قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة .

الكاتب : الامير الضالعي   المشاهدات : 456   الردود : 0    ‏2001-08-13
      مشاركة رقم : 1    ‏2001-08-13
  1. الامير الضالعي

    الامير الضالعي عضو نشيط

    التسجيل :
    ‏2001-07-02
    المشاركات:
    410
    الإعجاب :
    0
    بسم الله الرحمن الرحيم
    احبتي كثر الخوض في موضوع التوسل والوسيلة وكل واحد من الاخوة ادلى بدلوه ولكن لاشك بان السير على درب السنة النبوية هو الحافظ من كل زلل وقبل الخوض في هدا الموضوع احب ان انقل هدا النص من كتاب ((قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة )):دراسة وتحقيق ربيع بن هادي يحفظه الله ((إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
    أَمَّا بعد: فإن التوحيد سر القرآن ولب الإيمان - كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - وهو دعوة جميع الرسل ومحور جميع الكتب السماوية، وهو صراط الله المستقيم، ولا سبيل إلى الجنة والنجاة من النار إلا به. ومن أجله شرع الجهاد وعلى أساسه ربى الأنبياء أتباعهم، أدرك ذلك سلفنا الصالح اهتداء بالقرآن والسنة، وجهله كثير من الناس وعلى رأسهم كثير من أدعياء العلم، بعد ذهاب العلماء حقًّا وبعد القرون المفضلة.
    ألهاهم عن التوحيد علوم اليونان؛ الفلسفة والمنطق والكلام وألهاهم التصوف وما امتزج به من حلول واتحاد وخرافات وأساطير وتعلق بالقبور وغلو في الأموات من الصالحين وغير الصالحين، ومع كل هذا لا يزال في الأمة من هو قائم بالحق وثابت عليه، يقيم حجة الله على عباده كما أشار إلى ذلك رسول الله e بقوله: "لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله"( ). إلى أن أتى الله بشيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله – الذي أمده الله بمواهب وطاقات أهلته لحمل لواء السنة وراية التوحيد وشجعته أن يتصدى للباطل وأهله في كل مجال بقوة وشجاعة وعلم واسع قل أن تتوافر في غيره بعد القرون المفضلة؛ فكان من ثمار ذلك الجهاد والعلم مؤلفاته الكثيرة النافعة التي لا يوجد لها نظير في شمولها وقوتها وعمقها وذيادها عن الحق ودك صروح الباطل في شتى ألوانه وصوره والتي هي المنار المضيء بعد كتاب الله وسنة رسول الله لكل مصلح ناصح يريد للأمة الإسلامية السعادة والفلاح والنجاح في الدنيا والآخرة.
    ومن بين مؤلفاته النافعة الجليلة "قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة" أحببت أن أقدمها للقرّاء الكرام في أحسن ثوب وأجمل صورة ولقد بذلت أقصى ما عندي من جهد في خدمتها من ضبط نصوصها وتخريج أحاديثها والحكم عليها وتخريج الآثار وعزو الأقوال إلى مصادرها وعمل الفهارس النافعة لها، ولا أدعي الكمال فالنقص والتقصير لازمة من لوازم البشر.
    أسأل الله أن ينفعني والقراء الكرام بما حوته من عقيدة وقواعد ومقاصد ونصوص ضمنها المؤلف العظيم هذا الكتاب المبارك.
    الأسباب الدافعة إلى العمل في هذا الكتاب
    أول الأسباب وأهمها هو أني في إحدى مطالعاتي في هذا الكتاب استوقفتني كلمة استبعدت أن تكون ممن هو دون شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - فضلاً عن أن تكون منه والكلمة هي: "والرغبة إلى الله ورسوله" في ص 44 س 12 كما في نسخة محب الدين الخطيب - رحمه الله - نشر المكتبة العلمية. بيروت و ص 44 س 4 من طبعة زهير الشاويش سنة 1390هـ 1970م والتي راجعها - بطلب من الشيخ زهير - كل من الشيخ شعيب أرناؤوط والشيخ أحمد القطيفاني على المخطوطة المحفوظة في الظاهرية.
    وتكرر الخطأ نفسه في الطبعة الثانية لزهير سنة 1398هـ - 1978م ولم ينج من هذا الخطأ الشيخ عبد القادر أرناؤوط حيث خدم هذا الكتاب مشكورًا ونشره له مكتبة دار البيان في دمشق سنة 1405هـ- 1985م وجاء الخطأ نفسه في نسخته ص 49 س 18 وكذلك جاء الخطأ نفسه في الطبعة التي راجعها الشيخ عطية محمد سالم، والخطأ جسيم جداً ولا أدري كيف خفي على هؤلاء الأفاضل وواضح جداً من كتاب الله ومن سنة رسوله أن الرغبة كسائر قضايا التوحيد من العبادات التي لا يجوز أن يتوجه بها العبد إلا إلى الله وحده جل جلاله، كما قال تعالى (94 : 7، 8): {فإذا فرغت فانصب وإلى ربك فارغب}. وكما قال تعالى (9 : 59): {وقالوا حسبنا الله سيؤتينا الله من فضله ورسوله إنا إلى الله راغبون}.
    وكم رأينا شيخ الإسلام ابن تيمية يقرر في كتبه أن الرغبة من العبادات الخاصة بالله حتى في هذا الكتاب "التوسل والوسيلة" قرر فيه عدة مرات قبل هذا الموضع وبعده أن الرغبة من العبادات التي لا يجوز صرفها إلى غير الله، انظر إليه وهو يقرر أن الرغبة والحسب من خصائص الله لا يشركه فيها غيره.
    قال رحمه الله: "وسؤال الخلق في الأصل محرم، لكنه أبيح للضرورة وتركه توكلاً على الله أفضل، قال تعالى (94 : 7، 8): {فإذا فرغت فانصب وإلى ربك فارغب} أي ارغب إلى الله لا إلى غيره.
    وأما الحسب فأمرهم أن يقولوا: {حسبنا الله}، لا أن يقولوا حسبنا الله ورسوله، ويقولوا: (9 : 59) {إنا إلى الله راغبون}، لم يأمرهم أن يقولوا: إنا إلى الله ورسوله راغبون.
