اليهودى "ليوبولد فايس":- دخل الإسلام قلبي ليبقى فيه إلى الأبد

الكاتب : batal10   المشاهدات : 712   الردود : 0    ‏2004-01-05
      مشاركة رقم : 1    ‏2004-01-05
  1. batal10

    batal10 عضو

    التسجيل :
    ‏2002-10-27
    المشاركات:
    177
    الإعجاب :
    0
    دخل الإسلام قلبي ليبقى فيه إلى الأبد

    تاريخ النشر: الاثنين 05 يناير 2004, تمام الساعة 07:35 صباحاً بالتوقيت المحلي لمد ينة الدوحة

    تجلت حقيقة الاسلام فى قلب الفتى اليهودى "ليوبولد فايس" كما ينبثق ضوء الفجر من طيات الظلام، وشعر بينبوع الايمان يتدفق فى أعماق فؤاده، فأدرك ان الله قد هداه الى شاطىء الأمان الروحى بعد ان قضى سنوات شبابه فى البحث العقلى، تقلب بفكره بين الاديان والمذاهب والفلسفات القديمة والحديثة، فازدادت روحه احساسا بالجفاف، لقد وعى معاناة الخليل ابراهيم وهو يقلب بصره فى الكواكب والنجوم بحثا عن الايمان الخالص، والاهتداء الى الخالق الذى لا يغيب ولا تأخذه سنة ولا نوم، وقد روى محمد اسد هذه المرحلة الانتقالية من حياته بكلمات تشع نورا وطهرا، وهو حين يشرح سر اعتناقه الاسلام فانه لا يتكلم على طريقة الدراويش او المتصوفة، وانما حديث العالم الذى يزن كل كلمة او خاطرة تختلج فى صدره. انظر اليه حيث يتحدث عن الاسلام وسر اختياره لهذا الدين: "ان الاسلام لم يبد لى دينا بالمعنى الشائع للكلمة بمقدار ما بدا طريقه فى الحياة، ولا نظاما لاهوتيا بمقدار ما تبينته منهاجا للسلوك الشخصى والاجتماعى قائما على ذكر الله، اننى لم استطع ان اجد فى ايما مكان فى القرآن الكريم اى ذكر لحاجة الى "الخلاص". ليس هناك فى الاسلام من "خطيئة" اولى "موروثة" تقف بين الفرد ومصيره - ذلك انه "ليس للانسان إلا ما سعى" - ولا يطلب ايما نسك او اماته لفتح باب خفى الى الطهارة، ذلك ان الطهارة حق يرثه الانسان بالولادة، والخطيئة ليست سوى زلة من الصفات الفطرية الايجابية التى يقال ان الله قد وهبها لكل كائن من الناس، ليس هناك من اثر للثنائية فى اعتبار الطبيعة الانسانية، ذلك ان الروح والجسد يعتبران وحدة صحيحة كاملة.

