لا تشرب إلا من النبع الصافي ... إياك تشرب من الماء الآسن فتهلك لا أم لك !!!

الكاتب : القيري اليماني   المشاهدات : 644   الردود : 0    ‏2004-01-03
حالة الموضوع:
مغلق
      مشاركة رقم : 1    ‏2004-01-03
  1. القيري اليماني

    القيري اليماني قلم فضي

    التسجيل :
    ‏2003-11-17
    المشاركات:
    2,972
    الإعجاب :
    0
    ( " جلاء البصائر في الرد على كتابي " شفاء الفؤاد" و"الذخائر " ) للشيخ سمير

    ( الحمد لله الذي خلق السموات والأرض وجعل الظلمات والنور ، ثم الذين كفروا بربهم يعدلون ) ( الأنعام : 1 ) .


    ( وقال الله لا تتخذوا إلهين اثنين . إنما هو إله واحد فإياي فارهبون . وله ما في السموات والأرض وله الدين واصباً . أفغير الله تتقون . وما بكم من نعمة فمن الله ثم إذا مسكم الضر فإليه تجأرون . ثم إذا كشف الضر عنكم إذا فريق منكم بربهم يشركون .


    ليكفروا بما آتيناهم فتمتعوا فسوف تعلمون ) ( النحل : 51- 55) .


    ( يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون . الذي جعل لكم الأرض فراشاً والسماء بناءً وأنزل من السماء ماءً فأخرج به من الثمرات رزقاً لكم . فلا تجعلوا لله أنداداً وأنتم تعلمون ) ( البقرة : 21-22 ) .


    ( أم اتخذوا آلهة من الأرض هم ينشرون . لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا فسبحان الله رب العرش عما يصفون . لا يسأل عما يفعل وهم يُسألون . أم اتخذوا من دونه آلهة ، قل هاتوا برهانكم . هذا ذكر من معي وذكر من قبلي ، بل أكثرهم لا يعلمون الحق فهم معرضون . وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون ) ( الأنبياء : 21- 25 ) .
    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، شهادة مقر بربوبيته ، شاهد بوحدانيته ، مذعن له بطاعته ، معترف بنعمته ، فار إليه من ذنبه وخطيئته ، مؤمل لعفوه ورحمته ، طامع في مغفرته ، بري إليه من حوله وقوته .


    لا يبتغى سواه رباً ، ولا يتخذ من دونه ولياً ولا وكيلاً ، عائذ به ملتج إليه ، لا يروم عن عبوديته انتقالاً ولا تحويلاً .


    وأشهد أن محمداً عبدالله ورسوله ، وخيرته من خلقه وأمينه على وحيه ، أقرب الخلق إليه وسيلة ، وأعظمهم عنده جاهاً وأسمعهم لديه شفاعة ، وأحبهم إليه وأكرمهم عليه .


    رفع له ذكره ، وشرح له صدره ، ووضع عنه وزره ، وجعل الذلة والصغار على من خالف أمره .
    أرسله الله على حين فترة من الرسل ، والناس من الكفر والجهل والضلال في أقبح خيبة وأسوأ حال ، يعبدون الأصنام ويدعون الأوثان ويتخذون الأنداد ، وقد جمعوا إلى ذلك ألواناً من الفواحش والمنكرات ، كالقتل والزنا وشرب الخمر ونكاح المحارم ووأد البنات ، وزيادة في الكفر وإمعاناً في الغي والضلال .


    فقام فيهم رسول الله صلى الله وسلم بما أوجبه الله عليه من الدعوة والتبليغ والإنذار خير قيام ، ودعاهم إلى توحيد الله وترك الإشراك به ونبذ الآلهة والأصنام ، فأبوا عليه وعاندوه وكذبوه ، ثم تمالؤا عليه فآذوه وأخرجوه ، هو ومن آمن معه ، وما آمن معه إلا قليل .


    وظل صلى الله عليه وسلم مشمراً في تبليغ هذا الدين لا يرده عنه راد ، صادعاً بما أمره الله لا يصده عنه صاد ، حتى أشرقت برسالته الأرض بعد ظلماتها ، وتألفت بدعوته القلوب بعد شتاتها ، وعز جند الرحمن وذل حزب الشيطان وظهر نور الفرقان وقامت حجة الله على الإنس والجان .


    فلما أظهر الله دينه وأكمله ، وأتم على عباده نعمته وفضله ، قبض إليه عبده ورسوله ، تاركاً أمته على محجة بيضاء نقية وطريقة واضحة سوية لا يزيغ عنها إلا هالك .


    * وظل نور النبوة ساطعاً في القرن الأول لم تطفئه عواصف الأهواء ، ولم يلتبس بظُلَم الآراء ، حتى فتح عليهم باب الفتنة بعد مقتل الخليفة الراشد أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه ، ونشأت من يومها الفرقة في الأمة ، وظهرت البدع والأهواء ، وخرجت الفرق الضالة كالخوارج والشيعة والقدرية وأهل الإرجاء .
    * ثم كثرت في القرنين الثاني والثالث وتفرعت وافترقت ، وازدادت كثرة في القرون التي تلت .
    * ولم تزل تنمو وتكثر وتتعدد ، تحقيقاً لقضاء الله الكوني ، وتصديقاً للحديث النبوي الذي أخبر فيه صلى الله عليه وسلم أن أمته ستفترق إلى ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة . وهذه الفرقة الناجية والطائفة المنصورة هي التي بقيت موصولة بالعهد القديم والنهج القويم ، مستمسكة بحبل الله المتين متبعة صراطه المستقيم ، مستضيئة بنور السنة والكتاب ، مستنيرة بمنهج الأصحاب ، قائمة بما أمر الله به من النصح والبيان والجهاد باليد واللسان والبنان .
    ولقد سطر التاريخ حوادث متنوعة ووقائع متعددة من جهاد سلف هذه الأمة الخيرة ، لدعاة البدع والأهواء مع ظهور أول بدعة في الدين ، بدعة التكفير التي أسسها الخوارج ، فقام الصحابة بواجب الرد والإنكار ، فجادلهم حبر هذه الأمة عبدالله بن عباس رضي الله عنهما وحاجهم ، فهدى الله به جماعة منهم ، وأصر الباقون على بدعتهم فقاتلهم الصحابة في وقعة مشهورة .
    ورد علي بن أبي طالب رضي الله عنه على الشيعة بدعتهم، ولما أصر غلاتهم على الكفر حرقهم بالنار ليكونوا عبرة لأولي الأبصار.


    * وأنكر عبدالله بن عمر رضي الله عنهما على معبد الجهني رأس القدرية وتبرأ منه ومن بدعته .
    * وأنكر الحسن البصري رحمه الله في عصر التابعين ، على واصل بن عطاء رأس المعتزلة ، وهجره وأمر بعزله عن مجلسه .


    * ولما ظهر الجعد بن درهم رأس علماء الكلام وأول من قال بخلق القرآن ، أنكر عليه وهب بن منبه وغيره من الأئمة وحذروه .


    فلما أصر على كفره ضحى به خالد بن عبدالله القسري .


    * وناظر الإمام الشافعي رحمه الله بشراً المريسي رأس الجهمية في وقته ، وكفره أكثر الأئمة ، وألف في الرد عليه الإمام عثمان الدارمي .


    * ولما صار للمعتزلة الجهمية صولة وسطوة في عهد المأمون الذي تبنى بدعتهم ودعا إليها وامتحن الناس عليها ، وقف الأئمة منها موقفاً مشرفاً وعلى رأسهم إمام أهل السنة في عصره بلا منازع أحمد بن حنبل رحمه الله ورضي عنه ، وقد ألف فيهم كتابه المشهور " الرد على الجهمية والزنادقة " .


    * ولم يزل دأب أئمة السلف في الرد على أهل البدع والأهواء والتصدي للمخالفين عبر تلك القرون الطويلة ، خاصة بعد حدوث النحل الخبيثة ، القرامطة والباطنية والفلاسفة الملاحدة ، وهذه الفرق هي أشد نكبة نكب بها الإسلام وأهله منذ أن خلق الله الخليقة إلى يومنا هذا ، وقد قيض الله لها من يردها ويدحرها وينتصر للسنة وأهلها ، إماماً عبقرياً من أئمة الهدى ، وهو شيخ الإسلام أحمد بن تيمية عليه رحمة الله فناظرهم وجادلهم وحاجهم وألف في الرد عليهم وكشف زيفهم وباطلهم وله في الرد على كل الفرق المخالفة والمذاهب المنحرفة ، مؤلفات عديدة ، فكان بحق إمام أهل السنة في عصره وحامل لواء الذب عن عقيدة السلف والدفاع عن حوزة السنة والدفع في وجه كل بدعة مضلة.


    ولا تزال مصنفات ذلك الإمام الفذ ورسائله في كل فن ، وخاصة في تقرير مذهب السلف والرد على المخالفين ، هي المرجع الأساس لكل من جاء من بعده من علماء الأمة .


    ومن أجل ذلك عاداه أصحاب تلك النحل الفاسدة واجتمعوا عليه وتكالبوا ورموه عن قوس واحدة ، ولما أعجزهم في مقام الحجة والبيان والمناظرة لجأوا إلى مثل ما لجأ إليه أعداء الرسل حين تنقطع منهم الحجة ويخرسهم منطق الحق ( قالوا حرقوه وانصروا آلهتكم إن كنتم فاعلين ) .


    وتفصيل الكلام على جهاد ذلك الإمام الهمام وردوده ومناظراته مع المخالفين لا تكفيه هذه الأسطر ، ولا مئات الأسطر ، ويكفينا الإشارة إلى بعضها ، على سبيل المثال لا الحصر : فقد رد على غلاة المتصوفة وكفرهم ، كابن عربي والحلاج وابن الفارض والعفيف التلمساني ، ورد على الفلاسفة ، كابن سينا والفارابي ، وعلى الأشاعرة ، كالرازي والباقلاني وأبي حامد الغزالي ، وغيرهم .


    * وظل الجهاد ماضياً بين أهل السنة والمخالفين ، يقوى تارة ويفتر أخرى ، إلى أن جاء عهد قويت فيه شوكت البدع وسرت في الأمة سريان النار في الهشيم ، وبلغ الجهل بالدين مبلغاً يندى له الجبين ، فعبدت الأصنام والأشجار والأحجار ، وذبح عندها القرابين ، وانتهكت المحارم وظهرت الفواحش والمنكرات وغدت أمور الدين وأركانه وفرائضه لدى كثير من أبناء المسلمين نكرة من النكرات .


    فقيض الله لهذه الأمة شيخ الإسلام ، الإمام المصلح الرباني ، محمد بن عبدالوهاب التميمي ، الذي جدد الله به الدين ونصر به الملة وأعلى به السنة وقمع به الباطل ودحر به البدعة ، فطفق يدعو الناس إلى عبادة الله وحده وترك الإشراك به ، ويبث فيهم مذهب السلف ، وله مصنفات في تقرير مسائل التوحيد والرد على المخالفين ، وأوذي من أجلها وامتحن حتى كتب الله له القبول في الأرض ، فعمت دعوته أرجاء المعمورة ، ونفع الله بها أمماً وخلائق لا يحصى عددهم إلا الخالق .
    * واستمر الأمر على ذلكم المنوال ، والخلاف قائم بين الطائفتين ، دعاة السنة والائتلاف ودعاة البدعة والاختلاف ، والحرب بينهما سجال ، غير أن الحق دائماً منصور ، والباطل مهزوم مدحور ( والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون ) .

    فهذه هي الحلقة الثانية من كتاب ( " جلاء البصائر في الرد على كتابي " شفاء الفؤاد" و"الذخائر " ) للشيخ سمير المالكي وفقه الله :


    أما بعد ، وكان ممن حمل لواء البدعة في هذا الزمان ، وانتصر لها ، ونشرها بين الناس ودعا إليها وجادل عنها وماحل ، الشيخ الدكتور محمد بن علوي المالكي - هداه الله وأصلحه - الذي أعادها جذعة وأثارها فتنة وأحياها سنة جاهلية .


    ولم يقتصر الشيخ في بث بدعة ومخالفاته ونشرها من خلال تلك المجالس والمحافل التي كان يعقدها هنا وهناك ، فحسب ، بل ألف في ذلك جملة من المؤلفات ، أكثرها ، إن لم يكن كلها ، نقول من كتب أسلافه من المخالفين نقلها بعُجَرها وبُجَرها ، فغدت كتبه ومؤلفاته مجمع أخطاء وسوءات ومحفل أغلاط ومنكرات .


    ومن أشنع كتبه ومؤلفاته الجامعة لكل بلية في الدين ومصيبة في الاعتقاد ، كتابا " الذخائر المحمدية " و " شفاء الفؤاد " ، فقد شحنهما وسود صحائفهما بجملة من المخالفات والدواهي العظام التي تهدم قواعد الدين وأركانه وتنقض عرى الإسلام وكيانه .
    ولأن الأمر فوق ما وصفت وأكبر مما ذكرت ، فسوف أذكر خلاصة موجزة لأهم ما ورد في الكتابين المذكورين وأعرض مُثلاً مما سُطر فيهما لتستبين طريقته ، وتنجلي حقيقته ، فليس الخبر كالمعاينة ، ثم أشرع بعدها في التعقيب والرد ، مستعيناً بالله وحده مستلهماً منه التوفيق والرشد .
    **
    1- الذخائر المحمدية


    تعريف


    اسم الكتاب : " الذخائر المحمدية " القسم الأول .


    حجم الكتاب : يقع في 354 صفحة من القطع المتوسط .


    اسم المؤلف : " محمد بن علوي بن عباس المالكي المكي الحسني " كذا كتب على الغلاف .
    طبع الكتاب : بمطبعة حسان بالقاهرة سنة 1978.


    موضوع الكتاب : ذكر المؤلف في مقدمته أنه مجموعة مباحث متفرقة غير مرتبة ، متعلقة بشخص النبي صلى الله عليه وسلم .


    ابتدأها بذكر نسبه الشريف وولادته وطرف من سيرته وشمائله ودلائل نبوته ، وجملة من خصائصه وختم الكتاب بوفاته صلى الله عليه وسلم .


    مصادر الكتاب : ذكر المؤلف مصادره في ثنايا الكتاب ومنها :


    "المواهب اللدنية بالمنح المحمدية" للقسطلاني المصري المتوفى سنة 923هـ ، وشرحه للزرقاني المالكي المتوفى سنة 1122هـ .


    ومنها : "الشفا بتعريف حقوق المصطفى" للقاضي عياض اليحصبي المتوفى سنة 544هـ .
    و "الخصائص الكبرى " للسيوطي المتوفى سنة 911هـ .


    و "الذخائر القدسية " لعبدالحميد قدسي .


    قلت : ولعله اقتبس اسم الكتاب من هذا الأخير فسماه " الذخائر المحمدية ".


    الردود والتعقيبات


    - كتب في الرد على كتاب " الذخائر " الشيخ أبوبكر الجزائري جزءاً صغيراً سماه " كمال الأمة في صلاح عقيدتها " اقتصر فيه على بعض مسائل الكتاب بأسلوب سهل لطيف .
    - وتبعه الشيخ عبدالله المنيع بكتاب " حوار مع المالكي " وكشف فيه كثيراً من أخطائه وضلالاته .
    - والشيخ سفر الحوالي في عدة شرائط صوتية بعنوان "الرد على الخرافيين" تناول جذور المنهج الصوفي الذي ينتمي إليه مؤلف


    "الذخائر" وجلى بوضوح حقيقة هذه النحلة وطرائقها من واقع ما كتبه أقطابها ، ومن أشهرهم : عبدالوهاب الشعراني المتوفى سنة 973هـ في كتاب " لواقح الأنوار في طبقات الأخيار " وهو المعروف باسم " طبقات الشعراني الكبرى " .


    - وجاءت الردود والتعقيبات على الشيخين الجزائري ، وابن منيع ، ومنها :
    1- "الرد المحكم المنيع" للشيخ يوسف الرفاعي رد به على الشيخ ابن منيع .
    2- "التحذير من الاغترار بما جاء في كتاب الحوار" للشيخ عبدالكريم المغربي والشيخ عبدالحي العمراوي .


    3- "إعلام النبيل بما في شرح الجزائري من التلبيس والتضليل" للشيخ راشد المريخي .
    - فتعقبهم الشيخ الجزائري في جزء لطيف ممتع سماه "وجاءوا يركضون .. مهلاً يا دعاة الضلالة " .
    **
    2- عرض وتحليل


    جاء في مقدمة الكتاب ما نصه " أما بعد ، فهذه مباحث لطيفة وفوائد شريفة مختلفة ومتعددة لا يجمعها باب ولا يربطها فصل ولا يتصل بعضها ببعض ، وإنما يربطها شيء واحد ذلكم أنها تتعلق بحضرة المصطفى صلى الله عليه وسلم فهذه هي النقطة الجامعة بين مباحث هذا الكتاب .
    وهو ليس جهد سنة ولا سنتين ، بل هي ثمرات مطالعات طويلة ونتائج مدارسة قديمة اشتغلت بجمعها وتقييدها منذ عرَّفت نفسي أن طلاب العلم الشريف غذاؤهم المطالعة بل هي روحهم وريحانهم وقرة أعينهم .


    ومنها خواطر في تفسير بعض الحقائق النبوية أو تحليل ما قد يستشكله بعض الناس في هذا الباب وردت على قلبي معانيها فأثبتها خشية ضياعها .


    وما كنت أود إظهار هذه المجموعة المباركة لأنني مشتغل بجمعها ، ولكن أشار على من لا تسعني مخالفته بإبراز ما يمكن إبرازه ليستفيد منه من يحب ذلك .. " اهـ .


    قلت : ومن هذه المقدمة يظهر لك أمران :


    أحدهما يتعلق بالمؤلف ، وهو اعتداده بنفسه وشأنه وتفخيمه لعلمه وقلمه ، كما يظهر من كلامه ، مثل قوله " منذ عرَّفت نفسي .. " ، فالشيخ أكبر من أن يعرفه أحد أو يعلمه أحد بل هو الذي عرَّف نفسه بنفسه وهو الذي علمها وأدبها ، فلا غرو إذاً أن يكثر الشذوذ في آرائه وأفكاره ، والنكارة في أقواله وأفعاله ، ولله في خلقه شئون ( قال إنما أوتيته على علم ، بل هي فتنة ) .
    والثاني : متعلق بالكتاب ، وهو قوله " ليس جهد سنة ولا سنتين ، بل هي ثمرات مطالعات طويلة .." الخ ، وهذا يعني أن ما تضمنه الكتاب من أغلاط وشناعات ليست عثرة قلم ولا زلة بنان ، وإنما هي مسائل محررة ونقول مختارة بعناية لم تسطر إلا بعد تأمل ودراسة ، ومطالعة ومدارسة ، وهذا يدل على تمام الرضا وكمال الموافقة لكل ما نقله وسطره ، خاصة وهو يسوق تلك الأقوال في معرض الرد على مخالفيه ، ثم أكد رضاه التام بكل ما نقله بما كاله من عبارات الإطراء والتفخيم والتبجيل والتعظيم لأولئك القائلين وأقوالهم .



    هذه هي الحلقة الثالثة من كتاب "جلاء البصائر في الرد على كتابي " شفاء الفؤاد " و"الذخائر " ) للشيخ سمير المالكي حفظه الله :


    ومن أمثلة ذلك ما جاء في صحيفة ( 43) تحت عنوان " حياة النبي صلى الله عليه وسلم " قال الدكتور : " كتب في هذا البحث الإمام الحافظ الفقيه ابن حجر الهيتمي قصيدة غراء ، وشرحها العلامة الشيخ محمد حبيب الله الشنقيطي شرحاً موجزاً ذكرنا أكثره بعد القصيدة " ثم نقل القصيدة وقال عقبها في صحيفة ( 46) : " شرح هذه القصيدة العلامة الشيخ محمد حبيب الله الشنقيطي ، وقد رأيت شرحه هذا واستفدت منه هذه الفوائد الآتية " . ثم ذكر الفوائد المستفادة من الشرح المذكور .


    قلت : أفمن يمدح قائلاً بمثل هذا المديح " الإمام الحافظ الفقيه " ويصف قصيدته بأنها " غراء " ألا يكون راضياً بما قال متابعاً له فيما نقل ؟ثم وصفه لشارحها بـ " العلامة " وقوله عن الشرح : " واستفدت منه هذه الفوائد الآتية " ألا يدل على أنه معتقد بقوله راض بحكمه موافق له في مذهبه ؟!
    لقد حكم الله عز وجل في كتابه على من جالس أصحاب المعاصي في حال فعلهم للمعصية بأنهم مثلهم إذا لم ينكروا عليهم أو يقوموا عنهم ، لأن ذلك دليل على رضاهم بالمعصية وقبولهم لها كما قال تعالى : ( وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذاً مثلهم إن الله جامع المنافقين والكافرين في جهنم جميعاً ) ( النساء : 140).قال القرطبي رحمه الله ( 5/ 418) : " فدل بهذا على وجوب اجتناب أصحاب المعاصي إذا ظهر منهم منكر ، لأن من لم يجتنبهم فقد رضي فعلهم ، والرضا بالكفر كفر . قال الله عز وجل ( إنكم إذاً مثلهم ) فكل من جلس في مجلس معصية ولم ينكر عليهم يكون معهم في الوزر سواء .وينبغي أن ينكر عليهم إذا تكلموا بالمعصية وعملوا بها ، فإن لم يقدر على النكير عليهم فينبغي أن يقوم عنهم حتى لا يكون من أهل هذه الآية " .
    ثم قال القرطبي : " وإذا ثبت تجنب أصحاب المعاصي كما بينا فتجنب أهل البدع والأهواء أولى " اهـ .
    قلت : فهذا حكم من جالسهم فقط ، فكيف لو وافقهم وأظهر الرضا بكلامهم واحتفى به وأثنى عليه ، ثم نقله إلى الآخرين محتجاً به مجادلاً عنه منتصراً له ، ثم زاد على ذلك كله بأن خلع عليه وعلى قائليه حلل التفخيم وغلائل التقديس ؟!* ولننظر الآن ما جاء في تلك القصيدة " الغراء " !! كما زعم :
    قال " الذخائر المحمدية " ( ص43-45 ) :تواترت الأدلة والنقول فما يحصي المصنف ما يقول
    بأن المصطفى حي طري هلال ليس يطرقـه أفـول إلى أن قال :وصوم ثم حج كل عام يجـوز عليه بل لا يستحيل ويطهر للصلاة بماء غيب ويقضيهـا بـذا ورد الدليليصلي في الضريح صلاة خمس دوامـاً لا يمـل ولا يميـلإلى أن قال :وبقعته التي ضمته حقاً رياض من جنـان تستطيـل كذا اللحد الذي ضم الطوايا تشـرف حين حل به النزيل


    وأفضل من عرش ومن جنان عدن وفردوس بها خير جزيل


    وفي القبر الشريف تراه حياً إلى كـل البقاع له وصول


    ولـولا أنه حـي حـري بإدراك كما نقل الـفحول


    لما سعت الشموس إليه حقاً تسلم حين تطلـع أو تزول


    وما كان الحجيج إليه يسعى ويرجو أن يكـون له قبول


    إلى أن قال :


    ويلقاهم إذا وفـدوا عليه وينظرهم إذا ازدحم القفول


    ثم قال :


    ومن لم يعتقد هذا بطـه يقيناً فهو زنديـق جهـول


    عُبيد هيتمي مستجـير بمن حطت بساحته الحمول


    قلت : ولست بصدد التعقيب والرد على ما حوته هذه الأبيات من أغلاط شنيعة وأخطاء جسيمة ، فهذا له موضع آخر ستراه إن شاء الله في هذا الكتاب .


    لكن تأمل معي قول الناظم : " ومن لم يعتقد هذا بطه يقيناً فهو زنديق جهول " ، فهو يؤكد ما ذكرته من أن المخالف موافق لما ينقل راض به غاية الرضا ، وإلا لكان داخلاً في جملة المحكوم عليهم بالجهل والزندقة ( أي الكفر ) !


    وهو بين أمرين أحلاهما مُر ، إما أن يكون معتقداً بما في تلك القصيدة " الغراء " ! ، كما وصفها ، موافقاً لناظمها " الإمام الحافظ الفقيه " ! ، كما وصفه ، مقلداً له في كل ما ذهب إليه :
    * من أن النبي صلى الله عليه وسلم يصلي في قبره الصلوات الخمس متطهراً بماء الغيب ، وأنه يصوم ويحج مع المسلمين كل عام فيقف بالمشاعر ويؤدي المناسك ، ثم يستقبل حجاج قبره ويتلقاهم حين يفدون إليه ، وأن قبره أفضل من الكعبة والمسجد الحرام ومن السموات والأرض وجنة عدن بل أفضل حتى من العرش الذي استوى عليه الرحمن !!
    * وأن من لم يعتقد بمثل هذا الاعتقاد يقيناً من غير شك فهو في نظر هذا المؤلف : كافر زنديق خارج عن الإسلام حلال الدم والمال .


    * وإما أن يكون المؤلف منكراً لما جاء في تلك الأبيات من اعتقادات باطلة ، فيكون في عداد المحكوم عليهم بذلك الحكم الجائر ، الكفر والجهل ، وعليه فكيف يسوغ له عقلاً وشرعاً أن يحتفي بها ويمتدحها وقائلها ويعظمها ويعظمه ؟ إلا إذا كان راضياً بذلك الحكم مغتبطاً به والعياذ بالله !
    أقول : ولا شك أن الأمر الأول هو الظاهر ، وإنما أوردت الاحتمال الآخر على وجه الإلزام إذ لا يعقل أبداً أن يحكي الإنسان قولاً ويصبغه بتلك الحفاوة ويبالغ في تعظيمه وإطرائه ويجادل به وينافح عنه إلا وهو معتقد به كل الاعتقاد راضٍ به غاية الرضا .


    * مثال آخر : في صحيفة ( 158) ذكر تحت عنوان " فأنت باب الله " ما نصه : " للقطب الكبير سيدنا محمد بن أبي الحسن البكري المصري ، وهي مجربة لقضاء الحوائج تقرأ في آخر الليل بعد ما تيسر من الصلاة ، يكرر بيت : عجل بإذهاب الذي أشتكي 73 مرة " ثم ذكر القصيدة .
    قلت : ومن كانت هذه عباراته في الثناء والإطراء البالغين على القائل ، أيكون موافقاً له أم مخالفاً ؟‍‍!
    وقوله عن أبيات القصيدة إنها مجربة لقضاء الحوائج ، ثم وصيته بتكرير بيت منها خاصة 73 مرة ، دليل على رضاه بها واعتقاده وقبوله لها أم العكس ؟


    والجواب معلوم ببداهة العقول ، ولننظر الآن ماذا قال سيده " القطب الكبير " ! :


    مـا أرسل الرحمن أو يرسل من رحمـة تـصعد أو تنزل


    في ملكوت الله أو ملكـه من كـل ما يختص أو يشمل


    إلا وطـه المصطـفى عبده نـبيـه مختـاره المـرسـل


    واسطـة فيها وأصل لـها يعلم هذا كل من يـعـقل


    فلذ بـه في كل ما تشتكي فـهو شفيع دائـماً يـقبل


    ولـذ به في كل ما ترتجي فـإنـه المأمـن والمـعقـل


    وحـط أحمال الرجا عنده فـإنه المرجـع والمـوئـل


    ونـاده إن أزمـة أنشبت أظـفارها واستحكم المعضل


    يا أكـرم الخلق على ربـه وخير من فيهم به يـسـأل


    قد مسني الكرب وكم مرة فرجت كرباً بعضه يذهـل


    إلى قوله :


    عجل بإذهاب الذي أشتكي فإن توقفت فمن ذا أسأل


    فحيلتي ضاقت وصبري انقضى ولست أدري ما الذي أفعل


    إلى قوله :


    فـأنت باب الله أي امرئ أتاه من غيرك لا يدخل


    * مثال آخر : في صحيفة ( 201) ذكر تحت عنوان " خلاصة مفيدة في الخصائص النبوية " ما نصه :
    " اعتنى العلماء بالخصائص النبوية وألفوا فيها كثيراً من الكتب وأشهرها "الخصائص الكبرى" للحافظ السيوطي وقد لخصه السيوطي في رسالة موجزة ، ونحن نلتقط منه هذه الدرر مع التهذيب وجملة هذه الخصائص تنحصر في ثمانية أقسام سنذكرها بعد هذه المقدمة ".
    قلت : فاختياره وتهذيبه لتلك الخصائص " الدرر "، على حسب وصفه لها ، لا يكون إلا مع تمام الموافقة وكمال الرضا والقبول .