    فالرغبة إلى الله وحده، كما قال تعالى في الآية الأخرى (24: 52): {ومن يطع الله ورسوله ويخش الله ويتقْهِ فأولئك هم الفائزون}، فجعل الطاعة لله والرسول، وجعل الخشية والتقوى لله وحده "التوسل والوسيلة" ص 56 الفقرتان (154، 155) وانظر ص 237 الفقرة 659 فإنه تكلم عن الرغبة وغيرها بمثل هذا الكلام الذي سقناه لك.
    وقال رحمه الله في كتاب الرد على الأخنائي (ص 98): "ويدخل في العبادة جميع خصائص الرب، فلا يتقى غيره، ولا يخاف غيره، ولا يتوكل على غيره، ولا يدعى غيره، ولا يصلى لغيره، ولا يصام لغيره، ولا يتصدق إلا له ولا يحج إلا إلى بيته، قال تعالى (النور: 52): {ومن يطع الله ورسوله ويخش الله ويتقهِ فأولئك هم الفائزون} فجعل الطاعة لله والرسول، وجعل الخشية والتقوى لله وحده وقال تعالى (التوبة: 59): {ولو أنهم رضوا ما آتاهم الله ورسوله وقالوا حسبنا الله سيؤتينا الله من فضله ورسوله إنا إلى الله راغبون} فجعل الإيتاء لله والرسول. كما قال تعالى (الحشر: 7): {وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا} وجعل التوكل والرغبة إلى الله وحده. وكثيراً ما يذكر هذا في كثير من مؤلفاته رحمه الله.
    كان الخطأ السابق وما أعرفه في هذه القضية وما أعرفه من منهج شيخ الإسلام فيها وفي مثيلاتها من الجزم بأنها من العبادات الخاصة بالله، من أقوى الدوافع للقيام بخدمة هذا الكتاب فرأيت لزاما البحث أولاً عن أصوله الخطية في المكتبات الإسلامية ومظان وجودها؛ فشرعت في البحث والسؤال عنها، وكنت أعلم أن هذه الطبعات كلها ترجع إلى الأصل الذي ضمنه ابن عروة كتابه العظيم "الكواكب الدراري" لكني سمعت من بعض المعنيين بالمخطوطات أنه يوجد نسختان في الرياض، إحداهما في مكتبة عبد الرحمن بن قاسم، والثانية في المكتبة السعودية فطلبت من والدنا الكريم وشيخنا الكبير سماحة رئيس الإفتاء والدعوة والإرشاد الشيخ عبد العزيز بن عبدالله بن باز - رحمه الله - أن يحاول الحصول على النسختين المذكورتين فبذل جهدًا مشكورًا للحصول عليهما ثم بعد البحث تبين له أنهما لا يوجدان في المكتبتين المذكورتين فأبلغني بذلك ثم لعله كلف الشيخ سعدًا الحصين بأن يصور لي صورة عن مخطوطة الكواكب بالظاهرية فتكرم مشكورًا بإرسال صورة منها فتناولتها مبتهجاً بها شاكراً ومقدرًا جهود شيخنا الكبير نفع الله به ثم تعاون أخينا سعد الحصين ومبادرته بإرسالها وأول شيء بدأت بقراءته من المصورة هوتلك الكلمة فوجدت ما حقق اعتقادي في شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وهو أن الكلمة كما وضعها المؤلف "والرغبة إلى الله وسؤاله" فطرت بذلك فرحًا ثم شمرت عن ساعد الجد لخدمة هذا الكتاب العظيم خدمة تليق بمكانته العظيمة بين كتب شيخ الإسلام وكتب التوحيد وبعد إنجازه ظهرت للكتاب طبعة جديدة للشيخ عبد القادر أرناؤوط.
    فأول شيء أحببت الاطلاع عليه هو تلك الكلمة الخاطئة راجياً أن يكون قد انتبه لها وقام بتصحيحها فصدمت بأنه قد اشترك مع سابقيه في هذا الخطأ وإني لأرجو الله أن يتجاوز عن تساهلهم وأن يكرمني بجزاء تصحيح هذا الخطأ الجسيم.
    ومن الأسباب التي دفعتني لخدمة هذا الكتاب مكانته العظيمة ومكانة مؤلفه الكبير.
    ومن الأسباب أيضاً حب عقيدة التوحيد والحرص علىتقديم جهد في ميادينها.
    والسبب الرابع والأخير أن الكتاب لم يخدم الخدمة اللائقة بمكانته إلى حين شروعي في خدمته.
    الكتب التي ألفت في التوسل:
    منها: هذا الكتاب العظيم.
    ومنها: كتاب آخر أقل حجماً منه لشيخ الإسلام نفسه وهو من مصورات مكتبة الجامعة الإسلامية.
    ومنها: مؤلف للشوكاني وهو من مصورات الجامعة.
    وقد تعرض للتوسل كثير من المخالفين لشيخ الإسلام ابن تيمية وكتاباتهم تدل على تعسف ومجازفات، وتدل على جهل يؤدي إلى الخلط الشنيع بين التوسل والاستغاثة ويؤدي ثانياً إلى هدم قواعد التوحيد وتحريف نصوص الكتاب والسنة، ويؤدي إلى تضليل الأمة الإسلامية وإيقاعهم في مهاوي الشرك بحجة أن الآيات التي تضلل وتكفر من يدعو غير الله إنما تعني كفار قريش والعرب خاصة، فإذا دعا القرشي أو غيره من العرب غير الله في وقت نزول القرآن وقبله فهو مشرك كافر، وإذا دعا غير الله من يدعي الإسلام فهذا في نظرهم جائز أو هو مما يقرب إلى الله زلفى.
    وفي العصر الحاضر ألف علامة الشام ومحدثها الشيخ محمد ناصر الدين الألباني حفظه الله كتاباً في التوسل وأحكامه فأجاد وأفاد.
    وللشيخ نسيب الرفاعي أحد كبار تلاميذ الشيخ الألباني كتاب "التوصل إلى حقيقة التوسل" أجاد فيه وأفاد.
    ولكن ميزة ما كتبه شيخ الإسلام في هذا الكتاب أنه وضع قضية التوحيد نصب عينيه فجعل من الكتابة عن التوسل وسيلة إلى توضيح قضايا التوحيد ووسائله وقضايا الشرك ووسائله معتمدًا في توضيحه على الكتاب والسنة وقواعد التوحيد والأصول واللغة والتاريخ.
