فرنسا والحجاب:بين سهولة المداخل وصعوبة المخارج

الكاتب : ابوهاشم   المشاهدات : 398   الردود : 0    ‏2004-01-09
      مشاركة رقم : 1    ‏2004-01-09
  1. ابوهاشم

    ابوهاشم قلم فضي

    التسجيل :
    ‏2003-12-30
    المشاركات:
    2,725
    الإعجاب :
    0
    [color=FF0000]بسم الله الرحمن الرحيم

    هل سنطلب من جميع الأطفال في فرنسا بأن يرموا قلادات معمدانيتهم مقابل طرد عدد من التلميذات المحجبات من المدارس؟ هذا هو السؤال الذي طرحه نيكولا ساركوزي، وزير الداخلية والشؤون الدينية الفرنسي مؤخراً في لقاء خاص مع جان لويس دوبريه، رئيس اللجنة البرلمانية الفرنسية حول الشارات الدينية. سؤال يعكس جانباً من التداعيات الخطيرة الممكنة لمشكلة الحجاب في فرنسا.

    56 بالمئة من الفرنسيين يؤيدون سن قانون يمنع إبراز الشارات الدينية في المدرسة. وفي صيغة أكثر تحديداً،يمنع إبراز تلك الشارات التي يمكن اعتبارها ـ لا بمثابة إعلان عن الهوية أو الانتماء فحسب ـ بل بمثابة دعوة سافرة وضاغطة إلى ذلك الانتماء، والجدل المتوتر محتدم بين هؤلاء وبين الذين لا يعتقدون بضرورة سن مثل ذلك القانون، ويسفر كل يوم عن توسع في الخلافات. في البدء كان الانتماء الديني إلى الإسلام تحديداً هو المقصود بمقدار ما جرى اعتبار الحجاب هو المسؤول عن تفجر المشكلة في أواخر الثمانينات.

    المنطق التحريمي:

    أما الآن، وبعد أن اكتشف المعنيون أن الصليب ونجمة داوود والقبعة التي يعتمرها اليهود هي رموز دينية وتمثل دعوة إلى الانتماء الديني، فقد أصبحت كل هذه الرموز مستهدفة للتحريم، لا في المدرسة وحسب بل في جميع الدوائر والمؤسسات الحكومية بدليل أن رئيس بلدية "نوجون"، سور مارن، قد أعلن، في ذروة احتدام الجدل حول الحجاب، بأنه لن يسمح في بلديته بإجراء عقود الزواج لمن يضعن الحجاب وغيره من الشارات الدينية. وبما أن الانتماء والدعوة لا يقتصران على الديني وحده، فقد اتسع التحريم ليشمل الشارات المعبرة عن الانتماء السياسي والفلسفي والعرقي. وبطبيعة الحال، فإن هذا المنطق التحريمي سيتسع ليشتمل على كل ما يضعه الناس حول معاصمهم أو يعلقونه في أعناقهم وفي آذانهم وأنوفهم وشفاههم وألسنتهم (بحسب آخر صرخات الموضة) من عقود وأساور وتعاويذ ورموز، لأن كل ذلك ينطوي على دلالات دينية وأنتربولوجية أكيدة.

    وبالطبع، فإن التحريم سيشمل أيضاً كثيراً من أنماط الألبسة بعدما تحول الأفراد إلى ما يشبه لوحات الإعلانات المتنقلة لكثرة ما تعج به ألبستهم وأحذيتهم وقبعاتهم وحقائبهم من الدعايات لهذه السلع أو لتلك الشركات أو لهاتيك الأفكار والنظريات والدعابات. وهل تخلو "الكرافات" و"السموكن" و"الردنكوت" وسروال "الجينـز" و"الميني جوب" وغيرها من الألبسة المنظور إليها حتى الآن على أنها محايدة، من أن تحمل دلالة انتمائية ما؟ وهل ستنتهي الجمهورية (الفرنسية بامتياز والتي تستفحل باسمها إجراءات التحريم) إلى فرض اللباس الموحد على الطريقة التوتاليتارية عند بول بوت وماوتسي تونغ؟ أم أنها ستنتهي إلى تحريم كل لباس وفرض الطلاء الموحد لطمس تباينات الألوان طالما أن البشرة البيضاء والبشرة السوداء ما زالتا في أساس الكثير من العنعنات رغم زوال الاستعمار والاسترقاق بصورتيهما البدائيتين؟

    حرب بين الفرنسيين:

    56 بالمئة من الفرنسيين مع سن ذلك القانون والآخرون ضد سن ذلك القانون، والأكيد أن الانقسامات شديدة الحدة حالياً وستكون أكثر حدة في المستقبل القريب حول المسائل الافتراضية المذكورة أعلاه. وسواء كان ذلك أم لم يكن، فإن عبارة "الحرب بين الفرنسيين" قد استخدمت من قبل الصحافة في معرض الحديث عن الرسالة التي وجهها المسؤولون عن الكنائس الكاثوليكية البروتستانتية والأرثوذكسية الفرنسية إلى الرئيس شيراك لمطالبته بعدم تأييد سن قانون يمنع الشارات الدينية في المدارس.

