نبيل الصوفي: جارالله ليس مناحة أيها الأصحاب

الكاتب : saqr   المشاهدات : 447   الردود : 0    ‏2004-01-06
      مشاركة رقم : 1    ‏2004-01-06
  1. saqr

    saqr عضو فعّال

    التسجيل :
    ‏2003-07-19
    المشاركات:
    832
    الإعجاب :
    1
    [color=006600]
    [color=FF0000]جارالله ليس مناحة أيها الأصحاب [/color]
    [color=000099]نبيل الصوفي[/color]


    [color=FF0000]مدخل:
    بعيدا عن الاشتراكي والإصلاح، وحتى اللقاء المشترك، واليك أيها الوطن[/color]
    ***



    هو ربما طبع إنساني عام، إذ يصبح الفقد مدعاة للحزن.
    غير أن الموت –بأي حالة كانت- انما "يلتقط الفتات" حسب تعبير الشهيد سيد قطب، في رسالته أنيقة المشاعر "أفراح الروح".
    ولذا فان وظيفة الموت هذه "لقط الفتات"، لا تقوى على من لم يكن كذلك.
    والتاريخ الإنساني يشهد، فما مات العظماء، بل ازدادوا برحيلهم إلى دار أخرى حضورا، وقدرة على توجيه الحياة الأولى.
    وزادوا برحيلهم أن أفقدوا الخصوم التلذذ بـ"الاحراجات"، وديماغوجية خطابها في أحايين كثيرة.
    غير أن الطرف الآخر –المقصود من عمليات التغيير والتحكم-، وهو الجمهور في الغالب، يعجز في حالات كثيرة عن الاستفادة من الراحل، تماما كما عجز عن الاستفادة منه حيا.
    وكمبرر أخلاقي للتنصل من الواجب الذي تمليه المحبة يرتفع الصوت بالصراخ والعويل، ولعمري أجد هنا حكمة المنع النبوي لمحمد صلى الله عليه وسلم أهل الميت من شق الجيوب والعويل والصراخ، فليس ذلك حزنا، بل هو عبث.
    ***
    تذكرت كل ذلك في الذكرى الأولى لرحيل الشهيد جارالله عمر رحمه الله واسكنه فسيح جناته.
    أعترف هنا أنني لم أكن أعرف جارالله إلا القيادي الاشتراكي.
    وليس في الأمر إحياء للموقف من الحزب الاشتراكي، ومن ثم من قيادييه "جارالله نموذجا"، بل إنني ومثلي الكثير –أو لعلي وحيدا- لم نكن نعرف تفاصيل تجربة المواطن اليمني جارالله عمر الكهالي، وحبنا له لأنه من "أصحابنا"، كما أن بغضنا له لأنه من "الناس التانيين".
    ولا أدري أي مجتمع هذا يؤجل معرفة حياة أبنائه الفاعلين حتى يغمض هؤلاء أجفانهم، ويرحلون؟ ولكنها الحقيقة المرة، بالنسبة لي على الأقل، وليس بيدي هنا الاعتذار عنها، فقد حدثت والسلام.
    ***
    وخلال عام الغياب الأول قرأت بعضا مما حصلت عليه عن تجربة هذا المواطن الابي–نسبة الى المحافظة-، قبل ان يكون الاشتراكي، ومن ثم من مهندسي اللقاء المشترك، الذي يمثل طرفا فاعلا في كثير مما نعتبر أنه صار تاريخا، لنا نحن الجيل الجديد من اليمنيين الشباب.
    قرأت سيرته الذاتية –أيا ما سيقال عن سيرة يكتبها صاحبها ليقرأها في عيون القراء وهو حي ولايزال له طموح-.
    واقصد حواره الحي مع الزميل صادق ناشر، الذي كتب له أن لاينشر الا وقد غادر جارالله.
    ثم عدت لقراءة الوثيقة النقدية لتجربة الحزب الاشتراكي اليمني بعد 1986م، وبعدها ما أتحفتنا به صحيفة الثوري من كتابات لم تنشر للشهيد جارالله، في محطات مختلفة.
    وحين جاءت الذكرى الأولى الأسبوع الماضي، عدت لما لخصته في دفاتري من دفتر حياة رجل كان خوفه الوحيد أن "يغتال سرا دون أن يتمكن -رغم موته- من كشف قاتله وفضحه أمام الملأ، أو أن يغتال أمام عيني مسار –ابنته الوحيدة-"!.
    وكم شعرت بالحزن!
    **
    جارالله لم يكن لينال الخلود في الحياة الدنيا، وجميعنا سنوارى الثرى، ولربما قد لا يأبه لرحيلنا أحد.
    ولكن المسألة ليست هنا.
    لقد عاش جارالله – مطلوبا دمه للتخلف، الذي يسكن وعينا الجمعي، كأطفال تفرحهم الخصومة، قبل أن تتلون أفكارنا وأيدلوجياتنا.
    ولكنه أبى إلا أن يقرر هو شكل النهاية، فأعد برنامجا نظريا، يمكن اعتبار جارالله به، أول سياسي يمني يحاكم قاتله قبل أن ينفذ القاتل جريمته.
    وكلما عدت لقراءة خطبته أمام أعين الآلاف في قاعة مؤتمر عام الإصلاح قبل دقائق من الغدر به وبالسامعين، تحسست حياتي، إذ أن الصواب أننا نحن الذين رحلنا لا جارالله.
    وقبل خطبته ترك لنا جارالله سفرا من المواقف، والرؤى، من حق الظنون أن تأخذ هذه بالقبول، أو تلك بالرفض، منذ ساعة ميلاده الأول في قرية كهال عمار، بمديرية النادرة محافظة إب 1942م، وحتى 28 ديسمبر 2003م، في مدينة صنعاء.
    ومن أقوى المواقف –رغم جواز الاختلاف حول صوابها وخطأها- أن جارالله لم يمت إلا وهو يطالب خصوم الأمس ببرنامج لليوم، وللغد، ليصبح الأمس تاريخا نتعظ منه أجمعين.
    فاليمن، وطن لنا، ولن يستطيع المختلفون إلغاء من يختلفون معه، لكنهم جميعا سيرهقهم الصراع، لصالح طرف لايريد الاختلاف أصلا، لا لديمقراطيته، بل لأنه لا مشروع لديه يمكن الاختلاف معه، وبه، وقانونه الوحيد: الاختلاف يمكن استثماره، من أجل حماية التخلف، ولن تعدم الوسائل.
    ***
    وفي بعض ما قرأته من إرث جارالله، وجدت غيابنا أجمعين.
    جارالله تجربة، يجب تعليمها لصغارنا، كسفر إضافي لأسفار الإنسانية التي نتعلم من حياة عظمائها، في محاولاتهم الوصول إلى ما يؤمنون بأنه مثل، أيا كان اختلافنا معها أو اتفاقنا.
    عفوا، ليس للصغار، بل لهؤلاء الكبار الذين يتقنون فن صناعة الفشل.
    وذلك يسير بشأن جارالله، وهو التجربة اليمنية الخالصة، المنبعثة من ظروفنا أجمعين.
    وذلك لا يحققه العويل.
    أننا جميعا نحسن البكاء، لأنه لا ثمن له.
    أما أن يصبح –المبكي عليه- تجربة حية، نتعلم من دروسها، ونبني على نجاحاتها، ونتجنب إخفاقاتها، فيبدوا أنه بحاجة لجارالله من جديد.
    [/color]
     

مشاركة هذه الصفحة