    ولشيخ الإسلام عناية خاصة بالتوحيد بأنواعه لا يخلو كتاب من كتبه من هذه العناية.
    ومما شارك هذا الكتاب في موضوعه من مؤلفات شيخ الإسلام "الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان" وكتاب "العبودية" وكتاب "الرد على البكري" وكتاب "الرد على الأخنائي" وكتابه الآخر في التوسل ولا يخلو كتاب من كتبه من التركيز على قضية التوحيد.
    عملي في هذا الكتاب:
    أولاً : حرصت على ضبط نص الكتاب، فقابلت بين المخطوطة وبين نسختين مطبوعتين إحداهما: نسخة محب الدين الخطيب رحمه الله والتي صورتها المكتبة العلمية ببيروت وحذفت تاريخ الطبع وثانيتهما: نسخة زهير الشاويش طبع دار العربية للطباعة والنشر عام 1390 بمراجعة الأستاذ شعيب أرناؤوط، والأستاذ أحمد القطيفاني على مخطوطة الظاهرية.
    وكان يشاركني في المراجعة أحد الطلاب النبهاء فاستدركنا على الطبعتين المذكورتين أخطاء من أهمها الخطأ الكبير الذي نوهنا عنه سابقاً.
    ثانياً: خرجت الأحاديث والآثار من مصادرها وكثيرًا ما أضيف مصادر لم يذكرها شيخ الإسلام.
    ثالثاً: عزوت الأقوال التي نقلها شيخ الإسلام إلى المصنفين الذين نقل عنهم والأئمة والمذاهب إلى مصادرها بقدر الإمكان.
    رابعاً: حكمت على الأحاديث بالحسن أو الصحة أو الضعف في ضوء الدراسة وقواعد أهل الحديث.
    خامساً: علقت بعض التعليقات في المواضع التي تتطلب التعليق وهي مهمة جداً والحمد لله.
    سادساً: استفدت من تعليقات الطبعتين المذكورتين اللغوية وغيرها فأبقيت منها ما رأيته مناسباً.
    سابعاً: اعتمدت في ترقيم الآيات القرآنية على ترقيم الطبعتين مع العودة في بعض الأحيان إلى المصحف الكريم للتأكد.
    ثامناً: عملت مقدمة اشتملت على ترجمة موجزة لشيخ الإسلام رحمه الله وملخص لمقاصد الكتاب وفكرة عن منهج شيخ الإسلام فيه وأسباب عملي في الكتاب ووصف المخطوطة.
    تاسعاً: عملت فهارس للأحاديث والآثار والأعلام والموارد والطوائف وموضوعات الكتاب.
    وقد ساق الشيخ يحفظه الله لمحة عن حياة الامام ابن تيمية يرحمه الله واكتفي بما وصفه وهي قليلة على شيخ الاسلام بحق ((هو شيخ الإسلام ابن تيمية الإمام المحدث الحافظ الناقد والمفسر الغواص في معاني القرآن والمؤرخ المطلع على أحداث التاريخ المبرز في العلوم النقلية والعقلية على كبار المتخصصين فيها والآمر بالمعروف الناهي عن المنكر الزاهد العابد المجاهد المظفر في ميادين القتال وفي ميادين الدفاع عن حياض الإسلام بالحجة والبرهان.
    سيف الله المسلول على الفلاسفة والملحدين وعلى الغلاة المبتدعين، جندت كثير من الأقلام لترجمته وإبراز شخصيته الفذة وسطرت في هذا الشأن عشرات من المجلدات( ) وفي ذلك ما يغني القارئ عن أن أترجم له في هذه المقدمة، غير أني أرى أن أتحف القارئ بشذرات مما زكاه به كبار علماء عصره تتناول بعض الجوانب من حياته وأن أعطيه فكرة مجملة عن كثرة مصنفاته الدالة على تبحره في العلوم وامتلاك نواصيها.
    1 - قال الإمام الحافظ أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عبدالهادي (ت744): "هو الشيخ الإمام الرباني إمام الأئمة، ومفتي الأمة، وبحر العلوم، سيد الحفاظ، وفارس المعاني والألفاظ، فريد العصر وقريع الدهر، شيخ الإسلام، وعلامة الزمان ترجمان القرآن، علم الزهاد، أوحد العباد وقامع المبتدعين وآخر المجتهدين، تقي الدين أبوالعباس، أحمد بن الشيخ الإمام العلامة شهاب الدين أبي المحاسن، عبد الحليم بن الشيخ الإمام العلامة، شيخ الإسلام مجد الدين أبي البركات، عبد السلام بن أبي محمد عبد الله بن أبي القاسم الخضر بن محمد بن الخضر بن علي بن عبد الله ابن تيمية الحراني، نزيل دمشق، صاحب التصانيف التي لم يسبق إلى مثلها"( ).
    2 - وقال الإمام الحافظ الفقيه الأديب ابن سيد الناس فتح الدين أبوالفتح محمد بن محمد اليعمري المصري الشافعي: وهو يتحدث عن المزي: "وهو الذي حداني على رؤية الشيخ الإمام شيخ الإسلام تقي الدين أبي العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية، فألفيته ممن أدرك من العلوم حظاً، وكاد أن يستوعب السنن والآثار حفظاً. إن تكلم في التفسير، فهو حامل رايته، أو أفتى في الفقه، فهو مدرك غايته، أو ذاكر في الحديث فهو صاحب علمه وذو روايته، أو حاضر بالملل والنحل، لم ير أوسع من نحلته في ذلك، ولا أرفع من درايته. برز في كل فن على أبناء جنسه، ولم تر عين من رآه مثله ولا رأت عينه مثل نفسه( ).
    3 - وقال الإمام الحافظ الناقد أبوالحجاج يوسف المزي (ت742):
    ما رأيت مثله، ولا رأى هو مثل نفسه، وما رأيت أحدًا أعلم بكتاب الله وسنة رسوله ولا أتبع لهما منه".