    اهتمام الإسلام بالروح

    ويعترف محمد اسد بأنه اجفل بعض الشئ فى اول الامر: ليس فقط لاهتمام القرآن بالامور الروحية، بل باهتمامه ايضا بكثير من وجوه الحياة التى كانت تبدو له تافهة دنيوية، إلا انه، مع الزمن : بدأ يفهم انه طالما ان الانسان حقا وحدة كاملة من جسد وروح، كما يؤكد الاسلام، فانه ليس هناك وجه من وجوه حياته يمكن ان يكون من "التفاهة" بحيث لا يقع داخل نطاق الدين، كما ان القرآن لا يدع اتباعه مطلقا ينسون ان الحياة فى هذا العالم ليست الا مرحلة من طريق الانسان الى وجود اسمى، وان هدفه الاساسى والاخير انما هو ذو طبيعة روحية، وان الرخاء المادى - كما يقول القرآن - مستحسن ومستحب، ولكنه ليس غاية فى ذاته، ولذلك فان شهوات الانسان، بالرغم من ان لها ما يبررها، يجب ان تكبح وتضبط عن طريق الادراك الاخلاقى، وهذا الادراك يجب ألا يكون متصلا بعلاقة الانسان بربه فحسب، بل بعلاقته بغيره من الناس كذلك يجب ألا يعنى بكمال الروح فحسب: بل ايضا بخلق ظروف اجتماعية كتلك التى يمكن ان تكون باعثة على النمو الروحى عند الناس جميعا، بحيث يستطيعون ان يحيوا حياة كاملة.
    الروح والجسد توأمان
    ويقول محمد اسد ان هذا الرقى العقلى الاخلاقى يدعو الى الاحترام اكثر من ايما شىء سمعه او قرأه عن الاسلام من قبل، "لقد بدا لى ان معالجة الاسلام مشاكل الروح اعمق جدا من معالجة العهد القديم، فلم تكن فى الاسلام تلك المحاباة" (التوراتية) لشعب معين، كما ان معالجته مشاكل الجسد - بخلاف العهد الجديد - كانت ايجابية الى درجة قوية، فالروح والجسد، كل فى نطاقه حقه، كان بمثابة وجهين توأمين للحياة الانسانية التى ابدعها الله ..وسألت نفسى: ألا يمكن ان تكون هذه التعاليم مسؤولة عن الامن العاطفى الذى احسسته كل تلك المدة الطويلة، فى العرب؟".
    فى صحراء نجد
    فى عام 1932 قرر محمد اسد الرحيل الى مكة المكرمة عبر الصحراء السورية، وكان رفيقه فى الترحال شابا بدويا من اهل نجد اسمه "زيد" كان قد تعرف عليه فى الشام، وسيكتب القدر على زيد هذا ان يكون شريكه فى كل جولاته الاسطورية عبر الجزيرة العربية، وفى المغامرة الكبرى التى قام بها فى الطريق الى ايران وكان كل منهما يمتطى ظهر هجين وليس معهما سوى النزر اليسير من الطعام والماء. كان البيت الحرام هدفه من هذه الرحلة الاولى بعد اعتناقه الاسلام، وكان متعجلا الوصول اليها "ذلك ان املا غريبا وترقبا شخصيا كانا يجذباننى الى مكة، كأنما ذلك المركز الروحى للعالم الاسلامى بما كان يكتظ فيه من شعوب عديدة من جميع زوايا العالم : كان ضربا من الوعد، بابا يولجنى فى عالم اوسع من ذلك الذى كنت اعيش فيه وقتئذ، لم يكن ذلك لاننى سئمت جزيرة العرب.. لا لقد احببت صحاريها وبلدانها وعادات اهلها كما احببتها دائما. لقد اعطتنى جزيرة العرب كل ما كان لها ان تعطينى".
    كان ذلك الملل الذى اعتراه فى هذه الرحلة مع زيد شبيها بذلك الملل الشديد الذى شعر به عندما عاد الى أوروبا بعد اول رحلة الى الشرق الادنى فشعر بصدمة عندما ادرك انه ينظر الى المشاهد الاوروبية بعين الغريب، لقد بدا الناس فى عينه بشعين، وحركاتهم حادة خرقاء، "وفجأة ادركت ان هؤلاء الاوروبيين يعيشون فى عالم من الادعاء والتظاهر، وكان واضحا ان اتصالى بالعرب بدل بالكلية نظرتى الى ما كنت اعتبره جوهريا فى الحياة، واتضح لى ان افتقار اوروبا الى الوحدة الداخلية الذاتية، وحالتها الاخلاقية المضطربة : ربما كانا ناتجين عن فقدانها ذلك الاتصال بمعتقدها الدينى الذى صاغ المدينة الاوروبية عالم يعتريه الجيشان والاضطراب: ذلك كانا عالمنا الغربى . سفك دماء وتدمير وعنف الى حد لم يسبق له مثيل . وصراع مرير فى سبيل طرائق الحياة : تلك كانت امارات عصرنا.
