المحافظون الجدد وتأثيرهم في المجتمع الأميركي

الكاتب : kaser119   المشاهدات : 464   الردود : 1    ‏2004-01-06
      مشاركة رقم : 1    ‏2004-01-06
  1. kaser119

    kaser119 عضو متميّز

    التسجيل :
    ‏2003-12-22
    المشاركات:
    1,696
    الإعجاب :
    0
    المحافظون الجدد وتأثيرهم في المجتمع الأميركي (1)

    في 10/7/2003م، قال عضو الكونغرس رون بول، مخاطباً النواب الأميركيين، حول تأثير المحافظين الجدد، على السياسة الأميركية: «لقد وصلنا إلى هنا؛ لأن الأفكار فعلاً لها نتائج. إن الأفكار السيئة، لها نتائج سيئة. وحتى أفضل النوايا يكون لها نتائج غير مقصودة. يجب علينا أن نعرف بالتحديد، ماهية الأفكار الفلسفية التي أوصلتنا إلى هذه النقطة، ومن ثم، عسى أن نرفضها، ونقرر انتقاء مجموعة أخرى من الضوابط الفكرية».

    في 11/8/2003م، قال هاورد دين، مرشح الديمقراطيين الرئاسي: (إن الرئيس بوش رجل يثير الاهتمام، ولكنني أعتقد، ولسببٍ ما، أنه قد تم أسره، من قبل المحافظين الجدد، من حوله).


    إن كلا التصريحين يمثلان الإحساس المتزايد بالتوتر بين السياسيين الأميركيين، ومرشحي الرئاسة، والصحفيين، والأكاديميين، وأقطاب الإعلام، على حد سواء، حول التأثير المتنامي للمحافظين الجدد، على السياسة الأميركية. إن تيار المحافظين الجدد هو نسبياً مدرسة غير معروفة الفكر، بين المحافظين الأميركيين، فما بالك بالمفكرين الأساسيين، وقد أصبح اليوم القوة الفكرية الأعظم في السياسة الأميركية.

    فمن هم هؤلاء المحافظون الجدد؟ وبماذا يعتقدون؟ وما هو تأثير أفكارهم على أميركا ما بعد 11 أيلول؟ والأهم من ذلك، كم سوف يستمر تأثيرهم على السياسة الأميركية؟.

    ما هي حركة المحافظة؟

    بشكلٍ عام، يمكن وصف المحافظة، بجسمٍ من الأفكار، التي طالما شكلت التفكير الغربي للحكومات والسياسة. ويهتم المحافظون، بالدرجة الأولى، بالمحافظة على النظام الاجتماعي الحالي، إنهم يحبون أن يسمّوا تجسيد الأفكار والقيم، التي تكوّن المجتمع بنظامه، تقليداً. وبسبب ذلك، فإن المحافظين هم الرعاة الطبيعيين لمصالح الرأسماليين، والجماعات ذات السلطة الأخرى في المجتمع، مثل الأرستقراطيين والمَلَكيين. بالنسبة للعقل المحافظ، فإن التقليد له الغلبة على المنطق والنظرية، حين يكون الأمر متعلقاً بحل المشاكل. قال اللورد هاليشام مرّة: (إن أونصة واحدة من الممارسة تساوي طناً من النظريات)، وبذلك فإنهم لا يمضون الوقت، وهم يفكرون بالمشاكل، أو إصدار النظريات، بل هم يعتمدون على التجربة، والتقليد، والحكمة لحل المشاكل.

    إن المحافظين يكرهون الحرية الزائدة، لأنها في نظرهم تساهم في تفكك المجتمع. إنهم يدعون إلى أنه، عن طريق المؤسسات الحكومية القوية، يجب أن تؤمن الحريات للناس، كما إنهم لا يحبذون مبدأ الاستغلال والفردية؛ لأن كلاهما يضعان المصالح الشخصية فوق مصلحة المجتمع والعائلة، وبذلك ينسفان المسؤولية الاجتماعية.

    إن المحافظين ينظرون إلى الدين، على أنه ضروري للصياغة الأخلاقية للمجتمع. قال دزرائيلي مرة: «إن الدين يعطي السياسة معناها وكرامتها». إن المحافظين يعتقدون أن حكم القانون حيوي جداً، للمحافظة على النظام الاجتماعي، وغالباً ما يطالبون بعقوبات صارمة، لتطبيقها على من يخالف القوانين.