    ونسوق إليك أخي – القارئ – درراً من تلك الخصائص المزعومة " الذخائر المحمدية " ( ص201-228 ) :
    1- "خُصَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه أول النبيين خلقاً " .


    2- "وخَلْق آدم وجميع المخلوقات لأجله " .


    3- "وكتابة اسمه الشريف على العرش وكل سماء والجنان وما فيها وسائر ما في الملكوت " .


    4- "وذكر الملائكة له في كل ساعة " .


    5- "وبأنه سمي من أسماء الله تعالى بنحو سبعين اسماً " .


    6- "وأوتي علم كل شيء حتى الروح والخمس التي في آية ( إن الله عنده علم الساعة ) ".
    7- "وكان يسمع حفيف أجنحة جبريل وهو في سدرة المنتهى ، ويشم رائحته إذا توجه بالوحي إليه " .
    8- "وسأل ربه أن لا يَدخل النارَ أحدٌ من أهل بيته فأعطاه ذلك " .


    9- "وإذا رغب في مزوَّجة وجب على زوجها طلاقها لينكحها ".


    10- "وأن يزوج المرأة ممن شاء بغير إذنها وإذن وليها ، ويزوجها لنفسه " .
    11- "وكان يُقطع الأراضي قبل فتحها لأن الله ملَّكه الأرض كلها ، وله أن يُقطِع أرض الجنة من باب أولى " .
    12- "ولا يجوز التزوج على بناته ، ومنع بعض العلماء التزوج على ذرية بناته وإن سفلن إلى يوم القيامة " قال: "ووجهه ظاهر"


    13- "وردت إليه الروح بعد ما قبض ثم خير بين البقاء في الدنيا والرجوع إلى الله فاختار الرجوع إليه ".
    ثم ختم الخصائص ، التي استغرقت منه ثلاثين صفحة ، بقوله : " قال الإمام الشعراني رضي الله عنه وقد كتبت هذه الخصائص من خط سيدنا وشيخنا خاتمة الحفاظ الشيخ جلال الدين السيوطي رحمه الله ونفعنا بعلمه والمسلمين " .



    هذه هي الحلقة الرابعة من كتاب "جلاء البصائر في الرد على كتابي " شفاء الفؤاد " و"الذخائر " ) للشيخ سمير المالكي حفظه الله:


    "شفاء الفؤاد"


    1- تعريف


    اسم الكتاب : " شفاء الفؤاد بزيارة خير العباد " .


    حجم الكتاب : يقع في 237 صفحة من القطع المتوسط .


    اسم المؤلف : " السيد محمد بن السيد علوي بن السيد عباس المالكي الحسني . خادم العلم الشريف في البلد الحرام " . كذا كتب على الغلاف .


    طبع الكتاب : طبع على نفقة وزارة الشئون الإسلامية والأوقاف بدولة الإمارات العربية . الطبعة الأولى سنة 1411هـ .


    موضوع الكتاب : متعلق بزيارة القبر النبوي الشريف وآداب الزيارة ومشروعية شد الرحال إليه وأحوال

    الزائرين ومقاماتهم ، وذكر مجموعة من الأوراد والأذكار التي تقال عند القبر .
    ثم ختم الكتاب بجملة من القصائد ابتدأها من صفحة 203 إلى نهاية الكتاب .
    تقريظ الكتاب : قدم للكتاب وزير الشئون الإسلامية والأوقاف بدولة الإمارات العربية ، قرظ فيها الكتاب وأطرى مؤلفه ، ومما قاله في مقدمته : " أما بعد فهذا السِفر الجليل والبحث النفيس ... لمؤلفه الشريف العلامة الجليل سماحة الدكتور السيد محمد بن علوي .. قد جلا فيه وجه الصواب .. وأوضح سبيل الرشد بالأدلة الساطعة والبراهين القاطعة بأسلوب علمي دقيق وتوفيق رائع عميق فقضى بذلك على الشقاق والخلاف .. وجمع بذلك كلمة المسلمين .." .
    مصادر الكتاب : ذكر المؤلف مصادره في الكتاب وقد بلغ تعدادها 86 مصدراً ، ومن أهم مصادره التي اعتمد عليها في كتابه : "شفاء الأسقام في زيارة خير الأنام" لتقي الدين السبكي المتوفى سنة 756هـ وقد اعتمد عليه اعتماداً كلياً ، ونقل منه أكثر مباحث الكتاب حتى المقدمة والعنوان .
    واعتمد أيضاً على كتاب " الجوهر المنظم في زيارة القبر المكرم " لابن حجر الهيتمي المكي المتوفى سنة 973هـ .


    الردود والتعقيبات


    * لا أعلم أحداً من أهل العلم صنف في الرد على الكتاب سوى الشيخ سفر بن عبدالرحمن الحوالي ، حيث كتب ورقات في بيان بعض الأخطاء الشنيعة التي حواها الكتاب ، وله درس مسجل في شريط صوتي ألقاه في أحد المساجد رد فيه على بعض ضلالات المؤلف وأغلاطه في مسائل الاعتقاد ، وهو رد لطيف سهل مفيد .


    * وتعقب الشيخ سفر ، أحد تلامذة الدكتور العلوي في شريط صوتي ، لكنه لم يذكر اسمه ولا نسبه وإلى هذه اللحظة هو مجهول الاسم والحال والصفة .
    2- عرض وتحليل


    قال المؤلف في مقدمة الكتاب " أما بعد : فهذه مباحث لطيفة ومسائل شريفة تدور حول زيارة أعظم خلق الله وأكرم رسل الله سيدنا محمد بن عبدالله عليه صلوات الله . نسأل الله سبحانه وتعالى أن يتقبل ذلك منا وأن يجعله خالصاً لوجهه الكريم ، إنه سميع قدير وبالإجابة جدير ، والحمد لله رب العالمين .


    وكتبه : السيد محمد بن علوي بن عباس المالكي الحسني " .


    قلت : وقد حوت مباحث الكتاب " اللطيفة " ومسائله " الشريفة " كسابقه على جملة وافرة من الأخطاء الشرعية في مسائل شتى في التفسير والحديث والفقه ، وأشنعها تلك المتعلقة بأصول الاعتقاد .


    وما قيل في الكتاب السابق يقال في هذا ، حيث جمع المؤلف سقطات المخالفين وساقها بقلم الحفاوة والرضا ، ممجداً أصحابها مضيفاً عليهم ألقاب التعظيم والتفخيم . ومن أمثلة ذلك :
    * في صفحة 97 قال : " قال محيي السنة ومميت البدعة ابن الحاج في كتابه " المدخل " ، وهو معاصر لابن تيمية وتوفي بعده بسنوات ، في فصل زيارة القبور :
    وأما عظيم جناب الأنبياء والرسل صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين فيأتي عليهم الزائر ، ويتعين عليه قصدهم من الأماكن البعيدة ، فإذا جاء إليهم فليتصف بالذل والانكسار والمسكنة والفقر والفاقة والحاجة والاضطرار والخضوع وليحضر قلبه وخاطره إليهم وإلى مشاهدتهم بعين قلبه لا بعين بصره .. " إلى أن قال " ثم يتوسل إلى الله بهم في قضاء مآربه ومغفرة ذنوبه ويستغيث بهم ويطلب حوائجه منهم ويجزم بالإجابة ببركتهم ويقوي حسن ظنه في ذلك .. فإنهم السادة الكرام ، والكرام لا يردون من سألهم ولا من توسل بهم ولا من قصدهم ولا من لجأ إليهم ، هذا الكلام في زيارة الأنبياء والمرسلين عموماً .
    قال رضي الله عنه : فصل : وأما في زيارة سيد الأولين والآخرين صلوات الله عليه وسلامه فكل ما ذكر يزيد أضعافه ، أعني في الانكسار والذلة والمسكنة .. " إلى أن قال : " فمن توسل به أو استغاث به أو طلب حوائجه منه فلا يرد ولا يخيب لما شهدت به المعاينة والآثار " ثم قال : " إن الزائر يشعر نفسه بأنه واقف بين يديه عليه الصلاة والسلام كما هو في حياته إذ لا فرق بين موته وحياته ، أعني في مشاهدته لأمته ومعرفة أحوالهم ونياتهم وعزائمهم وخواطرهم وذلك عنده جلي لا خفاء فيه ... " اهـ .
    * وفي صفحة 120 قال : " ذكر الإمام العارف بالله الشيخ أحمد بن محمد القشاشي صيغة زيارة تقال عند المواجهة الشريفة : السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته ، وتستشعر جوابه صلى الله عليه وسلم لك عند ذلك ولو بالغيب ، فالإيمان بالغيب حصول على المغيب بالغيب يقيناً وتقول : السلام عليك يا أول ، السلام عليك يا آخر ، السلام عليك يا باطن ، السلام عليك يا ظاهر .. " إلى أن قال : " ويقال : إن ذلك من تحية جبريل للنبي صلى الله عليه وسلم " اهـ .
    * وفي صفحة 131 تحت عنوان " حقيقة الزيارة وتعريفها " قال ما نصه : " قال الإمام العارف بالله الشيخ أحمد المعروف بالقشاشي : الزيارة الحقيقية مضبوطة شرعاً بالقصد له في مسجده ومدينته والوقوف عنده والسلام عليه والتوسل به في تحقيق وجوب الشفاعة له " إلى أن قال : " فقرى الواقف ببابه الشريف كقرى الواقف بعرفات : الشفاعة والبشرى بالموت على الإسلام .. فقد أتم الله للحبيب المضاهاة بكل الحالات " انتهى نقله باختصار .
    * ثم عقد المؤلف فصلاً خاصاً سماه " الزيارة النبوية والشعر " ابتدأه من ص 201 إلى 237 وأنهى به الكتاب .
    قال في أوله : "وسنذكر في هذا المبحث جملة من غرر القصائد النبوية والمدائح المحمدية التي يستحسن أن تقال أمام المواجهة النبوية وفي حضرة الزيارة المحمدية حيث اشتملت على خطابه صلى الله عليه و سلم بأجمل أنواع الخطاب وأبلغ أساليب السلام .. " .
    قلت : ثم ساق القصائد المذكورة ودبجها بعبارات المديح والثناء والإطراء ، ومن أمثلتها :
    القصيدة الأولى : " قصيدة الحجرة النبوية الشريفة " قال الدكتور ( "شفاء الفؤاد " (ص 203) ) :
    " أنشأ هذه اليتيمة العصماء السلطان عبدالحميد خان .. واستحقت بإخلاص ناظمها وحبه الصادق لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تنقش على الحجرة النبوية " .
    ومما جاء فيها :
    يا سيدي يارسول الله خذ بيدي مالي سواك ولا ألوي عل أحد
    فأنت نور الهدى في كل كائنة وأنت سر الندى يا خير معتمد
    وأنت حقاً غياث الخلق أجمعهم وأنت هادي الورى لله ذي المدد
    إني إذا سامني ضيم يروعني أقول يا سيد السادات يا سندي
    وانظر بعين الرضا لي دائماً أبداً واستر بفضلك تقصيري مدى الأمد
    واعطف علي بعفو منك يشملني فإني عنك يا مولاي لم أحد
    إني توسلت بالمختار أشرف من رقى السموات سر الواحد الأحد
    رب الجمال تعالى الله خالقه فمثله في جميع الخلق لم أجد
    * القصيدة الثانية : " القصيدة الوترية البغدادية " قال عنها الدكتور ( " شفاء الفؤاد" ( ص205-206 ) ) :
    " هذه القصيدة العصماء هي إحدى القصائد الوترية في مدح خير البرية صلى الله عليه وسلم للإمام الفاضل الأديب الكامل الواعظ الصالح الزاهد أبي عبدالله مجد الدين " إلى أن قال : " وقد حظيت أن ينقش أكثرها أمام المواجهة النبوية الشريفة " .
    وجاء فيها :
    بنور رسول الله أشرقت الدنا ففي نوره كل يجيء ويذهب
    براه جلال الحق للخلق رحمة فكل الورى في بره يتقلب
    بعزته سدنا على كل أمة وملتنا فيها النبيون ترغب
    بذلي بإفلاسي بفقري بفاقتي إليك رسول الله أصبحت أهرب
    بجاهك أدركني إذا حوسب الورى فإني عليكم ذلك اليوم أحسب
    * القصيدة الثالثة : " القصيدة الحدادية الداخلية " قال الشيخ الدكتور ( "شفاء الفؤاد" ( ص207- 209) ) :
    "هذه القصيدة العصماء للإمام شيخ الإسلام قطب الدعوة والإرشاد الولي الكبير العارف بالله تعالى الشهير السيد الحسيب النسيب الشيخ عبدالله بن علوي الحداد .. رضي الله تعالى عنه " إلى أن قال : " وقد حظيت أن تنقش داخل الحجرة النبوية الشريفة لإخلاص ناظمها وحبه الأكيد ".
    وجاء فيها :
    نـزلنا بخير الـعالمين محمـد نبي الهدى بحر الندى سيد العرب
    ملاذ البرايا غوث كل مؤمـل كريم السجايا طيب الجسم والقلب
    كريم حليم شأنه الجود والوفا يرجى لكشف الضر والبؤس والكرب
    وقفنا على أعتاب فضلك سيدي لتقبيل ترب حبذا لك من ترب
    توجه رسول الله في كل حاجة لنا ومهم في المعاش وفي القلب
    عليك سلام الله ما سار مخلص إليك يقول : الله والمصطفى حسبي
    عليك سلام الله أنت ملاذنا لدى اليسر والإعسار والسهل والصعب .

    هذه هي الحلقة الخامسة من كتاب "جلاء البصائر في الرد على كتابي " شفاء الفؤاد " و"الذخائر " ) للشيخ سمير المالكي حفظه الله :
    * القصيدة الخامسة : قال الدكتور ( "شفاء الفؤاد" ( ص212- 213) ) : " للإمام العارف بالله عبدالرحيم البرعي " .
    جاء فيها :
    يا صاحب القبر المنير بيثرب يا منتهى أملي وغاية مطلبي
    يا من نرجيه لكشف عظيمة ولحل عقد ملتو متعصب
    يا من يجود على الوجود بأنعم خضر تعم عموم صَوْب الصَّيب
    يا غوث من في الخافقين وغيثهم وربيعهم في كل عام مجدب
    يا رحمة الدنيا وعصمة أهلها وأمان كل مُشرق ومغرب
    يا من نناديه فيسمعنا على بعد المسافة سمع أقرب أقرب
    يا سيدي إني رجوتك ناصراً من جور دهر خائن متقلب
    فأقل عثار عُبيدك الداعي الذي يرجوك إذ راجيك غير مخيب
    واكتب له ولوالديه براءة من حر نار جهنم المتلهب
    واقمع بحولك باغضيه وكل من يؤذيه من متمرد متعصب
    واشفع له ولمن يليه وقم بهم في كل حال يا شفيع المذنب
    وعليك صلى ذو الجلال أتم ما صلى وسلم يا رفيع المنصب
    * القصيدة العاشرة : قال الدكتور ( "شفاء الفؤاد" (ص220- 223) ) : " للإمام عبدالله بن علوي الحداد " .
    جاء فيها :
    وقفنا وسلمنا على خير مرسل وخير نبي ما له من مناظر
    فرد علينا وهو حي وحاضر فشرف من حي كريم وحاضر
    هو الساس وهو الرأس للأمر كله بأولهم يدعى لذاك وآخر
    ألا يا رسول الله عطفاً ورحمة لمسترحم مستنظر للمبارر
    ألا يا حبيب الله غوثاً وغارة لذي كربة مسودة كالدياجر
    ألا يا أمين الله أمناً لخائف أتى هارباً من ذنبه المتكاثر
    ألا يا صفي الله قم بي فإنني بكم وإليكم يا شريف العناصر
    ويا غوث كل المسلمين وغيثهم وعصمتهم من كل خوف وضائر
    * القصيدة الرابعة عشرة : قال الدكتور ( "شفاء الفؤاد" ( ص 227- 228 ) ) : " للشيخ جمال الدين يحيى الصرصري " .
    جاء فيها :
    جئناك نطوي القفار الشاسعات على عيس لهن بنا وخد وإرقال
    فاعطف على وفدك الراجين فضلك يا من عنده للعطاء الغمر إجزال
    وها عُبيدك يحيى قد أتاك مستأنساً وجلاً مما يزخرف حاوي المكر محتال
    فاسأل لي الله أن أحيا على سنن سننتها فبها قد ينعم البال
    * القصيدة السادسة عشرة : " زيارة حبشية" قال الدكتور ( " شفاء الفؤاد " ( ص 230- 231) ) : " للإمام العارف بالله الحبيب علي بن محمد الحبشي رضي الله عنه " .
    جاء فيها :
    يا ملاذ الكل يا أهل الندى يا كريم الأصل يارب الحور
    يا غياث الخلق يا ذا الفضل والجود والإحسان في بحر وبر
    يا لجا اللاجين يا خير نبي ورسول جاء حقاً بالسور
    أنت باب الله لا يقصده الشخص إلا فاز حقاً بالوطر
    يا رسول الله غوثاً عاجلاً يدفع البلواء عنا والأشر
    يا رسول الله عجل سيدي بزوال البؤس عنا والضرر
    قد لجونا نحو بابك سيدي ووقفنا ننتظر منك الخبر
    وارحم الأمة جميعاً إنهم لم يزالوا في عناء وكدر
    وأرحمهم من عنا هذا الوبا واطلب الرحمن يسقيهم مطر
    فبحق الطهر طهر سيدي لجميع الأرض من هذا الضرر
    وبحق الحسنين ارفع لما قد عرى وارحم فقد زاد الحذر
    * القصيدة الثامنة عشرة : قال الدكتور ( "شفاء الفؤاد" ( ص234) ) : " للسيد محمد أمين كتبي ".
    جاء فيها :
    مالي من الأعمال ما أرجو به فوزاً ولكن في نداك رجائي
    فامنن علي بنظرة وبتوبة وصيانة وسلامة وشفاء
    واشفع لدى المولى الكريم تفضلاً لأكون صاحب صفحة بيضاء
    فلأنت في الدنيا وفي الأخرى وفي كل المواطن عدتي وندائي
    فامنن علينا بالزيارة عاجلاً في صحة وسلامة وهناء
    حسبي بجاهك مأمناً ومثابة وببحر جودك مورد استغنائي
    * القصيدة التاسعة عشرة : قال الدكتور ("شفاء الفؤاد" ( ص235) ) : " للإمام العارف بالله السيد محمد أمين كتبي " .
    جاء فيها :
    كلما لحت للملائك خروا في السموات سجداً وبكيا
    ومددت الأكوان شرقاً وغرباً مدداً في كيانها كليا
    الخلاصة
    وبعد ، فلعل فيما تقدم من عرض وتحليل لمجمل ما في الكتابين " الذخائر " و " شفاء الفؤاد " ، كفاية في الدلالة على بقية محتوياتهما ، وبيان حقيقة منهج المؤلف وطريقته ونحلته التي يدعو إليها ، وهي كما رأيت ليست أخطاءً هينة ولا مخالفات يسيرة مما يسوغ فيه الاجتهاد ويقبل الخلاف تبعاً لدلالات النصوص وتباين المدارك والفهوم بل هي أغلاط منكرة وعقائد زائغة وضلالات جسيمة تخالف شريعة الإسلام بالكلية وتناقض أسسه وقواعده وأصوله .
    هذا وما نقلته لك إنما هو غيض من فيض متراكم ونقطة من بحر متلاطم ، والأمر – والله – أعظم مما وصفت وأكبر مما رأيت ، ولو رمت سرد كل مغالطات المؤلف وسقطاته ، مجرد سرد ، دون تعقب ، لأفضى إلى التطويل المفضي إلى الإملال ، إذ لم تكد تخلو صفحة مما كتب من خطأ واضح جلي في مسائل التوحيد وقضايا الاعتقاد .
    * لقد مر بك قوله : "ما أرسل الرحمن أو يرسل ، من رحمة تصعد أو تنزل ... إلا وطه المصطفى عبده .. واسطة فيها وأصل لها " ، وهذه منازعة للرب عز وجل في صفة الرحمة .
    * وقوله عن النبي صلى الله عليه وسلم : " إذ لا فرق بين حياته وموته .. في مشاهدته لأمته ومعرفة أحوالهم ونياتهم وعزائمهم وخواطرهم " ، وهذه منازعة للرب سبحانه في صفة العلم .
    * وقوله أيضاً : " يا من نناديه فيسمعنا على بعد المسافة سمع أقرب أقرب " وهذه منازعة للرب جل وعلا في صفة القرب .
    * وقوله كذلك إنه " سمي من أسماء الله تعالى ينحو سبعين اسماً " بل ذهب أبعد من ذلك فزعم أن له صلى الله عليه وسلم كل أسماء الله الحسنى ، فلم يُبق لله اسماً يختص به .
    * وسمعت قوله : " يا سيدي يا رسول الله خذ بيدي ، مالي سواك ولا ألوي على أحد " وقوله أيضاً : " عجل بإذهاب الذي أشتكي فإن توقفت فمن ذا أسأل ؟ " وهذه منازعة صريحة في الألوهية .
    * ولما كانت الصفة الغالبة على المؤلف في اختياره ونقله وتقريره واجتراره لمسائل الكتابين هي مخالفة النص الصريح من القرآن والسنة وإجماع السلف ، مع الإصرار على تلك المخالفة والتأكيد على الإصرار فقد أطلقت عليه اسم " المخالف " ، وهو أقل وصف يستحقه بعد الذي رأيته من نصوص كلامه ، وما ستراه أشد وأنكى .
    * ولا أدل على إصراره على المخالفة وتشبثه بها وعضه عليها ، من تكراره لنفس الأخطاء الشنيعة والطامات الموبقة التي أكثر منها في كتابه الأول " الذخائر " ، وإعادتها بمثلها وأعظم منها وأشنع في كتابه الأخير " الشفاء " ، مع طول الفترة بين التأليفين والتي قاربت العشرين عاماً .
    * ثم إنه نوقش بما في كتابه الأول ، ورُد عليه وبُين له وجه الخطأ وعُقد له مجلس مشهود مع بعض أهل العلم ، وكان الظن به وبمن هو في منزلته وعلمه أن يتوب ويرجع ، ولو فعل لكان خيراً له وللناس وأقوم ، ولكنه – هداه الله – أصر واستكبر وأعاد الكرة في الكتاب الآخر بأسلوب أصرح وأوضح من ذي قبل ، فاستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير .
    * ولا ينقضي عجبي من أولئك الذين عرفوا حقيقة هذا " المخالف " وظهر لهم إصراره على المخالفة ثم يستهلكون في الدفاع عنه وتكلف الأعذار له ، ولو على حساب الدين والعقيدة والإيمان ‍!
    أقول لهم : ما رأيكم بمن يقول : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أوتي علم الغيب ومفاتحه الخمس وعلم الروح ، وإنه يملك حق الإقطاع في الجنة لمن شاء ، وإن أسماءه مطابقة لأسماء الله الحسنى ، وإنه المنعم على كل الوجود ، الممد بالخير والبر لكل موجود ، لجا اللاجين ، وغياث المستغيثين ، غافر الذنب وقابل التوب ، الذي من أجله خُلق الكون وله يسجد من في السموات ومن في الأرض ، وقبره خير من الجنة والعرش ... وهلم جراً ؟!
    أوقفهم على كل هذه العظائم ومثلها ومثلها ومثلها ... فيتكلفون له الأعذار ويتمحلون عنها الجواب :
    * فمن قائل : " هذه الأقوال مدسوسة عليه وعلى كتبه ، ولا يمكن صدورها عنه " !
    * ومن قائل : " هذه الأقوال يمكن أن تُؤَوَّل وتُحمل على أحسن محمل " !
    * ومن قائل : " هلا ناقشته وبينت له وأوضحت له فلعله يقنعك أو يقتنع ، وإن أخطأ فلعله إذا روجع أن يرجع " !
    وأنا أقول لهؤلاء المتكلفين : اربعوا على أنفسكم وأريحوها من هذا التكلف العسير ، فقد قدمت إليكم ما يؤكد تأكيداً جازماً لا شك فيه أن الكلام كلامه والقول قوله وهو لا يفتأ يكرره في مصنفاته ، وإن كنتم في ريب مما أقول فاسألوه يخبركم الخبر اليقين .
    وأما تأويل الكلام ولي عنقه وحمله على محامل حسنة لتوافق الصواب ، فهو أمر جد عسير بل هو ضرب من المستحيل في أكثر الأحيان .
    * إذ كيف يمكن تأويل قوله : " إن النبي صلى الله عليه وسلم أوتي علم الخمس والروح وله حق الإقطاع في الجنة لمن شاء " ؟
    * وكيف نتأول قوله : " كلما لحت للملائك خروا ، في السموات سجداً وبكياً " ؟
    * وبم نتأول خطابه للنبي صلى الله عليه وسلم : " وانظر بعين الرضا لي دائماً أبداً ، واستر بفضلك تقصيري مدى الأمد" ؟
    * وكذا قوله له : " واعطف علي بعفو منك يشملني ، فإنني عنك يا مولاي لم أحد " ؟
    وقل مثل ذلك في سائر الأقوال المنكرة التي يستحيل تأويلها لصراحتها ووضوح نكارتها .
    وليس أدل على ما ذكرت من عجز أولئك " المتكلفين " ، عن الجواب عن تلك المنكرات الشنيعة التي شحن بها المخالف كتابيه ، فحادوا عنها إلى مسائل أخرى دندنوا حولها وشغبوا بها ، ليوهموا العوام بأنها هي أس الخلاف القائم بين الفريقين ، وليستروا بها تلك الفضائح التي هي أصل الخلاف وحقيقة الاختلاف .
    ومن المسائل التي دأب " المخالف " ومن نصره من " المتكلفين " على التشغيب بها والتستر بها : مسألة محبة النبي صلى الله عليه وسلم وتعظيم قدره ، وأثاروا معها جملة من المسائل ، من أهمها : الاحتفال بالمولد النبوي الشريف ، ووصفه صلى الله عليه وسلم بالسيادة ، والتبرك به ، وزيارة قبره الشريف ، وشد الرحل إليه ، ثم التوسل به ، والاستشفاع به .
    فهذه المسائل السبع هي أكثر ما شغب به هؤلاء وجعلوها مثار جدل بين الناس ، وزعموها علامة على المحبة ودلالة على التعظيم ، وليس الأمر كما زعموا ولبسوا .
    * أما محبة النبي صلى الله عليه وسلم وتعظيمه وتوقيره ، فهي من أسس الإيمان وشعبه العظام ، بل لا يصح الإيمان بدونها ، وليس ثمة خلاف بين طوائف المسلمين ، على اختلاف مذاهبهم وفرقهم ، في وجوبها وأنها من فرائض الدين ، وإنما الخلاف في دلائلها ومتعلقاتها.
    والناس مختلفون في تحقيق المحبة بحسب إيمانهم واعتقادهم فمنهم السابق ومنهم المقتصد ومنهم الظالم لنفسه ، إما بالغلو أو بالجفاء .
    * وأما المسائل الأخرى فالكلام فيها يطول ، وكل واحدة منها تحتاج إلى تأليف مستقل ولم تكن محل تنازع بين الأئمة في القرون المفضلة ، فمن ذا الذي ينازع في خيرية النبي صلى الله عليه وسلم وفضله وسيادته على سائر البشر ؟
    * فكونه صلى الله عليه وسلم سيد الناس ، محل اتفاق بين الأمة كلها ، الخاصة والعامة ، وقد صح فيه الخبر في الحديث المتفق عليه الذي قال فيه صلى الله عليه وسلم : " أنا سيد الناس يوم القيامة " .
    * وكذا التبرك به صلى الله عليه وسلم هو محل اتفاق بين السلف ، فقد تواتر عن الصحابة الكرام تبركهم بشعره وعرقه وتفله وثيابه صلى الله عليه وسلم في حياته ، وبعد مماته في الأزمنة القريبة حيث يمكن التأكد من نسبة تلك الأشياء الشريفة له صلى الله عليه وسلم .
    وأما في القرون المتأخرة ، فمن زعم أن عنده شيئاً من ذلك فعليه الدليل ، خاصة مع كثرة الكذب والدعاوى الباطلة بين الناس ، وقد اجترأ كثير من المنافقين والمغفلين على الكذب على لسان النبي صلى الله عليه وسلم وقولوه ما لم يقل ، فأولى أن يجترئوا على الكذب في آثاره وأشيائه .
    * وأما زيارة قبره الشريف من غير قصد السفر فهي مستحبة عند جماهير المسلمين ، وقد صح عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه كان يقول عند زيارة القبر : " السلام عليك يارسول الله ، السلام عليك يا أبابكر السلام عليك يا أبتِ " ثم ينصرف ولا يزيد على ذلك .
    * وأما قصد القبر الشريف بالسفر وشد الرحال إليه فسيأتي تفصيل الكلام عليه بعد إن شاء الله . وهي على كل حال ليست أصل الخلاف بين الطرفين ، وإن كانت من مسائل الخلاف عند المتأخرين .
    * وأما التوسل والشفاعة فهما من أصول مسائل الاعتقاد ، ولذا فقد تواترت فيهما النصوص الشرعية ، كما سيأتي بيانه وتفصيله ، والخلاف فيهما قديم من قبل الإسلام والبعثة المحمدية ، على صاحبها أفضل الصلاة والسلام .
    وكل الذي يمكن قوله الآن ، باختصار ، إن التوسل والشفاعة ينقسمان إلى نوعين : شرعي ، وبدعي .
    1- فالشرعي : يثبته أهل الإسلام تبعاً للنصوص المثبتة ، وليس فيه بين المسلمين خلاف عدا بعض الفرق كالخوارج والمعتزلة الذين أنكروا الشفاعة في أهل الكبائر.
    2- والبدعي : وهو من سنن الجاهلية التي نقضتها شريعة الإسلام واتفق على نفيها الأئمة من السلف والخلف تبعاً لنصوص القرآن ، وهي التي أحياها المخالفون وفتنوا بها كثيراً من العوام .
    * بقي الكلام على الاحتفال بالمولد النبوي ، والكلام فيه يحتاج إلى تفصيل لا تسعه هذه الخلاصة ، وحسبي أن ألخص موضوعاته في نقاط عشر :
    1- المولد النبوي نفسه ، بمعنى وقت ولادته ، اختلف في تحديد يومه وشهره بين علماء المسلمين ممن كتب في السير والملاحم والتاريخ ، مع اتفاقهم على أنه يوم الاثنين كما ورد بذلك الخبر الصادق عن النبي صلى الله عليه وسلم .
    2- ومن دوَّن فيه وكتب من أهل العلم ، فلكونه من أحداث السيرة النبوية ، فيذكرون الإرهاصات السابقة لمولده صلى الله عليه وسلم ثم مولده ونشأته وحياته قبل البعثة وبعدها إلى يوم وفاته .
    3- وأما الاحتفال بمولده صلى الله عليه وسلم فهو ممكن عقلاً لمن حضر ذلك اليوم الذي ولد فيه ، وأما بعده فلم يبق إلا حدثاً وسيرة كسائر الأحداث والسير التي مرت في حياته صلى الله عليه وسلم .
    4- ومعلوم أن حياة النبي صلى الله عليه وسلم امتدت ثلاثة وستين عاماً ، منها أربعون قبل البعثة وثلاثة وعشرون بعدها ، فكل يوم فيها هو يوم من حياته الشريفة المباركة ولا يقل شرفاً ولا أهمية عن يوم ولادته بل قد يفضل عليه ، كيوم بعثته مثلاً .
    5- والاحتفال بمولده بمعنى إحياء ذكرى ذلك اليوم واتخاذه عيداً يتكرر على الدوام ، لم يفعله صاحب الشأن نفسه ولم يرغب فيه حتى مات صلى الله عليه وسلم ، ولم يفعله صحابته الكرام ولا أزواجه ولا أهل بيته ولا التابعون ولا أتباعهم ولا الأئمة الأعلام .
    6- ومضت تلك القرون الفاضلة والأمر على ما هو عليه من ترك الأمة كلها من شرقها إلى غربها الاحتفال بذكرى المولد أو غيره من الأيام ، التي كما ذكرت لا تقل عنه أهمية ، فهي جزء من حياة خير الأنام عليه أفضل الصلاة والسلام .
    7- هذا وقد كثرت مجالسهم في فنون العلم ، في التفسير والحديث والفقه واللغة والأدب والشعر ، وسائر العلوم والفنون ، ولم يخصوا مجلساً واحداً ولا محفلاً واحداً من تلك المحافل على تنوعها ، باحتفال بذكرى أي يوم من تلك الحياة الشريفة الحافلة .
    8- حتى إذا حدث النقص في الأمة في القرون التالية للقرون الفاضلة وتقلد زمام الأمر فيها فرقة باطنية ضالة ، أبطنت الكفر والزندقة وأظهرت الإسلام والتشيع ، وصارت لها دولة ، هي الدولة العُبيدية ، وهي المسماة بالدولة الفاطمية ، فأحدثت الاحتفال بذكرى المولد النبوي ، وكان ذلك في سنة 361هـ .
    فتأمل – رحمك الله – كيف يمكن أن يهمل خير هذه الأمة وأبرها قلوباً وأعمقها علماً وأقلها تكلفاً ، قربة من أعظم القرب ، ويغفلون عنها ، وفيهم ومن بينهم من لو وزن بالأمة كلها لرجح بهم ، ويتتابعون على هذا الإهمال وذلك الإغفال كابراً بعد كابر ، وجيلاً بعد جيل ، ثم يهتدي إليه ويسبقهم إليه أصحاب تلك النحلة الخبيثة الباطنية !!!
    9- وإن تعجب ، فعجب قولهم " إن لنا على ذلك الاحتفال أدلة " .
    أوصلها بعضهم إلى أكثر من عشرين دليلاً ، بعضها من القرآن وبعضها من السنة وبعضها أدلة عقلية !!
    وليت شعري ، كيف فات النبي صلى الله عليه وسلم استنباطها من القرآن وهو ينزل عليه ، ومن السنة وهو الناطق بها ؟
    ثم كيف فات أكابر الصحابة وعلماءهم وفضلاءهم ، والله تعالى يقول : ( ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم ) ؟
    وقل مثل ذلك في التابعين والأئمة الأربعة وغيرهم من علماء الأمة ، كيف عميت عليهم معاني تلك النصوص وخفي عليهم فهمها ، وهم أساطين العلم والفهم والعقل ؟
    10 - وأخيراً فإن أكثر الناس لا يعرفون هذه الحقائق ، وتختلف أفهامهم ومقاصدهم من حضور تلك الاحتفالات :
    * فمنهم من يقصد بها دراسة السيرة النبوية ، ولا يفهم من معنى " المولد " إلا هذا ، وهؤلاء هم السواد الأعظم من الحاضرين والمحتفلين .
    * ومنهم من يقصد بها التبرك بحضور مجالس الذكر ، فكل مجلس ذكر عندهم يمكن أن يطلق عليه "مولد" .
    * ومنهم من يحضرها إجابة للدعوة ومشاركة في الاجتماع ، ويعتبرها من أمور العادات.
    وعلى كل حال فإن قضية "المولد" ، بمعنى الاحتفال بذكراه ، ونحوه من المبتدعات ليست أصل النزاع بين " المخالف " وبين خصومة من أهل العلم ممن تعقبه ورد عليه ، كما زعم أولئك المتكلفون ، مع أنها محل خلاف بين الفريقين ، ولكن أصل النزاع - معشر المؤمنين - هو كما ذكرت ، في أركان الإيمان وشرائع الدين .
    فإن كان الخلاف في أصول الدين وأركانه ، فالأمة كلها معنية به ، ومن حق المسلمين جميعاً ، بل من الواجب المتحتم عليهم أن ينصروا الحق ويعلوا رايته ، ويوالوا أهله ، وأن يقمعوا الباطل ويدمغوا رايته ، ويعادوا أهله ويتبرءوا منهم ، عملاً بقول الله عز وجل : ( يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم ) . وإذعاناً لأمره ونهيه إذ قال : ( وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان ) وقال أيضاً : ( والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ) ( التوبة :71) .
    ووقوفاً عند حده في قوله : ( لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناهم أو إخوانهم أو عشيرتهم ، أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه ، ويدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ، رضي الله عنهم ورضوا عنه ، أولئك حزب الله ، ألا إن حزب الله هم المفلحون ) ( المجادلة : 22) .
    فذلك هو أقل الواجب وأضعف الإيمان ، أن يتبرأ المؤمنون من هؤلاء المخالفين وأضرابهم وأن يتبرءوا إلى الله من أقوالهم وأفعالهم وبدعهم ومنكراتهم ( جاء في الهامش : ومما تجدر الإشارة إليه أن هذا المخالف يجتمع ووالدي في الأب الثالث عبدالعزيز المالكي .
    فوالدي : خليل بن محمد بن أحمد بن عبدالعزيز ، وهو : محمد بن علوي بن عباس بن عبدالعزيز ) .
    وثمة واجب آخر فرضه الله عز وجل على طائفة من عباده المؤمنين ، لا يسعهم النكوص عنه ولا التنصل منه ، وهو النصيحة في الدين ، وجهاد المخالفين ، وفاءً بعهد الله وميثاق الكتاب المبين .
    قال تعالى : ( وإذ أخذ الله ميثاق الذين أتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه ) ( آل عمران : 187) ، وقال : ( إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون ) ( البقرة : 159) .
    قلت : من أجل ذلك كتبت هذا الرد ، واقتصرت فيه على أمهات الأخطاء الواردة في كتابي " الذخائر " و " شفاء الفؤاد " ، وتركت بقيتها بغية الاختصار . وجعلته في مقدمة ، ذكرت فيها أصل الدين وحقيقة الإسلام ومعنى لا إله إلا الله ، وذكرت نبذة عن الشرك ونشأته في الأمم من زمن قوم نوح عليه السلام ، وأشرت إلى وسائله وطرقه الموصلة إليه وأهمها : الغلو في الصالحين والعكوف على قبورهم .
    ثم شرعت في بيان أخطاء المخالف والرد عليها ، وضمنتها في ثلاث أبواب :
    الباب الأول : بينت فيه حقيقة ما يدعو إليه المخالف من الدعوة إلى الشرك بنوعية : شرك العبادة ، وشرك الربوبية .
    الباب الثاني : ذكرت فيه افتراء المخالف على الملائكة الكرام ورميهم بالشرك والكفر .
    الباب الثالث : برهنت فيه على نقض المخالف أركان الإيمان الأربعة : الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسوله صلى الله عليه وسلم ، وبه ختمت الكتاب ، وهو القسم الأول من الرد ، وسميته : " جلاء البصائر في الرد على كتابي شفاء الفؤاد والذخائر " .
    وبعد ، فقد بقيت مسائل مهمة أوردها المخالف في كتابيه المذكورين ، وهي مما يحتاج إلى جلاء وتوضيح ، ومنها على سبيل المثال:
    * محبة الرسول صلى الله عليه وسلم ، وهي من أولى المسائل التي أثارها المخالف وجعل يدندن حولها في كل مجلس وفي كل تأليف ، وهي من الدعاوى العريضة التي دأب المخالفون على التشغيب بها والتستر بها على مر العصور .
    * ومنها مسألة شد الرحل إلى القبر النبوي ، وقد طال فيها الجدال والمراء من عهد بعيد .
    * ومنها مسألتا التوسل والاستشفاع بالنبي صلى الله عليه وسلم بعد موته ، وكذا سائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام .
    * ومنها حياة النبي صلى الله عليه وسلم في قبره .
    إلى غير ذلك من المسائل التي أثار فيها المخالف الجدال وأورد حولها الشبهات .
    ولأن الكلام فيها يطول فقد أفردتها في كتاب آخر وهو القسم الثاني من الرد ، وسميته :
    "الكشف والتبيين عن شبهات المخالفين"
    والحمد لله في الأولى وفي الآخرة وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد وعلى آله .

