مفهوم "الكلب" في الاسلام

الكاتب : kaser119   المشاهدات : 847   الردود : 0    ‏2004-01-12
      مشاركة رقم : 1    ‏2004-01-12
  1. kaser119

    kaser119 عضو متميّز

    التسجيل :
    ‏2003-12-22
    المشاركات:
    1,696
    الإعجاب :
    0
    بقلم: الشيخ جواد عبد المحسن
    من كتاب له بعنوان «حديث رمضان »

    قال تعالى ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنْ الْغَاوِينَ . وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أو تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصْ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ . سَاءَ مَثَلا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَأَنفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ﴾.
    سبب النزول: نزلت هذه الآيات فيما يرويه عبد الله بن عمرو بن العاص وزيد بن اسلم في أمية بن أبي الصلت وكان قد قرأ الكتب وعلم ان الله مرسل رسولا في ذلك الوقت وتمنى أن يكون هو ذلك الرسول فلما أرسل الله محمدا صلى الله عليه وسلم حسده وكفر به بعد أن قرأ عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم سورة (يس) حتى اذا فرغ منها وثب امية يجر رجليه فتبعته قريش تقول ما تقول يا أمية فقال: أشهد أنه على حق قالوا: فهل نتبعه قال: حتى أنظر في أمره فخرج الى الشام. وبعد ان مات اتت اخته الفارعة الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألها عن وفاته فذكرت أنه أنشد عند موته:-
    كل عيشٍ وإن تطاول دهرا == صائر مرةً الى ان يـــزولا
    ليتني كنت قبل ما قد بدا لي == في قلال الجبال ارعىالوعـولا
    ان يوم الحسـاب يوم عظيم == شاب فيه الصغير يومـاً ثقيلا
    ثم قال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنشديني من شعر أخيك فأنشدته:-
    لك الحمد والنعماء والفضل ربنا == ولا شيء اعلى منك جداً وأمجدِ
    مليك على عرش السماء مهيمن == لعزته تعنوا الوجوه وتســـجد
    فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ان اخاك آمن شعره وكفر قلبه.
    وقال سعيد بن المسيب نزلت في ابي عامر بن صيفي وكان يلبس المسوح في الجاهلية فكفر بالنبي وذلك انه دخل على النبي في المدينة فقال: يا محمد ما هذا الذي جئت به قال رسول الله صلى الله عليه وسلم جئت بالحنيفية دين ابراهيم قال: فإني عليها فقال النبي لست عليها لانك ادخلت فيها ما ليس منها فقال أبو عامر: أمات الله الكاذب منا طريداً وحيدا فقال النبي نعم امات الله الكاذب منا كذلك, فخرج الى الشام فمات كما وصف طريداً وحيداً.

    تفسير الآية:-
    1. ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا﴾
    يعني ان الحديث ليس عن أحمق بل هو حديث عن رجل آتاه الله العلم فتعلم وعلمه الحجج فحاجج به العلماء وفهم الادلة حتى صار عالماً يسأله غيره ويسافر اليه ويطلب العلم منه، فهو بحر في علمه بل يكفيك ان تقول أن هذا الرأي لفلان أو قال به فلان فتحتجّ برأيه وقوله. فهذا خبره وخبر كل من كان على شاكلته فهو حجة على نفسه لعلمه ولفهمه.

    2. ﴿فَانسَلَخَ مِنْهَا﴾
    يعني بعد فهمه بدل ان تزيده تمسكاً والتصاقاً بها لعلمه بأنها آيات الله الخالق ويقينه بصحتها ولكنه انسلخ منها انسلاخ الجلد من الشاة, وحقيقتة كشط الجلد وإزالته بالكلية عن المسلوخ عنه, بل يقال لكل شيْ فارق شيئاً على أتم وجه انسلخ منه,
    فالعلم المتحصل للعالم لاينزع منه وإلا كان التعبير فانسلخت منه ولكن آيات الله باقية بدلائل صحتها ولكنه انسلخ منها بأن كفر بها كالحية تبقي جلدها وتنسلخ منه. وهذا بعمله هذا بعد أن فهم آيات الله لابد ان يصل الى نتيجة بعد الفعل وهذه هي النتيجة, ولاحظ فاء الترتيب والتعقيب.

    3. ﴿فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ﴾
    أي لحقه وأدركه الشيطان وبعد ان لم يكن يستطيع إدراكه, يقال اتبعت القوم اذ سبقوك فلحقتهم قكان المعنى ان هذا الذي آتاه الله آياته فانسلخ منها كان بفعله هذا اسبق من الشيطان في الضلال والهوى والشيطان يتبعه وهو للشيطان إمام وليس ابلغ من هذا الذم ذم.....ونظيره قول الشاعر:-
    وكنت امرىء من جند ابليس فارتقى == بي الدهر حتى صار ابليس من جندي
    فإن مات قبلي كنت احسن بعــده == طرائق فسق ليس يحسنها بعدي

    ﴿فَكَانَ مِنْ الْغَاوِينَ﴾: فصار إماماً ورأساً للضلال والكفر بعد ان كان إماماً في الهداية.

