التيار الإصلاحي .. والأمن المنهجي

الكاتب : وليد محمد عشال   المشاهدات : 438   الردود : 0    ‏2004-01-11
      مشاركة رقم : 1    ‏2004-01-11
  1. وليد محمد عشال

    وليد محمد عشال عضو

    التسجيل :
    ‏2003-07-25
    المشاركات:
    94
    الإعجاب :
    0
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    أضحى الحديث عن الإصلاح شاغل المجالس والمنتديات، ولا يخلو حوار بين مجموعة من الناس إلا والإصلاح جزء منه خصوصاً في الأسابيع الماضية التي شهدت بعض مدن المملكة خروج بعض المظاهرات فيها تطالب بالإصلاح والتغيير. وأحب أمام هذه النازلة أن أذكر ببعض المسائل والخواطر التي سنحت في الذهن من خلال النقاط التالية:

    أولاً: إن مسيرة الإصلاح في أي قطر لابد لها من مواصلة التقدم والسعي الدؤوب لسد احتياجات الفرد وتلبية متطلبات العصر, وأي توقف لها أو تعطيل أو حتى ركود قسري يجعلها عرضة لسيل التغيير الجارف، الذي يحتطم من بعيد والذي بدأ يسيل بقوة في كل أنحاء المعمورة من خلال العولمة التي تُحكّم قانون الغالب أو (الغاب), وحينئذ لا مناص للنجاة من هذا السيل العرم إلا بالتمسك بكل حبل إنقاذ يحفظ لنا الضرورات الملحّة, و إلا كان مآلنا الانجراف التام فلا يجدي حينها العذل والعتاب, ولا الخطط الموعودة ولا البرامج التي في الأدراج.

    إن الأمن المنهجيّ المطلوب في هذه المرحلة يتطلب إصلاحًا شاملاً جادًّا يضمن للجميع المشاركة وفق منهجية تنظر لثوابت الدين بعين وتلمح بالأخرى متغيرات العصر وتستشرف أزماته, ويتحمل أهل الكفاءة والأمانة عبء التنفيذ وعظيم المسؤولية في جوٍّ من الثقة المتبادلة والحوار الهادف، وهذا العمل هو الضمان الأكيد من كل تآمر طامع يسعى للفتنة في الداخل, أو يخلق أزمة في الخارج، ويضمن بردّ المنحرف إلى المسيرة المنشودة ويصحح كل صورة مغلوطة أو رؤية مغرضة تهدف إلى الفساد أو الإفساد.

    ثانياً: إن الأيام الماضية والتي شهدت خروج عدد من المواطنين في مظاهرات تطالب بالإصلاح والتغيير لم يكن الباعث فيها رؤية واعية للواقع أو نظرة شرعية للوقائع –وهذا من وجهة نظري–, وأرى –والله أعلم– أن الدوافع التي أخرجت أكثرهم للتظاهر؛ إما رغبة في الإثارة وتسليط الضوء الإعلامي عليهم!, أو حبًّا للفضول وسعيًا لمحاكاة بعض الأمم والشعوب في مسيراتهم الاحتجاجية مع كثرة الفوارق بيننا والبون الشاسع في الوعي بحيثيات المجتمع المدني.

    إن السكون أمام هذه المظاهرات والوقوف مكتوفي الأيدي كي ننتظر تكرار تلك المظاهرات من أجل قمعها ووصم الخارجين فيها بالمروق والابتداع، في حين لا يزال أكثرهم مقتنعًا بأن هموم الإصلاح وحل المشكلات إنما هو من خلال الأثير الفضائي أو المنادة البعيدة القادمة من وراء البحار؛ وكأننا عُدمنا من الصلاح أو جردنا من الإصلاح. ولأجل ذلك يلزمنا أن نصارح بعضنا ونقرر طوع أنفسنا: أن هناك أخطاء وقصورًا في كثير من مؤسساتنا الأهلية والحكومية -ولا عيب أن نصرّح بذلك- على أن يكون علاجها منبثقًا من داخلها وبأيدي أبنائها, مع ضرورة بناء الوعي الحضاريِّ الشامل فيهم قبل بناء الجسور والمسلحات.