    هذه هي الحلقة السادسة من كتاب "جلاء البصائر في الرد على كتابي " شفاء الفؤاد " و"الذخائر " ) للشيخ سمير المالكي حفظه الله :

    المقدمة
    * اعبدوا الله ما لكم من إله غيره .
    * ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله .
    * وقالوا لا تذرن آلهتكم .
    * سد ذرائع الشرك .
    * ألا فلا تتخذوا القبور مساجد .
    * لا تغلوا في دينكم .
    **
    ( اعبدوا الله ما لكم إله غيره )
    اعلم - رحمك الله - أن حقيقة دعوة الرسل ومبناها وأسها على توحيد الله عز وجل وإفراده بالعبادة وإخلاصها له وعدم إشراك شيء معه ، أياً كان هذا الشيء ، ملكاً مقرباً أو نبياً مرسلاً أو حجراً أو شجراً أو غير ذلك من الأوثان والأنداد والأصنام .
    ولم يخلق الله الخلق ولا بعث إليهم الرسل إلا لهذه الغاية العظمى ، عبادة الله وحده لا شريك له . قال تعالى : ( وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) ( الذاريات : 56) ، أي ليوحدوني ( " تفسير القرطبي " ( 17/56) ) .
    وقال : ( ولقد بعثنا في كل أمة رسولاً أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت ) ( النحل : 36) .
    وقال عز وجل : ( لقد أرسلنا نوحاً إلى قومه فقال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ) ( الأعراف : 59) .
    وهذه دعوة أول رسول بعد حدوث الشرك ، ولم تزل كذلك دعوة من بعده ، هود وصالح وشعيب عليهم السلام ( اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ) .
    وهذه الدعوة هي حقيقة معنى لا إله إلا الله ، فإن الإله هو المألوه المعبود بالمحبة والخشية والإجلال والتعظيم وسائر أنواع العبادات القولية والعملية ، ويدل على ذلك قوله تعالى : ( وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون ) ( الأنبياء : 25) .
    وكذلك كانت دعوة خاتم الرسل صلى الله عليه وسلم لقومه وللناس كافة ، أمرهم بتوحيد الله وقول لا إله إلا الله فأبوا عليه إلا قليلاً ممن آمن ، وكان يرسل إلى الملوك يدعوهم إلى التوحيد ، كما جاء في رسالته إلى هرقل : " و ( يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم أن لا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئاً ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله ) "( رواه البخاري ( 1/32) ومسلم ( 1773) ) .
    ولما أراد أن يبعث معاذاً إلى اليمن قال له : " إنك تأتي قوماً أهل كتاب فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله " وفي لفظ : " إلى عبادة الله " وفي لفظ : " إلى أن يوحدوا الله "( رواه البخاري ( 3/261) و (3/322) و (13/347) ومسلم ( 19) ) .
    فدلت هذه النصوص وغيرها على أن عبادة الله وحده وعدم الإشراك به هو أصل الدين وهو معنى لا إله إلا الله ، وهو ما يسميه العلماء توحيد الإلهية ، وتوحيد العبادة ، ولم تخل شريعة من شرائع الرسل من هذه الدعوة لأنها هي الإسلام الذي لا يرضى الله عز وجل ديناً غيره كما قال : ( إن الدين عند الله الإسلام ) ( آل عمران : 19) .
    وقال ( ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين ) ( آل عمران : 85) .
    ولقد فهم المشركون الذين بعث فيهم النبي صلى الله عليه وسلم معنى كلمة التوحيد لما دعاهم إليها فقالوا كما حكى القرآن عنهم ( أجعل الآلهة إلهاً واحداً إن هذا لشيء عجاب ) ( ص: 5) .
    فهموا أن معناها ترك الآلهة والأنداد وما يتبع ذلك من أمور الجاهلية ، وتوحيد الخالق بالعبادة ، والتي تستلزم كمال الخضوع له والانقياد ، المستلزم زوال طاغوت الجاهلية .
    إذ العبادة ( هي الطاعة والخضوع ، يقال : طريق معبد إذا كان مذللاً بكثرة الوطء .
    والتعبد هو التنسك ، والعبودية هي الخضوع والتذلل . وقول الله تعالى ( إياك نعبد ) أي : إياك نوحد .
    والعابد هو الخاضع المستسلم المنقاد لأمر المعبود ) ( "لسان العرب" ( 3/ 270- 274 مادة عبد ) ).
    وتأتي العبادة أيضاً بمعنى الدعاء والطلب كما في قوله تعالى : ( وقال ربكم ادعوني أستجب لكم ، إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين ) ( غافر : 60) ، وكقوله تعالى : ( وأعتزلكم وما تدعون من دون الله وأدعو ربي عسى أن لا أكون بدعاء ربي شقياً . فلما اعتزلهم وما يعبدون من دون الله ..) ( مريم : 48- 49) .
    وقد تكرر ذكر العبادة في القرآن بمعنى الدعاء والقصد والطلب ، إذ كانت هذه أكثر عبادة المشركين في كل أمة لأصنامهم وأنداد هم ومعبودا تهم .
    قال تعالى : ( والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى ) ( الزمر : 3 ) .
    وقال عز وجل : ( ويعبدون من دون الله ما لا ينفعهم ولا يضرهم وكان الكافر على ربه ظهيراً ) ( الفرقان : 55) .
    وقال سبحانه مخاطباً عبده ورسوله محمداً صلى الله عليه وسلم : ( قل إني نهيت أن أعبد الذين تدعون من دون الله لما جاءني البينات من ربي وأمرت أن أسلم لرب العالمين ) ( غافر : 66) .
    وقد صح من حديث النعمان بن بشير رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " الدعاء هو العبادة " ثم قرأ قوله تعالى : ( وقال ربكم ادعوني أستجب لكم .. ) الآية (رواه أبو داود ( 1479) والترمذي ( 2973) ) .
    ولقد كان أكثر عبادة المشركين الأولين لأصنامهم وأنداد هم وأوثانهم بدعائهم وسؤالهم من دون الله ، وهم مع ذلك كانوا يعبدون الله ويدعونه ويلجأون إليه ، فجمعوا بين الإيمان به والشرك معه ، كما قال تعالى عنهم : ( وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون ) ( يوسف : 106) .
    **
    (ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله)
    ثم اعلم - رحمك الله - أن المشركين الذين بعث فيهم رسول صلى الله عليه وسلم كانوا مقرين بوجود الله وبربوبيته وتصرفه وتدبيره للأمور ، وأنه الخالق الرازق المحيي المميت ، وأن آلهتهم التي يعبدونها لا تفعل شيئاً من ذلك وإنما يدعونها ويلجأون إليها لتشفع لهم عند الله ، ويجعلونها بمثابة الوسطاء عند الملك يرفعون إليه حاجة من توسل بهم ، ويزعمون أن الله لا يستجيب لهم حتى يشفع هؤلاء الوجهاء المقربون .
    * ومن الأدلة على ذلك :
    قوله تعالى : ( قل من يرزقكم من السماء والأرض ، أمن يملك السمع والأبصار ، ومن يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ومن يدبر الأمر فسيقولون الله فقل أفلا تتقون ) ( يونس : 31) .
    وقوله : ( قل لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون ، سيقولون لله قل أفلا تذكرون * قل من رب السموات السبع ورب العرش العظيم سيقولون لله قل أفلا تتقون ، قل من بيده ملكوت كل شيء وهو يجير ولا يجار عليه إن كنتم تعلمون سيقولون لله قل فأنى تسحرون ) ( المؤمنون : 84-89) .
    * وأما اتخاذهم أصنامهم ومعبودا تهم شفعاء ووسطاء فيدل عليه قوله تعالى : ( ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله ، قل أتنبئون الله بما لا يعلم في السموات ولا في الأرض سبحانه وتعالى عما يشركون ) ( يونس : 18) .
    وقال سبحانه وتعالى : ( أم اتخذوا من دون الله شفعاء ، قل أولو كانوا لا يملكون شيئاً ولا يعقلون . قل لله الشفاعة جميعاً له ملك السموات والأرض ثم إليه ترجعون ) ( الزمر : 43- 44) .
    ففي الآية الأولى أخبر سبحانه عنهم سبب عبادتهم لهم وهو اتخاذهم إياهم شفعاء ، ثم سماه عز وجل شركاً فقال : ( سبحانه وتعالى عما يشركون ) .
    وفي الآية الثانية تأكيد للأولى ، وبيان آخر وهو أن الشفاعة كلها لله لا لأحد من الخلق ، وإنما هي ملك له وحده يأذن لمن يشاء فيمن يشاء ، بخلاف شفاعة الخلق لبعضهم عند بعض كشفاعة الوجهاء عند الرؤساء فهذه شفاعة تليق بحال المخلوقين من الضعف والعجز والقلة والذلة ، كما أن شفاعة الخالق سبحانه تليق بجلاله وعظمته وكمال سلطانه وعزته وغناه عن خلقه ، ومن سوَّى بين الشفاعتين فقد غلط غلطاً بيناً وافترى إثماً عظيماًً .
    **
    ( وقالوا لا تذرون آلهتكم )
    ذكر ابن عباس رضي الله عنهما في تفسير هذه الآية ( وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا تذرن وداً ولا سواعاً ولا يغوث ويعوق ونسراً ) أنها " أسماء رجال صالحين من قوم نوح ، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون أنصاباً وسموها بأسمائهم ففعلوا فلم تعبد ، حتى إذا هلك أولئك وتنسَّخَ العلم عبدت " ( أنظر " صحيح البخاري " ( 8/667)) .
    قال السهيلي : " كانوا يتبركون بدعائهم كلما مات منهم أحد مثلوا صورته وتمسحوا بها إلى زمن مهلائيل فعبدوها بتدريج الشيطان لهم ، ثم صارت سنة في العرب في الجاهلية ، ولا أدري من أين سرت لهم تلك الأسماء ؟
    من قبل الهند ؟ فقد قيل إنهم كانوا المبدأ في عبادة الأصنام بعد نوح ، أم الشيطان ألهم العرب ذلك ؟ " انتهى نقله من " فتح الباري " ، ثم قال الحافظ : " وقد أخرج الفاكهي من طريق ابن الكلبي قال : " كان لعمرو بن ربيعة رئي من الجن فأتاه فقال : أجب أبا ثمامة ، وادخل بلا ملامة ثم ائت سِيْفَ جدَّة ، تجد بها أصناماً معدة ، ثم أوردها تهامة ولا تهب ، ثم ادع العرب إلى عبادتها تجب . قال فأتى عمرو ساحل جدة فوجد بها وداً وسواعاً ويغوث ويعوق ونسراً ، وهي الأصنام التي عبدت على عهد نوح وإدريس ، ثم إن الطوفان طرحها هناك فسفى عليها الرمل فاستثارها عمرو وخرج بها إلى تهامة وحضر الموسم فدعا إلى عبادتها فأجيب "اهـ ( "الفتح" ( 8/668)) .
    وذكر الحافظ أن عمراً هذا هو عمرو بن لحي .
    قلت : وثبت في الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " رأيت عمرو بن عامر الخزاعي يجر قصبه في النار وكان أول من سيب السوائب " وفي لفظ : " رأيت عمرو بن لحي" (أخرجه البخاري ( 6/547) ومسلم ( 2856)) .
    قال الحافظ في " الفتح " : "وأورده ابن إسحق في "السيرة الكبرى" عن محمد بن إبراهيم التيمي عن أبي صالح أتم من هذا ولفظه : "سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لأكثم بن الجون : رأيت عمرو بن لحي يجر قصبه في النار لأنه أول من غير دين إسماعيل ، فنصب الأوثان وسيب السائبة وبحر البحيرة ووصل الوصيلة وحمى الحامي" " ("السيرة" لابن هشام (1/78) وأخرجه الحاكم ( 4/605) بنحوه ، إلا أنه قال :"غير دين إبراهيم") .
    ثم قال الحافظ : "وذكر ابن إسحق أن سبب عبادة عمرو بن لحي الأصنام أنه خرج إلى الشام وبها يومئذ العماليق وهم يعبدون الأصنام فاستوهبهم واحداً منها وجاء به إلى مكة فنصبه إلى الكعبة وهو هبل ، وكان قبل ذلك في زمن جرهم قد فجر رجل يقال له إساف بامرأة يقال لها نائلة في الكعبة فمسخهما الله جل وعلا حجرين فأخذهما عمرو بن لحي فنصبهما حول الكعبة فصار من يطوف يتمسح بهما يبدأ بإساف ويختم بنائلة "اهـ ( "الفتح" ( 6/549) ) .
    والخلاصة : هي كما قال الحافظ : " وقصة الصالحين كانت مبتدأ عبادة قوم نوح هذه الأصنام ثم تبعهم من بعدهم على ذلك "( "الفتح " ( 8/669) ) ، وأن أول من دعا إلى عبادتها في العرب هو عمرو بن لحي بن قمعة الخزاعي ، ويقال له عمرو بن ربيعة أو عمرو بن عامر نسبة إلى جده . والله تعالى أعلم .
    **
    سد ذرائع (1) الشرك
    " لما كانت المقاصد لا يتوصل إليها إلا بأسباب وطرق تُفضي إليها ، كانت طرقها وأسبابها تابعة لها معتبرة بها . فوسائل المحرمات والمعاصي في كراهتها والمنع منها بحسب إفضائها إلى غاياتها وارتباطها بها . فوسيلة المقصود تابعة للمقصود ، وكلاهما مقصود ، لكنه مقصود قصد الغايات ، وهي مقصودة قصد الوسائل .
    فإذا حرم الرب تعالى شيئاً وله طرق ووسائل تفضي إليه فإنه يحرمها ويمنع منها ، تحقيقاً لتحريمه وتثبيتاً له ومنعاً أن يقرب حماه "
    ( "إعلام الموقعين" (3/147) )
    ولما كان الشرك أعظم الذنوب ، فقد سدت دونه كل الوسائل المفضية إليه ، والذرائع الموصلة إليه ، وأعظمها العكوف على قبور الأولياء والصالحين وتعظيمها ، والغلو فيهم بالمحبة والإطراء والتعظيم .
    وقد تقدم معنا أن مبدأ الشرك في قوم نوح ، كان سببه العكوف على قبور الصالحين ، وهم ود وسواع ويغوث ويعوق ونسر .
    وأما عبادة النصارى للمسيح عليه السلام ، فكان سببها الغلو في التعظيم والإطراء ، وكذا عبادة اليهود لعزير عليه السلام وعبادة المشركين للملائكة ، ولذا فقد جاءت النصوص محذرة من هاتين الذريعتين : تعظيم القبور والغلو في أصحابها .
    أما الأنصاب والأحجار والأصنام فإنما صنعت على صور أولئك المعبودين المعظمين ، المقبورين منهم وغير المقبورين ، فهي ليست معظمة لذاتها ، وإنما لكونها صورت على أشكالهم ، أو على هيئة اخترعها عبادهم وتخيلوها في أذهانهم فصنعوا لها هياكل تدل عليهم وسموها بأسماء مخترعة أيضاً ، كما فعل المشركون حين عبدوا الملائكة على صور أصنام واشتقوا لها أسماء من أسماء الله عز وجل ، لأنهم بزعمهم ، بنات الله ، تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً .
    والذين عبدوا القبور والأشجار والأحجار والأنصاب ، إنما عبدوها تبركاً بها وتعظيماً للمعبودين إما لكونهم مقبورين فيها ، أو لأنها أثر من الآثار الدالة عليهم .
    وقد ذكر ابن القيم رحمه الله من مكايد إبليس ، لعنه الله ، التي كاد بها أكثر الناس " ما أوحاه قديماً وحديثاً إلى حزبه وأوليائه من الفتنة بالقبور حتى آل الأمر فيها إلى أن عبد أربابها من دون الله وعبدت قبورهم واتخذت أوثاناً وبنيت عليها الهياكل وصورت صور أربابها فيها ثم جعلت تلك الصور أجساداً لها ظل ثم جعلت أصناماً وعبدت مع الله تعالى "اهـ "إغاثة اللهفان" ((1/ 143)) .
    ____________
    (1) : الذريعة : هي السبب إلى الشيء ، يقال : فلان ذريعتي إليك ، أي سببي ووصلتي الذي أتسبب به إليك . وسد الذرائع معناه إذاً : حسم مادة وسائل الفساد دفعاً لها . انظر "لسان العرب" (8/96) و "الفروق" للقرافي (2/32) .