    4. ﴿وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ﴾:
    اي اقام ظناً أنه خالد فيها فبعد إعراضه عن التمسك بما آتاه الله من الآيات انسلخ منها واتبع الهوى فلا جرم انه وقع في هاوية الردى بل صار يدعو بدعوة الشياطين لحلاوة الدنيا على لسانه وركونه لها لما صار فيه من موقع مرموق بين الشياطين يخاف ان يفقده, نفهمه من معنى الاخلاد هو اللزم للمكان لما فيه من موافقة الاهواء والرغبات واشباع الجوعات وخصوصاً جوعة الحكم.
    فمن كان هذا حاله صار في درجة الكلب, فكل من كانت نعم الله في حقه اكثر واعرض عن متابعة الهدى واقبل على مجاراة الهوى كان بعده من الله اعظم, وإليه الاشارة بقول الرسول صلى الله عليه وسلم « من ازداد علماً ولم يزدد هدى لم يزدد من الله إلا بعدا » أو لفظ هذا معناه.

    5. ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ﴾
    وفيه مباحث:-
    أ. قال الليث: اللهث: هو أن الكلب إذا ناله الاعياء عند شدة العدو وعند شدة الحر يندلع لسانه. وهذا التمثيل ما وقع بكل الكلاب وإنما بالكلب اللاهث.
    فإن أخسّ الحيوانات الكلب وأخسّ الكلاب هو اللاهث منها فكان التمثيل أنه من آتاه الله العلم والدين فمال الى الدنيا وأخلد الى الارض كان مشبهاً بأخس أخس الحيوانات وهذا وصفه.
    ب. أن كل من يلهث فإنما يلهث من إعياء أو عطش إلا الكلب اللاهث فإنه يلهث في الإعياء والعطش وفي الراحة والدعه فكان ذلك طبع فيه وعادة وكذلك من آتاه الله العلم والدين اغناه الله عن التعرض لاوساخ اموال الناس......... ثم يميل الى طلب الدنيا ويلقي نفسه فيها ويبيع دينه بدنيا غيره كانت حاله كحال ذلك الكلب اللاهث حيث واظب على خسيس العمل.
    ج. ان الرجل العالم اذا توسل بعلمه طلب الدنيا وإظهار نفسه بأن يورد عليهم أنواع علومه وفضائل نفسه ومناقبها ويمدحه من هو مثله أو دونه من الشياطين ويغدقون عليه الالقاب والاوسمة والمناصب, فلا شك أنه عند ذكر تلك الكلمات وتقرير تلك العبارات يندلع لسانه ويخرج لإجل ما تمكن في قلبه من حرارة الحرص وشدة العطش الى الفوز في الدنيا فكانت حاله شبيهة بحال ذلك الكلب اللاهث.
    وفي الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال « العلم علمان علمٌ في القلب وذلك العلم النافع وعلمٌ على السان فذلك حجة الله تعالى على إبن آدم ».

    6. ﴿إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أو تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ﴾
    قال إبن عباس يريد اهل مكة كانوا يتمنون هادياً يهديهم وداعياً يدعوهم الى طاعة الله عز وجل... ثم جاءهم من لا يشكون بصدقه وأمانته.... فجحدوا وصدق الله العظيم ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾((33) الانعام) ).
    فحصل هذا التمثيل بينهم وبين الكلب الذي إن تحمل عليه يلهث وأو تتركه يلهث لإنهم لم يهتدوا لمّا تركوا ولم يهتدوا لما جاءهم الهدى فبقوا على الضلال في كل الاحوال مثل هذا الكلب اللاهث في كل الاحوال.
    وهذا شر تمثيل في أنه قد غلب عليه هواه حتى استحوذ عليه بالكلية وصدق الله العظيم ﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمْ الشَّيْطَانُ﴾ (19 المجادلة) حتى صار لايملك لنفسه ضراً ولا نفعاً فهو مملوك لهواه فهو كلب لاهث حمل عليه أو لم يحمل فهو لا يملك لنفسه ترك اللهثان.