    انطلقت الشرارة الأولى في تلك الحرب عام 1989، مع طرد تلميذتين من أصل مغربي من إحدى مدارس مدينة "كراي" لرفضهما التخلي عن غطاء الرأس، وبدعوى أن هذا الغطاء يشكل دعوة دينية سافرة وضاغطة. ومنذ ذلك الحين وحتى اليوم ظهر الغطاء على رؤوس آلاف التلميذات وتمت تسوية مئات الخلافات بأشكال وبأخرى في حين ظلت مئات من الحالات الخلافية بلا حل. وفي غضون ذلك، لم يقتصر الجدل على الحجاب، بل إن وسائل الإعلام أسهبت، عبر كتابة ملايين الصفحات على الأقل في الحديث عما يرمز إليه الحجاب. الإسلام واستعباد المرأة في الإسلام والتشدد والأصولية والقتل والإرهاب والدكتاتورية والتخلف. حملة شعواء اشتد لهيبها بالتوازي مع الصحوة الإسلامية المعاصرة وحروب الخليج وأحداث الجزائر وصولاً إلى 11أيلول/سبتمبر وأفغانستان والعراق، وأيضاً بالارتكاز إلى تاريخ مثقل بالصدامات منذ الفتح الإسلامي و"الريكونكيستا" الإسبانية والاستعمار والفتح العثماني الذي لم ينته الغرب من تصفية تركته حتى الآن. ولقد وصلت هذه الحملة إلى حد حسّ القران وإصدار العديد والعديد من الترجمات المزورة لمعاني القران، ومن المرجح أن التطورات السياسية على الساحة الدولية وجلها على صلة قريبة بالإسلام قد أسهمت بالتآزر مع الحملة الفرنسية الشعواء في إحداث نوع من الصحوة على الهوية خصوصاً عند الجيلين الثاني والثالث من أبناء المهاجرين من بلدان المغرب إلى فرنسا وغيرها من البلدان الغربية. "كلما تمكنّا من طرد فتاة محجبة بعد أشهر من الأخذ والرد وإتلاف الأعصاب نجد أنفسنا أمام عشر حالات جديدة"، أمر منهك جداً على ما يقوله أحد المدرسين، مع إمكان الانزلاق نحو التلفظ بعبارات حساسة وملاحقة من القضاء في ظل تخبط المدرسين في معالجة المشكلة وفق اجتهاداتهم الخاصة بموجب الصلاحيات التي منحها أياهم التعميم الإداري الصادر عن الوزير "بايرو"، وبعد فشل مجلس الدولة (أعلى سلطة تشريعية في فرنسا) في قطع دابر المشكلة.

    أيـن الحريـة؟:

    وقد راجت فكرة سن قانون المنع، منذ أيلول/سبتمبر الماضي، بهدف إعفاء مجالس المدارس من معالجة المشكلة لكثرة ما أثارته أصناف المعالجات الاجتهادية من مشكلات إضافية، وذلك بعد طرد تلميذتين مسلمتين لأب يهودي غير متدين ولأم بربرية، بسبب إصرارهما على عدم التخلي عن الحجاب. ومنذ تلك اللحظة تحول النقاش المتوتر من نقاش حول شرعية الحجاب أو عدم شرعيته في ظل العلمانية والجمهورية إلى نقاش حول ضرورة وناجعية القانون، حيث رأى فريق بأن سن القانون ينهي المشكلة من جذورها، بينما رأى فريق آخر بأنه سيحول المحجبات إلى شهيدات وقديسات كما سيدفع المجتمع الفرنسي بعيداً عن الاندماج المنشود ويحوله إلى مجتمع من جماعات منفصلة، ناهيك عن تضاربه مع قيم الحرية والتعبير والحقوق والاختلاف واحترام الآخر وخصوصاً مع الاعتقاد بقدرة المدرسة، حاملة هذه القيم وأداة نشرها، على الإقناع دون اللجوء إلى العسف والإكراه.

    وعلى الرغم من استفحال الخلاف حتى داخل كل بيت وداخل كل حزب سياسي حول ضرورة سن القانون أو عدمها، تهيب أكثر المسؤولين في الحزب الحاكم من إطلاق أية أحكام أو آراء حاسمة حول الموضوع قبل معرفة موقف رئيس الدولة. وكانت لجنة من الحكماء قد كلفت بدراسة المشكلة وتقديم تصورات حول الحلول الممكنة. وفي الحادي عشر من كانون الأول/ديسمبر الجاري سلمت اللجنة تقريرها المعروف باسم تقرير "ستازي" لرئيس الدولة واقترحت فيه، تلطيفاً للصدمة التي ستحدث في حال سن قانون المنع، تحويل عيدي الأضحى الإسلامي والغفران اليهودي إلى عيدين رسميين، كما اقترحت السماح بالشارات الدينية غير البارزة والصغيرة الحجم. ،لكن رئيس الدولة رفض الاقتراحين وأعلن بأن غطاء الرأس "سيبقى خارج المدرسة" مما اعتبر إيذاناً بوضع الكرة في ملعب التشريع الذي يفترض به أن يقول الكلمة الأخيرة حول سن قانون المنع أو عدمه. والأكيد أن الرئيس شيراك قد أقدم على هذا الإجراء الذي سيكون من الصعب تحمل تبعاته وإيقاف تداعياته مدفوعاً باعتبارات سياسية انتخابية جعلته يزايد حتى على اليمين المتطرف المعروف بميوله المعادية للأجانب ولما يحملونه معهم من ظواهر ثقافية ودينية.

    ولقد أثار قرار شيراك ردود فعل دولية أبرزها موقف وزير الخارجية البريطاني الذي أعلن رفض بلاده لفكرة منع الحجاب في فرنسا، وموقف أحد كبار المسؤولين في وزارة الخارجية الأميركية حيث صرح، خلال مؤتمر صحافي بمناسبة صدور التقرير الأميركي السنوي حول الحريات الدينية في العالم، بأن واشنطن ستتابع الأمر باهتمام خاص. كما خرجت تظاهرات حاشدة في باريس ومدن فرنسية أخرى استنكاراً للقرار وتذكيراً لفرنسا بأن كلمة الحرية هي إحدى ثلاث كلمات تقوم عليها مبادى‏ء الجمهورية الفرنسية، على ما قالته إحدى المتظاهرات.
    [/color]
     

مشاركة هذه الصفحة