    ثالثا: أثارت المظاهرات في الآونة الأخيرة الحديث عن مدى مشروعية هذه الوسيلة للتعبير عن المطالبات والاحتجاجات أو الضغط على أصحاب القرار والمسؤوليات، ولا يخلو تناول هذا الموضوع من تطرف وجنوح مال إليه بعض أهل العلم والباحثين، ولعل مرجع هذا التباين في الآراء إلى تصوّر وتكييف هذه النازلة، فمنهم من جعلها من المشروع المطلوب فعله وألحقها بأصول الشرع المعتبرة, ومنهم من جعلها نوعًا من المروق والإحداث في الدين.

    وأعتقد –والله أعلم– أن معتمد الذين أجازوا المظاهرات قد بنوا دليلهم الأساس على المصلحة. ولهذا كانت الحاجة لتأصيل مفهوم (المصلحة)؛ فالمصالح منها ما هو معتبر مشروع قد نص الشرع على اعتبار المصلحة فيها، ومنها ما نص الشرع على عدم اعتبارها، وهي التي تسمى بالمصالح الملغاة, ومنها ما سكت الشرع عنه ولم ينص عليه بعينه لا بالإلغاء ولا بالاعتبار وهي ما تسمى بـ"المصالح المرسلة", وجمهور الأصوليين على اعتبار حجيتها (1), و لكن يبقى تقدير القضايا المستجدة ومدى اعتبار المصلحة فيها, إذ المصالح مظنة لدخول الهوى وحظوظ النفس؛ ولذلك رأى كثير من الأصوليين الحاجة لضبط المصلحة حتى لا تشطط عن الاعتبار والموائمة لأصول الشرع , ومن ضوابط المصلحة التي ينبغي تنزيلها على واقع المظاهرات في مجتمعنا (2) ما يلي:
    1- ألا تخالف المصلحة نصًّا من الكتاب أو السنة أو الإجماع:
    وليس هناك من النصوص الشرعية الصريحة ما يمنع أو يدفع القيام بالمظاهرات, ولو وجد نص في ذلك لارتفع الخلاف في المسألة.
    2- أن تندرج المصلحة ضمن مقاصد الشرع الكلية:
    فأي مصلحة تفوّت المحافظة على الدين أو النفس أو النسل والعرض أو العقل والمال؛ لا تعتبر مصلحة شرعية, والواقع يشهد أن كثيرًا من المظاهرات قد سوّغ لآخرين المطالبة بما يخالف الإسلام, كما يترتب على كثير منها اعتداء على الأنفس بالحبس والضرب, وربما وقع أثناءها اختلاط وفتن بين الجنسين, كما لا تخلو من تهييج وإثارة تهدر فيها الممتلكات والأموال المعصومة.
    3- أن تكون المصلحة يقينية أو يغلب على الظن وجودها:
    بحيث يعلم أن هذه المصلحة متحققة من هذا العمل يقينًا أو بغلبة الظن, أما إذا كان يشك أو يتوهم وجود المصلحة كحال بعض المظاهرات فلا يسوغ حينئذ القيام بهذا العمل.
    4- أن تكون المصلحة كليّة:
    بمعنى لا تقتصر على فئة خاصة وتضر بالآخرين, وهذا يحدث في بعض المسيرات حيث لا يتعدى منفعتها الخاصة سوى فئة من المحفزين لها ويتضرر منها فئات من المستجيبين.
    5- عدم تفويت المصلحة لمصلحة أهم منها أو مساوية لها:
    وهذا الضابط معتبر عند تعارض المصالح فلا تقدم المصالح التحسينية أو الحاجيّة على الضروريات القطعيّة, ولا تقدم المصلحة الخاصة على العامة, ولا الظنيّة على الأكيدة, ولا القاصرة على المتعديّة, ولا المنقطعة على الدائمة, ولا المحدودة على الأطول نفعًا.. إلى غيرها من الضوابط التي ترتب سلم الأولويات عند تعارض المصالح مع بعضها, أما إذا كان التعارض مع المفاسد فيقدم الأغلب منهما, أما إذا استويا فدرء المفاسد مقدم على جلب المصالح (3).
    وبعد هذا العرض الموجز لضوابط المصلحة يتبين لنا حقيقة ما يدرج ضمن المصلحة من اجتهادات وأفعال قد لا تتفق مع مراد الشرع ومقاصده الكليّة.
    ومع أهمية التأكيد أن المصالح طبيعتها متغيرة, فإنه يشترط كذلك النظر إلى مآلات الأفعال وتبدل الأحوال والظروف والأزمنة والأمكنة.
    ومما يجدر ذكره في هذا المقام أيضًا: أن حجة القائلين ببدعية المظاهرات وكونها إحداث في الدين لا تخلو من أسئلة و مناقشات؛ لأن الإحداث في الدين هو التقرب إلى الله تعالى بعبادة لم يشرعها، أما الوسائل التي يتوصل بها إلى أداء مطلب شرعي لم يأت الشرع بتحديد كيفية أدائه على صورة مخصوصة؛ فلا تدخل في الإحداث في الدين؛ لأنها غير مقصودة لذاتها, ولا يقصد بها التقرب بخصوصها وكونها لم تكن على عهد النبي -صلى الله عليه وسلم- أو السلف فلأنها قد لا توجد لعدم وجود المقتضي لفعلها في عهده -صلى الله عليه وسلم-, ثم إن مجال الابتداع حق خاص للشارع لا يمكن معرفة حقه كمًّا وكيفًا ومكانًا وزمانًا وهيئةً إلا من جهة الشرع لا من آراء العباد(4).
    ولا يعني ذلك عدم موافقتهم في فتوى عدم الجواز, ولكن ينبغي أن يتناسب الحكم مع مقدار المخالفة تغليظًا أو تخفيفًا, وهذا المعلم التشريعي من جملة مقاصد الشريعة الغراء.

