الإنـقـلاب الـلـيـبـي المعاكس !!

الكاتب : ولد يام   المشاهدات : 366   الردود : 0    ‏2004-01-05
      مشاركة رقم : 1    ‏2004-01-05
  1. ولد يام

    ولد يام عضو

    التسجيل :
    ‏2003-11-19
    المشاركات:
    113
    الإعجاب :
    0
    ما تتبعه السلطات الليبية من سياسات، وما تتخذه من مواقف، يصعب علينا فهمها وهضمها بالمعني الاصح، ليس فقط لان هذه المواقف تشكل انقلابا كاملا علي التراث الثوري الليبي السائد منذ اربعة وثلاثين عاما، وانما لانها تشير الي رغبة انتقامية من كل القيم والمبادئ هذه واصحابها. وهدم المعبد علي رؤوس الجميع، دون وجود سبب منطقي واحد غير الخلاص الشخصي، وبقاء النظام وتجنب العصا الامريكية الغليظة. نقول هذا الكلام بمناسبة التصريحات الخطيرة التي ادلي بها المهندس سيف الاسلام نجل العقيد معمر القذافي الي صحيفة الصنداي تايمز البريطانية، وتجاوز فيها خطوطاً حمراء سياسية خطيرة للغاية، يمكن ان تلحق الضرر بالامتين العربية والاسلامية، وتظهر الليبيين علي وجه الخصوص علي انهم ليسوا اهل ثقة وناكرو جميل الاصدقاء.
    نحن لا نجادل في حق القيادة الليبية في فتح برامجها النووية امام التفتيش الدولي والتخلي عن اسلحة الدمار الشامل، ونحن هنا لا نناقش صوابية القرار أو خطأه، ولكن ما نجادل فيه ونرفضه، بل وندينه بشدة، هو التطوع بفضح العلماء الباكستانيين الذين شاركوا بحسن نية بخبراتهم في هذه البرامج، وصدقوا النوايا والشعارات الليبية، التي طرحتها ثورة الفاتح من سبتمبر حول العداء لامريكا والصهيونية والوقوف الي جانب قضايا الحق في العالم.
    فالمهندس سيف الاسلام القذافي اشار في هذه المقابلة الي العلماء النوويين الباكستانيين وصورهم كمرتزقة قدموا خبراتهم هذه من اجل المال، كما كشف ان دولا اسلامية، مثل ماليزيا ودبي، علاوة علي باكستان، لعبت دورا كبيرا في تزويد ليبيا بالمعدات والخبرات والمواد اللازمة لتشغيل مفاعلاتها النووية وتطوير قدراتها الانتاجية لاسلحة الدمار الشامل.
    والاخطر من هذا ان المهندس القذافي الابن تحدث للصحيفة نفسها عن اتصالاته التي اجراها طوال الاعوام الماضية مع اجهزة الاستخبارات الامريكية والبريطانية، وهي الاتصالات التي ادت الي الانقلاب السياسي الليبي الراهن، ورحب بوجود قواعد بريطانية وامريكية من اجل حماية بلاده بعد تخليها عن اسلحة الدمار الشامل.
    ولا نعرف لماذا تريد السلطة الليبية هذه القواعد بعد ان تنكرت لعروبتها، وكرست انتماءها الافريقي، مثلما لا نفهم من اين سيأتيها الخطر المستقبلي حتي تحتاج الي المظلة الامريكية والبريطانية لحماية نفسها؟!
    فلا نعتقد ان مصر او تونس او الجزائر او تشاد او مالطا او ايطاليا، وهي الدول التي تشكل الجوار الجغرافي والبحري لليبيا سترسل الجيوش والبوارج والطائرات لغزوها حتي تلجأ الي القواعد الامريكية والبريطانية.
    مصدر الخطر علي ليبيا كان دائما يأتي من حلفائها الجدد، اي الامريكان والبريطانيين، علاوة علي اسرائيل، وطالما ان السلطات الليبية قررت الدخول في تحالفات مع هذا المعسكر، سياسية واقتصادية وعسكرية، فانها اصبحت في مأمن كامل من خطرها.
    فالولايات المتحدة وبريطانيا هما اللتان كانتا تحتضنان المعارضة الليبية، وتدربانها، وتزودانها بالاسلحة والمال وتوفران لها الحماية، الان تشابهت الامور، واصبح الجميع سلطة ومعارضة، تحتميان بالمظلة نفسها وتتسابقان في تقديم الولاء، ويجوز القول ان السلطات الليبية فازت بالجائزة الكبري، لانها تملك آبار النفط، علاوة علي كنز من الاسرار حول الارهاب ، والدول المارقة ، مثل سورية وايران والعراق (سابقا) واليمن والمنظمات الفلسطينية الارهابية ، وعشرات المنظمات العالمية الارهابية التي كانت تجد في ليبيا ملاذا ومصدرا للدعم والمناسبة، ويحج زعماؤها الي طرابلس سنويا للمشاركة في مهرجاناتها السياسية المعادية للغرب الاستعماري.
    اننا نخشي ان تتطور هذه الهرولة الليبية غير المنضبطة نحو التحالف مع امريكا وبريطــانيا الي حالة مـــن العـــداء للعرب والمسلمين، تحت ذريعــة عدم وقوف هؤلاء الي جانب ليبيا اثناء حصارها من قبل الولايات المتحدة، مثلما نخشي ايضا من ان تكـــون لها نتــائج عكسية علي استقرار البلد والنظام في آن.
    فالسلطة في ليبيا تستمد شرعيتها من حكم الجماهير، والعداء لامريكا وبريطانيا، واغلاق قواعدهما، واسقاط الملكية التي سمحت بقيام هذه القواعد، وتبنت النظام الرأسمالي الغربي.
    فما هي الادبيات الجديدة لمثل هذا الانقلاب الجديد والمفاجئ، وما هو مصير الكتاب الاخضر الذي وضعه الزعيم الليبي معمر القذافي لكي يكون دســــــتورا يجسد النظرية العالمية الثالثة التي تبني الدعوة لها علي مدي الثلاثين عاما الماضية؟
    العالم تغير.. نعم، ونظريات اخري اكثر عراقة مثل الشيوعية سقطت.. نعم، ولكن هذا السقوط للشيوعية تلته تغييرات شاملة علي كافة الصعد، بما في ذلك الانظمة التي تبنتها، وجري استبدالها بانظمة ديمقراطية منتخبة، وتعددية سياسية، وبرلمانات حرة، وقضاء مستقل، وحرب شعواء علي الفساد. فهل نري في ليبيا تغييرات مماثلة؟
    نأمل ان يكون الزعيم الليبي، وهو يقود انقلابه الثاني علي وعي كامل بهذه الحقائق، وما نأمله ايضا ان يكون رحيما بمن ساعدوا بلاده ووقفوا الي جانبها، عندما فجر انقلابه الاول او ثورته الاولي، ولن نختلف علي التسمية.

    * عبدالباري عطوان / صحيفة القدس العربي / لندن
     

مشاركة هذه الصفحة