمور سياسية"؛ لأنه لا يوجد في الإسلام شخص بعينه يملك حق إصدار قرار ديني، ولكن هناك شخصا يقول رأيه وفقا لاجتهاده.. ولكن غالبا يسود الرأي الصواب في النهاية".

    أما قضية قصر الإفتاء على الداخل فقط فهي ترتبط بظروف الواقع نفسه في كل زمان ومكان وعصر؛ حيث قد يتغير الواقع من مكان لآخر، أو من زمان لزمان، وهنا يأتي الاجتهاد.

    وربما لهذا يشدد الدكتور محمد سليم العوا -المفكر الإسلامي- على مسألة عدم الفصل بين ما هو شأن إسلامي داخلي وما هو شأن خارجي؛ على اعتبار عالمية الإسلام، قائلا: "إنه لا يجوز لأي شخص ممن ينتسبون إلى دين الإسلام القول بأن منع المسلمة من ارتداء الحجاب في فرنسا شأن لا يعني أحدا سوى الحكومة الفرنسية"، ويؤكد أن "القضية المطروحة للمناقشة مسألة فقهية واضحة لا تحتمل اختلافا في الاجتهاد؛ فلا يجوز لمن حمله علمه ورضا إخوانه عنه أن يصنع مثلما فعلوا في مؤتمر وزير الداخلية الفرنسي.. غفر الله لهم"!

    وهو نفس ما يقول به الدكتور عبد المعطي بيومي عميد كلية أصول الدين السابق الذي يرفض اعتبار قضية الحجاب في فرنسا شأنا داخليا، ويرفض مقولة "قصر رسالة الأزهر على الشأن المصري".

    والقضية بالتالي في رأي هؤلاء المفكرين والعلماء أنه ليس هناك فصل بين الداخل والخارج فيما يخص شئون الإسلام والإفتاء؛ حتى لو كان الأمر المطلوب الإفتاء فيه شأنا سياسيا؛ لأن الإسلام دين ودولة، ولا يعرف الفصل بين الإفتاء والواقع، سواء كان اجتماعيا أم سياسيا أم اقتصاديا.

    وقد ألمح لأهمية هذه العلاقة (بين الأزهر والسياسة) وصعوبة الفصل بين الإفتاء والسياسة عموما د‏.‏مصطفى الفقي رئيس لجنة العلاقات الخارجية بالبرلمان المصري في مقال كتبه خصيصا يوم 7 أكتوبر 2003 إبان أزمة فتوى الأزهر بشأن مجلس الحكم العراقي، وبعدما فوجئ بمقوله شيخ الأزهر عن قصر الإفتاء على الشأن المصري الداخلي.

    حيث شدد د.الفقي على أنه لا يتفهم ما جاء في سياق تبرير التراجع عن فتوى تحريم الاعتراف بمجلس الحكم الانتقالي من أن ذلك شأن عراقي لا علاقة لغيره به؛ لأن "هذا يخالف روح الإسلام الأممي الذي يرى الأمة من منظور متكامل، ولا يفرق بين شعوبها وفقا للجنسيات أو الحكومات أو حتى الأوطان؛ فما يجري في العراق شأن دولي عام، ومشكلة إقليمية حادة، وهم إسلامي يحمله الأزهر مثلما يحمله المسلمون في كل مكان".

    أزمة الحجاب الأخيرة قد تكون بالتالي مؤشرا مهما على أهمية الدور السياسي للإفتاء في إقرار سياسات داخلية وخارجية؛ بدليل سعي فرنسا لإيفاد وزير داخليتها لاستطلاع رأي الأزهر قبل إصدار قانون تقنين الحجاب في المدارس الفرنسية، وسعي واشنطن لتكميم أفواه المؤسسات الإسلامية عن نقد الدور الذي تلعبه في العراق.

    وتبقى القضية الأخطر في حفاظ مؤسسات الإفتاء الإسلامي على تماسك ووحدة موقفها وعدم الظهور بمظهر الضعيف المنقسم؛ إذ إن أحد أكثر الأسلحة التي لعبت بها فرنسا في أزمة الحجاب الأخيرة كانت انقسام علماء الأزهر والمسلمين على أنفسهم بين مؤيد ومعارض للقانون الفرنسي، وكل طرف يستند في حجته على فتوى واجتهاد مختلف!
     

مشاركة هذه الصفحة