    رابعاً: إن مسيرة الإصلاح الشامل التي يأملها كل مسلم وينشدها كل غيور لا ينبغي أن تكون معاكسة لما سنَّه الله من قوانين عامة أو مجانبة لنواميسه الثابتة في الحياة والأحياء. يقول الله عز وجل: (سنة الله في الذين خلوا من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلاً) [الأحزاب: 62] وقال سبحانه: (قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض فانظروا كيف كانت عاقبة المكذبين* هذا بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين) [آل عمران: 137ـ 138].
    فسنن التغيير البنّاء لا يمكن أن تحدث من خلال خُطب عاطفية تغبّش الرؤى, أو من خلال مسيرات حاشدة تلهب الجوى, أو بعصًا سحرية تفاجئنا بـ(المدينة الفاضلة) في لمحة بصر!. ولا شك أن هذا مخالف لما جاء في سير وسنن الأنبياء والمرسلين، إذ هم -صلوات الله عليهم وسلامه- أول وأفضل من قاد مسيرة الإصلاح الشامل في مجتمعاتهم فلم يتجاوزا قانون " اعقلها وتوكل"؛ بل سعوا ببذل الأسباب كلها والتوكل على مسببها مع مراعاة سنة البدء والتدرج بتغيير الأنفس بالإيمان وتأهيلها بالعمل الجاد المثمر, كما في قوله تعالى: (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) [ الرعد: 13] وقوله تعالى: (إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح وإن تنتهوا فهو خير لكم وإن تعودوا نعد ولن تغني عنكم فئتكم شيئًا ولو كثرت وأن الله مع المؤمنين) [الأنفال:19]. وهذه معيّة خاصة تتناسب مع مقدار الإيمان وعمقه في النفوس .. إلى غيرها من السنن الباهرة الكثيرة التي تُغفل عند التخطيط وتُغمر حال التنفيذ, ويكون في نهاية المطاف مردّ الأمر إليها والاعتبار عليها في النهضة والتمكين. وبهذا المنهج الآمن تواصل مسيرة الإصلاح تألقها و تقدمها نحو حضارة عالمية مثلى تشهد لها بالخيرية على سائر الأمم والشعوب.
    والله أعلم وصلى الله وسلم على محمد وآله وصحبه أجمعين
     

مشاركة هذه الصفحة