    إن المحافظين هم أبطال الاقتصاد القائم على السوق الحرة، ويدعون إلى أقل تدخل للحكومة في السوق، ولكنهم يعتقدون أن الحكومة يجب أن تكون قوية ومؤثرة، ولكن ليس ضخمة، بالإضافة إلى ذلك، فإنهم يرون أن الحكومة يجب أن تكون خالية من البيروقراطية.

    هذه هي الأفكار الأساسية التي تشكل فكرة المحافظين في البلاد الغربية مثل بريطانيا وأميركا. إن المحافظة الأميركية تختلف عن المحافظة البريطانية بأنها تبرر معظم أفكارها بناءً على التاريخ الأميركي. وفي أميركا يمثل الحزب الجمهوري الأفكار المحافظة.

    كما أنه يجب أن يلاحظ أن المحافظة هي مدرسة فكرية، وأن هناك عدة أطياف منها، بعضها معتدل، بينما الآخر متطرف جداً في السياسة الأميركية. والمحافظون الجدد يعتبرون على أقصى يمين الحركة المحافظة.

    الأفكار التي تشكل فلسفة المحافظين الجدد

    إن المحافظين الجدد هم أتباع ليو ستراوس. وهم معروفون غالباً بالستراوسيين. لقد وصل ليو ستراوس، وهو يهودي، من ألمانيا النازية إلى أميركا سنة 1938م، وقام بالتدريس في (المدرسة الحديثة للبحث الاجتماعي)، ثم قام بالتدريس في (جامعة شيكاغو)، حيث استطاع أن يجمع حوالي مئة من طلاب الدكتوراه، الذين أصبحوا لاحقاً أتباعاً للفلسفة الستراوسية، وتقلّدوا مناصب مهمة في العديد من المؤسسات. ويمكن تلخيص النقاط المميِّزة للفكرة الستراوسية بما يلي:

    1- رفض الحداثة وتفضيل المنطق على التقليد.

    إن الستراوسيين يعتقدون أن فلسفة ما قبل الحداثة هي أفضل من فلسفة ما بعد الحداثة، من مثل عصر التنّور. إن الستراوسيين هم قبل الحداثة وضد الحداثة، وذلك ليس باسم الدين (كما في العديد من أشكال الأصولية الدينية في أنحاء العالم) أو باسم التقليد (مثل المحافظين منذ إدموند بورك)، ولكن باسم المنطق، وباسم الفلسفة، ففهمهم للمنطق والفلسفة مختلف عن ذلك في عصر التنّور. إن لذلك تأثيرين، الأول: إن هذه الطريقة في التفكير هي ابتعاد عن المحافظة السائدة التي تقدر التقليد جداّ، بينما، على العكس، يعتبر الستراوسيون المنطق هو الشكل الصحيح الوحيد للتفكير، ويحتقرون الفكر الإمبريالي، وبشكلٍ أقل، التقليد. والثاني: إن ذلك يضع الستراوسيين في مواجهة مباشرة مع فلاسفة ما بعد الحداثة، الذين يعتقدون أن فلاسفة ما قبل الحداثة قد عفا عليهم الزمن، وأنهم ليسوا بذي أهمية، ولذلك فإن الستراوسيين يعتمدون كثيراً على فلاسفة من أمثال بلاتو، هوبز، ولوكه...

    2- الفلاسفة هم الحكام الطبيعيون للمجتمع.

    إن تعاليم ليو ستراوس تركز كثيراً، على طبع المجتمع بالأفكار الفلسفية. في الجوهر، يمكن فقط وصف تعاليمه بأنها فلسفة سياسية، حيث القوة هي ضرورية لتطبيق الأفكار على المجتمع. كما شدّد ستراوس على الحاجة إلى إعادة فهم الأفكار الفلسفية للفلاسفة الكلاسيكيين. ففي رأيه، لم يكن فلاسفة ما قبل الحداثة قادرين على التعبير عن آرائهم بحرية، خوفاً من الاضطهاد، وعمدوا إلى كتابات كانت تتضمن معاني خفية، لقد اعتقد أنه هو فقط من لديه القدرة على كشف تلك المعاني أو الحقائق، وتطبيقها في العالم الحديث. لقد كان يكره فلاسفة العصر الحديث الذين اتهمهم بفتح أبواب المعرفة للناس العاديين، وبذلك يكونون قد قللوا من منصب الفلاسفة. وبهذا، فإن أتباع ستراوس، قد دفعوا إلى اكتشاف معانٍ، أو حقائق جديدة، وأصبح لديهم نهم شديد للسلطة، حتى يستطيعوا تطبيق نسختهم هم للحقيقة في المجتمع.