    4 - وقال العلامة كمال الدين ابن الزملكاني:
    "كان إذا سئل عن فن من العلم ظن الرائي والسامع أنه لا يعرف غير ذلك الفن، وحكم أن أحدًا لا يعرفه مثله، وكان الفقهاء من سائر الطوائف، إذا جلسوا معه استفادوا في مذاهبهم منه ما لم يكونوا قد عرفوه قبل ذلك، ولا يعرف أنه ناظر أحدًا فانقطع معه ولا تكلم في علم من العلوم سواء أكان من علوم الشرع أم غيرها إلا فاق فيه أهله والمنسوبين إليه، وكانت له اليد الطولى في حسن التصنيف وجودة العبارة والترتيب والتقسيم والتبيين.. واجتمعت فيه شروط الاجتهاد على وجهها"( ).
    وقال الإمام الحافظ أبوعبد الله شمس الدين الذهبي (ت 748) وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله -:
    "كان آية في الذكاء وسرعة الإدراك رأساً في معرفة الكتاب والسنة، والاختلاف، بحراً في النقليات، هو في زمانه فريد عصره علماً وزهداً وشجاعة وسخاء وأمراً بالمعروف ونهياً عن المنكر وكثرة التصانيف وقرأ وحصل وبرع في الحديث والفقه وتأهل للتدريس والفتوى وهو ابن سبع عشرة سنة وتقدم في علم الأصول وجميع علوم الإسلام: أصولها وفروعها، ودقها وجلها سوى علم القراءات فإن ذكر التفسير فهو حامل لوائه، وإن عد الفقهاء فهو مجتهدهم المطلق، وإن حضر الحفاظ نطق وخرسوا وسرد وأُبلسوا واستغنى وأفلسوا وإن سمي المتكلمون فهو فردهم، وإليه مرجعهم، وإن لاح ابن سيناء يقدم الفلاسفة فلَّهم وتيَّسهم وهتك أستارهم وكشف عوراهم وله يد طولى في معرفة العربية والصرف واللغة، وهو أعظم من أن يصفه كلمي أو ينبه على شأوه قلمي، فإن سيرته وعلومه ومعارفه ومحنه وتنقلاته تحتمل أن توضع في مجلدتين وهو بشر من البشر له ذنوب فالله يغفر له ويسكنه أعلى الجنة فإنه كان رباني الأمة فريد الزمان وحامل لواء الشريعة وصاحب معضلات المسلمين، وكان رأسا في العلم يبالغ في إطراء قيامه في الحق، والجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مبالغة ما رأيتها ولا شاهدتها من أحد، ولا لحظتها من فقيه.
    وقال في مكان آخر: قلت: وله خبرة تامة بالرجال وجرحهم وتعديلهم وطبقاتهم ومعرفة بفنون الحديث وبالعالي والنازل وبالصحيح وبالسقيم مع حفظه لمتونه الذي انفرد به، فلا يبلغ أحد في العصر رتبته، ولا يقاربه وهو عجب في استحضاره واستخراج الحجج منه وإليه المنتهى في عزوه إلى الكتب الستة والمسند بحيث يصدق عليه أن يقال: "كل حديث لا يعرفه ابن تيمية فليس بحديث" لكن الإحاطة لله غير أن يغترف من بحر، وغيره من الأئمة يغترفون من السواقي.
    وأما التفسير فمسلم إليه، وله في استحضار الآيات من القرآن - وقت إقامة الدليل بها على المسألة - قوة عجيبة، وإذا رآه المقرئ تحير فيه، ولفرط إمامته في التفسير وعظم إطلاعه يبين خطأ كثير من أقوال المفسرين ويوهي أقوالاً عديدة وينصر قولاً واحدًا موافقاً لما دل عليه القرآن والحديث.
    ويكتب في اليوم والليلة من التفسير أو من الفقه أو من الأصلين أو من الرد على الفلاسفة والأوائل نحوًا من أربعة كراريس أو أزيد، وما أبعد أن تصانيفه الآن تبلغ خمسمائة مجلدة، وله في غير مسألة مصنف مفرد في مجلد( ).
    وهده احبتي مقتطفات من الكتاب اسوقها لكم لعل الله ينفعني بها واياكم :
    قال - رحمه الله - في ص (244) من "التوسل" وفقرة (687): "فإن هذه القواعد المتعلقة بتقرير التوحيد، وحسم مادة الشرك والغلو كلما تنوع بيانها ووضحت عباراتها، فإن ذلك نور على نور".
    وقال - رحمه الله - وقد ذكر مصنفًا له ذكر فيه قواعد تتعلق بحكم الحكام.. "لإفراد الكلام في هذا الموضوع (يعني كتاب التوسل) على قواعد التوحيد ومتعلقاته". الفقرة (686).
    وقال في خاتمة ملحق هذا الكتاب فقرة (945):
    "فهذا آخر السؤال والجواب الذي أحببت إيراده هنا بألفاظه لما اشتمل عليه من المقاصد المهمة والقواعد النافعة في هذا الباب مع الاختصار، فإن التوحيد، هو سر القرآن ولب الإيمان، وتنويع العبارة بوجوه الدلالات من أهم الأمور وأنفعها للعباد في مصالح المعاش والمعاد".
    فهذا هو موضوع الكتاب. وضع قواعد ترمي إلى أسمى الغايات وهي:
    أولاً: تقرير التوحيد الذي أرسل الله من أجله تقريره جميع الرسل، وأنزل من أجله جميع الكتب.
    ثانياً: حسم مادة الشرك، الذي جاءت كلُّ الرسالات لحسمه ومحوه وتطهير الأرض والقلوب والنفوس من أقذاره وأدرانه.
    ثالثاً: حسم مادة الغلو في أي ناحية من نواحي الدين العقائدية والتشريعية. قال تعالى: {يا أهل الكتاب لا تغلو في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق} سورة النساء، آية (171). وقال رسول الله e: "لاتطروني كما أطرت النصارى ابن مريم إنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله"( ).
    آمن هذا الإمام - وهو الحق - "بأن التوحيد هو سر القرآن ولب الإيمان" فهو حري بأن توضح قواعده وأن تنوع فيه العبارات بوجوه الدلالات. حتى ترسخ عقيدة التوحيد واضحة جلية في نفوس وعقول الأمة الإسلامية، ويزول الغبش واللبس وتنقشع سحب الظلام التي تعكسها كتابات وأعمال ودعايات من لايدري ماهو التوحيد، وما هو الشرك فلا يعرفون ذلك من الكتاب ولا من السنة ولا من واقع الصحابة والتابعين لهم بإحسان فهم أبعد الناس وأعجزهم عن استخراج القواعد والمقاصد، لأصل دين الله - توحيد الله وإخلاص العبادة له وتطهيره من شوائب الشرك والضلال.