    هذه هي الحلقة السابعة من كتاب "جلاء البصائر في الرد على كتابي " شفاء الفؤاد " و"الذخائر " ) للشيخ سمير المالكي حفظه الله :
    " ألا فلا تتخذوا القبور مساجد "
    ومن أعظم الوسائل المفضية إلى عبادة القبور والشرك بها واتخاذها أوثاناً تعبد من دون الله ، العكوف عندها للصلاة والدعاء والعبادة وسائر القرب ، فقد تواترت النصوص في النهي عن ذلك ، ووردت بأبلغ عبارات التحذير وأشدها ، إذ جاءت مقرونة باللعن والقتل والغضب ، ووصف فاعلوها بأنهم شرار الخلق عند الرب عز وجل .
    1- فعن أبي مرثد الغنوي رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها " أخرجه مسلم (972) .
    2- وعن أنس رضي الله عنه : " أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الصلاة إلى القبور " أخرجه ابن حبان ( ح 343).
    3- وعن عائشة رضي الله عنها : أن أم حبيبة وأم سلمة رضي الله عنهما ذكرتا للنبي صلى الله عليه وسلم كنيسة رأينها بالحبشة فيها تصاوير ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " إن أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات بنوا على قبره مسجداً وصورا فيه تلك الصور ، فأولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة " أخرجه البخاري (1/523) ومسلم (528).
    4- وعن عائشة وابن عباس رضي الله عنهما قالا : لما نزل برسول الله صلى الله عليه وسلم طفق يطرح خميصة له على وجهه فإذا اغتم بها كشفها عن وجهه فقال وهو كذلك : " لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد " ، قالت عائشة : " يحذر ما صنعوا " أخرجه البخاري ( 1/532) ومسلم (531) .
    5- وعنها رضي الله عنها قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرضه الذي لم يقم منه : " *** الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد " قالت : " فلولا ذاك أبرز قبره ، غير أنه خشي أن يتخذ مسجداً " البخاري (3/200) ومسلم (529) .
    6- وعن جندب بن عبدالله رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال قبل موته بخمس : " ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد ، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد ، إني أنهاكم عن ذلك " أخرجه مسلم (532).
    7- وعن ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إن من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء والذين يتخذون القبور مساجد " رواه أحمد (ح 4143، 4342) .
    8- وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " اللهم لا تجعل قبري وثناً ، *** الله قوماً اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد " رواه أحمد (2/246) .
    9- وعن عطاء بن يسار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " اللهم لا تجعل قبري وثناً يعبد ، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" ( رواه مالك في " الموطأ" (1/172) مرسلاً ) .
    قال الإمام ابن القيم رحمه الله في " إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان " (1/143-154) :
    ( ومن أعظم مكايده التي كاد بها أكثر الناس ، وما نجا منها إلا من لم يرد الله تعالى فتنته ، ما أوحاه قديماً وحديثاً إلى حزبه وأوليائه من الفتنة بالقبور ، حتى آل الأمر فيها إلى أن عُبد أربابها من دون الله وعبدت قبورهم واتخذت أوثاناً ، وبنيت عليها الهياكل وصورت صور أربابها فيها ، ثم جعلت تلك الصور أجساداً لها ظل ثم جعلت أصناماً وعبدت مع الله تعالى .
    وكان أول هذا الداء العظيم في قوم نوح ، كما أخبر سبحانه عنهم في كتابه حيث يقول : ( وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا تذرن وداً ولا سواعاً ولا يغوث ويعوق ونسراً وقد أضلوا كثيراً ) .
    قال غير واحد من السلف : " كان هؤلاء قوماً صالحين في قوم نوح عليه السلام ، فلما ماتوا عكفوا على قبورهم ثم صوروا تماثيلهم ، ثم طال عليهم الأمد فعبدوهم " ) .
    قال ابن القيم : ( فهؤلاء جمعوا بين الفتنتين : فتنة القبور ، وفتنة التماثيل ، وهما الفتنتان اللتان أشار إليهما رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق على صحته عن عائشة رضي الله عنها : أن أم حبيبة وأم سلمة ذكرتا كنيسة رأينها بالحبشة … ) وذكر الحديث ، ثم قال : ( فجمع في هذا الحديث بين التماثيل والقبور. وهذا كان سبب عبادة اللات . فروى ابن جرير بإسناده عن سفيان عن منصور عن مجاهد قال : " كان يلت لهم السويق فمات فعكفوا على قبره " .
    وكذلك قال ابن عباس رضي الله عنهما : " كان يلت السويق للحجاج " .
    فقد رأيت أن سبب عبادة ود ويغوث ويعوق ونسر واللات إنما كان من تعظيم قبورهم ثم اتخذوا لها تماثيل وعبدوها ) .
    ثم ساق رحمه الله الأحاديث السابقة في النهي عن اتخاذ القبور مساجد ، ثم قال : ( وبالجملة : فمن له معرفة بالشرك وأسبابه وذرائعه ، وفهم عن الرسول صلى الله عليه وسلم مقاصده جزم جزماً لا يحتمل النقيض أن هذه المبالغة منه باللعن والنهي بصيغتيه : صيغة "لا تفعلوا " وصيغة " إني أنهاكم " ليس لأجل النجاسة ، بل هو لأجل نجاسة الشرك اللاحقة بمن عصاه ، وارتكب ما عنه نهاه واتبع هواه ، ولم يخش ربه ومولاه وقل نصيبه أو عدم في تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله . فإن هذا وأمثاله من النبي صلى الله عليه وسلم صيانة لحمى التوحيد أن يلحقه الشرك ويغشاه ، وتجريد له وغضب لربه أن يعدل به سواه .
    فأبى المشركون إلا معصية لأمره وارتكاباً لنهيه وغرهم الشيطان فقال : بل هذا تعظيم لقبور المشايخ والصالحين ، وكلما كنتم أشد لها تعظيماً ، وأشد فيهم غلواً ، كنتم بقربهم أسعد ومن أعدائهم أبعد ) .
    قال ابن القيم : ( ولعمر الله ، من هذا الباب بعينه دخل على عباد يغوث ويعوق ونسر ، ومنه دخل على عباد الأصنام منذ كانوا إلى يوم القيامة . فجمع المشركون بين الغلو فيهم والطعن في طريقتهم .
    وهدى الله أهل التوحيد لسلوك طريقتهم ، وإنزالهم منازلهم التي أنزلهم الله إياها : من العبودية وسلب خصائص الإلهية عنهم ، وهذا غاية تعظيمهم وطاعتهم . فأما المشركون فعصوا أمرهم ، وتنقصوهم في صورة التعظيم لهم ) .
    ثم قال : ( ومن جمع ومن جمع بين سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في القبور ، وما أمر به ونهى عنه ، وما كان عليه أصحابه ، وبين ما عليه أكثر الناس اليوم ، رأى أحدهما مضاداً للآخر ، مناقضاً له ، بحيث لا يجتمعان أبداً .
    أ- فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الصلاة الى القبور ، وهؤلاء يصلون عندها.
    ب- ونهى عن اتخاذها مساجد ، وهؤلاء يبنون عليها المساجد ويسمونها مشاهد ، مضاهاة لبيوت الله تعالى .
    ج - ونهى عن إيقاد السرج عليها ، وهؤلاء يوقفون الوقوف على إيقاد القناديل عليها .
    د- ونهى أن تتخذ عيداً ، وهؤلاء يتخذونها أعياداً ومناسك ويجتمعون لها كاجتماعهم للعيد أو أكثر.
    هـ – وأمر بتسويتها ، وهؤلاء يرفعونها عن الأرض كالبيت ، ويعقدون عليها القباب.
    * والمقصود أن هؤلاء المعظمين للقبور ، المتخذينها أعياداً ، الموقدين عليها السرج ، الذين يبنون عليها المساجد والقباب ، مناقضون لما أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم ، محادون لما جاء به ، وأعظم ذلك اتخاذها مساجد وإيقاد السرج عليها ، وهو من الكبائر ) .
    ثم قال - رحمه الله - : ( وقد آل الأمر بهؤلاء الضلال المشركين إلى أن شرعوا للقبور حجاً ، ووضعوا له مناسك ، حتى صنف بعض غلاتهم في ذلك كتاباً وسماه "مناسك حج المشاهد" مضاهاة منه بالقبور للبيت الحرام ، ولا يخفى أن هذا مفارقة لدين الإسلام ودخول في دين عباد الأصنام .
    فانظر إلى هذا التباين العظيم بين ما شرعه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقصده ، من النهي عما تقدم ذكره في القبور وبين ما شرعه هؤلاء وقصدوه . ولا ريب أن في ذلك من المفاسد ما يعجز العبد عن حصره .
    فمنها : تعظيمها الموقع في الافتتان بها ، ومنها اتخاذها عيداً ، ومنها السفر إليها ، ومنها مشابهة عباد الأصنام بما يفعل عندها من العكوف عليها والمجاورة عندها وتعليق الستور عليها وسدانتها . ومنها اعتقاد المشركين بها أن بها يكشف البلاء وينصر على الأعداء ويستنزل غيث السماء ، وتفرج الكروب وتقضي الحوائج وينصر المظلوم ويجار الخائف .. إلى غير ذلك .
    ومنها الدخول في لعنة الله تعالى ورسوله باتخاذ المساجد عليها وإيقاد السرج عليها . ومنها : الشرك الأكبر الذي يفعل عندها . ومنها إيذاء أصحابها بما يفعله المشركون بقبورهم ، فإنهم يؤذيهم ما يفعل عند قبورهم ويكرهونه غاية الكراهية ) انتهى ملخصاً .
    وقال الإمام النووي في "شرح مسلم" (5/13-14) : " قال العلماء : إنما نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن اتخاذ قبره وقبر غيره مسجداً خوفاً من المبالغة في تعظيمه والافتتان به فربما أدى ذلك إلى الكفر كما جرى لكثير من الأمم الخالية .
    ولما احتاجت الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين والتابعون إلى الزيادة في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم حين كثر المسلمون ، وامتدت الزيادة إلى أن دخلت بيوت أمهات المؤمنين فيه ، ومنها حجرة عائشة رضي الله عنها مدفن رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبيه أبي بكر وعمر رضي الله عنهما بنوا على القبر حيطاناً مرتفعة مستديرة حوله لئلا يظهر في المسجد فيصلي إليه العوام ويؤدي المحذور .
    ثم بنوا جدارين من ركني القبر الشماليين وحرفوهما حتى التقيا حتى لا يتمكن أحد من استقبال القبر" اهـ .
    وقال الحافظ ابن حجر ( "فتح الباري" (1/532) ) : "وكأنه صلى الله عليه وسلم علم أنه مرتحل من ذلك المرض فخاف أن يعظم قبره كما فعل من مضى فلعن اليهود والنصارى إشارة إلى ذم من يفعل فعلهم " اهـ .
    وقال في موضع آخر ( "فتح الباري" ( 1/524)) : "والوعيد على ذلك يتناول من اتخذ قبورهم مساجد تعظيماً ومغالاة كما صنع أهل الجاهلية وجرهم ذلك إلى عبادتهم" اهـ .
    وقال الشيخ أحمد البنا الساعاتي ( "الفتح الرباني" (3/75)) : " أحاديث الباب تدل على تحريم اتخاذ المساجد على قبور الأنبياء والصالحين لأن في الصلاة فيها استناناً بسنة اليهود والنصارى ، وقد نهينا عن التشبه بهم في العادات فما بالك بالعبادات ، وقد لعنهم النبي صلى الله عليه وسلم على هذا الاتخاذ .
    فأحاديث الباب برهان قاطع لمواد النزاع ، وحجة نيرة على كون هذه الأفعال جالبة للعن ، واللعن أمارة الكبيرة المحرمة أشد التحريم .
    فمن اتخذ مسجداً بجوار نبي أو صالح بحيث يكون القبر داخلاً في المسجد ، رجاء بركته في العبادة ومجاورة روح ذلك الميت فقد شمله الحديث شمولاً واضحاً كشمس النهار ، ومن توجه إليه في صلاته خاضعاً له مستمداً منه فلا شك أنه أشرك بالله وخالف أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولم تشرع الزيارة في ملة الإسلام إلا للعبرة والزهد في الدنيا وتذكر الآخرة والدعاء بالمغفرة للموتى" اهـ .
    **
    ( لا تغلوا في دينكم )
    الوسيلة الأخرى المفضية إلى عبادة الأوثان واتخاذ الأنداد من دون الله ، الغلو في الصالحين من الأنبياء والملائكة وغيرهم من عباد الله المكرمين .
    وقد أخبر الله عز وجل في كتابه عن أهل الكتاب والمشركين الذين غلوا في الصالحين من الأنبياء والملائكة وغيرهم من عباد الله المكرمين .
    وقد أخبر الله عز وجل في كتابه عن أهل الكتاب والمشركين الذين غلوا في بعض خلقه فعبدوهم من دون الله واتخذوهم أرباباً وآلهة ، يدعونهم ويرجونهم ويحبونهم كحب الله .
    * قال تعالى : ( لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم قل فمن يملك من الله شيئاً إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم وأمه ومن في الأرض جميعاً ولله ملك السموات والأرض وما بينهما يخلق ما يشاء والله على كل شيء قدير ) ( المائدة : 17) .
    * وقال تعالى : ( لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم وقال المسيح يا بني إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار ) ( المائدة : 72) .
    * وقال سبحانه : ( لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة وما من إله إلا إله واحد وإن لم ينتهوا عما يقولون ليمسن الذين كفروا منهم عذاب أليم . أفلا يتوبون إلى الله ويستغفرونه والله غفور رحيم .ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه صديقة كانا يأكلان الطعام انظر كيف نبين لهم الآيات ثم انظر أنى يؤفكون ) ( المائدة : 73- 75) .
    * وقال عز وجل : ( وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله ذلك قولهم بأفواههم يضاهئون قول الذين كفروا من قبل قاتلهم الله أنى يؤفكون . اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلهاً واحداً لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون ) ( التوبة : 30-31) .
    * وقال تعالى : ( يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه فآمنوا بالله ورسله ولا تقولوا ثلاثة انتهوا خيراً لكم إنما الله إله واحد سبحانه أن يكون له ولد له ما في السموات وما في الأرض وكفى بالله وكيلاً ) ( النساء : 171) .
    * وقال عز من قائل : ( قل يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيراً وضلوا عن سواء السبيل ) ( المائدة : 77 ) .
    قال ابن كثير رحمه الله ( (2/430) ط الشعب ) : "ينهى تعالى أهل الكتاب عن الغلو والإطراء ، وهذا كثير في النصارى ، فإنهم تجاوزوا حد التصديق بعيسى حتى رفعوه فوق المنزلة التي أعطاه الله إياها ، فنقلوه من حيز النبوة إلى أن اتخذوه إلهاً من دون الله يعبدونه كما يعبدونه . بل قد غلوا في أتباعه وأشياعه ممن زعم أنه على دينه ، فادعوا فيهم العصمة واتبعوهم في كل ما قالوه سواء كان حقاً أو باطلاً ، أو ضلالاً أو رشاداً ، أو صحيحاً أو كذباً ، ولهذا قال تعالى : ( اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله ) .. الآية " اهـ .
    وقال ابن جرير – رحمه الله – (9/170-171) : "( لا تغلوا في دينكم ) يقول : لا تجاوزوا الحق في دينكم فتفرطوا فيه ولا تقولوا في عيسى غير الحق ، فإن قيلكم في عيسى إنه ابن الله قول منكم على الله غير الحق لأن الله لم يتخذ ولداً فيكون عيسى أو غيره من خلقه له ابناً .
    وأصل الغلو في كل شيء مجاوزة حده الذي هو حده ، يقال منه في الدين : قد غلا فهو يغلو غلواً " اهـ .
    * وقال ابن جرير أيضاً في تأويل قوله تعالى : ( ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه صديقة كانا يأكلان الطعام ) (10/484-485) : "وهذا خبر من الله تعالى ذكره ، احتجاجاً لنبيه صلى الله عليه وسلم على فرق النصارى في قولهم في المسيح . يقول مكذباً لليعقوبية في قيلهم : هو الله ، والآخرين في قيلهم : هو ابن الله ، ليس القول كما قال هؤلاء الكفرة في المسيح ، ولكنه ابن مريم ولدته ولادة الأمهات أبناءهم ، وذلك من صفة البشر لا من صفة خالق البشر . وإنما هو لله رسول كسائر رسله الذين كانوا قبله فمضوا وخلوا ، أجرى على يده ما شاء أن يجريه عليها من الآيات والعبر ، حجة له على صدقه ، وعلى أنه لله رسول إلى من أرسله إليه من خلقه . وأمه صديقة .
    وقوله : ( كانا يأكلان الطعام ) خبر من الله تعالى ذكره عن المسيح وأمه : أنهما كانا أهل حاجة إلى ما يغذوهما وتقوم به أبدانهما من المطاعم والمشارب كسائر البشر من بني آدم ، فإن من كان كذلك فغير كائن إلهاً لأن المحتاج إلى الغذاء قوامه بغيره ، وفي قوامه بغيره وحاجته إلى ما يقيمه دليل واضح على عجزه ، والعاجز لا يكون إلا مربوباً لا رباً ) اهـ .
    * قلت : ولأن الغلو في المسيح عليه السلام هو الذي أدى بالنصارى إلى الكفر فألهوه وعبدوه ، فقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم أمته من الغلو في شخصه لئلا تقع في المحذور الذي وقع فيه من قبلهم .
    ( 1) فقال لهم : " لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم فإنما أنا عبده فقولوا عبد الله ورسوله " ( أخرجه البخاري ( 6/478) من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه ) .
    ( 2) وقال صلى الله عليه وسلم : " إياكم والغلو في الدين فإنما هلك من كان قبلكم بالغلو في الدين " ( رواه أحمد ( 1/215) والنسائي (5/268) وابن خزيمة (4/274) ).
    (3) وأنكر على من قال له : "ما شاء الله وشئت " وقال : "أجعلتني لله عدلاً بل ما شاء الله وحده ". ( رواه أحمد (ح1839) وفيه ضعف ، وله شواهد ) .
    (4) وكره أن يقوم له أصحابه ، كما قال أنس رضي الله عنه : " لم يكن شخص أحب إليهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانوا إذا رأوه لم يقوموا لما يعلمون من كراهيته لذلك " . ( رواه الترمذي (5/90) وصححه ) .
    (5) وكره منهم قولهم له " أنت سيدنا " وقال : "السيد الله تبارك وتعالى " مع أنه أخبر في حديث الشفاعة أنه سيد ولد آدم ، سداً لذريعة الغلو فيه بدليل أنه قال : "أيها الناس قولوا بقولكم أو بعض قولكم ولا يستجرينكم الشيطان" . ( رواه أبو داود ( 5/154) ) .
    قلت : وهذا كان هديه صلى الله عليه وسلم مع أصحابه على الدوام ، كان ينهاهم عن الغلو فيه والمبالغة في تعظيمه خوفاً عليهم أن يقعوا في المحظور الذي وقع فيه من قبلهم من أهل الكتاب .
    * ولم يقتصر النبي صلى الله عليه وسلم على جانب الإنكار على الغالين ، بل كان هديه التواضع لله والخشية والعبودية له والافتقار إليه في أحواله كلها .
    1- فعندما بلغه نبأ الرهط الذين تقالوا عبادته قال : "أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له " . ( رواه البخاري ( 9/104) ومسلم ( 1401) ).
    2- وقال : "ما بال أقوام يتنزهون عن الشيء أصنعه ، فوالله إني لأعلمهم بالله وأشدهم له خشية " ( رواه البخاري ( 13/276) ومسلم (2356) ) .
    3- وكان إذا رأى غيماً أو ريحاً عُرف ذلك في وجهه ، فلما سُئل عن ذلك قال : "ما يؤمنني أن يكون فيه عذاب ؟ فقد عذب قوم بالريح ، وقد رأى القوم العذاب فقالوا هذا عارض ممطرنا " ( رواه البخاري (8/578) ومسلم (899) ) .
    4- وقال صلى الله عليه وسلم : "لن يُدخل أحداً منكم عملـُـه الجنة " قالوا : ولا أنت يا رسول الله ؟ قال : "ولا أنا إلا أن يتغمدني الله منه بفضل ورحمة " . ( رواه البخاري ( 11/294) ومسلم (2816) ) .
    5- وقال أيضاً : "والله ما أدري وأنا رسول الله ما يفعل بي" . ( رواه البخاري (3/114) ) .
    *وكان يذكر أصحابه على الدوام بأنه بشر يعتريه ما يعتري البشر من الضعف والنسيان والخطأ ( إلا في مقام التشريع ، فإنه صلى الله عليه وسلم لا يُقَر على الخطأ والنسيان . انظر "شرح الكوكب المنير" (2/172) و "إرشاد الفحول" (ص35)) .
    1- فقد سها في صلاته أكثر من مرة بالزيادة والنقصان ، وقال : "إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون ، فإذا نسيت فذكروني" . (متفق عليه "اللؤلؤ والمرجان" (1/114) ) .
    2- وقال أيضاً : "إنما أنا بشر ، وإنكم تختصمون إلي ، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له على نحو ما أسمع" . (رواه البخاري (12/339) ومسلم (1713) ).
    3- وقال : "إني أوعك كما يوعك رجلان منكم ". (رواه البخاري (10/111) ومسلم (2571) ) .
    * ومن تواضعه صلى الله عليه وسلم مع إخوانه الأنبياء :
    1- قوله : "نحن أحق بالشك من إبراهيم إذ قال : (رب أرني كيف تحيي الموتى)" وقوله : "لو لبثت في السجن طول ما لبث يوسف لأجبت الداعي" . (متفق عليه "اللؤلؤ والمرجان" (3/115)) .
    2- وجاءه رجل فقال له : "يا خير البرية" فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "ذاك إبراهيم خليل الله" . ( رواه مسلم ( 2369) ) .
    3- ولما سُئل صلى الله عليه وسلم : من أكرم الناس ؟ قال "أتقاهم لله" قالوا : ليس عن هذا نسألك . قال : "فأكرم الناس يوسف نبي الله ابن نبي الله ابن نبي الله ابن خليل الله". ( متفق عليه " اللؤلؤ والمرجان " (3/119) ) .
    4- ولما بلغه قول الرجل المسلم لليهودي : "والذي اصطفى محمداً على العالمين" غضب صلى الله عليه وسلم حتى رئي في وجهه وقال : "لا تفضلوا بين الأنبياء" وفي لفظ : "لا تخيروني على موسى فإن الناس يصعقون فأكون أول من يفيق فإذا موسى باطش بجانب العرش ، فلا أدري أكان فيمن صعق فأفاق قبلي ، أو كان ممن استثنى الله " . (متفق عليه "جامع الأصول" (8/513) ) .
    5- وقسم رسول الله صلى الله عليه وسلم قسماً ، فقال رجل : ما أريد بهذا وجه الله . فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فتمعر وجهه وقال : "يرحم الله موسى قد أوذي بما هو أشد من هذا فصبر" . (رواه البخاري (10/475) ومسلم (1062) ) .
    * وكان هديه صلى الله عليه وسلم في الدعاء والذكر في سائر الأحوال أحسن الهدي وأكمله ، ذلة وخضوعاً وخشية وإنابة ورغبة ورهبة لله عز وجل ، تحقيقاً لكمال العبودية لربه ومولاه ، وإرشاداً لأمته من بعد أن تستن بسنته وتهتدي بهداه ، فتلهج قلوبهم وألسنتهم بذكر الله وحده ودعائه وقصده في سائر الأحوال دون سواه .
    1- فكان من دعائه صلى الله عليه وسلم عند قيامه للصلاة قوله : "وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفاً وما أنا من المشركين إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا من المسلمين ، اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت . أنت ربي وأنا عبدك . ظلمت نفسي واعترفت بذنبي فاغفر لي ذنوبي جميعاً إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت .. " الحديث . ( رواه مسلم ( 771) ) .
    2- وإذا ركع قال : "اللهم لك ركعت وبك آمنت ولك أسلمت خشع لك سمعي وبصري ومخي وعظمي وعصبي .. " . ( رواه مسلم ( 771) ) .
    3- وإذا سجد قال : "اللهم لك سجدت وبك آمنت ولك أسلمت . سجد وجهي للذي خلقه وصوره وشق سمعه وبصره تبارك الله أحسن الخالقين .." . ( رواه مسلم ( 771) )
    4- ثم يقول بين التشهد والتسليم : "اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت وما أسررت وما أعلنت وما أسرفت وما أنت أعلم به مني . أنت المقدم وأنت المؤخر . لا إله إلا أنت" . ( رواه مسلم ( 771) ) .
    5- وكان صلى الله عليه وسلم يقول إذا أمسى : " أمسينا وأمسى الملك لله والحمد لله . لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير . رب أسألك خير ما في هذه الليلة وخير ما بعدها .. " الحديث . ( رواه مسلم (2723) ) .
    6- وكان يقول إذا أصبح : " أصبحنا وأصبح الملك لله .. " مثله . ( رواه مسلم ( 2723) ) .
    7- وكان صلى الله عليه وسلم يقول عند الكرب : "لا إله إلا الله العظيم الحليم ، لا إله إلا الله رب العرش العظيم ، لا إله إلا الله رب السموات ورب الأرض ، لا إله إلا الله رب العرش الكريم" . ( رواه البخاري ومسلم "جامع الأصول" (4/294)) .
    قلت : وسائر الأدعية والأذكار على هذا المنوال .
    * والمقصود أن النبي صلى الله عليه وسلم سد على أمته كل الذرائع المفضية إلى الغلو فيه أو في غيره من الناس بمثل هذه السنن القويمة لئلا تقع فيما وقع فيه غيرها من الأمم السابقة .
    ويحسن هنا أن أختم هذا الفصل بما فصله ابن القيم رحمه الله في "إعلام الموقعين" في هذه القاعدة العظيمة ، قاعدة سد الذرائع ، فساق تسعة وتسعين وجهاً ، ذكر منها ( 3/151-167) :
    * الوجه الرابع عشر : ( أنه صلى الله عليه وسلم نهى عن الصلاة عند طلوع الشمس وغروبها (1) ، وكان من حكمة ذلك أنهما وقت سجود المشركين للشمس ، وكان النهي عن الصلاة لله في ذلك الوقت سداً لذريعة المشابهة الظاهرة التي هي ذريعة إلى المشابهة في القصد ، مع بعد هذه الذريعة ، فكيف بالذرائع القريبة ) ؟.
    * الوجه الثالث والأربعون : ( أنه صلى الله عليه وسلم قال : "لا تقولوا ما شاء الله وشاء محمد"(2) ، وذم الخطيب الذي قال : "من يطع الله ورسوله فقد رشد ومن عصاهما فقد غوى "(3) سداً لذريعة التشريك في المعنى بالتشريك في اللفظ ، وحسماً لمادة الشرك حتى في اللفظ . ولهذا قال للذي قال له : "ما شاء الله وشئت" : "أجعلتني لله نداً " ؟ فحسم مادة الشرك وسد الذريعة إليه في اللفظ كما سدها في الفعل والقصد . فصلاة الله وسلامه عليه وعلى آله أكمل صلاة وأتمها وأزكاها وأعمها ) .
    * الوجه التاسع والأربعون : ( أنه نهاهم إذا أقيمت الصلاة أن يقوموا حتى يروه قد خرج (4) ، لئلا يكون ذلك ذريعة إلى قيامهم لغير الله ، ولو كانوا إنما يقصدون القيام للصلاة ، لكن قيامهم قبل خروج الإمام ذريعة ولا مصلحة فيها فنهوا عنه ) .
    * الوجه التاسع والثمانون ( أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى الرجل أن ينحني للرجل إذا لقيه (5) كما يفعله كثير من المنتسبين إلى العلم ، ممن لا علم له بالسنة . بل يبالغون إلى أقصى حد الانحناء مبالغة في خلاف السنة جهلاً حتى يصير أحدهم بصورة الراكع لأخيه ، ثم يرفع رأسه من الركوع كما يفعل إخوانهم من السجود بين يدي شيوخهم الأحياء والأموات . فهؤلاء أخذوا من الصلاة سجودها ، وأولئك ركوعها وطائفة ثالثة قيامها ، يقوم عليهم الناس وهم قعود كما يقومون في الصلاة ، فتقاسمت الفرق الثلاث أجزاء الصلاة .
    والمقصود أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن انحناء الرجل لأخيه سداً لذريعة الشرك كما نهى عن السجود لغير الله (6) ، وكما نهاهم أن يقوموا في الصلاة على رأس الإمام وهو جالس (7) مع أن قيامهم عبادة لله تعالى ، فما الظن إذا كان القيام تعظيماً للمخلوق وعبودية له ؟ فالله المستعان ) اهـ .
    _______________
    1: رواه البخاري (6/335) ومسلم (828) .
    2: رواه النسائي (7/6) .
    3: رواه مسلم (870) .
    4: رواه البخاري (2/119) ومسلم (604) .
    5: رواه أحمد (3/198) والترمذي (5/75) وحسنه ، من حديث حنظلة بن عبدالله عن أنس رضي الله عنه : "أن رجلاً قال : يا رسول الله الرجل منا يلقى أخاه أو صديقه أينحني له ؟ قال : لا . قال : أفيلتزمه ويقبله ؟ قال : لا . قال : أفيأخذ بيده ويصافحه : قال : نعم" .
    قلت : حنظلة بن عبدالله فيه ضعف ، ولعل الترمذي حسن حديثه لشواهده . انظر "السلسلة الصحيحة" للألباني (ح160) .
    6: رواه أحمد (4/381) وابن ماجة (1853) من حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه : أنه أتى الشام فرأى النصارى تسجد لبطارقتها وأساقفتها ، فرأى أن النبي صلى الله عليه وسلم أحق بذلك ، فنهاه النبي صلى الله عليه وسلم .
    7: رواه مسلم (413)