    3- الكذب والخداع ضروريان للمحافظة على السلطة.

    مثل بلاتو، اعتقد ستراوس أن البعض قادرون على القيادة، بينما الآخرون يجب أن يقادوا. ولكن على خلاف بلاتو، الذي اعتقد أن القادة يجب أن يكونوا أشخاصاً ذوي مقاييس أخلاقية عالية، حتى يستطيعوا أن يقاوموا إغراءات السلطة، فإن ستراوس كان يعتقد، أن أولئك الذين يصلحون للقيادة هم الذين يعلمون أنه ليس هناك أخلاقيات، وإنما هناك فقط، حق طبيعي واحد، حق القوي أن يحكم الضعيف، بعبارة أخرى، فإن ذلك يتطلب خداعاً مستمراً من قبل الحكام، من أجل حكم رعاياهم. في هذا النوع من المجتمع، يتم إعلام الجموع بما يجب أن يعلموا، وليس ما هي الحقيقة. إن فهم الحقيقة هو مسؤولية النخبة الحاكمة، ولا يمكن إسداؤها لغيرها. يعلٌق مايكل لادين، وهو محافظ جديد مشهور، حول الحاجة إلى الكذب، قائلاً: «من أجل أن ننجز أنبل الإنجازات، يمكن أن يجبر القائد على الدخول في الشر».

    4- استخدام الدين للسيطرة على الجموع.

    الدين، بالنسبة لستراوس، هو الصمغ الذي يبقي على المجتمع واحداً. ومحافظون جدد آخرون، من مثل إيرفينغ كريستول، يحتج بأن فصل الدين عن الدولة كان أكبر خطأ ارتكبه مؤسسو الجمهورية الأميركية. وحول نفس الموضوع، قال مايكل لادين: «إن الموت من أجل بلدك لا يأتي طبيعياً، إن الجيوش الحديثة التي تتشكل من الجماهير، يجب أن تلهَم، وتشجَع، ويتم إعدادها بالعقائد. إن الدين أساسي للمشروع العسكري؛ لأن الرجال قد يجازفون بأرواحهم، إذا ما اعتقدوا أنهم سوف يكافأون للأبد على خدمة بلدهم». إذاً، لماذا المحافظون الجدد هم مع الدين؟؛ ذلك لأن ستراوس اعتقد أن الدين، من أجل فرض القانون الأخلاقي على الجماهير، التي بدونه تكون خارجةً عن السيطرة. وفي الوقت نفسه، شدّد على أن الدين هو فقط للجماهير، وليس على الحكام أن يكونوا ملتزمين به. «المجتمع العلماني في نظرهم، هو أسوأ الأشياء الممكنة» لأنه يقود إلى الفردية، والليبرالية قد تشجع على المعارضة، وبالتالي سوف يضعف ذلك، وبشكلٍ خطير، قدرة المجتمع على التعامل مع التهديدات الخارجية.

    5- الوطنية العدائية.

    لقد تأثر ستراوس كثيراً بتوماس هوبز. ومثل هوبز، اعتقد أن العدائية الأصيلة، في الطبيعة البشرية، لا يمكن ضبطها إلا عن طريق دولة قوية تقوم على الوطنية: «لأن الجنس البشري، بفطرته شرير، إذاً، كان لا بد من حكمه». وكتب مرة: «إن هكذا حكمٌ لا يمكن إقامته إلا حينما يكون الناس متّحدين، ولا يمكنهم أن يتّحدوا إلا ضد أناسٍ آخرين». ومسلطاً مزيداً من الضوء على الموضوع، كتب إيرفينغ كريستول، في مقالةٍ بعنوان: «قناعة المحافظين الجدد» «إن الوطنية هي شعورٌ طبيعي وصحي، ويجب أن يشجع من قبل كلٍّ من المؤسسات الخاصة والعامة. بالتحديد نحن أمةٌ من المهاجرين، إن هذا شعورٌ أميركي قوي». إن كل ذلك يعني أن أميركا بحاجة إلى تهديد مستمر، أو عدو دائم، من أجل تسعير أتون المشاعر الوطنية والقومية. في أعين المحافظين الجدد، كان يجب استبدال سقوط، الاتحاد السوفياتي بسرعة بعدوٍ آخر. واليوم ذلك العدو هو الإسلام.