    انطلق شيخ الإسلام في هذا الكتاب وغيره من مصنفاته العظيمة لتحقيق هذه الغايات الكبيرة، وهي منطلق جميع الأنبياء لتقرير التوحيد بكل أنواعه وقواعده وكلياته وجزئياته، ولحسم مادة الشرك بكل أنواعه وأسبابه ووسائله، وسد أبواب الغلو وذرائعه.
    وانطلق خصومه وخصوم دعوة الأنبياء من منطلق خصوم الأنبياء:
    تغيظهم الدعوة إلى توحيد الله وإفراده سبحانه بالعبادة رغبة ورهبة وتوكلاً.
    وتغيظهم الدعوة إلى وصف الله بما وصف به نفسه من صفات الكمال والجلال في كتابه ووصفه به رسوله في سنته وآمن به سادة هذه الأمة وخير قرونها الصحابة والتابعون لهم بإحسان.
    وتغيظهم الدعوة إلى هدم الشرك وحسم مواده وسد أبوابه وذرائعه.
    وتزعجهم الدعوة إلى حسم باب الغلو الذي أهلك الأمم قبلنا ليقودوا هذه الأمة بمقاوماتهم للحق في كل هذه الميادين من هلاك إلى هلاك ومن هزيمة إلى هزيمة ومن دمار إلى دمار في دينهم ودنياهم.
    والفرق بين هذا الإمام الموحد المخلص وبين خصومه أنه رحمه الله يجعل من الكلام في التوسل والبحث فيه منطلقا إلى تحقيق التوحيد وإخلاصه لله وحده ودحض الشرك، والقضاء على وسائله وأسبابه. وخصومه يجعلون من التوسل منطلقاً إلى الشرك بالله وهدم قواعد التوحيد وتحريف نصوصه دفاعاً عن الشرك وذرائعه تحت ستار حب النبي e والأولياء والصالحين، والدفاع في زعمهم عن مكانتهم التي زين لهم الشيطان أن الدعوة إلى توحيد الله وإلى إخلاص العبادة له والدعوة إلى محاربة الشرك في كل مظاهره تعني الحط من مكانة الأنبياء والأولياء.
    ولكل قوم سلف فقد كان نوح يدعو إلى التوحيد ويحارب الشرك ولو كان بالصالحين كود وسواع ويغوث ويعوق وقد كان قومه الضالون يدافعون عن الشرك تحت شعار حب هؤلاء الصالحين ود وسواع... إلخ ولقد قالوا في حماس: {وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودًّا ولا سواعًا ولا يغوث ويعوق ونسرًا} سورة نوح، آية (23).
    إن هذا الإمام المجاهد المناضل عن التوحيد والحق قد وقف حياته للدعوة إلى الحق في ميادينه مدافعًا عنه بكل ما منحه الله من طاقات ومواهب، واضعًا نصب عينيه كتاب الله وسنة رسوله e، وما أُثِر عن السلف الصالح من الصحابة والتابعين لهم بإحسان في مجال العقيدة والعبادة والتشريع وسائر الميادين الإسلامية، وفي هذا الكتاب الجليل قد عالج القضايا الآتية:
    1 - التوسل وأنواعه وأشياء تتعلق وترتبط به.
    2 - الشفاعة بأنواعها وأشياء تجر إليها من لا يفهم.
    3 - الدعاء بأنواعه.
    مفرقاً فيها بين الحق والباطل والهدى والضلال بالأدلة الواضحة والحجج الساطعة.
    ومنهج شيخ الاسلام في هدا الكتاب :
    ((إن هذا الإمام واسع الاطلاع، طويل الباع، عميق الفهم فهو الإمام الفذ في التفسير وعلومه، والحافظ الناقد في الحديث وعلومه، وهو الفقيه المبرز والأصولي المتمكن، والمجتهد المطلق، والعالم بالملل والنحل، والمنطق والفلسفة والتصوف والكلام، والعارف بأباطيلها وزيفها وغشها وخداعها.
    عرف العلوم المسماة بالعقلية أكثر من أهلها المختصين فيها وعرف عيوبها وزيفها وخطرها وما تؤدي إليه من ضلال وهلاك، فوجه ما حباه الله به من طاقات، فزلزل قواعدها، ودك معاقلها.
    وعرف التصوف وما ينطوي عليه من شرور وخرافات وأباطيل واصطلاحات فاسدة ومغالطات تفسد وتدمر الدين والعقل، فثلَّ عروشه ودمر قواعده، وكشف تلك المغالطات بالحجج الواضحة والبراهين الساطعة.
    وخرج من معاركه العلمية والجهادية ظافرًا منتصرًا انتصاراً حاسماً فلا ترى لخصومه إلى يومنا هذا إلا معارك فاشلة وحججاً متهاوية وكلاماً فارغاً إلا من المغالطات التي لا تنطلي إلا على الأغبياء.
    ومن علامات هزائمهم أن كثيراً منهم يتظاهرون بمدحه واحترامه، ثم يكيدون لدعوته إلى التوحيد بنقل ما يزعمون أنه يؤيد باطلهم من كلامه بعد بتره وتشويهه.
    هذا ما يقال بصفة إجمالية بالنسبة لجهوده في مؤلفاته الجليلة.
    أَمَّا منهجه في هذا الكتاب فإنه يعرض القضية من القضايا ويدرسها من كل النواحي التي تتطلبها الدراسات العلمية؛ من الناحية اللغوية والتفسيرية والحديثية والتأريخية والأصولية والفقهية، ويضرب الأمثال، ويقرب النظير من الأمور إلى نظيره بطريقة فذة تدل على غزارة علمه وقوة استحضاره وقدرته على استحضار الأمثال والأشباه من المسائل وهذا شأنه في جميع مؤلفاته - رحمه الله -.
    وإنني لأعترف أنني لم أوف هذا الكتاب حقه من الدراسة لأسباب منها؛ خوف الإطالة وضيق وقتي، فأجتزئ بنماذج من منهجه الفذ في هذا الكتاب القيم.