    هذه هي الحلقة الثامنة من كتاب "جلاء البصائر في الرد على كتابي " شفاء الفؤاد " و"الذخائر " ) للشيخ سمير المالكي حفظه الله :
    الباب الأول
    الدعوة إلى الشرك
    * أولاً : شرك العبادة .
    * فصل : ( .. بل هم أضل ) .
    * ثانياً : الشرك في الربوبية .
    * فصل : ( وذروا الذين يلحدون في أسمائه ) .
    **
    أولاً : شرك العبادة
    * علمت مما تقدم أن الإسلام هو إفراد الله بالعبادة والخضوع والذل ، وأن الرسل جميعاً ما أرسلوا إلا لدعوة الناس إلى توحيد الله فكلهم كان يقول ( اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ) ، وأن شرك الأمم كان بعبادة غير الله مع عبادتهم لله ، وهذا هو شرك العبادة ، وهو الذي كانت عليه العرب قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم .
    * أما الربوبية ، وهي الإقرار بأن الله هو خالقهم وخالق السموات والأرض وأنه مدبر الأمر وأنه يجير ولا يجار عليه ، وأن بيده مقاليد السموات والأرض .. إلى غير ذلك من أفعال الله ، فكانوا مقرين بها كما في قوله تعالى ( ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن الله ) .
    * وعلمت أن مبدأ ذلك الشرك كان بالعكوف على قبور الصالحين والغلو فيهم ونحت التماثيل على صورهم وأشكالهم . ثم لما تنسَّخَ العلم عبدوهم فدعوهم من دون الله وسألوهم واتخذوهم شفعاء ووسائط ليقربوهم إلى الله . قال تعالى ( والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى ) وقال سبحانه ( ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله ) .
    * وأن هؤلاء الشفعاء والوسطاء كانوا إما ملائكة وإما أنبياء كالمسيح وعزير عليهما السلام وإما أناساً صالحين كاللات وود وسواع ونحوهم . وأما الجمادات التي يعبدونها كالأصنام والأشجار والأحجار ، فهي لم تقصد لذاتها بل لأنها تعبر عنهم وترمز إليهم .
    * فالتماثيل والأصنام إما أنها صورت على صورهم حقيقة ، كالصالحين من قوم نوح ، وإما على ما صوره خيال المشركين ، كصور الملائكة الذين جعلوهم بنات الله ، تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً .
    * وأما الأحجار والأشجار ونحوها ، فاتخذوها آلهة لأنها أثر من آثارهم ، كالذين عبدوا الصخرة التي كان اللات يلت عليها السويق ، وكذا الصليب الذي عبدته النصارى لأنه يدل بزعمهم على المسيح عليه السلام ، وكذبوا ( وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم ) .
    * ومن أجل ذلك حرمت الوسائل الموصلة إلى الشرك وسدت الذرائع المفضية إليه من كل وجه ومنها الغلو في الأنبياء والصالحين وتعظيم قبورهم والعكوف عليها واتخاذها مساجد وأعياداً ومشاهد .
    * فكان موقف المخالف ( الدكتور محمد بن علوي المالكي ) من تلك القضايا كلها موقف النـقض والمعارضة للتوحيد وخرق نسيجه وانتهاك حماه ، وسلك عكس ذلك مع الشرك بأنواعه وضروبه ووسائله .
    * ففي جانب الغلو في المخلوقين يقول المخالف ( "الذخائر" (ص201)) : " اعلم أن جميع الكرامات والخصائص الواقعة في هذا العالم من منذ - كذا قال - خلق الله تعالى الدنيا لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم بحكم الأصالة ، وإن وقع شيء منها لخواص الخلق فذلك بحكم التبعية في الإرث له صلى الله عليه وسلم .
    ثم اعلم أن كل ما مال إلى تعظيم رسول الله صلى الله عليه وسلم لا ينبغي لأحد البحث فيه ولا المطالبة بدليل خاص فيه فإن ذلك سوء أدب . فقل ما شئت في رسول الله صلى الله عليه وسلم على سبيل المدح لا حرج " اهـ .
    * وفي شأن تعظيم القبور ، ذكر أن زيارة قبره صلى الله عليه وسلم : " إقرار لصاحب الرسالة محمد بن عبدالله بعظيم الفضل وكمال الإحسان .." إلى أن قال : " وهذا هو عين التوحيد " ( " شفاء الفؤاد" ( ص36)) ، وجعل زيارة القبر من الهجرة إلى الله ورسوله ( " شفاء الفؤاد " ( ص55)) ، وفضلها على الحج إلى بيت الله الحرام ( " شفاء الفؤاد" ( ص35، 165)) ، وحرَّف في سبيل إثبات ذلك كل النصوص الدالة على تحريم اتخاذ القبور مساجد وشد الرحال إليها واتخاذها عيداً وعكس معناها لتوافق هواه ومذهبه ( جاء في الهامش : انظر تحريفه لحديث "لا تشد الرحال" وحديث "لا تجعلوا قبري عيداً" وحديث "اللهم لا تجعل قبري وثناً" في كتاب "شفاء الفؤاد" ( ص10، 95،99 ) على الترتيب ) .
    * وما صنعه في الوسائل والذرائع الموصلة إلى الشرك الأكبر ، صنع مثله بل أضعافه في الشرك نفسه ، فشحن كتابيه بأنواعه كلها . ومن أمثلة شرك العبادة :
    1- قوله ( " الذخائر " ( ص101) ، و " شفاء الفؤاد" (ص109، 117) ) : " فليس لنا يا رسول الله شفيع غيرك نؤمله ولا رجاء غير بابك نصله " .
    2- وقوله عن زيارة قبور الأنبياء عليهم السلام : " فإذا جاء إليهم فليتصف بالذل والانكسار والمسكنة والفقر والفاقة والحاجة والاضطرار والخضوع ، وليحضر قلبه وخاطره إليهم وإلى مشاهدتهم بعين قلبه لا بعين بصره " إلى أن قال : " ويستغيث بهم ويطلب حوائجه منهم ويجزم بالإجابة ببركتهم ويقوي حسن ظنه في ذلك فإنهم باب الله المفتوح .. لا يردون من سألهم ولا من توسل بهم ولا من قصدهم ولا من لجأ إليهم " " شفاء الفؤاد" (ص97) .
    3- ثم قال : " وأما في زيارة سيد الأولين والآخرين صلوات الله عليه وسلامه ، فكل ما ذكر يزيد أضعافه ، أعني في الانكسار والذلة والمسكنة لأنه الشافع المشفع الذي لا ترد شفاعته ولا يخيب من قصده ولا من نزل بساحته ولا من استعان أو استغاث به " " شفاء الفؤاد" (ص97) .
    4- ومما جاء في النظم قوله " الذخائر" (ص101) و" شفاء الفؤاد" (ص109) :
    أنت الشفيع وآمالي معلقة ***** وقد رجوتك يا ذا الفضل تشفع لي
    هذا نزيلك أضحى لا ملاذ له **** إلا جنابك يا سؤلي ويا أملي
    5- وقوله أيضاً :
    فلذ به في كل ما تشتكي *** فهو شفيع دائماً يقبل
    ولذ به في كل ما ترتجي *** فإنه المأمن والمعقل
    وحط أحمال الرجا عنده *** فإنه المرجع والموئل
    وناده إن أزمة أنشبت *** أظفارها واستحكم المعضل
    يا أكرم الخلق على ربه *** وخير من فيهم به يسأل
    قد مسني الكرب وكم مرة *** فرجت كرباً بعضه يذهل
    عجل بإذهاب الذي أشتكي *** فإن توقفت فمن ذا أسأل؟
    قال المخالف : " وهي مجربة لقضاء الحوائج تقرأ في آخر الليل .. ويكرر بيت : عجل بإذهاب الذي أشتكي 73 مرة " "الذخائر" (ص158) .
    6- ومما جاء من أبيات أيضاً قوله " الذخائر" (ص166) :
    يا ملاذ الورى وخير عيان *** ورجاء لكل دان وقصي
    لك وجهت وجهي يا أبيض الوجه *** فوجه إليه وجه الولي .
    7- وقوله " شفاء الفؤاد" (ص114) :
    فالآن ليس سوى قبر حللت به *** منجى الطريد وملجأ كل معتصم
    وإن رمتنا الخطايا وسط مهلكة *** فأنت ملجأ خلق الله كلهم
    فالعفو شيمتك العظمى التي شهرت *** إذ كانت الموبقات الدهم من شيمي
    8- وقوله " شفاء الفؤاد " (ص203) :
    يا سيدي يارسول الله خذ بيدي *** مالي سواك ولا ألوي عل أحد
    إني إذا سامني ضيم يروعني *** أقول يا سيد السادات يا سندي
    وانظر بعين الرضا لي دائماً أبداً *** واستر بفضلك تقصيري مدى الأمد
    واعطف علي بعفو منك يشملني *** فإني عنك يا مولاي لم أحد
    9- وقوله " شفاء الفؤاد" (ص213) :
    يا سيدي إني رجوتك ناصراً *** من جور دهر خائن متقلب
    فأقل عثار عُبيدك الداعي الذي *** يرجوك إذ راجيك غير مخيب
    واكتب له ولوالديه براءة *** من حر نار جهنم المتلهب
    واقمع بحولك باغضيه وكل من *** يؤذيه من متمرد متعصب
    واشفع له ولمن يليه وقم بهم *** في كل حال يا شفيع المذنب
    10- وقوله " شفاء الفؤاد " (ص222-223) :
    ألا يا رسول الله عطفاً ورحمة *** لمسترحم مستنظر للمبارر
    ألا يا حبيب الله غوثاً وغارة *** لذي كربة مسودة كالدياجر
    ألا يا صفي الله قم بي فإنني *** بكم وإليكم يا شريف العناصر
    قلت : وهذا الذي نقلته قطرة من بحر وغيض من فيض ، وهو كما رأيت صريح الشرك والكفر ، إذ لم يدع لله شيئاً من أمور العبادة ، كالدعاء والرجاء والسؤال والطلب والاستغاثة والالتجاء والقصد وسائر ما كان يفعله المشركون من قبل بأوثانهم وآلهتهم مما لا يجوز صرفه لغير الله ، إلا أشرك فيه غيره معه .
    وهو بهذا يكون قد نقض أصل الإيمان وحقيقة الإسلام التي مبناها على توحيد الله بالإرادة والقصد والطلب ، وعدم الإشراك به في شيء من أمور العبادة التي من أخصها الدعاء والالتجاء . قال تعالى : ( ولا تدع من دون الله ما لا ينـفعك ولا يضرك ، فإن فعلت فإنك إذاً من الظالمين . وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو ، وإن يردك بخير فلا راد لفضله ) ( يونس: 106-107) .
    "وحاصل كلام المفسرين أن الله تعالى نهى رسوله صلى الله عليه وسلم أن يدعو من دونه ما لا ينفعه ولا يضره ، والمراد به كل ما سوى الله فإنهم لا ينفعون ولا يضرون ، وسواء في ذلك الأنبياء والصالحون وغيرهم كما قال تعالى : ( وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحداً ) ( الجن : 18) . وقال النبي صلى الله عليه وسلم لابن عباس : " إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله ، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك ، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك " ( رواه الترمذي (4/667) وقال : حسن صحيح ).
    وفي الآية تنبيه على أن المدعو لابد أن يكون مالكاً للنفع والضر حتى يعطي من دعاه أو يبطش بمن عصاه ، وليس ذلك إلا لله وحده ، فتعين أن يكون هو المدعو دون ما سواه . وقوله : ( فإن فعلت فإنك إذاً من الظالمين ) أي من المشركين .
    وهذا كقوله : ( فلا تدع مع الله إلهاً آخر فتكون من المعذبين ) ( الشعراء : 213) .
    وقوله : ( ولقد أحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين ) ( الزمر: 65) وقوله في الأنبياء : ( ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون ) ( الأنعام : 88) " اهـ " تيسير العزيز الحميد " (ص236-237) .
    وقد بين سبحانه في كتابه في أكثر من موضع أنه هو وحده الذي يملك النفع والضر ، لا يملكه أحد غيره ، حتى الرسول صلى الله عليه وسلم أفضل الخلق وأكرمهم وأعظمهم جاهاً ، لا يملك لنفسه النفع والضر ، فضلاً عن أن يملك إيصاله للغير . قال تعالى : ( قل لا أملك لنفسي نفعاً ولا ضراً إلا ما شاء الله ، ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء إن أنا إلا نذير وبشير لقوم يؤمنون ) ( الأعراف : 188) . وقال تعالى : ( قل لا أملك لنفسي ضراً ولا نفعاً إلا ما شاء الله ) ( يونس: 49) .
    قال ابن جرير رحمه الله : " أي : لا أقدر لها على ضر ولا نفع في دنيا ولا دين ، ( إلا ما شاء الله ) أن أملكه فأجلبه إليها بإذنه " اهـ " تفسير ابن جرير" (15/100) .
    فإذا كان صلى الله عليه وسلم لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً في دنيا ولا دين فكيف يملك شيئاً من ذلك لغيره من العالمين ؟!
    ومع وضوح هذا القياس وجلائه ، أن من لا يملك لنفسه ، أولى وأحرى أن لا يملك لغيره ، فقد جاء مصرحاً به في قوله تعالى : ( قل إني لا أملك لكم ضراً ولا رشداً ) ( الجن : 21) .
    كما صرح به هو صلى الله عليه وسلم لأقرب الناس إليه محبةً ونسباً ورحماً ولحمة ، فقال : " يا بني عبد مناف لا أغني عنكم من الله شيئاً . يا عباس بن عبدالمطلب لا أغني عنك من الله شيئاً ، ويا صفية عمة رسول الله لا أغني عنك من الله شيئاً ، ويا فاطمة بنت محمد ، سليني من مالي لا أغني عنك من الله شيئاً " ( متفق عليه " اللؤلؤ والمرجان " (1/52) ، فبأي حديث بعده يؤمنون ؟!
    وقد أمر الله عز وجل عباده بتوحيده في القصد والدعاء والطلب ، في مواضع كثيرة من كتابه العزيز ، كقوله تعالى : ( هو الحي لا إله إلا هو فادعوه مخلصين له الدين ) ( غافر:65) .
    وأخبر سبحانه عن إمام الحنفاء قوله : ( إني وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفاً وما أنا من المشركين ) ( الأنعام : 79) .
    وصح أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول في صلاته : " وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفاً وما أنا من المشركين " ( رواه مسلم (771)) .
    ومما سنه رسول الله صلى الله عليه وسلم من الذكر والدعاء عند النوم أن يقول : " اللهم إني أسلمت نفسي إليك ووجهت وجهي إليك وفوضت أمري إليك وألجأت ظهري إليك رغبة ورهبة إليك لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك " .. الحديث . ( متفق عليه " اللؤلؤ والمرجان " (3/230)) .
    وينقض المخالف ذلك كله ويقول : " لك وجهي وجهت يا أبيض الوجه ، فوجه إليه وجه الولي " . وهذا عين الكفر والمحادة لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم ، إذ صرف وجهه عن الخالق إلى المخلوق وعن الرب المالك المدبر إلى المملوك المربوب .
    ومقتضاه كما هو ظاهر اللفظ : أنه وجَّه وجهه وأسلمه لمعبوده وحده ، وهو النبي صلى الله عليه وسلم دون سواه ، وهذا مستفاد من تقديم المعمول على العامل في قوله : "لك وجهت" الذي يفيد الحصر .
    * ولقد كان المشركون الأولون يعبدون الله ويدعونه ويلجأون إليه ويجأرون كما أخبر الله عنهم وهو أصدق القائلين ، فقال : ( وما بكم من نعمة فمن الله ثم إذا مسكم الضر فإليه تجأرون . ثم إذا كشف الضر عنكم إذا فريق منكم بربهم يشركون ) ( النحل : 53-54) .
    وقال سبحانه : ( قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله أو أتتكم الساعة أغير الله تدعون إن كنتم صادقين . بل إياه تدعون فيكشف ما تدعون إليه إن شاء وتنسون ما تشركون ) ( الأنعام : 40-41) .
    وقال سبحانه : ( وإذا مس الإنسان ضر دعا ربه منيباً إليه ، ثم إذا خوله نعمة منه نسي ما كان يدعو إليه من قبل وجعل لله أنداداً ليضل عن سبيله ، قل تمتع بكفرك قليلاً إنك من أصحاب النار) ( الزمر: 8) .
    والآيات في معنى ذلك أكثر من أن تحصر . والمقصود أنهم كانوا يعبدونه سبحانه ويلجأون إليه في الملمات ، بل يخلصون له في الدعاء والقصد والرجاء لكشف الضر وتفريج الكربات .
    ومع ذلك فقد حكم عليهم بالشرك والكفر والضلال وجعل مصيرهم إلى النار ، دار البوار ، لأنهم يشركون معه غيره من الأنداد ويدعونهم ويسألونهم في غير الشدائد من الأوقات .
    * أما المخالف فقد وحَّد معبوده من دون الله في كل الملمات وأخلص له الدعاء والرجاء والالتجاء ، إذ قال : "هذا نزيلك أضحى لا ملاذ له ، إلا جنابك يا سؤلي ويا أملي" . وهذا الأسلوب أيضاً يدل على الحصر والقصر والاختصاص وهو النفي مع الاستثناء ( لا ، إلا ) .
    ومثله أيضاً قوله : "فليس لنا يا رسول الله شفيع غيرك نؤمله ولا رجاء غير بابك نصله" .
    وقوله : "فالآن ليس سوى قبر حللت به ، منجى الطريد وملجا كل معتصم" .
    * ولقد كان يكفيه أن يدعو إلهه من دون الله ويلجأ إليه ويسأله بعض ما يرجوه ، ليكون في عداد المشركين ، لكنه أبى إلا الإيغال في الكفر والشرك ، فصرف كل العبادة للعبد المخلوق ، فقال :
    فلذ به في كل ما تشتكي *** فهو شفيع دائماً يقبل
    ولذ به في كل ما ترتجي *** فإنه المأمن والمعقل
    وفي هذا دليل على أن شرك المخالف ومن شاكله من المخالفين ، أعظم من شرك الأولين ، وسيأتي ما يؤكده في الفصول التالية ، إن شاء الله .
    * وحتى يكتمل عقد الموافقة والمطابقة لشرك الأولين ، ها هو ذا يدعو صراحة إلى عبادة الأصنام واتخاذها آلهة من دون الله ، لكن بصورة أخرى أعجب وأغرب من تلك الصورة الساذجة القديمة ، والحق أنها من أعجب ما وقفت عليه من بدع المخالفين ، على كثرتها واختلافها وتباينها .
    نعم ، يوجد ما هو أشد منها كفراً ، وأعظم خطراً ، لكن هذه البدعة امتازت بغرابتها وسخافتها وشذوذها عن سائر البدع .
    * أرادوا أن ينحتوا صنماً على صورة النبي صلى الله عليه وسلم ، كما فعل المشركون بعظمائهم ، فعجزوا عن تصوير وجهه الكريم وجسده الشريف ، فانحطوا إلى النعال ، ثم عجزوا كذلك ، فأوحى إليهم شيطانهم أن يلجأوا إلى الخيال ، ففعلوا .. وكان المثال .
    وما أدراك ما المثال ؟
    هو خيال تخيله شيطان لهم لصورة تماثل النعل النبوي ، ثم صيَّر ذلك الخيال واقعاً وخطَّه ورسمه ، ثم جعل يدعوه ويستغيث به ويستعينه ويسترحمه .
    فأراد المخالف أن يتحف هذه الأمة التي أصيبت في دينها وإيمانها ، ونكبت في دمائها وأعراضها ، وادلهمت بها الخطوب ، وتوالت عليها المحن ، وتداعت عليها الأمم ، فدلهم على ذلك الحصن الحصين الذي ينجيهم من كل كرب ويمنع عنهم كل عدوان وظلم ويمنحهم الأمان والأمن .
    فقد عقد المخالف فصلاً من كتاب "الذخائر" بعنوان "اهتمام العلماء بمثال نعل النبي صلى الله عليه وسلم " قال فيه ("الذخائر" (ص263-266)) : "اهتم بذلك الأئمة الفحول وصنف فيها رسالة خاصة الشيخ المقري ، وذكر لها أمثلة وكتب عنها كلمات جليلة مهمة ، خلاصتها :
    اعلم أرشدني الله وإياك إلى سواء السبيل وأوردنا مع الرعيل الأول مناهل الرحيق والسلسبيل ، أن جماعة من الأئمة المغاربة المقتدى بهم تعرضوا للمثال الطاهر وحسنه الباهر وأقروا بمشاهدته عين الناظر .. " .
    إلى أن قال : " قال الإمام المقري : وقد بلغني عن بعض الأغمار ، ممن هو كمثل الحمار ، أنه أنكر تصويري الأمثلة الشريفة ذات الظلال الوريفة ، قائلاً كيف تنهون عن الصور وأنتم تفعلونها ؟
    فقلت لمن بلغني عنه ذلك : قل له وأنتم لم تتكلمون في الأمور التي تجهلونها ؟ وليس هذا من تلك الصور ، لا في ورد ولا صدر .." .
    ثم قال : "ولا خفاء أن مثال النعل الشريف تصدر بإضافته إلى ذي الصدر ، وخص لذلك برفعة الشأن والقدر ، فعلاً على البدر .. وما المثال المكرم إلا وسيلة للقدم التي خص الله بأكمل الأوصاف صاحبها صلى الله عليه وسلم :
    وما حب النعال شغفن قلبي *** ولكن حب من لبس النعالا
    فأكرم بها من نعال ، زكت بأطيب الفعال ، وشرفت بالمختار وسمت ، واتسمت من الفضائل بما اتسمت ، وحاكاها المثال بمحاسنه التي ارتسمت .." .
    ثم ختم فصل "النعال" بصورة لذلك "المثال" المزعوم ، دبجها أبياتاً من الشعر قال فيها:
    على رأس هذا الكون نعل محمد *** علت فجميع الخلق تحت ظلاله
    لدى الطور موسى نودي اخلع وأحمد *** على القرب لم يؤمر بخلع نعاله
    مثال حكى نعلاً لأشرف مرسل *** تمنت مقام الترب منه الفراقد
    ضرائرها الشبع السموات كلها *** غيارى وتيجان الملوك حواسد
    مثال لنعل المصطفى ما له مثل *** لروحي به راح لعيني به كحل
    فأكرم به تمثال نعل كريمة *** لها كل رأس ود لو أنه رجل
    ولما رأيت الدهر قد حارب الورى *** جعلت لنفسي نعل سيده حصناً
    تحصنت منه في بديع مثالها *** بسور منيع نلت في ظله الأمنا
    إني خدمت مثال نعل المصطفى *** لأعيش في الدارين تحت ظلالها
    سعد ابن مسعود بخدمة نعله *** وأنا السعيد بخدمتي لمثالها .
    (((( صورة مثال النعل )))
    قلت : والأمر كما ترى ، دعوة صريحة إلى الشرك وعبادة الأصنام والتماثيل ، فقد أبى هذا المخالف أن تقتصر دعوته إلى عبادة المخلوقين ، على الدعاء والاستغاثة والرغبة والرجاء ، وعلى اتخاذ قبورهم أوثاناً وقصدها بالحج والتعظيم ، فأضاف إليها هذا الخيال المخترع في الذهن البليد ، ، فدعا الناس إلى عبادته من دون الله ، إحياءً لسنة السامري : ( فاخرج لهم عجلاً جسداً له خوار ، فقالوا هذا إلهكم وإله موسى فنسي . أفلا يرون ألاَّ يرجع إليهم قولاً ولا يملك لهم ضراً ولا نفعاً ) ( طه : 88-89) .
    * ولنا أن نتساءل ، من أين له أن هذا "الخيال" الذهني مماثل لذلك النعل النبوي ؟ إذ من المعلوم ضرورة أن الصورة المتخيلة يستحيل أن تماثل أصلها إلا بوجود ذلك الأصل واقعاً ماثلاً لعين المتخيل ، بحيث يقع نظره عليه ولو للحظة واحدة ، ولا يمكن عقلاً أن يتصور الذهن صورة مماثلة لجسم ما بمجرد سماع أوصافه ومعرفتها دون معاينة .
    وغاية ما يمكن تحصيله في هذه الحالة هي صورة قريبة من الأصل ، أما المثلية فهي بعيدة المنال .
    إذاً فزعمه بأنها مثال للنعل النبوي محض كذب وافتراء .
    نعم هناك احتمال وارد أن يصادف "الخيال" الحقيقة ويكون الرسم موافقاً للنعل النبوي ، لكنه ليس الاحتمال الأوحد ، فهناك احتمالات كثيرة بعدد النعال الموجودة على ظهر الأرض ، فالله أعلم أيها طابقه الخيال الموهوم .
    فليت شعري ، كيف لو طابقت نعل فرعون أو أبي جهل أو أبي لهب ، أو غيرهم من الكفار والمشركين والمجوس ؟
    بل الناظر إلى الشكل الماثل أمامنا الآن يظن أنها صورة نعل هندية ، فقد تكون مثالاً مطابقاً لنعل عابد من عباد البقر الهندوس .
    وأياً كان الأمر ، فهو ، والله ، دليل واضح وعلامة بينة على مبلغ سفه هذا المخالف وأضرابه وضلالهم وغيهم وازدرائهم بأنفسهم وامتهانهم لها ، ثم احتقارهم وسخريتهم بعامة الناس ، إذ يسطرون مثل هذا الهذيان ويصيحون به على مرأى ومسمع .
    * ومن هنا تعلم من الأحق بذلك الوصف الذي ورد في كلام المقري ، ونقله المخالف مغتبطاً به ، حيث قال : "وقد بلغني عن بعض الأغمار ممن هو كمثل الحمار أنه أنكر تصويري الأمثلة الشريفة .." ؟!
    **
    * ولم يقتصر في دعوته إلى الشرك وعبادة المخلوق من دون الله على الدعاء والالتجاء ، فحسب ، بل عداه إلى بقية العبادات :
    1- منها الصلاة : فقد ذكر المخالف ما يلزم زائر القبر من آداب ، قال ("شفاء الفؤاد" (ص189-190)) : " ومنها ، أن يتوجه بعد ذلك ، ( أي بعد صلاة التحية ) ، إلى الضريح الشريف مستعيناً بالله في رعاية الأدب بهذا الموقف المنيف ، فيقف بخضوع ووقار وذلة وانكسار غاض الطرف مكفوف الجوارح واضعاً يمينه على شماله كما في الصلاة ".
    وفي معرض حديثه عن زيارة قبور الأنبياء ، قال ("شفاء الفؤاد" ( ص97)) : "فإذا جاء فليتصف بالذل والانكسار والمسكنة والفقر والفاقة والحاجة والاضطرار والخضوع ، وليحضر قلبه وخاطره إليهم .." إلى أن قال : "وأما زيارة سيد الأولين والآخرين ، صلوات الله عليه وسلامه ، فكل ما ذكر يزيد أضعافه ، أعني في الانكسار والذلة والمسكنة ..".
    وقال ("شفاء الفؤاد" ( ص208)) :
    وقفنا على أعتاب فضلك سيدي *** لتقبيل ترب حبذا لك من ترب
    وقال أيضاً ("شفاء الفؤاد" (ص114)) :
    نقبل الترب إجلالاً لساكنه *** فكل موطئ أقدام مقر فم
    قلت : فقد أشرك معبوده مع الله في الصلاة ، التي هي عمود هذا الدين وأعظم أركانه بعد الشهادتين ، وصرف لمعبوده من الصلاة أوسط أركانها وأعلاها : القيام والسجود والذلة والخضوع والخشوع وجمع القلب وحضور الخاطر ، وأضاف إليها بعض سننها ومكملاتها ، كغض البصر وكف الجوارح ووضع الأيمان على الشمائل .
    2- ومنها : الحج . قال المخالف في ذكر مناسك زيارة القبر الشريف ("شفاء الفؤاد" (ص131)) : "ينبغي ضبط الزيارة بما ضبط به الأئمة الاستطاعة في الحج".
    وقال أيضاً ("شفاء الفؤاد" (131-132)) : "فقرى الواقف ببابه الشريف كقرى الواقف بعرفات" إلى أن قال : "فقد أتم الله للحبيب المضاهاة بكل الحالات".
    قلت : وهذا – كما رأيت – صريح الشرك ، إذ سوى بين حج بيت المخلوق وحج بيت الخالق ، بل صرح بالمضاهاة بكل الحالات ، مؤكداً به الشرك والتسوية .
    3- ومنها : إدامة النظر إلى القبة والقبر ، وهي من عجائب العبادات التي اخترعها المخالف ، إذ قال ما نصه ("شفاء الفؤاد" (ص194)) : "ويديم النظر إلى الحجرة الشريفة فإنه عبادة ، قياساً على الكعبة ، فإذا كان خارج المسجد أدام النظر إلى قبتها مع المهابة والحضور".