    6- الحرب الدائمة تولّد الاستقرار.

    اعتقد ستراوس أن النظام السياسي يمكن أن يكون مستقراً فقط، إذا ما جوبه بتهديد خارجي. فعلى خطا ميكيافيللي، يقول إنه إذا لم يكن هناك خطر خارجي، فإنه يجب صنع واحد. في نظر ستراوس، يجب عليك أن تقاتل دائماً لكي تبقى. إن الحرب الدائمة هي ما يؤمن به ستراوس، وليس السلم الدائم. إن هكذا وجهات نظر، من الطبيعي أن تؤدي إلى سياسة خارجية، عدائية، وتهديدية، وإلى سياسة داخلية حيث لا يستهان بالمعارضة ولا يتسامح معها. إن تلامذة ستراوس، المحافظين الجدد، يرون السياسة الخارجية كوسيلة لتحقيق «القدر القومي» كما عرّفه سابقاً إيرفينغ كريستول سنة 1983، الذي يتجاوز الحدود الضيقة «أمن قومي قصير النظر»

    إن أي شيء قد يؤدي إلى الاستقرار العالمي، من مثل الأمم المتحدة، أو الحكومة العالمية، هو أمر مكروه، من قبل أتباع ستراوس. في مقالته (قناعة المحافظين الجدد)، كتب إيرفينغ كريستول (إن الحكومة العالمية هي فكرة رهيبة، لأنها قد تؤدي إلى الطغيان العالمي. إن المؤسسات الدولية، التي تشير إلى حكومة عالمية في المدى النهائي، يجب أن ينظر إليها بشكلٍ عميق).

    7- الريادة الأميركية الخيّرة.

    إن ستراوس لم يكتب حول الريادة الأميركية، ولكن تلاميذه قد كتبوا باستفاضة حول هذا الموضوع. فالمحافظان الجديدان، وليم كريستول وروبيرت كايغن، قد أعلنا هذا النفير، في مجلة الشؤون الخارجية (فورين أفّير)، في تموز _ آب سنة 1996 بعنوان (تجاه سياسة خارجية ريغنية جديدة): (الآن، وبما أن الأمبراطورية الشريرة قد هُزمت، فإنه يجب على أميركا أن تطمح كي تمارس ريادة أميركية خيّرة. لأنه لم يحدث سابقاً، أنه كان لأميركا فرصة ذهبية، من أجل الترويج للديمقراطية والأسواق الحرة في الخارج، في الوقت الذي لم يكن وضع الأميركيين فيه من قبل على أفضل ما يكون عليه الآن) وبذلك فإن الهدف (المناسب للولايات المتحدة يجب أن يكون المحافظة على تلك السيادة، قدر المستطاع، أطول فترة ممكنة في المستقبل). كما أن الكاتبين، قد قلّلا من شأن أولئك المتشائمين الذين يحذرون من التوسع الإمبريالي، أو خطر استقطاب أعداء، ودَعَوا، بدل ذلك، إلى زيادة كبيرة في ميزانية أميركا العسكرية (للمحافظة على دور أميركا كسند عالمي)، كما دَعَوا إلى إجراءات لتحميس الشعب الأميركي، ربما عن طريق شكل من أشكال الانخراط العسكري، وسياسة خارجية أخلاقية سافرة تهدف إلى (الدعوة الفاعلة للمبادئ الأميركية للحكم في الخارج).

    إن نظرية السيادة لا تسمح بوجود عالم متعدد الأقطاب، عوضاً عن ذلك، إنها تدعم فكرة أن دولة قوية، تملك سلطة، لا مثيل لها، يجب أن تعيد تشكيل العالم الحالي بحسب مصالحها. فعن طريق فرض القوانين، فإن القوة السائدة تستطيع أن تحافظ على موقفها المسيطر على العالم. ومن خلال تبني هذه النظرة، فقد قام المحافظون الجدد بإحداث شقّ في الحزب الجمهوري وأقسام الحكومة، إذ إن العديد من الجمهوريين لا يزالون يعتقدون أن أميركا تستطيع أن تحافظ على منصب القوة العظمى، عن طريق ممارسة سلطتها في عالم متعدد الأقطاب.