    قال - رحمه الله - فيما يتعلق بلفظ التوسل فقرة (236): "إذا عرف هذا فقد تبين أن لفظ الوسيلة والتوسل فيه إجمال واشتباه يجب أن تعرف معانيه ويعطى كل ذي حق حقه، فيعرف ما ورد به الكتاب والسنة من ذلك ومعناه، وما كان يتكلم به الصحابة، ويفعلونه ومعنى ذلك، ويعرف ما أحدثه المحدثون في هذا اللفظ ومعناه. فإن كثيراً من اضطراب الناس في هذا الباب هو بسبب ما وقع فيه من الإجمال والاشتراك في الألفاظ ومعانيها حتى تجد أكثرهم لا يعرف في هذا الباب فصل الخطاب".
    ثم بين معاني التوسل والوسيلة في لغة القرآن والسنة وكلام الصحابة وأن من أعظم معاني التوسل التقرب إلى الله بالإيمان بالله ورسله وكتبه واليوم الآخر والقيام بكل واجب ومستحب أمر الله به ورسله، وطاعة الرسول في كل ما أمر به ونهى عنه، وأن من معانيه: التوسل إلى الله بدعائه وشفاعته في حياته في الدنيا وبدعائه وشفاعته في الحياة الأخرى وأثبت له أنواعاً من الشفاعة منها الشفاعة العظمى، وأن الصحابة إذا أطلقوا لفظ التوسل إنما يريدون به هذا.
    وأن التوسل في عرف كثير من المتأخرين يراد به الإقسام به، والسؤال به كما يقسمون ويسألون بغيره من الأنبياء والصالحين ومن يعتقدون فيه الصلاح.
    وهذا هو التوسل المحدث المبتدع، والذي ليس له أصل في الكتاب والسنة ولا في عرف الصحابة ومن اتبعهم بإحسان وقد بين كل هذه الأنواع بياناً شافياً مفرقاً فيها بين الحق والباطل، هذه فكرة إجمالية عن موضوع الكتاب الأساسي.
    وله جولات تتخلل بحوثه ومناقشاته العلمية؛ لغوية وتفسيرية وأصولية وفقهية وانتقادات حديثية وإلزامات جدلية يدعم بها وجهات نظره التي هداه الله إليها وسدد خطاه فيها.
    قال - رحمه الله - وهو ينتقد قصة المنصور مع مالك:
    1 - من جهة الإسناد:
    فقرة (384): "ثم ذكر حكاية - يعني القاضي عياضا - بإسناد غريب منقطع رواها عن غير واحد إجازة، ثم ذكر إسناده إلى محمد بن حميد الرازي وساق القصة إلى قوله: فقال - أي المنصور -: يا أبا عبدالله أستقبل القبلة وأدعوا أم أستقبل رسول الله e؟. فقال: ولم تصرف وجهك عنه؟ وهو وسيلتك ووسيلة أبيك آدم عليه السلام إلى الله يوم القيامة بل استقبله واستشفع به فيشفعك الله.
    قال تعالى: {ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله تواباً رحيما} سورة النساء، آية (64).
    قال شيخ الإسلام رحمه الله فقرة (385): "قلت:
    أ - وهذه الحكاية منقطعة فإن محمد بن حميد الرازي لم يدرك مالكاً، لا سيما في زمن أبي جعفر المنصور فإن أبا جعفر توفي بمكة سنة ثمان وخمسين ومائة وتوفي محمد بن حميد الرازي سنة ثمان وأربعين ومائتين.
    ولم يخرج من بلده حتى رحل في طلب العلم إلا وهو كبير مع أبيه.
    ب - وهو مع ذلك ضعيف عند أكثر أهل الحديث كذبه أبوزرعة وابن وارة.
    وقال صالح بن محمد الأسدي: "ما رأيت أحدًا أجرأ على الله منه، وأحذق بالكذب منه".
    وقال يعقوب بن شيبة: كثير المناكير.
    وقال النسائي: ليس بثقة.
    وقال ابن حبان: ينفرد عن الثقات بالمقلوبات.
    ج - وفي الإسناد أيضاً من لا يعرف حاله.
    د - وهذه الحكاية لم يذكرها أحد من أصحاب مالك المعروفين بالأخذ عنه.
    ومحمد بن حميد ضعيف عند أهل الحديث إذا أسند فكيف إذا أرسل حكاية لاتعرف إلا من جهته".
    هذه أربع علل تقدح في ثبوت هذه الحكاية من جهة الإسناد، كل واحدة منها كافية لردها:
    الأولى: الانقطاع بين محمد بن حميد وبين مالك.
    والثانية: الطعن في عدالته فهو ضعيف من جهة عدالته بل رمي بالكذب من أئمة معتبرين.
    والثالثة: تفرد هذا الرجل المطعون في عدالته بهذه الحكاية عن أصحاب مالك على كثرة عددهم وعدالتهم وملازمتهم لمالك.
    والرابعة: جهالة بعض رواة هذه القصة.
    2 - ثم يردها من وجه آخر وهو طريقة أصحاب مالك وشروطهم في قبول المسائل الفقهية البحته فكيف بالمسائل الفقهية العقدية التي تناقض مذهبه مناقضة صريحة.
    فقال: "وأصحاب مالك متفقون على أنه بمثل هذا النقل لا يثبت عن مالك قول له في مسألة في الفقه. بل إذا روى عنه الشاميون كالوليد ابن مسلم ومروان بن محمد الطاطري ضعفوا رواية هؤلاء، وإنما يعتمدون على رواية المدنيين والمصريين فكيف بحكاية تناقض مذهبه المعروف عنه من وجوه، رواها واحد من الخراسانيين لم يدركه، وهو ضعيف عند أهل الحديث" الفقرة (386).
    3 - ثم إن ما يتعلق به المجيزون للتوسل بالجاه وبالذوات لا دليل
    لهم في هذه الحكاية التي تعلقوا بها، فيقول في الفقرة (387)( ):
    "مع أن قوله: وهو وسيلتك ووسيلة أبيك آدم عليه السلام يوم القيامة" إنما يدل على توسل آدم وذريته يوم القيامة، وهذا هو التوسل بشفاعته يوم القيامة وهذا حق كما جاءت به الأحاديث الصحيحة وساق حديثاً من أحاديث الشفاعة.