    هذه هي الحلقة التاسعة من كتاب (جلاء البصائر في الرد على كتابي " شفاء الفؤاد " و"الذخائر ") للشيخ سمير المالكي حفظه الله :
    فصل : ( .. بل هم أضل )
    اعلم أن المشركين الأولين كانوا يشركون مع الله في العبادة ، بدعاء الأصنام والأنداد والأوثان ورجائهم والاستشفاع بهم والتوسل إلى الله بهم ، كما قال تعالى : ( والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى ) ( الزمر : 3) ، وقال : ( ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله ) ( يونس: 18) .
    * لكنهم لم يكونوا مدمنين على تلك الحال ، فقد كانوا يخلصون لله الدعاء والالتجاء في بعض الأحوال .
    قال تعالى : ( فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين ، فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون ) ( العنكبوت : 65) .
    وقال : ( قل من ينجيكم من ظلمات البر والبحر تدعونه تضرعاً وخفية لئن أنجانا من هذه لنكونن من الشاكرين . قل الله ينجيكم منها ومن كل كرب ثم أنتم تشركون ) ( الأنعام : 63-64) .
    وقال عز وجل : ( وإذا غشيهم موج كالظلل دعوا الله مخلصين له الدين فلما نجاهم إلى البر فمنهم مقتصد ، وما يجحد بآياتنا إلا كل ختار كفور ) ( لقمان : 32) .
    قال ابن كثير "تفسير ابن كثير" (3/452) : "( موج كالظلل ) أي كالجبال والغمام" .
    وقال الشوكاني : " ( دعوا الله مخلصين له الدين ) أي دعوا الله وحده لا يعولون على غيره في خلاصهم لأنهم يعلمون أنه لا يضر ولا ينفع سواه ، ولكنه تغلب على طبائعهم العادات وتقليد الأموات ، فإذا وقعوا في مثل هذه الحالة اعترفوا بوحدانية الله وأخلصوا دينهم طلباً للخلاص والسلامة مما وقعوا فيه . ( فلما نجاهم إلى البر ) صاروا على قسمين : فقسم ( مقتصد ) أي موف بما عاهد عليه الله في البحر من إخلاص الدين له باق على ذلك بعد أن نجاه الله من هول البحر وأخرجه إلى البر سالماً .
    قال الحسن : معنى مقتصد ، مؤمن متمسك بالتوحيد والطاعة ، وقال مجاهد : مقتصد في القول مضمر للكفر .
    والأولى ما ذكرناه ، ويكون في الكلام حذف ، والتقدير : فمنهم مقتصد ومنهم كافر ، ويدل على هذا المحذوف قوله : ( وما يجحد بآياتنا إلا كل ختار كفور ) الختر : أسوأ الغدر وأقبحه ، والكفور : عظيم الكفر بنعم الله سبحانه " انتهى ملخصاً " فتح القدير " (4/244-245) .
    قلت : فهذا كان حال المشركين السابقين في عبادتهم للآلهة من دون الله ، يعبدونها مع الله في الرخاء ، توسلاً بها واستشفاعاً إليه ، وينسونها إذا اشتد بهم البلاء ، ويصرفون وجوههم عنها إليه ، ويخلصون له في العبادة والدعاء والرجاء .
    وقد سبق بيان موافقة المخالف لأولئك المشركين في أنواع العبادة التي كانوا يصرفونها لأندادهم وأوثانهم وأصنامهم ، فهل اكتفى بتلك الموافقة والمطابقة ؟
    كلا ، بل زاد عليهم في الشرك والكفر وأربى ، وإليك البيان :
    * قال المخالف :
    توجه رسول الله في كل حاجة *** لنا ومهم في المعاش وفي القلب
    * وقال :
    عليك سلام الله أنت ملاذنا *** لدى اليسر والإعسار والسهل والصعب
    قلت : فلم يترك لله حاجة من الحاجات ولا مهمة من المهمات يدعوه فيها ويرغب ، إذ صرف دعاءه ورجاءه في شأنه كله لإلهه ومعبوده من دون الرب !
    * وقال المخالف :
    يا غياث الخلق يا ذا الفضل *** والجود والإحسان في بحر وبر
    وقال :
    فلأنت في الدنيا وفي الأخرى وفي *** كل المواطن عدتي وندائي
    وقال :
    واعطف علي بعفو منك يشملني *** فإني عنك يا مولاي لم أحد
    قلت : وهذا عين الكفر والضلال ، فقد صرف لمعبوده من دون الله دعاءه ورجاءه في كل الأوقات ، ولم يتخذه وسيلة إلى الله وشفيعاً عنده فحسب ، بل جعل معبوده من دون الله هو الأصل فوحده بالقصد والطلب ، ولم يكن كذلك شرك الأولين ، بل كانوا يتخذون الأنداد من دون الله لتقربهم هي إليه ، فهو الإله الأكبر ، أو "إله الآلهة" كما كانوا يصفونه سبحانه . وقد كانوا يعبدونه ويتقربون إليه بأنواع القربات مما ورثوه من بقايا ملة إبراهيم عليه السلام ، وكانوا يخلصون له العبادة في الشدة ويجأرون إليه بالدعاء ، ويشركون معه آلهتهم في وقت الأمن والرخاء .
    أما المخالف فقد صرح في أكثر من موضع من كتابيه بإخلاص العبادة للمخلوق وحده دون الخالق ، فهو يسأله كل حاجاته ، كما قال : "توجه رسول الله في كل حاجة " ، وكقوله : "ولذ به من كل ما تشتكي" ويدعوه في كل أوقاته ، كما قال : "يا ذا الفضل والجود والإحسان في بحر وبر " ، وكما قال : "أنت ملاذنا لدى اليسر والإعسار والسهل والصعب" ، وكقوله : "فلأنت في الدنيا وفي الأخرى وفي كل المواطن عدتي وندائي" .
    وصرح أكثر من ذلك فقال : "عجل بإذهاب الذي أشتكي فإن توقفت فمن ذا أسأل" ؟
    وقال : "فإنني عنك يا مولاي لم أحد" وقال : "هذا نزيلك أضحى لا ملاذ له إلا جنابك" .
    والجامع لهذه المعاني كلها كلمة واحدة هي " لا إله إلا أنت " !!
    قلت : فأي الفريقين أحق بالكفر والشرك والشقاق ، آلذين عبدوا الآلهة وتقربوا إليها بالدعاء والالتجاء ، لتقربهم هي إلى الله ، في حال الرخاء ، ووحدوا خالقهم وأخلصوا له الدين ونسوا الآلهة في حال الكرب وشدة الغم حين تعود إليهم الفطرة وتذهب عنهم السكرة فيقولون :
    (لئن أنجانا من هذه لنكونن من الشاكرين) ؟ ..
    أم الذي أخلص الدعاء والرجاء لإلهه ومعبوده من دون الله ، وصرف إليه قلبه ووجَّه إليه وجهه وقصده في كل وقت وفي كل حين ؟! ( نبئوني بعلم إن كنتم صادقين ) .
    * ويقول المخالف " شفاء الفؤاد" (ص205) :
    بذلي بإفلاسي بفقري بفاقتي *** إليك رسول الله أصبحت أهرب
    ويقول " شفاء الفؤاد" ( ص213) :
    فأقل عثار عُبيدك الداعي الذي *** يرجوك إذ راجيك غير مخيب
    واكتب له ولوالديه براءة *** من حر نار جهنم المتلهب
    واقمع بحولك باغضيه وكل من *** يؤذيه من متمرد متعصب
    واشفع له ولمن يليه وقم بهم *** في كل حال يا شفيع المذنب
    قلت : وهذا تأكيد منه وإصرار على تماديه في الضلال والشرك والكفر إذ يصرح هذا المخالف بعبوديته الخالصة لإلهه صاحب القبر، فيسأله العفو والنجاة من النار له ولوالديه ، وأن يقمع بحوله باغضيه ، ويتوسل في دعائه وندائه واستغاثته بإظهار الذلة والعبودية والفقر !!
    أما سمعته يقول " عُبيدك " ؟! ( جاء في الهامش : وقد كرر هذا الوصف بصيغة التصغير أيضاً في أكثر من موضع ، في (ص45) من "الذخائر" و(ص228) من "شفاء الفؤاد" ، وهو دليل واضح منه على الإصرار والعناد ) هكذا ، بأسلوب التصغير ، مبالغة منه في العبودية والتحقير ، فطغى به وزاد على عبدة الأصنام والأثان والأنداد ، الذين كانوا يسمون : عبد العزى وعبد الكعبة وعبد مناة وعبد المسيح .
    وأوضح منه لبيان المقصود ، إضفاؤه صفات الربوبية والألوهية على العبد المخلوق ، إذ سأله ما هو من خصائص الرب عز وجل ، الذي يملك وحده العفو عن الذنب ومغفرة العيوب ، لا يملكه ملك مقرب ولا نبي مرسل .
    وتأكيداً لما سبق بيانه وتقريره من أن شرك المخالف أشد وأخطر ، وكفره أعظم وأكبر من شرك الأولين وكفرهم ، أسوق إليك هذا الدليل :
    * في معرض كلامه عن مناسك زيارة القبر النبوي ، ذكر المخالف جملة من الآداب التي ينبغي الإتيان بها على من أراد الحج والعمرة إلى القبر النبوي ، جاء فيها "شفاء الفؤاد " (ص131-132) :
    1- "إخلاص النية فينوي التقرب بالزيارة وينوي معها التقرب بشد الرحل للمسجد النبوي والصلاة فيه" .
    2- "إذا دنا من حرم المدينة الشريفة وأبصر رباها وأعلامها فليزدد خضوعاً وخشوعاً ويستبشر بالهنا وبلوغ المنى" .
    3- ويسن له "الغسل لدخول المدينة ولبس أنظف ثيابه" .
    4- و "إذا شارف المدينة الشريفة وتراءت له قبة الحجرة المنيفة فليستحضر عظمتها وتفضيلها" .
    5- و "يقدم صدقة بين يدي نجواه" .
    6- "فإذا أراد الدخول - ( إلى المسجد ) – يقف يسيراً كالمستأذن كما يفعله من يدخل على العظماء" .
    7- "ثم يتوجه للروضة الشريفة خاشعاً غاضاً طرفه غير مشغول بالنظر إلى شيء من زينة المسجد وغيره ، مع الهيبة والوقار والخشية والانكسار والخضوع والافتقار.. فيصلي التحية ركعتين خفيفتين يقرأ فيها قل يا أيها الكافرون والإخلاص" .
    8- "ومحل تقديم التحية إذا لم يكن مروره قبالة الوجه الشريف ، فإن كان : استحبت الزيارة أولاً كما قال بعضهم . ورخص بعض المالكية في تقديم الزيارة على الصلاة" .
    9- و "يتوجه بعد ذلك إلى الضريح الشريف .. فيقف بخضوع ووقار وذلة وانكسار غاض الطرف مكفوف الجوارح واضعاً يمينه على شماله كما في الصلاة" .
    10- "ولا يستدبر القبر المقدس في الصلاة ولا في غيرها" .
    11- و "لا يمر بالقبر الشريف ولو من خارج المسجد حتى يقف ويسلم" .
    12- "ويديم النظر إلى الحجرة الشريفة فإنه عبادة قياساً على الكعبة ، فإذا كان خارج المسجد أدام النظر إلى قبتها مع المهابة والحضور" .
    13- "ولا يركب بها - ( يعني المدينة ) – دابة مهما قدر على المشيء ويزم نفسه مدة إقامته بزمام الخشية والتعظيم ويخفض جناحه ويغض صوته" .
    14- "إذا اختار الرجوع فليودع المسجد الشريف بركعتين ، يأتي القبر الشريف ويسلم ويدعو ويقول : نسألك يا رسول الله أن تسأل الله أن لا يقطع آثارنا من زيارتك .." .
    15- و "يتصدق بشيء مع خروجه .. وليحذر كل الحذر من مقارفة الذنوب" .
    * وقال في موضع آخر : "فقرى الواقف ببابه الشريف كقرى الواقف بعرفات : الشفاعة والبشرى بالموت على الإسلام ، وذلك هو المغفرة الحاصلة للواقفين .. فقد أتم الله للحبيب المضاهاة بكل الحالات ، وذلك حاضر فيه بالنص دون غيره وإن قيس به" .
    قلت : وقد اشتمل كلام المخالف - كما رأيت – على جملة من العظائم المنكرة ، التي هي من الشرك الواضح والكفر الصريح الذي لا يقبل التأويل بحال ، حيث قال "فقرى الواقف ببابه الشريف كقرى الواقف بعرفات" وأكده بقوله "فقد أتم الله للحبيب المضاهاة بكل الحالات" ، وكذب المخالف ، فهو الذي ضاهى بحج بيت الله الحج إلى القبر ، وليس الله ، وهو الذي سوى بين المنسكين في كل شيء ابتداء بالاغتسال عند الدخول وتحية القدوم وانتهاء بالوداع . بل لم يكتف بالمضاهاة حتى عداها إلى التفضيل .
    * فقد قال ما نصه "شفاء الفؤاد" ( ص35) : "قال الفاضل ابن حجر رحمه الله : ولقد رأيت أكثر العوام إذا عاد حاجاً ولم يزر النبي صلى الله عليه وسلم يعدون أن ذلك نقص وأي نقص وعار وأي عار ، ويسلخون عنه اسم الحاج الذي هو أشرف الأوصاف عندهم ويصير ذلك مثلة فيهم إلى أن يموت بل وفي أولاده بعد موته .
    ولقد اشتد من تعييرهم وتنقيصهم لمن رجع من غير زيارة ما ألجأه إلى الانقطاع في بيته وعدم الاجتماع بأحد إلى أن خرج مع الحجاج في العام الثاني فحج وزار ورجع إلى بلده فرحاً مسروراً بزوال تلك الوصمة الشنيعة عنه ، فتأمل ذلك من العوام تجد أن عظمته صلى الله عليه وسلم وعظمة زيارته وقرت في قلوبهم واستحكمت في طباعهم .. حتى إنهم يتداينون الديون البليغة مع حسن ظنهم ويوفي الله سبحانه وتعالى عنهم " اهـ .
    قلت : ومعلوم – قطعاً – أن الحاج إلى القبر النبوي لا يشترط عليه أن يحج البيت الحرام مع حجة القبر المعظم لأن هذا الحج مشروع طوال العام وذاك موقوت بزمان معين ، فهذا وجه من وجوه التفضيل بين الحجتين واضح بين .
    الوجه الثاني : أن الله عز وجل أوجب الحج إلى بيته الحرام على من استطاع إليه سبيلاً ، وأما غير المستطيع بنفسه أو بغيره فلا يجب عليه الحج اتفاقاً .
    وقد ذكر أهل العلم أن من كان له عيال فإنه يقدم النفقة عليهم على الحج لأن النفقة على الفور ، ورجح بعضهم تقديم النكاح على الحج لمن خشي العنت . ( انظر "المغني" لابن قدامة (3/172) و"المجموع" للنووي (7/68-77) ) .
    أما التداين للحج فلم يستحبه أهل العلم – فيما علمت – بل قدموا قضاء الدين الحال على حجة الفرض .
    وهذا المخالف يقول "حتى إنهم يتداينون الديون البليغة" من أجل حج القبر النبوي !!!
    فلم يبق شك أو ريب في تفضيله هذا الحج على حج بيت الله الحرام الذي هو فريضة من فرائض الإسلام وركن من أركانه .
    * وإن تعجب ، فعجب قوله : "قال الفاضل ابن حجر – رحمه الله - : ولقد رأيت أكثر العوام إذا عاد حاجاً ولم يزر النبي صلى الله عليه وسلم يعدون أن ذلك نقص وأي نقص وعار وأي عار ، ويسلخون عنه اسم الحاج .. " .
    قلت : وحسب المخالف وأضرابه عاراً ونقصاً أن يكون دليلهم على ذلك التفضيل ، فعل " أكثر العوام " !!
    * ومن المنكرات الشنيعة الواردة في مقال المخالف ، تشبيهه الوقوف أمام القبر النبوي عند الزيارة بالوقوف بين يدي الله سبحانه في الصلاة حيث قال : "فيقف بخضوع ووقار وذلة وانكسار غاض الطرف مكفوف الجوارح وضعاً يمينه على شماله كما في الصلاة" .
    قلت : وليس بعد هذا التصريح بالشرك من تصريح .
    * وقوله أيضاً : "يقدم صدقة بين يدي نجواه" .
    قلت : وهذا نذر وقربان للقبر، إذ الصدقة هنا من أجل القبر المعبود من دون الله ، وهو من جنس ما كان المشركون يفعلونه عند أوثانهم وأصنامهم ، يتقربون إليها بأنواع النذور والقرابين .
    فإن قيل : أليس الله قد أمر المؤمنين في كتابه بتقديم صدقة بين يدي نجواهم للرسول صلى الله عليه وسلم فقال : ( يا أيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقة ، ذلك خير لكم وأطهر ، فإن لم تجدوا فإن الله غفور رحيم ) ( المجادلة :12) .
    فالجواب : إن هذا الحكم منسوخ ، كما قال المفسرون ، ودليل النسخ الآية التالية ، وهي قوله تعالى : ( أأشفقتم أن تقدموا بين يدي نجواكم صدقات ، فإذا لم تفعلوا وتاب الله عليكم فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ، وأطيعوا الله ورسوله والله خبير بما تعملون ) ( المجادلة :13) .
    قال ابن كثير رحمه الله " تفسير ابن كثير (4/326-327) : "فنسخ وجوب ذلك عنهم" ثم ذكر عن ابن عباس رضي الله عنه قوله : "كان المسلمون يقدمون بين يدي النجوى صدقة فلما نزلت الزكاة نسخ هذا" . ثم قال : "وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ، قوله : ( فقدموا بين يدي نجواكم صدقة ) وذلك أن المسلمين أكثروا المسائل على رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى شقوا عليه فأراد الله أن يخفف عن نبيه عليه السلام ، فلما قال ذلك جبن كثير من المسلمين وكفوا عن المسألة ، فأنزل الله بعد هذا ( أأشفقتم أن تقدموا بين يدي نجواكم صدقات ) .. الآية فوسع الله عليهم ولم يضيق" .
    قلت : فإذا تقرر أن الحكم قد نسخ ، فإن العمل به أو إيجابه بعد نسخه هو من الشرع الذي لم يأذن له الله ، قال الله عز وجل : ( أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله ) ( الشورى: 21) .
    وهو من الكذب على الله والقول عليه بغير علم ، وقد قال تعالى : ( قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطاناً وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون ) ( الأعراف : 33) .