    هذه بعض أفكار ليو ستراوس، والتي تحدد بدقة معظم التفكير لدى المحافظين الجدد. إن بعض هذه الأفكار متجذرة في وجهة نظر المحافظين عن العالم، من مثل دور الدين في المجتمع، أو توسيع السلطة الأميركية. وبغض النظر، فإن الميزة المعبّرة للفلسفة الستراوسية هي، حتى بمقاييس المحافظين، فعلا متطرفة على أقل التقديرات.

    [يتبع]
     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2004-01-06
  3. kaser119

    kaser119 عضو متميّز

    التسجيل :
    ‏2003-12-22
    المشاركات:
    1,696
    الإعجاب :
    0
    المحافظون الجدد وتأثيرهم في المجتمع الأميركي (2)

    يسيطر المحافظون الجدد، في عهد بوش الابن، على الحكم في أميركا. وهؤلاء يعتمد فكرهم على العقل والمنطق لا على العرف، وعلى فرض أفكارهم الفلسفية على المجتمع. وهم من أجل الوصول إلى الحكم، والاحتفاظ به يتجاوزون الأخلاقية إلى الخداع، ويستعملون الدين للسيطرة على الجماهير، ويعتبرونه كالغراء الذي يحقق تماسك المجتمع، ويدفع الناس للتضحية لخدمة أهدافهم. وهم يسعون إلى توحيد شعوبهم عن طريق تجييش عاطفة قومية قوية لديهم، وإيجاد عدو يجتمعون عليه بعد إظهار أنه يشكل تهديداً حقيقياً لهم، وقد وجدوا أن الإسلام هو ذلك العدو.

    ـــــــــــــــ

    كيف وصل المحافظون الجدد إلى السلطة؟

    قبل أن نبحث تأثير فكر المحافظين الجدد على المجتمع الأميركي، من الضروري أن نفهم كيف وصلوا إلى السلطة. وكما ذكرت من قبل، إنّ السمة الرئيسية في فكرهم هي أنه يجب أن تكون الفلسفة متعلقة بالمجتمع، بمعنى آخر، إنّ الأفكار الفلسفية هي للتطبيق، وليست لمجرد المتعة الفكرية، ودفعت هذه الفكرة كثيراً من تلامذة شتراوس لتقلد مناصب هامة في الحكومة ومراكز الأبحاث والإعلام.

    يعتبر بول وولفويتز، نائب وزير الدفاع من المحافظين الجدد داخل الحكومة. فهو العقل المدبّر لشؤون الدفاع في إدارة بوش. وأما المحافظون الجدد الآخرون فمنهم دوغلاس فيث، سكرتير مساعد في وزارة الدفاع للسياسة، وهو في المرتبة الثالثة في البنتاغون؛ ولويس سكوتر ليبي، رئيس أركان تشيني، وهو يحظى بحماية وولفويتز؛ جون بولتون، سكرتير مساعد للتحكم بالأسلحة، وقد عُيِّن حالياً في وزارة الخارجية لإبقاء كولن باول تحت السيطرة، وكذلك إيليوت أبرامز، وقد عُيِّن حديثاً كمدير لسياسة الشرق الأوسط في مجلس الأمن القومي. أما خارج الحكومة فإنّ أكثر المحافظين الجدد تأثيراً هم جيمس وولسلي، المدير السابق لـ (سي آي إي) الذي حاول مراراً أن يربط أحداث 11 سبتمبر ورسائل الجمرة الخبيثة بصدام حسين؛ وريتشارد بيرل، الذي استقال من منصبه التطوعي (بدون راتب) كرئيس لهيئة استشارية في وزارة الدفاع بعد فضيحة تتعلق بمحاولة تأثيره على أعضاء الكونجرس.

    ويتواجد المحافظون الجدد في قلب مراكز أبحاث المحافظين. ويعتبر معهد المشاريع الأميركية أبرزها. وإن شخصيات مثل ريتشارد بيرل، ومايكل روبين، وهو خبير في شؤون الشرق الأوسط، وجون بولتون، أعضاء سابقون في هذا المعهد. وتموَّل هذه المراكز بشكلٍ كبير من قبل مؤسسات المحافظين، مثل مؤسستَيْ برادلي وأولين. وتدور السياسة الخارجية للمحافظين الجدد حول المبدأ أكثر من المصالح التجارية والصناعية.