    4 - مناقضتها لمذهب مالك المعروف عنه من وجوه أحدها: قوله: "أستقبل القبلة وأدعوا أم أستقبل رسول الله e وأدعو؟".
    فقال: - أي مالك - "ولم تصرف وجهك عنه وهو وسيلتك ووسيلة آبيك آدم".
    فإن المعروف عن مالك وغيره من الأئمة وسائر السلف من الصحابة والتابعين، أن الداعي إذا سلم على النبي e، ثم أراد أن يدعو لنفسه فإنه يستقبل القبلة، ويدعو في مسجده، ولا يستقبل القبر ويدعو لنفسه بل إنما يستقبل القبر عند السلام على النبي e والدعاء له.
    هذا قول أكثر العلماء كمالك في إحدى الروايتين والشافعي وأحمد وغيرهم.
    وعند أصحاب أبي حنيفة، لا يستقبل القبر - وقت السلام عليه - أيضاً، ثم منهم من قال: "يجعل الحجرة عن يساره، وقد رواه ابن وهب عن مالك".
    ثم نقل الروايات عن مالك في هذه القضية عن القاضي عياض عن المبسوط في مذهب مالك وعن غيره ونقل أقوال أصحاب مالك رحمهم الله ونقل كلام الباجي وابن حبيب وغيرهما، واستدلالهم بالأحاديث وبفعل ابن عمر وبواقع التابعين.
    5 - ثم انتهى إلى القول الآتي: "فدل ذلك على أن ما في الحكاية المنقطعة في قوله: "استقبله واستشفع به". كذبٌ على مالك مخالف لأقواله وأقوال أصحابه والتابعين وأفعالهم التي نقلها مالك وأصحابه، ونقلها سائر العلماء، إذ كان أحد منهم لم يستقبل القبر للدعاء لنفسه، فضلاً عن أن يستقبله ويستشفع به يقول له: يارسول الله اشفع لي أو ادع لي أو يشتكي إليه المصائب في الدين والدنيا أو يطلب منه أو من غيره من الأموات من الأنبياء والصالحين، أو من الملائكة الذين لا يراهم، أن يشفعوا له أو يشتكي إليهم المصائب، فإن هذا كله من فعل النصارى وغيرهم من المشركين، ومن ضاهاهم من مبتدعي هذه الأمة ليس هذا من فعل السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان ولا مما أمر به أحد من أئمة المسلمين".
    وهكذا يبطل هذه القصة من جهات عديدة: من جهة إسنادها ومتنها، ومن جهة مناقضتها للمعروف المشهور من مذهب الإمام مالك الذي نسبت إليه كذبا وبمناقضتها لمذاهب الأئمة وما كان عليه خير القرون من سلف هذه الأمة.
    6 - يؤكد على فساد معنى هذه الحكاية فيقول في الفقرة (432):
    "ومعلوم أن هذا لم يأمر به النبي e، ولا سنه لأمته، ولا فعله أحد من الصحابة والتابعين لهم بإحسان ولا استحبه أحد من أئمة المسلمين، لا مالك ولا غيره من الأئمة فكيف يجوز أن ينسب إلى مالك مثل هذا الكلام الذي لا يقوله إلا جاهل لا يعرف الأدلة الشرعية ولا الأحكام المعلومة بأدلتها الشرعية، مع علو مالك، وعظم فضيلته وإمامته وتمام رغبته في اتباع السنة وذم البدع وأهلها وهل يأمر بهذا أو يشرعه إلا مبتدع، فلو لم يكن عن مالك قول يناقض هذا لعلم أنه لا يقوله".
    7 - ثم يكر على الحكاية وعلى فساد معناها من حيث اللغة العربية فيقول في فقرة (433): "ثم قال في الحكاية: "استقبله واستشفع به فيشفعك الله".
    والاستشفاع به معناه في اللغة، أن يطلب منه الشفاعة كما يستشفع الناس به يوم القيامة، وكما كان أصحابه يستشفعون به... .
    وإذا كان الاستشفاع منه طلب شفاعته، فإنما يقال في ذلك استشفع به فيشفعه الله فيك، لا يقال فيشفعك الله فيه، وهذا معروف في الكلام ولغة النبي e وأصحابه وسائر العلماء.
    يقال: شفع فلان في فلان فشفع فيه، فالمشفَّع الذي يشفِّعه المشفوع إليه هو الشفيع المستَشفَع به، لا السائل الطالب من غيره أن يشفع له.
    8 - ويستمر في نقاش لغوي وشرعي إلى أن يقول في فقرة (441): "ولكن هذا اللفظ الذي في الحكاية يشبه لفظ كثير من العامة الذين يستعملون لفظ الشفاعة في معنى التوسل فيقول أحدهم: اللهم إنا نستشفع إليك بفلان وفلان أي نتوسل به، ويقولون لمن توسل في دعائه بنبيٍّ أو غيره، قد تشفع به من غير أن يكون المستشفع به شفع له ولا دعا له بل وقد يكون غائباً لم يسمع كلامه ولا شفع له وهذا ليس هو لغة النبي e وأصحابه وعلماء الأمة، بل ولا هو لغة العرب، فإن الاستشفاع طلب الشفاعة، والشافع هو الذي يشفع للسائل فيطلب له مايطلب من المسئول المدعو المشفوع إليه.
    وأما الاستشفاع بمن لم يشفع للسائل ولا طلب له حاجة، بل وقد لا يعلم بسؤاله فليس هذا استشفاعاً لا في اللغة ولا في كلام من يدري ما يقول.
    نعم هذا سؤال به.. لكن هؤلاء لما غيروا اللغة كما غيروا الشريعة وسموا هذا استشفاعًا أي سؤالا بالشافع صاروا يقولون: استشفع به فيشفعك أي يجيب سؤالك به، وهذا مما يبين أن هذه الحكاية وضعها جاهل بالشرع واللغة وأين لفظها من ألفاظ مالك.
    9 - إلى أن يقول في فقرة (445): ومن لم يعرف لغة الصحابة التي كانوا يتخاطبون بها ويخاطبهم بها النبي e، وعادتهم في الكلام وإلاّ حرف الكلم عن مواضعه، فإن كثيراً من الناس ينشأ على اصطلاح قوم وعادتهم في الألفاظ، ثم يجد تلك الألفاظ في كلام الله ورسوله أو الصحابة، فيظن أن مراد الله أو رسوله أو الصحابة بتلك الألفاظ ما يريده بذلك أهل عادته واصطلاحه، ويكون مراد الله ورسوله والصحابة خلاف ذلك وهذا واقع لطوائف من الناس من أهل الكلام والفقه والنحو والعامة وغيرهم.