    **
    ثانياً : الشرك في الربوبية
    قد ذكرنا من قبل أن شرك الأولين كان في الألوهية والعبادة ، وأما الربوبية ، وهي الاعتقاد بأن الله هو الخالق الرازق المدبر للأمر المتصرف في الكون علويه وسفليه ، وأن بيده مقاليد كل شيء وأنه يجير ولا يجار عليه ، فكانوا مقرين بها ، كما أخبر الله عنهم في أكثر من موضع في كتابه ، فقال تعالى : (ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن الله) وقال : (قل من رب السموات السبع ورب العرش العظيم . سيقولون لله قل أفلا تتقون . قل من بيده ملكوت كل شيء وهو يجير ولا يجار عليه إن كنتم تعلمون . سيقولون لله ، قل فأنى تسحرون) ( المؤمنون : 86-89) .
    وقال تعالى : (وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون) ( يوسف: 106) .
    قال ابن عباس رضي الله عنهما : "من إيمانهم إذا قيل لهم : من خلق السماء ؟ ومن خلق الأرض ، ومن خلق الجبال ؟ قالوا : الله ، وهم مشركون " . وقال مجاهد رحمه الله : "إيمانهم قولهم : الله خالقنا ، ويرزقنا ويميتنا ، فهذا إيمان مع شرك عبادتهم غيره " "تفسير ابن جرير " (16/286-287) .
    قلت : فكان يكفي المخالف أن يقتصر على شرك العبادة فيكون في عداد أولئك المشركين ، إلا أنه أبى واستكبر ، وأصر على الانحطاط في دركات أبعد في الشرك والكفر فأضفى على النبي صلى الله عليه وسلم خصائص الرب العُلَى ، ونازعه في أفعاله وأسمائه الحسنى . ومن أمثلة ذلك :
    1- قوله في وصف النبي صلى الله عليه وسلم : "الخليفة الأكبر الممد لكل موجود" . "الذخائر" (ص233)
    وقوله : "السلام عليك يا معنى الوجود ، السلام عليك يا منبع الكرم والجود" "شفاء الفؤاد" (ص113) .
    وقوله : "تختلف أحوال الزائرين في استفادتهم من زيارتهم واستمدادهم من الله بواسطة نبيهم المصطفى وحبيبهم المجتبى صلى الله عليه وسلم ، وبحسب استعدادهم في تلقي الفيوضات الإلهية والواردات الربانية بواسطة الحضرة المحمدية " "شفاء الفؤاد" (ص124) .
    2- ويقول "شفاء الفؤاد" (ص212) :
    يا من يجود على الوجود بأنعم *** خضر تعم عموم صَوْب الصَّيب
    يا غوث من في الخافقين وغيثهم *** وربيعهم في كل عام مجدب
    ويقول "شفاء الفؤاد" (ص230) :
    يا غياث الخلق يا ذا الفضل *** والجود والإحسان في بحر وبر
    ويقول "شفاء الفؤاد" (ص225) :
    أنت الكريم الذي إنعامه أبداً *** للوفد من كفه الفياض مبذول
    ويقول "شفاء الفؤاد" (ص205) :
    براه جلال الحق للخلق رحمة *** فكل الورى في بره يتقلب
    قلت : فهذه الأوصاف المذكورة كلها من خصائص الرب سبحانه وتعالى ، فهو الكريم المتفضل على الوجود ، كما أخبر سبحانه عن نفسه فقال عز من قائل : ( وما بكم من نعمة فمن الله ثم إذا مسكم الضر فإليه تجأرون ) (النحل : 53) .
    وقال : ( الله الذي خلق السموات والأرض وأنزل من السماء ماءً فأخرج به من الثمرات رزقاً لكم ، وسخر لكم الفلك لتجري في البحر بأمره وسخر لكم الأنهار . وسخر لكم الشمس والقمر دائبين وسخر لكم الليل والنهار . وآتاكم من كل ما سألتموه ، وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إن الإنسان لظلوم كفار ) (إبراهيم : 32-34) .
    وقال : ( خلق السموات والأرض بالحق ، تعالى عما يشركون . خلق الإنسان من نطفة فإذا هو خصيم مبين . والأنعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع ومنها تأكلون ) إلى قوله : ( هو الذي أنزل من السماء ماءً لكم منه شراب ومنه شجر فيه تسيمون . ينبت لكم به الزرع والزيتون والنخيل والأعناب ومن كل الثمرات ، إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون ) إلى قوله : ( وهو الذي سخر البحر لتأكلوا منه لحماً طرياً وتستخرجوا منه حلية تلبسونها وترى الفلك مواخر فيه ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون ) إلى قوله : ( أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تذكرون . وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إن الله لغفور رحيم ) (النحل : 3-18) .
    وقد تكرر في القرآن ذكر نعم الله عز وجل على عباده بالخلق والإيجاد والرزق في البر والبحر ، وفصلها سبحانه في مواضع كثر ، فذكر إنزال المطر وإنبات النبات وإرسال الرياح لواقح وخلق الأنعام وتسخيرها للمطعم والملبس والمركب ، وسخر البحار والأنهار كذلك للمطعم والمشرب والحلية والمركب ، إلى غير ذلك من النعم الكثيرة التي لا يحصيها إلا رب البرية .
    وأعظم هذه النعم على الإطلاق نعمة الهداية إلى الصراط المستقيم ، وهي التي اختص بها عباده الذين أخبر عنهم بقوله : ( ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً ) ( النساء :69) .
    فبين سبحانه في هذه الآية أصناف المنعم عليهم ، وأولهم الأنبياء عليهم السلام ، الذين جمع الله لهم مع نعمة الهداية نعمة أجل وهي نعمة النبوة .
    قال سبحانه وتعالى عن عبده ورسوله عيسى عليه السلام : ( إن هو إلا عبد أنعمنا عليه وجعلناه مثلاً لبني إسرائيل ) ( الزخرف :59) .
    قال القرطبي – رحمه الله -"تفسير القرطبي" (16/104) : "أي ما عيسى إلا عبد أنعم الله عليه بالنبوة وجعله مثلاً لبني إسرائيل ، أي آية وعبرة يستدل بها على قدرة الله تعالى ، فإن عيسى كان من غير أب .. ".
    وقال سبحانه لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : ( فذكر فما أنت بنعمة ربك بكاهن ولا مجنون ) ( الطور : 29) .
    قال القرطبي – رحمه الله - "تفسير القرطبي" (17/7) : "( فما أنت بنعمة ربك ) يعني برسالة ربك ( بكاهن ) تبتدع القول وتخبر بما في غد من غير وحي".
    إذاً : فالقول بأن النعم من عند غير الله ، ونسبتها إلى نبينا محمد صلى الله عليه وسلم أو إلى أحد من الخلق كفر وتكذيب بالقرآن وإنكار للمعلوم بالضرورة من الفطرة والإيمان ، وقول على الله بغير علم ، إذ هو المنعم على الخلق كلهم بسائر النعم ظاهرها وباطنها ، وهو وحده المتفضل على الوجود ، الغني عن كل موجود ، كما قال سبحانه وتعالى في كتابه : ( يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله ، والله هو الغني الحميد . إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد . وما ذلك على الله بعزيز ) (فاطر: 15-17) .
    * وقد يسوق الله عز وجل بعض نعمه على أيدي الخلق ويجعلهم سبباً في إيصالها إلى من يشاء فيصح حينئذ أن تنسب إلى السبب كقوله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : ( وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه أمسك عليك زوجك ) (الأحزاب : 37) . حيث أنعم عليه النبي صلى الله عليه وسلم بالعتق من الرق وآواه إليه وأحسن إليه إحسان الوالد لولده وكان قد تبناه فكان يُدعى زيد بن محمد ثم نسخ ذلك بقوله تعالى : (ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله) (الأحزاب :5) .
    وقال تعالى : (وما لأحد عنده من نعمة تجزى إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى) (الليل :19-20) ، " أي ليس يتصدق ليجازي على نعمة ، إنما يبتغي وجه ربه الأعلى" كذا قال القرطبي "تفسير القرطبي" (20/88) .
    فنسبة بعض نعم الرب إلى خلقه ، نسبة المسبَّبات إلى أسبابها ، وليس ثمة حرج في ذلك إذا اعتقد أن الله هو الذي قدرها ويسرها ، ولولاه سبحانه لما حدثت نعمة ولا حصل إحسان إذ هو الذي خلق السبب والمسبب .
    يقول شيخ الإسلام – رحمه الله – في معرض حديثه عن الشرك في الربوبية : "فإن الرب سبحانه هو المالك المدبر ، المعطي المانع ، الضار النافع ، الخافض الرافع ، المعز المذل . فمن شهد أن المعطي أو المانع أو النافع ، أو المعز أو المذل غيره ، فقد أشرك بربوبيته ولكن إذا أراد التخلص من هذا الشرك فلينظر إلى المعطي الأول مثلاً فيشكره على ما أولاه من النعم ، وينظر إلى من أسدى إليه المعروف فيكافيه عليه ، لقوله عليه السلام : "من أسدى إليكم معروفاً فكافئوه فإن لم يتجدوا ما تكافئوه فادعوا له حتى تروا أنكم قد كافأتموه " (رواه أبو داود (ح1672) والنسائي (5/82) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما ) لأن النعم كلها لله تعالى ، كما قال تعالى : (وما بكم من نعمة فمن الله ) (النحل : 53) وقال تعالى : (كُلاً نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك ) (الإسراء : 20) فالله هو المعطي على الحقيقة فإنه هو الذي خلق الأرزاق وقدرها وساقها إلى من يشاء من عباده ، فالمعطي هو الذي أعطاه وحرك قلبه لعطاء غيره . فهو الأول والآخر" اهـ "مجموع الفتاوى" (1/92) .
    3- ويقول المخالف "الذخائر" (ص158) :
    ما أرسل الرحمن أو يرسل *** من رحمة تصعد أو تنزل
    في ملكوت الله أو ملكه *** ومن كل ما يختص أو يشمل
    إلا وطه المصطفى عبده *** نبيه مختاره المرسل
    واسطة فيها وأصل لها *** يعلم هذا كل من يعقل
    قلت : وهذا شرك آخر في الربوبية ، إذ ما الذي أبقاه للرحمن من صفة الرحمة إذا كان محمد صلى الله عليه وسلم أصلاً لكل رحمة في ملكوت الله وملكه تصعد أو تنزل ؟!
    كلا . بل ما من رحمة في الأرض ولا في السماء ولا في بر ولا في بحر إلا من عند الرحيم الرحمن الكريم المنان . قال تعالى : (ورحمتي وسعت كل شيء ) ( الأعراف : 156) ، وجاء في دعاء ملائكته : (ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلماً ) (غافر : 7) .
    وقال سبحانه (وربك الغني ذو الرحمة) (الأنعام :133) ، وقال : (وربك الغفور ذو الرحمة) (الكهف :58) .
    وقد تواتر ذكر رحمة الله في القرآن وشمولها للعالمين في كل وقت وفي كل حين ، فمن آثار رحمته إرسال الرياح (وهو الذي أرسل الرياح بشراً بين يدي رحمته) (الفرقان :48) ، وإنزال المطر (وهو الذي ينزل الغيث من بعد ما قنطوا وينشر رحمته) (الشورى : 28) ، وإحياء الأرض (فانظر إلى آثار رحمة الله كيف يحيي الأرض بعد موتها) (الروم :50) .
    ومن رحمته إنزال القرآن (ونزلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين) (النحل : 89) .
    والنبوة من رحمته ، يختص بها من يشاء من عباده ، كما قال سبحانه عن عبده نوح عليه السلام : (قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي وآتاني رحمة من عنده) (هود : 28) قال ابن جرير – رحمه الله - : "ورزقني منه التوفيق والنبوة والحكمة " " تفسير ابن جرير " ( 15/298) .
    وقال عن عبده صالح عليه السلام : (قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي وآتاني منه رحمة فمن ينصرني من الله إن عصيته) (هود:63) .
    قال ابن جرير – رحمه الله - : "وأتاني منه النبوة والحكمة والإسلام" "تفسير ابن جرير" (15/370) .
    وأخبر سبحانه عن تعنت المشركين واعتراضهم على اختيار الرسول صلى الله عليه وسلم من دونهم فقالوا : (لولا نُزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم) قال الله تعالى رداً عليهم : (أهم يقسمون رحمة ربك ، نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضاً سخرياً ، ورحمت ربك خير مما يجمعون) (الزخرف :31-32) .
    قال القرطبي – رحمه الله - : "(أهم يقسمون رحمة ربك) يعني النبوة ، فيضعونها حيث شاءوا ؟ (نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا) أي أفقرنا قوماً وأغنينا قوماً ، فإذا لم يكل (في النسخة المطبوعة (يكن) ، ولعل الصواب ما أثبته ) أمر الدنيا إليهم فكيف يفوض أمر النبوة إليهم " اهـ "تفسير القرطبي" (16/83) .
    قلت : ولا شك أن هداية الخلق إلى دين الإسلام وتثبيتهم عليه حتى الممات ثم إدخالهم الجنة من أعظم نعم الله على العباد ورحمته بهم ، ومن ثم كانت بعثة الأنبياء رحمة لأقوامهم لأنهم سبب هدايتهم إلى ما فيه سعادتهم في الدنيا والآخرة .
    ولما كانت بعثة النبي محمد صلى الله عليه وسلم للناس كافة ، وصفه الله بقوله : (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين) (الأنبياء :107) .
    قال ابن عباس : "كان محمد صلى الله عليه وسلم رحمة لجميع الناس فمن آمن به وصدق به سعد ، ومن لم يؤمن به سلم مما لحق الأمم من الخسف والغرق " اهـ "تفسير القرطبي" (11/350) .
    فإرساله صلى الله عليه وسلم رحمة من عند الله على العالمين من الجن والإنس لعموم رسالته إليهم ، كما أنها رحمة وإنعام وتشريف وإكرام للنبي عليه الصلاة والسلام حيث اصطفاه لرسالته الخاتمة وشريعته الناسخة لما سبقها من الشرائع .
    * ومن رحمته كذلك ، أن جعل هذا النبي الخاتم رؤوفاً رحيماً بهم وجبله على هاتين الصفتين كما قال سبحانه وتعالى ممتناً على عباده المؤمنين : (لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم) (التوبة : 128) .
    وقال : (فبما رحمة من الله لنت لهم ، ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك) (آل عمران :159) .
    قال ابن جرير – رحمه الله - : "فتأويل الكلام : فبرحمة الله ، يا محمد ، ورأفته بك وبمن آمن بك من أصحابك (لنت لهم) لتُــبَّاعك وأصحابك ، فسهلت لهم خلائقك ، وحسنت لهم أخلاقك حتى احتملت أذى من نالك منهم أذاه ، وعفوت عن ذي الجرم منهم جرمه ، وأغضيت عن كثير ممن لو جفوت به وأغلظت عليه لتركك ففارقك ولم يتبعك ولا ما بعثت به من الرحمة ، ولكن الله رحمهم ورحمك معهم ، فبرحمة من الله لنت لهم " اهـ "تفسير ابن جرير" (7/341) .
    إذاً فما كانت من رحمة النبي صلى الله عليه وسلم إلا من رحمة الله التي وسعت كل شيء ، وكذا كانت بعثته ونبوته ، فهو سبحانه الذي أوجدها وقدرها وساقها إلى من شاء من عباده ، كما قدر غيرها من أسباب الرحمة مما تقدم ذكره ، فآثار رحمته جل وعلا على عباده ظاهرة في كل حال .
    وكما قيل في مسألة الإنعام والتفضيل والإحسان ، يقال كذلك في مسألة الرحمة ، إن موجدها ومسببها ومقدرها هو الله وحده لا شريك له ، فإليه تنسب أصلاً ، كما تنسب إلى من أجرى الله على يديه نعمة أو رحمة ، على أنه سبب من الأسباب ، تبعاً .
    ومن هنا تعلم ضلال هذا المخالف الذي وصف النبي صلى الله عليه وسلم بأنه وراء كل رحمة " تصعد أو تنزل ، من كل ما يختص أو يشمل " إذ هذا الوصف لا يليق إلا بالرحمن الرحيم ، فكل رحمة في الكون فهي جزء من رحمته كما فصل ذلك في القرآن الكريم فيما تقدم من آيات بينات ، وكما فصله النبي صلى الله عليه وسلم في أحاديث كثيرة ووقائع متعددة ومنها :
    * حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : "لما قضى الله الخلق كتب في كتابه ، فهو عنده فوق العرش ، إن رحمتي غلبت غضبي" متفق عليه "اللؤلؤ والمرجان" (3/239) .
    * وحديث أبي هريرة رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : "جعل الله الرحمة مائة جزء ، فأمسك عنده تسعة وتسعين جزءاً وأنزل في الأرض جزءاً واحداً . فمن ذلك الجزء يتراحم الخلق حتى ترفع الفرس حافرها عن ولدها خشية أن تصيبه" متفق عليه "اللؤلؤ والمرجان" (3/240) .
    * وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال : قدم على النبي صلى الله عليه وسلم سبي ، فإذا امرأة من السبي تحلب ثديها تسقي ، إذا وجدت صبياً في السبي أخذته فألصقته ببطنها وأرضعته . فقال لنا النبي صلى الله عليه وسلم : "أترون هذه طارحة ولدها في النار ؟ " قلنا : لا ، وهي تقدر على أن لا تطرحه . قال : "لله أرحم بعباده من هذه بولدها" متفق عليه "اللؤلؤ والمرجان" (3/240).
    قال الحافظ "فتح الباري" (10/431) : "وفيه إشارة إلى أنه ينبغي للمرء أن يجعل تعلقه في جميع أموره بالله وحده ، وأن كل من فُرض أن فيه رحمة ما حتى يقصد لأجلها فالله سبحانه وتعالى أرحم منه ، فليقصد العاقل لحاجته من هو أشد له رحمة " اهـ .
    قلت : وهو كلام نفيس جداً فعض عليه بالنواجذ .
    وعن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "سددوا وقاربوا وابشروا ، فإنه لا يُدخل أحداً الجنة عمله" قالوا : ولا أنت يا رسول الله ؟ قال : "ولا أنا ، إلا أن يتغمدني الله بمغفرة ورحمة " متفق عليه "اللؤلؤ والمرجان" (3/284).
    4- ويقول المخالف أيضاً "الذخائر" (ص223) ، في معرض حديثه عن خصائص النبي صلى الله عليه وسلم : "وكان يُقطع الأراضي قبل فتحها لأن الله ملَّكَه الأرض كلها ، وله أن يقطع أرض الجنة من باب أولى صلى الله عليه وسلم " .
    قلت : وهذا من الشرك الصريح في الربوبية ، إذ أن الذي يملك الأرض ومن عليها هو الله وحده لا أحد سواه ، والأدلة على ذلك أكثر من أن تحصر .
    قال تعالى : (للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة وأرض الله واسعة) (الزمر : 10) ، وقال : (يا عبادي الذين آمنوا إن أرضي واسعة فإياي فاعبدون) (العنكبوت:56) ، وقال على لسان عبده صالح عليه السلام : (ويا قوم هذه ناقة الله لكم آية فذروها تأكل في أرض الله) (هود :64) ، وقال تعالى : (قال موسى لقومه استعينوا بالله واصبروا إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده) (الأعراف: 128) .
    * وقد تواترت آيات الذكر الحكيم على تقرير ملكية الله تعالى للسماوات والأرض وما بينهما ، في أكثر من ثلاثين موضعاً ، كقوله تعالى : (ألم تعلم أن الله له ملك السموات والأرض) (البقرة:107) ، وقوله : (لله ما في السموات وما في الأرض) (البقرة:284) ، وقوله : (ولله ميراث السموات والأرض) (آل عمران :180) ، وقوله : (قل لمن ما في السموات والأرض قل لله) (الأنعام : 12) .
    * وكقوله : (له ما في السموات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى) (طه :6) ، وقوله : (له مقاليد السموات والأرض) (الزمر : 63) ، وقوله : (ولله خزائن السموات والأرض ولكن المنافقين لا يفقهون) (المنافقون : 7) .
    وقد رد الله عز وجل بهذه الآية على المنافقين القائلين : (لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا) ، فلو كان للنبي صلى الله عليه وسلم شرك في الأرض لناسب ذكره في هذا الموضع ، إعلاماً لقدر نبيه صلى الله عليه وسلم وتبكيتاً لعدوه الذي أراد بمقالته تلك ازدراء النبي صلى الله عليه وسلم ومن معه من فقراء أصحابه وتعييرهم بالفقر والحاجة .
    وقال تعالى : (قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض وما لهم فيهما من شرك وما له منهم من ظهير) (سبأ:22) .
    قال ابن كثير – رحمه الله - (3/536) : "بين تبارك وتعالى أنه الإله الواحد الأحد الفرد الصمد الذي لا نظير له ولا شريك له بل هو المستقل بالأمر وحده من غير مشارك ولا منازع ولا معارض ، فقال : (قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله) أي من الآلهة التي عبدت من دونه : (لا يملكون مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض) كما قال تبارك وتعالى : (والذين تدعون من دونه ما يملكون من قطمير) (فاطر: 13) .
    وقوله تعالى : (وما لهم فيهما من شرك) أي لا يملكون شيئاً استقلالاً ولا على سبيل الشركة ، (وما له منهم من ظهير) أي وليس لله من هذه الأنداد من ظهير يستظهر به الأمور ، بل الخلق كلهم فقراء إليه عبيد لديه "اهـ .
    قلت : فهذه الآية من أوضح البيان على المطلوب ، إذ صرحت بنفي ملكية شيء في السموات والأرض ولو كان مثقال ذرة ، عن كل الأنداد المعبودة من دون الله من الملائكة والأنبياء والصالحين لا استقلالاً ولا على سبيل الشركة .
    إذاً فمن زعم أن أحداً من الخلق يملك ذرة في هذا الكون مع الخالق ، فقد أشرك شركاً بيناً ، وافترى إثماً عظيماً ، وكذب بالقرآن تكذيباً مبيناً ، فكيف بمن زعم أن الأرض كلها ملك خالص للمخلوق لا شركة فيه للخالق ؟!!
    وحسب هذا القائل إثماً وظلماً أن يكفر بما آمن به عبدة الأوثان في الجاهلية الأولى ، الذين شهد لهم القرآن إقرارهم بربوبية الخالق وملكيته التامة للأرض ومن فيها .
    قال الله تعالى : (قل لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون . سيقولون لله . قل أفلا تذكرون) (المؤمنون :84 -85) .
    قال ابن كثير – رحمه الله - (3/252) : "يقرر تعالى وحدانيته واستقلاله بالخلق والتصرف والملك ليرشد إلى أنه الله الذي لا إله إلا هو ، ولا تنبغي العبادة إلا له وحده لا شريك له ، ولهذا قال لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم أن يقول للمشركين العابدين معه غيره المعترفين له بالربوبية وأنه لا شريك له فيها ، ومع هذا فقد أشركوا معه في الإلهية فعبدوا غيره مع اعترافهم أن الذين عبدوهم لا يخلقون شيئاً ولا يملكون شيئاً ولا يستبدون بشيء بل اعتقدوا أنهم يقربونهم إليه زلفى (ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى) ، فقال : (قل لمن الأرض ومن فيها) أي من مالكها الذي خلقها ومن فيها من الحيوانات والنباتات والثمرات وسائر صنوف المخلوقات (إن كنتم تعلمون . سيقولون لله) أي فيعترفون لك بأن ذلك لله وحده لا شريك له ، فإذا كان ذلك (قل أفلا تذكرون) أنه لا تنبغي العبادة إلا للخالق الرازق لا لغيره "اهـ .
    فظهر بهذا أن المخالف ومن على شاكلته من دعاة السوء أشد كفراً وأعظم شركاً من المشركين الأولين .
    * وإذا كان الخالق سبحانه قد نزه نفسه عن الشريك في أمر **** ، وهي أرض الدنيا الفانية ، التي لا تعدل عند الله جناح بعوضة ، فكيف يُملك أرض الجنة العظيمة الخالدة ، مستقر رحمته ودار كرامته ، لأحد من خلقه ؟!
    فقول المخالف : إن النبي صلى الله عليه وسلم يملك حق الإقطاع في أرض الجنة ، ظاهر السقوط ، مع ما فيه من الكفر والكذب والتكذيب لنصوص الوحي المصرحة بملكية الخالق وحده وأحقيته في التصرف بما يشاء في الجنة وما فيها ، لا شريك له في شيء من ذلك قال تعالى : (تلك الجنة التي نورث من عبادنا من كان تقياً) (مريم:63) .
    وأخبر سبحانه عن أصحاب الجنة قولهم : (وقالوا الحمد لله الذي صدقنا وعده وأورثنا الأرض نتبوأ من الجنة حيث نشاء فنعم أجر العاملين) (الزمر:74) .
    قال القرطبي – رحمه الله - (15/287) : "قيل إنهم ورثوا الأرض التي كانت تكون لأهل النار لو كانوا مؤمنين " اهـ .
    وجاء في دعاء خليل الرحمن عليه السلام قوله : (واجعلني من ورثة جنة النعيم) (الشعراء:85) .
    وقال سبحانه : (يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية فادخلي في عبادي وادخلي جنتي) (الفجر :30) .
    والأدلة من القرآن على ملكية الله الخالصة للجنة أجل من أن تحصر ، ومن السنة كذلك .
    * فقد جاء في حديث احتجاج الجنة والنار فول الله تبارك وتعالى للجنة : "أنت رحمتي أرحم بك من أشاء من عبادي" وجاء في آخر الحديث قول النبي صلى الله عليه وسلم : "وأما الجنة فإن الله عز وجل ينشئ لها خلقاً "متفق عليه "اللؤلؤ والمرجان " (3/291) .
    * وجاء في حديث أبي هريرة في قصة آخر أهل الجنة دخولاً قول الرجل : "يا رب أدخلني الجنة ، فيقول الله : ويحك يا ابن آدم ما أغدرك ، أليس قد أعطيت العهود والمواثيق أن لا تسأل غير الذي أعطيت ؟ فيقول : يا رب لا تجعلني أشقى خلقك ، فيضحك الله عز وجل منه ، ثم يأذن له في دخول الجنة ، فيقول : تمنَّ ، فيتمنى ، حتى إذا انقطعت أمنيته قال الله عز وجل : من كذا وكذا أقبل يذكره ربه ، حتى إذا انتهت به الأماني قال الله تعالى : لك ذلك ومثله معه " متفق عليه "اللؤلؤ والمرجان" (1/44).
    قلت : فالأمر كله بيد الله ، فهو سبحانه الذي يتصرف في الجنة كما يشاء ، وهو الذي يقطع فيها من أرضها ونعيمها كما يشاء ، فلو كان غيره من الخلق يملك حق الإقطاع ولو في جزء يسير لما صح أن يقول للجنة : "أنت رحمتي أرحم بك من أشاء" ولما كان له أن يقول لذلك الرجل تمنَّ ، ثم يزيده ربه أضعافاً مما سأل ، إذ قد يتعارض هذا مع شريكه في الملك والتصرف ، تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً .
    * ومثله حديث أبي سعيد الخدري حيث جاء فيه : "فيشفع النبيون والملائكة والمؤمنون فيقول الجبار : بقيت شفاعتي ، فيقبض قبضة من النار فيخرج أقواماً قد امتحشوا" إلى أن قال : "فيدخلون الجنة ، فيقول أهل الجنة : هؤلاء عتقاء الرحمن أدخلهم الجنة بغير عمل عملوه ولا خير قدموه ، فيقال لهم : لكم ما رأيتم ومثله معه" متفق عليه "اللؤلؤ والمرجان" (1/46).
    *وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم في حديث الرؤيا الطويل حين أتاه في المنام آتيان فأخذاه فانطلقا به حتى رأى قصراً مثل الربابة البيضاء ، فقالا له : هذا منزلك . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : "قلت لهما: بارك الله فيكما ذراني فأدخله ، قالا : أما الآن فلا ، وأنت داخله "الحديث رواه البخاري (12/439).
    قلت : وفي منعه صلى الله عليه وسلم من دخول قصره ومنزله في الجنة مع تمنيه ورغبته ، دليل آخر يؤكد كذب دعوى المخالف وزعمه أنه صلى الله عليه وسلم يملك حق الإقطاع في الجنة للغير ، كيف وهو لم يعلم أصلاً أن ذلك منزله حتى أُخبرِ؟!
    * وفي ترغيب النبي صلى الله عليه وسلم وحثه أمته على أن يسألوا الله عز وجل له الوسيلة والفضيلة دليل آخر أيضاً على اختصاص الله وحده دون خلقه بكامل نعيم الجنة وثوابها .
    وبعد فالأمر ، والله ، أوضح من أن يحتاج إلى إيضاح وأبين من أن يفتقر إلى بيان .
    وليس يصح في الأفهام شيء *** إذا احتاج النهار إلى دليل