    وأكبر رابط بين مراكز أبحاث المحافظين واللوبي الإسرائيلي هو المعهد اليهودي لمسائل الامن القومي (جينسا) ومقره في واشنطن والذي يدعم (حزب الليكود). وقام هذا المعهد بإرسال كثير من خبراء الدفاع غير اليهود في رحلات إلى إسرائيل. فقد أرسل إلى إسرائيل الجنرال المتقاعد جي جارنر، الذي أُبعِد بشكلٍ مُذِلّ عن إدارة شؤون العراق بعد الحرب. ففي أكتوبر عام 2000 كان أحد الموقعين على رسالة باسم معهد جينسا بدأت بالقول: «نعتقد أنه أثناء الاضطرابات الحالية في إسرائيل فإن قوات جيش الدفاع في إسرائيل قد مارست ضبط النفس بشكلٍ رائع في وجه العنف الذي حركته قيادة السلطة الفلسطينية».

    وينقسم اللوبي الإسرائيلي نفسه إلى جناحين، أحدهما يهودي والأخر مسيحي. ويوجد لوولفويتز وفيث علاقات وثيقة مع اللوبي اليهودي الأميركي لدعم إسرائيل. فوولفويتز، الذي لديه أقارب في إسرائيل، عمل كموظف ارتباط إدارة بوش مع لجنة الشؤون العامة الأميركية الإسرائيلية. أما فيث فقد مُنح جائزة من قبل المنظمة الصهيونية في أميركا، بوصفه «ناشط لصالح إسرائيل». وفي عهد كلينتون عندما كان فيث وبيرل خارج السلطة قاما معاً بإعداد ورقة سياسية لحزب الليكود تنصح الحكومة الإسرائيلية بوضع حدّ لخطة سلام أوسلو، وإعادة احتلال الضفة والقطاع وتحطيم حكومة ياسر عرفات. وهؤلاء الخبراء يختلفون عن النموذج العام لليهود الأميركيين الذين صوّت معظمهم لصالح غور عام 2000. وأكثر الناس حماساً لحزب الليكود وسط الناخبين الجمهوريين هم البروتستانت الأصوليون في الجنوب؛ حيث يعتقد اليمين الديني بأن اللَّه منح كل فلسطين لليهود، وتنفق جماعات المصلين الأصوليين ملايين الدولارات لتمويل بناء المستوطنات اليهودية في الأراضي المحتلة.

    وآخر معقل للمحافظين الجدد في البنتاغون تحتله مجموعة من إمبراطوريات الإعلام اليمينية التي، رغم تباينها، تعود جذورها إلى الكومنولث البريطاني وكوريا الجنوبية. فروبرت مردوخ ينشر الدعاية بواسطة شبكته التلفزيونية «فوكس». وأما مجلته الأسبوعية ذا ويكلي ستاندارد التي يحررها ويليام كريستول، فهي تلعب دور الناطق الرسمي للمحافظين الجدد أمثال بيرل، وولفويتز وفيث وولسي، وكذلك لحكومة شارون. وهناك مطبوعة أخرى وهي ذا ناشونال إلتَرست، يموّلها كونراد بلاك الذي يملك حوالي 500 جريدة في أرجاء العالم، وأبرزها: جيروزاليِم بوست وديلي تيليغراف وصندي تيليغراف. ولكن أغرب هذه الإمبراطوريات الإعلامية هي الشبكة المتمركزة حول الواشنطن تايمز والتي يملكها المسيحي القسيس صَن ميانج مون ذو السوابق القانونية، وهو من كوريا الجنوبية. وتملك إمبراطوريته شبكة الأخبار (يو بي آي) التي يديرها حاليا جون سوليفان الذي كان يكتب لمارجريت تاتشر خطاباتها وعمل كمحرر لكونراد بلاك في كندا.

    وجرى ربط المحافظين الجدد في التسعينات بواسطة (بي إن إيه سي) «مشروع القرن الأميركي الجديد»، والذي كان يديره كريستول من مكاتب ذا ويكلي ستاندارد. ولقد استخدموا ال «بي إن إيه سي» لإصدار عدد من الرسائل العامة التي جرى التوقيع عليها غالباً من قبل وولفويتز وأشخاص آخرين أصبحوا فيما بعد أعضاء في فريق بوش للسياسة الخارجية. وقد دعَوا في هذه الرسائل الولايات المتحدة لاحتلال العراق، ودعم حملات إسرائيل ضد الفلسطينيين.