    فى عقر دار الوهابية
    يسلك محمد اسد فى كتابه اسلوب التداخل بين ماضيه وحاضره، فهو يأخذك الى حياته الاولى فى اوروبا عندما كان يهوديا، وفجأة ينتقل بك الى عالم العرب والاسلام، لقد قضى عدة ايام فى ضيافة الامير "ابن مساعد" الذى ينتمى الى فرع جلوى من آل سعود حيث كان يحكم مدينة "حايل" وهى اذ ذاك قرية بدوية فى صحراء "نجد" التى انطلقت منها دعوة الشيخ محمد بن عبدالوهاب قبل مائتى عام . ومنها قاد لواء حركة دينية متوقدة لا تلين، والتى تعرف "بالوهابية"، والوهابيون - فى رأى محمد اسد - ليسوا بالتأكيد اتباع مذهب خاص، وليس فيها اية مبادئ او تعاليم مستقلة، بل على العكس: لقد حاولت هذه الحركة ان تقضى على جميع البدع والقشور الداخلية التى نمت خلال العصور، وان تعود الى رسالة النبى الاصلية "ولاشك ان هذه المحاولة كانت بوضوحها الذى لا يرقى اليه شك: محاولة عظيمة كان يمكن ان تؤدى مع الزمن، الى تحرير الاسلام تحريرا كاملا من جميع الخرافات التى حجبت الرسالة" وهو يرى ان جميع حركات النهضة فى الاسلام اليوم : حركة اهل الحديث فى الهند، وحركة السنوسى فى شمال افريقيا، ونشاط الافغانى ومحمد عبده المصري: انما ترجع الى الدافع الروحى الذى حركه فى القرن الثامن عشر محمد بن عبدالوهاب الا ان التطور النجدى لتعاليمه يعانى نقصين منعاه من ان يصبح قوة ذات مصير روحى. اولهما هو: الضيق الذى يسعى ذلك التطور النجدى الى ان يقصر به جميع المساعى الدينية على التمسك بحرفية التعاليم، ضاربا صفحا عن ضرورة النفاذ الى مضامينها الروحية، وثانى هذين النقصين متأصل فى الخلق العربى نفسه فى الشعور المتحمس المتأكد من صلاح نفسه، والذى لا يقر لاحد بحق المخالفة.. كان عرب نجد قبل محمد بن عبدالوهاب اكثر بعدا عن الاسلام، بينما اخذوا منذ ظهوره يعتبرون انفسهم: لا ابطال الدين وفرسانه فحسب، بل تقريبا اصحابه الوحيدين ايضا.
    دخل الإسلام قلبي إلى الأبد
    استأنف محمد اسد ورفيقه زيد الرحيل الى المدينة المنورة بعد ان انضم اليهما ثالث يدعى منصور، كلفه الامير ابن مساعد بمرافقتهما، وكان ذا وجه صارم يوحى بالرجولة الكاملة، ولكنه كان دائم السؤال عن حقيقة اسلام هذا الرجل اليهودى، ومدى صدقه فى اعتناق الاسلام، وذات ليلة حطوا الرحال فى البر واخذوا فى تناول طعام العشاء، ولم يكن منصور قد ارضى فضوله بعد عن كيفية اسلام اسد، "وبينما كنت احاول ان افسر ذلك له عجبت لمقدار الصعوبة فى التعبير عن الطريق الطويل الذى قطعته الى الاسلام: ذلك ان الاسلام، يا منصور قد دخل الى نفسى، كما يدخل السارق خلسة الى البيت دونما صوت او جلبة، إلا انه يختلف عن السارق من حيث انه قد دخل قلبى ليبقى فيه الى الابد.. لقد انفقت سنين عديدة قبل ان اكتشف اننى سأصبح مسلما". وبعدها نهضنا لاداء صلاة العشاء مولين وجوهنا شطر مكة، وقف زيد بجانب
    منصور، بينما وقفت انا امامهما، اؤم صلاة الجماعة. وبدأ الصلاة قائلا: الله اكبر.
    جمال بدوي
     

مشاركة هذه الصفحة