    في البداية أعتذر عن التأخر في نشر هذه الحلقة بسبب أنشغالي في بعض الأمور :
    هذه هي الحلقة العاشرة من كتاب (جلاء البصائر في الرد على كتابي " شفاء الفؤاد " و"الذخائر ") للشيخ سمير المالكي حفظه الله:
    5- ومن الخصائص النبوية المزعومة قول المخالف "الذخائر" (ص205 ) : "وأوتي علم كل شيء حتى الروح والخمس التي في آية : ( إن الله عنده علم الساعة ) " .
    وقال في موضع آخر ( "شفاء الفؤاد"(ص79، 97)) : "إذ لا فرق بين موته وحياته في مشاهدته لأمته ومعرفة أحوالهم ونياتهم وعزائمهم وخواطرهم وذلك عندي جلي لا خفاء فيه".
    قلت : وهذا شرك واضح جلي لا خفاء فيه ، ومنازعة صريحة للرب سبحانه في أخص صفاته ، صفة العلم ، حيث سوى علم المخلوق بعلم الخالق افتراء عليه ، وتكذيباً لكلامه .
    قال عز وجل : (إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام ، وما تدري نفس ماذا تكسب غداً وما تدري نفس بأي أرض تموت إن الله عليم خبير ) (لقمان :34) .
    قلت : فهذه مفاتح الغيب التي اختص الله بعلمها دون خلقه كما قال : (وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو ويعلم ما في البر والبحر وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ، ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين ) (الأنعام : 59) .
    فقوله سبحانه : ( لا يعلمها إلا هو ) صريح في نفي علمها عن أحد سواه لا ملك ولا رسول .
    وقال سبحانه لعبده ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم : (قل لا يعلم من في السموات والأرض الغيب إلا الله وما يشعرون أيان يبعثون ) (النمل : 65) .
    وأصرح منها في حق النبي صلى الله عليه وسلم قول الحق سبحانه : ( قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول لكم إني ملك . إن أتبع إلا ما يوحى إلي قل هل يستوي الأعمى والبصير أفلا تتـفكرون ) (الأنعام : 50) .
    وكذلك قوله تعالى : (قل لا أملك لنفسي نفعاً ولا ضراً إلا ما شاء الله ، ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء . إن أنا إلا نذير وبشير لقوم يؤمنون ) (الأعراف : 188) .
    وأما عن الروح فاسمع إلى القول الفصل إذ يقول الرب عز وجل : (ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً ) (الإسراء:85) .
    وقال عن الساعة : (يسألونك عن الساعة أيان مرساها . قل إنما علمها عند ربي . لا يجليها لوقتها إلا هو . ثقلت في السموات والأرض . لا تأتيكم إلا بغتة . يسألونك كأنك حفي عنها . قل إنما علمها عند الله ولكن أكثر الناس لا يعلمون ) (الأعراف: 187) .
    وقال أيضاً : (يسألك الناس عن الساعة ، قل إنما علمها عند الله وما يدريك لعل الساعة تكون قريباً) (الأحزاب : 163) .
    ويقول : (يسألونك عن الساعة أيان مرساها . فيم أنت من ذكراها . إلى ربك منتهاها . إنما أنت منذر من يخشها) (النازعات: 42-45) .
    فالله عز وجل يقرر أن عبده ورسوله محمداً صلى الله عليه وسلم لا يعلم وقت الساعة ولا الروح ويأمره أن يخبر الناس جميعاً بذلك ، ثم يأتي هذا التائه ليُكذب بآيات الله ويعترض على أمره وحكمه !
    وقد نفى الله العلم عن الخلق جميعاً إلا ما علمهم هو سبحانه ، فقال : (من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء وسع كرسيه السموات والأرض ) (البقرة :255) .
    وقال : (والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئاً وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون ) (النحل: 78) ، وقال : (علم الإنسان ما لم يعلم ) (العلق:5) .
    حتى الملائكة المقربون لا يعلمون إلا ما علمهم الله : ( وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين . قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ) ( البقرة : 31-32 ) .
    وقال في شأن النبي محمد صلى الله عليه وسلم : ( وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيماً ) ( النساء : 113) .
    وقال : ( وما ينطق عن الهوى . إن هو إلا وحي يوحى . علمه شديد القوى ) ( النجم : 3-5) .
    وقد يطلع الله رسله على شيء من الغيب ليكون حجة لهم ودليلاً على صدق نبوتهم ، قال تعالى : ( قل إن أدري أقريب ما توعدون أم يجعل له ربي أمداً . عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحداً إلا من ارتضى من رسول فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصداً . ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم وأحاط بما لديهم وأحصى كل شيء عدداً ) ( الجن : 25-28) .
    قال ابن الجوزي – رحمه الله - "زاد المسير" ( 8/385) : "( قل إن أدري ) أي ما أدري . ( أقريب ما توعدون ) من العذاب ( أم يجعل له ربي أمداً ) أي غاية وبعداً ، وذلك لأن علم الغيب لله وحده . ( فلا يظهر ) أي : فلا يطلع على غيبه الذي يعلمه أحداً من الناس ( إلا من ارتضى من رسول ) لأن من الدليل على صدق الرسل إخبارهم بالغيب .
    والمعنى : أن من ارتضاه للرسالة أطلعه على ما شاء من غيبه . وفي هذا دليل على أن من زعم أن النجوم تدل على الغيب فهو كافر " اهـ .
    وقال القرطبي – رحمه الله - " تفسير القرطبي " ( 19/ 27-28) : " أي لا يعرف وقت نزول العذاب ووقت قيام الساعة إلا الله ، فهو غيب لا أعلم منه إلا ما يعرفنيه الله " إلى أن قال : " قال العلماء رحمة الله عليهم : لما تمدح سبحانه بعلم الغيب واستأثر به دون خلقه ، كان فيه دليل على أنه لا يعلم الغيب أحد سواه ، ثم استثنى من ارتضاه من الرسل فأودعهم ما شاء من غيبه بطريق الوحي إليهم وجعله معجزة لهم ودلالة صادقة على نبوتهم .
    وليس المنجم ومن ضاهاه ممن يضرب بالحصى وينظر في الكتب ويزجر الطير ممن ارتضاه من رسول فيطلعه على ما يشاء من غيبه ، بل هو كافر بالله مفتر عليه بحدسه وتخمينه وكذبه " اهـ.
    وقال ابن كثير – رحمه الله - " تفسير ابن كثير " (4/432-433) : " يقول تعالى آمراً رسوله صلى الله عليه وسلم أن يقول للناس إنه لا علم له بوقت الساعة ، ولا يدري أقريب وقتها أم بعيد " إلى أن قال في معنى قوله : ( إلا من ارتضى من رسول ) : " وهذا يعم الرسول الملكي والبشري " اهـ.
    ويؤيد ذلك قوله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم بعد أن قص عليه قصص آل عمران : ( ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك ، وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم ، وما كنت لديهم إذ يختصمون ) ( آل عمران : 44) .
    وقوله سبحانه بعد أن قص عليه قصص نوح عليه السلام وقومه : ( تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا ، فاصبر إن العاقبة للمتقين ) ( هود : 49) .
    قلت : فدلت آيات الكتاب على اختصاص الرب وحده بعلم الغيب وأن الذي علمه الرسل منه إنما علموه من إنباء الله ، واستأثر الله بما شاء من العلوم فلم يطلع أحداً عليها ، ومنها مفاتح الغيب الخمس والروح وعلم ما في الصدور .
    وجاءت السنة لتؤيد ما في القرآن ، فمن ذلك :
    * حديث عبدالله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " مفاتيح الغيب خمس لا يعلمها إلا الله : لا يعلم ما في غد إلا الله ، ولا يعلم ما تغيض الأرحام إلا الله ولا يعلم متى يأتي المطر أحد إلا الله ، ولا تدري نفس بأي أرض تموت ، ولا يعلم متى تقوم الساعة إلا الله " رواه البخاري ( 8/375) .
    * حديث أبي هريرة في مجيء جبريل عليه السلام إلى النبي صلى الله عليه وسلم وفيه قال : " متى الساعة ؟ قال : ما المسؤل عنها بأعلم من السائل " إلى أن قال : " في خمس لا يعلمهن إلا الله " ثم تلا النبي صلى الله عليه وسلم : ( إن الله عنده علم الساعة ) الآية " متفق عليه "اللؤلؤ والمرجان" (1/2).
    * ومن حديث الربيع بنت معوذ رضي الله عنها لما قالت : إحدى الجويريات وهي تغني : "وفينا نبي يعلم ما في غد" قال لها النبي صلى الله عليه وسلم : "دعي هذه وقولي بالذي كنت تقولين " رواه البخاري (9/202) .
    فصل : أقوال السلف في مسألة علم الغيب
    ونختم الكلام عن هذه المسألة بعرض جملة من أقوال السلف في حكم من نسب علم الغيب إلى أحد من الخلق ولو كان النبي صلى الله عليه وسلم ، مع كفاية الأدلة السابقة من نصوص الكتاب والسنة في بيان المطلوب ( لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد ) .
    1- أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها .
    فقد صح عنها أنها قالت : "من حدثك أنه يعلم ما في غد فقد كذب" ثم قرأت (وما تدري نفس ماذا تكسب غدا )" متفق عليه "اللؤلؤ والمرجان " (1/41) .
    وفي لفظ : "من حدثك أنه يعلم الغيب فقد كذب" أخرجه البخاري (13/361).
    وذكر الحافظ ("فتح الباري" (13/364) ) أن الضمير في قولها " أنه " يعود إلى النبي صلى الله عليه وسلم لوقوع التصريح به في بعض الطرق .
    2- الإمام ابن القيم رحمه الله .
    قال "المنار المنيف" ( ص81-84) : ( وقد جاهر بالكذب بعض من يدعي في زماننا العلم ، وهو يتشبع بما لم يعط ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعلم متى تقوم الساعة . قيل له : فقد قال في حديث جبريل : "ما المسئول عنها بأعلم من السائل" ، فحرفه عن موضعه وقال : معناه أنا وأنت نعلمها ! وهذا من أعظم الجهل وأقبح التحريف . والنبي صلى الله عليه وسلم أعلم بالله من أن يقول لمن كان يظنه أعرابياً : أنا وأنت نعلم الساعة . إلا أن يقول هذا الجاهل : إنه كان يعرف أنه جبريل . ورسول الله صلى الله عليه وسلم هو الصادق في قوله : "والذي نفسي بيده ما جاءني في صورة إلا عرفته ، غير هذه الصورة " (" مسند أحمد " (1/53)) .
    ثم قوله في الحديث : "ما المسئول عنها بأعلم من السائل" يعم كل سائل ومسئول . ولكن هؤلاء الغلاة عندهم : أن علم رسول الله صلى الله عليه وسلم منطبق على علم الله سواء بسواء ، فكل ما يعلمه الله يعلمه رسول الله صلى الله عليه وسلم .
    والله تعالى يقول : (وممن حولكم من الأعراب منافقون ، ومن أهل المدينة ، مردوا على النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم) . وهذا في "براءة " وهي من أواخر ما نزل من القرآن ، وهذا والمنافقون جيرانه في المدينة .
    ومن هذا حديث عقد عائشة رضي الله عنها لما أرسل في طلبه فأثاروا الجمل فوجدوه (متفق عليه "اللؤلؤ والمرجان" (1/75)).
    ومن هذا حديث تلقيح النخل ، وقال : "ما أرى لو تركتموه يضره شيء" فتركوه فجاء شَيْصَاً ، فقال : "أنتم أعلم بدنياكم " (رواه مسلم (2363) من حديث أنس وعائشة ) .
    وقد قال تعالى : (قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب) .
    وقال : (ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير) .
    ولما جرى لأم المؤمنين عائشة ما جرى ورماها أهل الإفك بما رموها به ، لم يكن صلى الله عليه وسلم يعلم حقيقة الأمر حتى جاءه الوحي من الله ببراءتها .
    وعند هؤلاء الغلاة : أنه عليه الصلاة والسلام كان يعلم الحال على حقيقته بلا ريبة ، واستشار الناس في فراقها ودعا الجارية فسألها ، وهو يعلم الحال ، وقال لها : "إن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله" (رواه البخاري ( 8/453) ومسلم ( 2770)) وهو يعلم علماً يقيناً أنها لم تلم بذنب !
    ولا ريب أن الحامل لهؤلاء على هذا الغلو إنما هو اعتقادهم أنه يكفر عنهم سيئاتهم ويدخلهم الجنة ، وكلما غلوا وزادوا غلواً فيه كانوا أقرب إليه وأخص به !
    فهم أعصى الناس لأمره ، وأشدهم مخالفة لسنته . وهؤلاء فيهم شبه ظاهر من النصارى الذين غلوا في المسيح أعظم الغلو ، وخالفوا شرعه ودينه أعظم المخالفة " اهـ .
    3- الحافظ ابن كثير رحمه الله .
    أطال في تفسير قوله تعالى : ( يسألونك عن الساعة أيان مرساها قل إنما علمها عند ربي ..) .
    فقال "تفسير ابن كثير" (2/272-273) : "أمر تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم إذا سُئل عن وقت الساعة أن يَرُدَّ علمها إلى الله تعالى فإنه هو الذي يجليها لوقتها ، أي يعلم جلية أمرها ومتى يكون على التحديد ، لا يعلم ذلك إلا هو تعالى .
    ( ثقلت في السموات والأرض ) قال قتادة : ثقل علمها على أهل السموات والأرض أنهم لا يعلمون . وقال السدي : خفيت في السموات والأرض فلا يعلم قيامها حين تقوم ملك مقرب ولا نبي مرسل " .
    ثم ذكر الحافظ ابن كثير شواهد هذه الآية من الحديث على عدم اطلاع أحد من الخلق على علم الساعة وحجبها حتى أولي العزم من الرسل عليهم السلام ، ثم قال : " فهذا النبي الأمي سيد الرسل وخاتمهم محمد صلوات الله عليه وسلامه ، نبي الرحمة ونبي التوبة ونبي الملحمة والعاقب والمقفي والحاشر ، مع قوله فيما ثبت عنه في الصحيح من حديث أنس وسهل بن سعد رضي الله عنهما : "بعثت أنا والساعة كهاتين" وقرن بين أصبعيه السبابة والتي تليها (متفق عليه "اللؤلؤ والمرجان" (3/314-315)) ، ومع هذا كله قد أمره الله أن يَرُدَّ علم وقت الساعة إليه إذا سئل عنها فقال : (قل إنما علمها عند الله ولكن أكثر الناس لا يعلمون) انتهى باختصار .
    4- الحافظ ابن حجر العسقلاني رحمه الله .
    وله أيضاً أقوال كثيرة في مواضع متفرقة من سفره العظيم "فتح الباري" الذي أودعه كنوزاً من العلوم الشرعية لا تكاد تجدها مجتمعة إلا فيه .
    يقول – رحمه الله – ("فتح الباري" (1/220)) في شرحه لقصة الخضر مع موسى عليهما السلام حين سأله الخضر "أنى بأرضك السلام" ؟ : "وفيه دليل على أن الأنبياء ومن دونهم لا يعلمون من الغيب إلا ما علمهم الله ، إذ لو كان الخضر يعلم كل غيب لعرف موسى قبل أن يسأله" اهـ .
    وفي شرحه لحديث الربيع بنت معوذ الذي جاء فيه قول القائلة "وفينا نبي يعلم ما في غد" قال الحافظ ("الفتح" (9/203)) : "وإنما أنكر عليها ما ذكر من الإطراء حيث أطلق علم الغيب له ، وهو صفة تختص بالله تعالى كما قال تعالى : (قل لا يعلم من في السموات والأرض الغيب إلا الله) .
    وقوله لنبيه : ( قل لا أملك لنفسي نفعاً ولا ضراً إلا ما شاء الله ، ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير ) ، وسائر ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يخبر به من الغيوب بإعلام الله تعالى إياه لا أنه يستقل بعلم ذلك ، كما قال تعالى : (عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحداً إلا من ارتضى من رسول ) " اهـ.
    وعند شرحه لحديث عائشة رضي الله عنها : "من حدثك أنه يعلم الغيب فقد كذب" ذكر الحافظ – رحمه الله – ("الفتح" (13/364)) قول الداودي : "وما أحد يدعي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعلم من الغيب إلا ما علم" فتعقبه بقوله : "وما ادعاه من النفي متعقب فإن بعض من لم يرسخ في الإيمان كان يظن ذلك حتى كان يرى أن صحة النبوة تستلزم اطلاع النبي صلى الله عليه وسلم على جميع المغيبات كما وقع في المغازي لابن إسحاق أن ناقة النبي صلى الله عليه وسلم ضلت ، فقال زيد بن اللصت : يزعم محمد أنه نبي ويخبركم عن خبر السماء وهو لا يدري أين ناقته ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : "إن رجلاً يقول كذا وكذا ، وإني والله لا أعلم إلا ما علمني الله ، وقد دلني الله عليها وهي في شعب كذا قد حبستها شجرة " فذهبوا فجاءوه بها .
    فأعلم النبي صلى الله عليه وسلم أنه لا يعلم من الغيب إلا ما علمه الله ، وهو مطابق لقوله تعالى : ( فلا يظهر على غيبه أحداً إلا من ارتضى من رسول ) الآية " اهـ.
    5- الإمام الشوكاني رحمه الله .
    وله أيضاً كلام نفيس في مسألة علم الغيب ذكره في مواضع متفرقة من تفسيره "فتح القدير" صرح بالمذهب الحق ورد على الغلاة المخالفين ومنها قوله عند تفسير قول الله تعالى : ( قل لا أملك لنفسي نفعاً ولا ضراً إلا ما شاء الله ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير ) الآية .
    قال ("فتح القدير" (2/274)) : " قوله : ( قل لا أملك لنفسي نفعاً ولا ضراً إلا ما شاء الله ) هذه الجملة متضمنة لتأكيد ما تقدم من عدم علمه بالساعة أيان تكون ومتى تقع ، لأنه إذا كان لا يقدر على جلب نفع له أو دفع ضر عنه إلا ما شاء الله سبحانه من النفع له والدفع عنه ، فبالأولى أن لا يقدر على علم ما أستأثر الله بعلمه ، وفي هذا إظهار العبودية والإقرار بالعجز عن الأمور التي ليست من شأن العبيد ، والاعتراف بالضعف عن انتحال ما ليس له صلى الله عليه وسلم ما فيه أعظم زاجر وابلغ واعظ لمن يدعي لنفسه ما ليس من شأنها ، وينتحل علم الغيب بالنجامة أو الرمل أو الطرق بالحصى أو الزجر ، ثم أكد هذا وقرره بقوله : ( ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير ) أي لو كنت أعلم جنس الغيب لتعرضت لما فيه الخير فجلبته إلى نفسي وتوقيت ما فيه السوء حتى لا أدي غير ذلك وأتكلف علمه " اهـ.
    قلت : ولهؤلاء ولغيرهم من أهل العلم من السلف ومن سار على نهجهم من الخلف كلام كثير مسطر في كتب التفسير وشروح الحديث وغيرها معلومة مظانها وكلهم متفقون على مثل ما نقلت عن هؤلاء ، ولم يخالفهم إلا من سفه نفسه من أمثال هذا المخالف وغيره من دعاة السوء ، هداهم الله وأصلحهم وكفى الناس شرهم وبدعتهم .
    **
    6- ومن الخصائص المزعومة قول المخالف ("الذخائر" (ص228)) عن النبي صلى الله عليه وسلم : "إنه كان يسمع حفيف أجنحة جبريل وهو بعد في سدرة المنتهى ويشم رائحته إذا توجه إليه " .
    وقوله أيضاً ("شفاء الفؤاد" (ص212)) :
    " يا من نناديه فيسمعنا على *** بعد المسافة سمع أقرب أقرب "
    قلت : ويكفي في الجواب عن هذا الهراء ، أن يقال لصاحبه : من أين لك أيها المفتري أنه صلى الله عليه وسلم كان يسمع حفيف أجنحة جبريل ويشم رائحته من سدرة المنتهى ؟
    *وسنضرب صفحاً عن تلك الصفة الغريبة ، صفة الشم ، فهي ليست محل تفاضل وتمدح بين المتنافسين في الرفعة والشرف من بني آدم ، بل الإطراء فيها قد يخرجها من المدح إلى الذم كما هو معلوم لمن له أدنى مسكة عقل وفهم .
    * أما صفة السمع فالغرض من تلك الفرية الشنعاء معروف ، وهو تشبيه سمع المخلوق بالخالق الذي وسع سمعه السموات والأرض.
    ويؤكد هذا قول المخالف : "يا من نناديه فيسمعنا على ، بعد المسافة سمع أقرب أقرب " وهذه الصفة لا تليق إلا بالله وحده لا شريك له ، فهو سبحانه الذي وسع سمعه الأصوات ، سواء في ذلك القريب الداني والبعيد النائي .
    قال تعالى : (سواء منكم من أسر القول ومن جهر به ومن هو مستخف بالليل وسارب بالنهار) (الرعد:11) .
    وقال : ( قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله والله يسمع تحاوركما إن الله سميع بصير) (المجادلة :1) .
    عن عائشة رضي الله عنها قالت : "الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات ، لقد جاءت المجادلة إلى النبي صلى الله عليه وسلم تكلمه وأنا في ناحية البيت ما أسمع ما تقول فأنزل الله عز وجل : (قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها ) الآية " .
    وفي لفظ : "تبارك الذي أوعى سمعه كل شيء إني لأسمع كلام خولة بنت ثعلبه ويخفى عليَّ بعضه .." (أخرجه البخاري تعليقاً ( 13/372) ، وانظر "تفسير ابن كثير" (4/318)) .
    وقال سبحانه : (قل إن ضللت فإنما أضل على نفسي وإن اهتديت فبما يوحي إلي ربي إنه سميع قريب ) ( سبأ : 50) .
    قال ابن كثير (" تفسير ابن كثير " (3/544)) :" وقوله تعالى : ( إنه سميع قريب ) أي سميع لأقوال عباده قريب مجيب دعوة الداعي إذا دعاه " اهـ.
    قلت : فهاتان الصفتان العظيمتان : السمع والقرب ، من صفات الرحمن التي تليق بجلاله وعظمته لا يشبههما شيء من صفات المخلوقين القاصرة ، وقد جاء ذكرهما في نصوص الوحيين مقترنتين كما في هذه الآية ، وكما في وقوله صلى الله عليه وسلم لأصحابه لما سمعهم يرفعون أصواتهم بالتكبير : " أربعوا على أنفسكم إنكم لا تدعون أصم ولا غائباً إنكم تدعون سميعاً قريباً وهو معكم " متفق عليه "اللؤلؤ والمرجان" (3/ 227 ) .
    وجاءت صفة القرب مفردة كما في قوله تعالى : (وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداعي إذا دعان) (البقرة :186) .
    وقال سبحانه : (ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه ونحن أقرب إليه من حبل الوريد) (ق:16) .
    فهو سبحانه قريب من عباده أقرب إليهم من كل قريب ، مع علوه فوق عرشه ومباينته لخلقه .
    إذاً فقول المخالف عن عبد من عباد الله إنه يسمع نداء من يناديه سمع أقرب أقرب يقتضي مساواته مع الخالق في صفتي السمع والقرب ، بل فيه تفضيل المخلوق على الخالق كما تدل عليه صيغة التفضيل "أقرب أقرب" إذ إن معناها المتبادر من هذا الإطلاق : أنه صلى الله عليه وسلم يسمع سمع أقرب مَن هو أقرب ، فهو إذاً أقرب من الله سبحانه الذي وصف نفسه بأنه قريب وأنه أقرب من حبل الوريد ، تعالى الله عما يقول الجاهلون علواً كبيراً .
    وهذا مع كونه شركاً في صفتي الرب ، السمع والقرب ، فهو معارض لدلالات الشرع والعقل التي تقضي ببشرية الرسول صلى الله عليه وسلم ، وتنفي عنه مثل هذه المبالغات ، ولكن ما وردت به النصوص من دلائل النبوة المعجزات .
    * فعن زيد بن أرقم رضي الله عنه قال : "كنت في غزاة فسمعت عبدالله بن أُبي يقول : لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا من حوله ، ولئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل فذكرت ذلك لعمي – أو لعمر – فذكره للنبي صلى الله عليه وسلم فدعاني فحدثته فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عبدالله بن أُبي وأصحابه فحلفوا ما قالوا . فكذبني رسول الله صلى الله عليه وسلم وصدقه " إلى أن قال : " فأنزل الله تعالى : (إذا جاءك المنافقون) فبعث إليَّ النبي صلى الله عليه وسلم فقرأ فقال : إن الله قد صدقك يا زيد " رواه البخاري (8/644).
    قلت : أفمن كان يسمع حفيف أجنحة جبريل عليه السلام من سدرة المنتهى ، أيغيب عنه سماع من كان أقرب من ذلك بكثير ؟!
    * وفي حديث عمران بن الحصين رضي الله عنه في قصة نوم النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه عن صلاة الفجر في بعض الأسفار ، وفيه قال : "فما أيقظنا إلا حر الشمس ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا نام لم يوقظ حتى يكون هو يستيقظ لأنا لا ندري ما يحدث له في نومه . فلما استيقظ عمر ورأى ما أصاب الناس كبَّر ورفع صوته بالتكبير ، فما زال يكبر ويرفع صوته بالتكبير حتى استيقظ بصوته النبي صلى الله عليه وسلم" الحديث رواه البخاري (1/447) ومسلم (682).
    قلت : فإذا كان صلى الله عليه وسلم لم يسمع تكبير عمر إلا بعد أن كرره ورفع صوته به ، هذا وهو بجانبه ، فكيف يسمع نداء من يناديه من أقاصي الأرض ونواحيها ؟!
    *وها هو جبريل عليه السلام يأتيه في صورة أعرابي ويسند ركبتيه إلى ركبتيه ويضع كفيه على فخذيه ويسأله ويتحدث إليه ، ثم ينصرف من عنده ولم يعرفه النبي صلى الله عليه وسلم إلا بعد انصرافه عنه .
    قال الحافظ في "الفتح" (1/ 125) : "دلت الروايات التي ذكرناها على أن النبي صلى الله عليه وسلم ما عرف أنه جبريل إلا في آخر الحال" اهـ.
    قلت : فليت شعري أين حاسة الشم المزعومة ، وأين سماع حفيف أجنحة جبريل من سدرة المنتهى ؟!
    *وفي قصة قدوم وفد بني تميم إلى النبي صلى الله عليه وسلم وإشارة أبي بكر وعمر رضي الله عنهما بتأمير بعضهم واختلافهما فأنزل الله تعالى : (يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله) الآية وقوله : (يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ) الآية .

    قال ابن الزبير : " فكان عمر بعد ، إذا حدث النبي صلى الله عليه وسلم بحديث حدثه كأخي السرار لم يسمعه حتى يستفهمه " أخرجه البخاري (13/276).
    قال الحافظ "فتح الباري" (13/280) : "أي يخفض صوته ويبالغ حتى يحتاج إلى استفهامه عن بعض كلامه" اهـ.
    قلت : وهذا صريح أيضاً في الدلالة على أنه صلى الله عليه وسلم لم يؤت ذلك السمع المزعوم الذي يسع الأصوات ويجتاز المسافات حتى يبلغ سدرة المنتهى .
    7- وقال المخالف ("شفاء الفؤاد" (ص 205 )) في مدح النبي صلى الله عليه وسلم :
    " بنور رسول الله أشرقت الدنا *** ففي نوره كل يجيء ويذهب ".
    وقال أيضاً ("شفاء الفؤاد" (ص232)) :
    " أنت سر الله والنور الذي *** سار موسى نحوه في طور سين
    فهو نور لا يسامى إنه *** قبس من نور رب العالمين
    كيف لا والسيد الهادي به *** يغمر الدنيا بنور مستبين "
    قلت : وهذه منازعة للرب في صفة من صفاته ، صفة النور ، التي وصف بها نفسه ووصفه بها عبده ونبيه محمد صلى الله عليه وسلم ، كما أن فيه تكذيباً صريحاً لكلام الله عز وجل وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم .
    فقد قال سبحانه في محكم التنزيل : (الله نور السموات والأرض .مثل نوره كمشكاة فيها مصباح) الآية (النور:35) ، وقال: (وأشرقت الأرض بنور ربها ) (الزمر:69) .
    والمخالف يقول : "بنور رسول الله أشرقت الدنا " !!
    * وفي الصحيحين من حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا قام من الليل يتهجد قال : "اللهم لك الحمد أنت نور السموات والأرض ، ولك الحمد أنت قيم السموات والأرض .. " الحديث متفق عليه "اللؤلؤ والمرجان" (1/ 147) .
    *وصح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال في وصفه لربه عز وجل : "حجابه النور – أو قال النار – لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه " أخرجه مسلم (179) .
    * وعن أبي ذر رضي الله عنه قال : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم : هل رأيت ربك ؟ قال : نور أنَّى أراه ؟ " وفي لفظ : " رأيت نوراً " أخرجه مسلم ( 178).
    قال العلامة ابن القيم – رحمه الله - : "وقد فسر قوله تعالى : (الله نور السموات والأرض) بكونه منور السموات والأرض ، وهادي أهل السموات والأرض ، فبنوره اهتدى أهل السموات والأرض ، وهذا إنما هو فعله ، وإلا فالنور الذي هو من أوصافه قائم به ، ومنه اشتق له اسم النور الذي هو أحد الأسماء الحسنى .
    والنور يضاف إليه سبحانه على أحد وجهين : إضافة صفة إلى موصوفها ، وإضافة مفعول إلى فاعله .
    فالأول كقوله تعالى : (وأشرقت الأرض بنور ربها) فهذا إشراقها يوم القيامة بنوره تعالى إذا جاء لفصل القضاء .
    ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم في الدعاء المشهور : "أعوذ بنور وجهك الكريم أن تضلني ، لا إله إلا أنت" .
    وفي الأثر الآخر : "أعوذ بوجهك أو بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات" فأخبر صلى الله عليه وسلم أن الظلمات أشرقت لنور وجه الله ، كما أخبر تعالى أن الأرض تشرق يوم القيامة بنوره .
    وفي معجم الطبراني والسنة له ، وكتاب عثمان بن سعيد الدارمي وغيره ، عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال : "ليس عند ربكم ليل ولا نهار ، نور السموات والأرض من نور وجهه " .
    وهذا الذي قاله ابن مسعود رضي الله تعالى عنه أقرب إلى تفسير الآية من قول من فسرها بأنه هادي أهل السموات والأرض . وأما من فسرها بأنه منور السموات والأرض فلا تنافي بينه وبين قول ابن مسعود .
    والحق أنه نور السموات والأرض بهذه الاعتبارات كلها " (انظر "التفسير القيم" ( ص375، 376 )) .
    **
    فصل ( وذروا الذين يلحدون في أسمائه )
    لم يكف المخالف شركاً بالرب عز وجل في صفاته وأفعاله ، حتى أضاف إليه شركاً أكبر وكفراً أعظم ، فعمد إلى أسماء الله الحسنى ، التي خص بها نفسه من دون خلقه واتصف بها وجعلها علماً لذاته المقدسة ، فأشرك معه فيها بعض خلقه ، ظلماً وزوراً .
    * فمن أذكار السلام التي ابتدعها المخالف عند زيارة القبر النبوي ، قوله "شفاء الفؤاد" (ص120) : " السلام عليك يا أول ، السلام عليك يا آخر ، السلام عليك يا باطن ، السلام عليك يا ظاهر " .
    * وغلا أكثر من ذلك ، فذكر ("الذخائر المحمدية" (ص203)) من الخصائص النبوية أنه صلى الله عليه وسلم " سمي من أسماء الله تعالى بنحو سبعين اسماً ".
    * ثم لم يكفه ذلك الغلو فانتهى به الحال إلى أن قال ("شفاء الفؤاد" (ص126)) : "فالأسماء الإلهية له أيضاً أسماء" .
    فأشرك النبي صلى الله عليه وسلم مع الله في كل أسمائه الحسنى ، إمعاناً في الكفر والشرك والضلال وإنكاراً للمعلوم ضرورة من دين الإسلام .
    قال الله في محكم التنزيل : (ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها ، وذروا الذين يلحدون في أسمائه سيجزون ما كانوا يعملون) (الأعراف :180) .
    قال ابن جرير – رحمه الله – ("تفسير ابن جرير" (13/282)) : " أصل الإلحاد في كلام العرب : العدول عن القصد ، والجور عنه ، والإعراض . ثم يستعمل في معوج غير مستقيم ، ولذلك قيل للحد القبر : لحد ، لأنه في ناحية منه ، وليس في وسطه " .
    وذكر ابن جرير وغيره من المفسرين (انظر "فتح القدير" (2/268)) أن إلحاد المشركين في أسماء الله كان بعدولهم بها عما هي عليه ، فاشتقوا منها أسماء لآلهتهم كتسمتهم اللات من "الله" والعزى من "العزيز" ومناة من "المنان" .
    وذكر ابن القيم رحمه الله من أنواع الإلحاد في أسماء الله : أن يسمى الأصنام بها ، كتسمية المشركين اللات من الإلهية والعزى من العزيز ، وتسميتهم الصنم إلهاً . قال ("بدائع الفوائد" (1/169)): " وهذا إلحاد حقيقة ، فإنهم عدلوا بأسمائه إلى أوثانهم وآلهتهم الباطلة " .
    قلت : فإذا كانت تسمية الأصنام والأوثان ببعض أسماء الله عز وجل ، ولو كانت اسماً واحداً ، يعد إلحاداً وكفراً وشركاً ، فكيف بمن سمَّى مخلوقاً بكل أسماء الله ؟!
    وإذا كان اشتقاق اسم من الأسماء الحسنى وإطلاقه على المعبود من دون الله ، كاللات والعزى ، يلحق فاعله بالمشركين ويصيره في عداد الملحدين المتوعدين بالعقاب ، فكيف بمن أطلق نفس الأسماء الإلهية على المخلوق ، فسماه الأول والآخر والظاهر والباطن ، إلى أن أوصلها إلى السبعين ؟
    كيف وقد زادها إلى أن شملت كل الأسماء دون استثناء ، فدخل فيها حتى الاسم الأعظم "الله" ، الذي لم يعرف في تاريخ الشرك الطويل ، أن أحداً اجترأ على هذا الاسم فتسمى به أو أطلقه على أحد الآلهة المزعومة من دون الله ؟!
    حقاً إنه لسفه أي سفه ، وضلال أيما ضلال ، أن يعتقد امروٌ مثل هذا الاعتقاد الموغل في الفساد ثم يصيح مغتبطاً به على رؤوس الأشهاد ، أما خاف أن تشل يده وهي تسطر مثل هذا الهراء ؟
    سبحانك يا رب ما أحلمك ، سبحانك يا رب ما أصبرك ، سبحانك حيث كنت ، لا إله إلا أنت .
    وبعد ، فقد كان بالإمكان مناقشة هذا التائه وتعقبه بالحجة والمنطق والعقل ، لو اقتصر إلحاده على بعض أسماء الله تعالى ، لكنه لم يدع مجالاً للأخذ والرد ، بعد أن صرح بمطابقة أسماء النبي صلى الله عليه وسلم أسماء الله كلها ، تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً .
    (وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة والسموات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون ) .
    ( هو الله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة هو الرحمن الرحيم . هو الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر سبحان الله عما يشركون . هو الله الخالق البارئ المصور له الأسماء الحسنى يسبح له ما في السموات والأرض وهو العزيز الحكيم ) .
    ( هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم ) .
    ( ذلكم الله ربكم خالق كل شيء لا إله إلا هو فأنى تؤفكون . كذلك يؤفك الذين كانوا بآيات الله يجحدون ) .


    منقووول.
     
حالة الموضوع:
مغلق

مشاركة هذه الصفحة