    وبمجرد أن نجح المحافظون الجدد في جمع قواهم معاً، شرعوا في العمل للاستحواذ على جورج بوش الابن ليقودهم إلى السلطة. فكيف حدث ذلك؟ قام بعضهم بدعم بوش أثناء الترشيحات الرئاسية الأولية، وقد خشوا أن يكون بوش الثاني مثل بوش الأول، الذي فشل في احتلال العراق سنة 1991، والذي ضغط على إسرائيل للسير في عملية أوسلو للسلام. كما خشوا أن يسيطر على إدارته كما سيطر على إدارة أبيه الجمهوريون المعتدلون الواقعيون أمثال باول وبيكر وسكو كروفت. لذلك دعموا السناتور المستقل جون ماكّين إلى أن تبين أن بوش سيفوز بالترشيح.

    ثم حالف الحظ المحافظين الجدد عندما تولى تشيني مسؤولية فترة الرئاسة الانتقالية، فقد انتهز هذه الفرصة لملء الإدارة بأصدقائه من المحافظين الجدد. وبدلاً من أن يصبح وزير الخارجية باول الرئيس الفعلي في السياسة الخارجية كما توقع الكثيرون وجد نفسه محاصراً داخل شبكة تشيني اليمينية التي تتألف من وولفويتز وبيرل وفيث وبولتون وليبيّ.

    والذي شجع بوش على إقامة علاقة قوية مع المحافظين الجدد هو نشأته. فهو ابن لوالدين من طبقة عليا، وتحوّل إلى الأصولية الجنوبية بعد معالجته من أزمة إدمان. وأحياناً يكون التحمّس للصهيونية المسيحية، والإعجاب الباهر بالجندي الإسرائيلي من ملامح ثقافة المسيحيين في الجنوب الأميركي، ولذلك أخذ بوش حتى قبل 11 سبتمبر يبتعد عن باول في اتجاه وولفويتز، أو وولفي كما كان يناديه.

    المحافظون الجدد بعد 11 سبتمبر

    عندما تسلم بوش السلطة كان لإدارته علاقات قوية مع صناعة البترول، والصناعة العسكرية من خلال مسؤولين كأمثال رايس وتشيني ورامسفيلد. وأصبح مبدأٌ يمينيٌّ متطرفٌ مصدراً لأفكار الإدارة، متجسّداً في شخصيات مثل وولفويتز وليبّي وفيث وبولتون ومحافظين جدد آخرين. وقد كُلف كارل روف، صديق بوش الحميم والاستراتيجي المتميز للحزب الجمهوري، بمهمة إيصال سياسة الإدارة إلى جمهور الناخبين. وكان ولا يزال التحدي الذي يواجهه هو كسب الناخبين لسياسة بوش، التي تمثل في جوهرها مجموعة من المصالح الصناعية والتجارية، ممتزجةً بفكرٍ شتراوسيّ. وهذا يعني أن كولن باول وإدارته تحولا فعليًّا إلى وضعٍ غير مرغوب فيه.

    وبعد إنجاز الخطوة الرئيسية الأولى، جلس المحافظون الجدد في انتظار حدثٍ مفاجئ قوي يساعدهم على تحويل المجتمع الأميركي على ضوء فلسفة شتراوس. وقد تنبّأ مايكل لادين عام 1999 بهذا الحدث الذي كانوا ينتظرونه، حيث تحدث لادين عن حدث من نوع بيرل هاربر يوقظ أميركا. ولقد كان حادث 11 سبتمبر الحدث الذي كانوا ينتظرونه، وهو الذي أطلق العمل بخطة المحافظين الجدد من أجل «أميركا المهيمنة».

    بدأت دعوتهم بتحريك الرأي العام الأميركي من خلال المشاعر الوطنية والقومية. ولم يكتفوا بالمبالغة في تصوير التهديد من قبل القاعدة والبلاد الإسلامية المارقة، بل ظلّوا يرددون ذلك على الرأي العام الأميركي، فساعد ذلك في توحيد الشعب الأميركي خلف بوش، وفي كبت أي معارضة له بخاصة المعارضة السياسية. وهكذا استحوذت على أميركا قومية عدوانية، وبدأ المحافظون الجدد بتطبيق أفكارهم.