    وآخرون يتعمدون وضع ألفاظ الأنبياء وأتباعهم على معان أخر مخالفة لمعانيهم، ثم ينطقون بتلك الألفاظ مريدين بها ما يعنونه هم ويقولون إنا موافقون للأنبياء.
    وهذا موجود في كلام كثير من ملاحدة المتفلسفة والإسماعيلية ومن ضاهاهم من ملاحدة المتكلمة والمتصوفة مثل لفظ "المحدث" و "المخلوق" و"المصنوع" وإن كان عنده قديماً أزلياً، ويسمى بذلك الحدوث الذاتي ثم يقول: نحن نقول إن العالم محدث، ومعلوم أن لفظ المحدث بهذا الاعتبار، ليس لغة أحد من الأمم، وإنما المحدث عندهم: ما كان بعد أن لم يكن وكذلك يضعون لفظ الملائكة على ما يثبتونه من العقول والنفوس، وقوى النفس، ولفظ الجن والشياطين على بعض قوى النفس.
    ويقولون: نحن نثبت ما أخبرت به الأنبياء وأقر به جمهور الناس من الملائكة والجن والشياطين، ومن عرف مراد الأنبياء ومرادهم علم بالاضطرار أن هذا ليس هو ذاك.
    ومنهجه يقوم على دراسة أحوال الناس والمجتمعات والأوضاع والواقع معرفة واعية، فاستمع إليه وهو يتحدث عن واقع عباد القبور وتلاعب الشياطين بهم. لا في بلد بل في بلدان كثيرة وأصقاع متباعدة.
    قال في الفقرات (901- 904): "ولا يجوز لأحد أن يستغيث بأحد من المشايخ الغائبين ولا الميتين مثل أن يقول: ياسيدي فلانا أغثني .
    وانصرني وادفع عني وأنا في حسبك، ونحو ذلك، بل كل هذا من الشرك الذي حرم الله ورسوله، وتحريمه مما يعلم بالاضطرار في دين الإسلام.
    وهؤلاء المستغيثون بالغائبين والميتين عند قبورهم وغير قبورهم - لما كانوا من جنس عباد الأوثان - صار الشيطان يضلهم ويغويهم كما يضل عباد الأصنام ويغويهم فتتصور الشياطين في صورة ذلك المستغاث به وتخاطبهم بأشياء على سبيل المكاشفة كما تخاطب الشياطين الكهان، وبعض ذلك صدق، لكن لابد أن يكون في ذلك ماهو كذب، بل الكذب أغلب عليه من الصدق وقد تقضي الشياطين بعض حاجاتهم، وتدفع عنهم بعض ما يكرهونه، فيظن أحدهم أن الشيخ هو الذي جاء من الغيب حتى فعل ذلك، أو يظن أن الله تعالى صور ملكاً على صورته فعل ذلك. ويقول أحدهم: هذا سر الشيخ وحاله، وإنما هو الشيطان تمثل على صورته ليضل المشرك به، المستغيث به، كما تدخل الشياطين في الأصنام وتكلم عابديها وتقضي بعض حوائجهم كما كان ذلك في أصنام مشركي العرب وهو اليوم موجود في المشركين في الترك والهند وغيرهم.
    وقال في فقرة (905 - 906) وأعرف من ذلك واقائع كثيرة في أقوام استغاثوا بي وبغيري في حال غيبتنا عنهم، فرأوني أو ذلك الآخر الذي استغاثوا به قد جئنا في الهواء ودفعنا عنهم.
    ولما حدثوني بذلك بينت لهم أن ذلك إنما هو شيطان تصور بصورتي وصورة غيري من الشيوخ الذين استغاثوا بهم، ليظنوا أن ذلك كرامات للشيخ فتقوى عزائمهم في الاستغاثة بالشيوخ الغائبين والميتين، وهذا من أكبر الأسباب التي أشرك بها المشركون وعبدة الأوثان، إلى أن يقول - عن كثير ممن تتلاعب بهم الشياطين فتوقعهم في الشرك - في فقرة (920 - 924):
    "وأنا أعرف من هؤلاء عدداً كثيراً بالشام ومصر والحجاز واليمن، وأما الجزيرة والعراق وخراسان والروم ففيها من هذا الجنس أكثر مما بالشام وغيرها وبلاد الكفار من المشركين وأهل الكتاب أعظم".
    ويقول معللاً ومبيناً أسباب هذا الضلال فقرة (921): "وإنما ظهرت هذه الأحوال الشيطانية التي أسبابها الكفر والفسوق والعصيان بحسب ظهور أسبابها، فحيث قوي الإيمان والتوحيد ونور الفرقان والإِيمان ظهرت آثار النبوة، والرسالة وضعفت هذه الأحوال الشيطانية، وحيث ظهر الكفر والفسوق والعصيان قويت هذه الأحوال الشيطانية..
    والمشركون الذين لم يدخلو في الإسلام مثل البخشية والطونية والبدَّيَ ونحو ذلك من علماء المشركين وشيوخهم الذين يكونون للكفار من الترك والهند والخُطا وغيرهم تكون الأحوال الشيطانية فيهم أكثر ويصعد أحدهم في الهواء ويحدثهم بأمور غائبة ويبقى الدف الذي يغني لهم به يمشي في الهواء ويضرب رأس أحدهم إذا خرج عن طريقهم ولا يرون أحداً يضرب له، ويطوف الإناء الذي يشربون منه عليهم ولا يرون من يحمله، ويكون أحدهم في مكان فمن نزل منهم عنده ضيفه طعاماً يكفيهم ويأتيهم بألوان مختلفة، وذلك من الشياطين تأتيه من تلك المدينة القريبة منه أو من غيرها تسرقه وتأتي به".
    ولا شك أن المعرفة بهذه الأمور قد سبقها دراسة وعناية واستقراء لأحوال الناس وعقائدهم وعاداتهم في مختلف البلدان وهذا شأن العظماء والمصلحين.
    ويتبع ........
     

مشاركة هذه الصفحة