    7. ﴿سَاءَ مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَأَنفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ ﴾
    يقول السيد قطب رحمه الله: فهل هو نبأ يتلى ؟؟ أم أنه مثل يضرب في صورة النبأ لانه يقع كثيراً فهو من هذا الجانب خبر يروى.
    فهو يمثل حال الذين يكذبون بآيات الله بعد أن تبين لهم فيعرفونها ثم لا يستفيدون منها.... وما أكثر ما يتكرر هذا النبأ في حياة البشر.... ما أكثر الذين يعطون علم دين الله ثم لايهدون. إنما يتخذون هذا العلم وسيلة لتحريف الكلم عن مواضعه واتباع الهوى به... هواهم وهوى المتسلطين.
    وكم من عالم دين رأيناه يعلم حقيقة دين الله ثم يزيغ عنها ويعلن غيرها ويستخدم علمه في التحريفات المقصودة والفتاوي المطلوبة للسلطان يحاول أن يثبت بها هذا السلطان المعتدي على سلطان الله وحرماته في الارض جميعا.
    لقد رأينا من هؤلاء من يعلم ويقول: أن التشريع حق من حقوق الله سبحانه... من ادعاه فقد ادعى الالوهيه ومن ادعى الالوهيه فقد كفر ومع ذلك ومع علمه بهذه الحقيقة التي يعلمها من الدين بالضرورة فإنه يدعو للطواغيث اللذين يدّعون حق التشريع ويدّعون الالوهية بإدعاء هذا الحق.
    ولقد رأينا من هؤلاء من يكتب في تحريم الربا كله عاماً ثم يكتب في حله كذلك عاماً آخر... ورأينا منهم من يبارك الفجور وإشاعة الفاحشة بين الناس.
    ولقد رأينا من هؤلاء- والعياذ بالله في زماننا هذا من كان كأنما يحرص كل الحرص على ظلم نفسه, أو كمن يعض بالنواجذ على مكان له في قاع جهنم يخشى أن ينازعه اياه احد المتسابقين معه في الحلبة فهو لا يبرح يقدم في كل صباح ما يثبت به مكانه هذا في جهنم, ولا يبرح يلهث وراء هذا المطمع لهاثاً لاينقطع حتى يفارق هذه الحياة الدنياعلى هذا الحال.
    أفلا يكون هذا العالم, مصداقاً لنبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين ؟... وماذا سيكون هذا العالم إلا أن يكون هذا المسخ الذي يحكيه الله سبحانه وتعالى عن صاحب النبأ ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أو تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ﴾ ولو شاء الله لرفعه بما آتاه من العلم بآياته ولكنه- سبحانه- لم يشأ لأن ذلك الذي علم الآيات اخلد الى الارض واتبع هواه.
    إنه مثل لكل من آتاه الله من علم الله فلم ينتفع بهذا العلم. ولم يستقم على طريق الايمان. وانسلخ من نعمة الله ليصبح تابعاً ذليلا.. وينتهي به المطاف الى المسخ في مرتبة الحيوان,
    وقد أمر الله سبحانه وتعالى رسوله صلى الله عليه وسلم أن يتلوه على قومه الذين كانت تتنزل عليهم آياته. كي لاينسلخوا منها وقد أوتوها. ثم ليبقى من بعده يتلى ليحذر الذين يعلمون من علم الله شيئا أن ينتهوا الى هذه النهاية البائسة وأن يصيروا الى هذا اللهاث الذي لا ينقطع. وأن لا يظلموا انفسهم هذا الظلم الذي لايظلمه عدو لعدو. فإنهم لايظلمون إلا أنفسهم بهذه النهاية المنكرة.
    نعم إنه مثل للعلم الذي لا يعصم صاحبه أن تثقل به شهواته واهواؤه فيخلد الى الارض من ثقلها.
    نعم إن الله قد طلب منا أن نتعلم لنعبده به حين قال ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمْ اللَّهُ﴾(282 البقرة) فالعلم هو لعبادته سبحانه وتعالى,علم بني على اساس العقيدة وهي دافعه الى الحركة لتحقيق مدلولها العملي بالالتزام بالاوامر والنواهي.ويكون هذا العلم ميزاناً للحق تنضبط به عقول الناس ومداركهم وتقاس به وتوزن اتجاهاتهم وحركاتهم فما قبله هذا الميزان صح وقبل وما رفضه هذا الميزان رفض.
    ولا يقبل العلم لاجل العلم بل العلم لاجل غاية محددة هي نيل رضوان الله عز وجل وعبادته كما أمر.

    روى مسلم عن أبي هريرة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول « إن أول الناس يقضى عليه يوم القيامة رجل استشهد فأتي به فعرّفه نعمه فعرفها قال فما عملت فيها قال قاتلت فيك حتى استشهدت قال كذبت ولكنك قاتلت لأن يقال جريء فقد قيل ثم امر به فسحب على وجهه حتىالقي في النار... ورجل تعلم العلم وعلمه وقرأ القرآن فأتي به فعرّفه نعمه فعرفها قال فما عملت فيها...؟؟ قال تعلمت العلم وعلمته وقرأت فيك القرآن قال كذبت ولكنك تعلمت العلم ليقال عالم وقرأت القرآن ليقال هو قاريء فقد قيل ثم أمر به فسحب على وجهه حتى القي في النار... ورجل وسَّع الله عليه فأعطاه من أصناف المال كله فأتي به فعرفه نعمه فعرفها قال فما عملت فيها قال ما تركت من سبيل تحب أن ينفق فيها الا انفقت فيها لك قال كذيت ولكنك فعلت ليقال هو جواد فقد قيل ثم امر به فسحب على وجهه فالقي في النار ».
     

مشاركة هذه الصفحة