    وبحكم عداوتهم الشديدة للحرية والفردية والعلمانية، نجح المحافظون الجدد في تمرير «القانون الأميركي الوطني» الذي كبح الحريات المدنية. وقد شجعوا مسيحيين أصوليين أمثال جيري فولويل وبات روبرتسون على الاستهزاء بالإسلام علناً، وعلى لعب دورٍ أكبر في المجتمع. وهكذا أصبح جورج بوش أول رئيسٍ أميركي يعقد جلسات دراسة للتوراة في البيت الأبيض. ويعقد صديقه أشكروفت، المدعي العام، جلسات أسبوعية مماثلة في وزارة العدل. وبشكلٍ متزايد ينظر الرجلان إلى الحرب ضد الإرهاب من منطلق توراتي، أي الخير ضد الشر. وكان هدف المحافظين الجدد من تبنّي مثل هذه المبادرات تقوية المجتمع وإعطاء السياسة دعماً أخلاقياً قوياً.

    وعلى المستوى الدولي، وقبل 11 سبتمبر، جرى على عجلٍ نبذ معاهدات مثل معاهدة مقاومة الصواريخ البالستية وغيرها. وبعد 11 سبتمبر (2001) قامت أميركا بسرعة بالتحرر من قيود القانون الدولي. وفي الوقت الذي ذهبت فيه أميركا للحرب ضد العراق، فإن الولايات المتحدة قد قامت بالفعل بانتهاك ميثاق جنيف، وتجاهلت المجتمع الدولي، وتجنبت الرجوع للأمم المتحدة، كل ذلك من أجل تحقيق طموحها في السيطرة العالمية. وبعد الحرب في العراق، توقع المحافظون الجدد أن يجبر، بروز قوة الجيش الأميركي، العراق والعرب جميعاً على الاستسلام. وبمثل هذا المنطق عمد البنتاغون إلى إهمال محنة الشعب العراقي، وذلك بالإمتناع عن إعادة الخدمات الأساسية له، كي يرضى بإحسان أميركا، ويسلّم في النهاية باحتلالها للعراق. وتمشياً مع فكر المحافظين الجدد بلزوم الحرب الدائمة، لم يضيع كثير منهم، داخل الحكومة وخارجها، الوقت في وصف سوريا وإيران كأهداف تالية لأميركا.

    ومنذ وصول إدارة بوش للسلطة استخدمت الطريقة الشتراوسية في «المعاني الخفية» و«الخداع» لتضليل الشعب في الداخل والخارج. وتم إنشاء المكتب الخاص للخطط المسؤول عن تلفيق كثير من الأكاذيب، عن أسلحة الدمار الشامل في العراق، وعن عدد الإصابات الأميركية القليلة بشكل لا يصدق، حتى عندما تعارضت الحقائق المجردة مع ادعاءات البنتاغون، بأنّ أنصار صدام والمقاتلين الأجانب هم وراء كثير من المقاومة العراقية، قامت إدارة بوش باختلاق أكاذيب جديدة، رغبةً في تجنّب أي انطباع بأن المقاومة العراقية محلية. ولكن قمة الخداع برزت أمام الجلسة العامة للأمم المتحدة، عندما رفض بوش الاعتراف بالحقيقة الواضحة؛ وهو أن تبرير أميركا للحرب كان كذبةً كبيرة.

    هل سيطول بقاء المحافظون الجدد؟

    أما وقد حفز الإسلام أهل العراق لمقاومة الاحتلال الأميركي، بدأت تظهر على السطح التصدعات في سياسة المحافظين الجدد. وأسوأ من ذلك بالنسبة لهم هو الزيادة المتنامية في الإصابات الأميركية، وتكاليف احتلال العراق، مما أجبرهم على طلب مساعدة الأمم المتحدة. وإذا عجز بوش عن توفير الأمن في العراق، وعن كبح النقد الداخلي المتنامي، فإن أغنياء الرأسماليين الذين دفعوا فاتورة حملة انتخاب بوش عام 2000 يمكن أن يتطلعوا إلى إدارة قادرة على تأمين مصالحهم. ومن خلال زهو الغطرسة والغرق في النظريات الأكاديمية، ارتكب المحافظون الجدد أخطاء سياسية قاتلة. فقد استهانوا برد فعل حلفاء أميركا، وأخطأوا في تقدير قوة المسلمين في العراق، كما فشلوا في إعداد الشعب الأميركي لفكرة «أميركا المهيمنة». والزمن وحده كفيل بالإجابة عن الوقت الذي ستعيشه تجربة المحافظين الجدد .
     

مشاركة هذه الصفحة