الحكمه في إقسام الله تعالى بالمخلوقات

الكاتب : ابوهاشم   المشاهدات : 617   الردود : 0    ‏2004-01-02
حالة الموضوع:
مغلق
      مشاركة رقم : 1    ‏2004-01-02
  1. ابوهاشم

    ابوهاشم قلم فضي

    التسجيل :
    ‏2003-12-30
    المشاركات:
    2,725
    الإعجاب :
    0
    [color=FF0000]بسم الله الرحمن الرحيم

    [الحكمة في إقسام الله تعالى بالمخلوقات]
    ولما كان الوالد وما كان منه من النسل فيهما عجب من آيات الله عجيب، ودلالة من دلائل قدرته وحكمته يفهمهما المفكر اللبيب أقسم تبارك وتعالى بهما لما أظهر من حكيم تدبيره فيهما.

    واعلموا رحمكم الله أن كل ما أقسم الله سبحانه من الإقسام به منهما ومن غيرهما من أقسامه كلها في كتابه فعجب والحمد لله عجيب، وصواب عند الله لأولي الألباب مصيب، لأن الله تبارك وتعالى أعلى من كل عليٍّ، وإنه في الارتفاع والعظمة فوق كل شيء فليس شيء في جميع الأشياء إلا والله أعظم منه وأكبر وأعلى، فلم يكن ليكون القسم من الله سبحانه إلا بخلقه إذ ليس شيء من الأشياء من فوقه، والله سبحانه فوق كل شيء ورب كل شيء موات وحي.

    وكذلك ما أقسم بما أقسم به من آياته وخلقه وصنعه دلالة للخلق على عظمته سبحانه وعلوه وارتفاعه، وأنه ليس من فوقه ما يقسم به لأنه الله رب كل شيء و خالقه، ومليك كل شيء في السموات والأرض ورازقه، ولا يقسم الله إذا أقسم إلا بما أقسم به من أسمائه، أو بعجيب ما خلق من آياته في أرضه وسمائه، فكلما أقسم به في إقسامه من التين والزيتون، والفجر، والسماء والطارق، والشمس والقمر، والليل إذا أدبر، والصبح إذا أسفر، وغير ذلك مما أقسم به في كتابه من جميع أقسامه التي أقسم بها لما أحاط علمه من عجيب أمرها باطن علمه فحكمة من حكم الله يدل إقسام الله بها على أنها من عجيب آياته، وما جعله الله دليلا لأولي الألباب على حكمته وقدرته.

    ثم قال سبحانه: ((لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ(4))) يريد والله أعلم في تقويم واعتدال وانتصاب وصعد، لأن الله عز وجل لم يخلق في الإعتدال والإصعاد والتقويم والكبد والإنتصاب شيئا من الأبدان غير بدن الإنسان، وفي ذلك عجب عجيب من التدبير والحكمة والبيان، ولذلك ما يقول الله سبحانه العليم الحكيم: ((لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ)) [العلق:4] تذكيرا من الله تبارك وتعالى لهذا الإنسان بنعمته فيما خلقه فيه من الكبد الذي هو التقويم والتصعيد، وتفضيله لخلق الإنسان على خلق جميع الأبدان ليشكر ما أنعم الله به عليه في ذلك من نعمته، وليعرف ما عرفه فيه من عجيب حكمته، وقد ظن غيرنا أن ما ذكر الله من خلق الإنسان في كبد: هو ما الإنسان فيه مما يلاقي في معائش دنياه من التعب والكد، والذي ذكرنا من تفسيره أولى وأشبه وأشرح وأنور وأفهم وأوضح.

    ثم قال سبحانه: ((أَيَحْسَبُ أَن لَّن يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ(5))) كأن معنى ذلك والله أعلم: فكيف يغفل عن قدرة من أنشأه فيما أنشأه فيه من الكبد تذكيرا من الله تعالى للإنسان بما هو عليه من الاغترار به، والنسيان لنعمته وإحسانه إليه وغفلته عن قدرته عليه.

    ثم قال: ((يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالا لُّبَدًا (6) أَيَحْسَبُ أَن لَّمْ يَرَهُ أَحَدٌ(7))) والكبد: المتراكم الكثير الوافر، الذي بعضه على بعض، وفي آثار بعض، يفهم هذا فيه المفكر الناظر.

    ثم قال سبحانه : ((أَلَمْ نَجْعَل لَّهُ عَيْنَيْنِ (8) وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ(9))) تذكيرا من الله للإنسان بنعمته عليه في العينين واللسان والشفتين لما فيهن من القوة والمعونة على فعل البر والتقوى والإحسان، وما جعل له من القوة والمعونة بالعينين واللسان على تقواه والوصول بذلك إلي قبول ما نزل من نوره وهداه، وما ينال الإنسان بذلك أيضا مما أحل له من منافع دنياه، فسبحان من خلق الإنسان وفطره وأنشأه وأراه من حكمته في تسوية خلقه ما أراه، قال الله سبحانه: ((يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (6) الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (7) فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاء رَكَّبَكَ) [الإنفطار:6،7].

    ثم قال تبارك وتعالى: ((وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ)) [البلد:10] فالنجد من الأشياء: فهو الظاهر العالي الذي لا يخفى، ولذلك ما قيل لما برز من الأرض وعلا: نجدا، إذ ذلك إذا كان المكان من البلاد بارزا مرتفعا قيل: إن تلك الأرض لنجد من الأنجاد، دلالة على أنها ظاهرة بارزة من البلاد.

    وما ذكر الله سبحانه من هدايته للنجدين فهما والله أعلم الطريقان في مصالح الدنيا والدين اللتان جعلهما الله ظاهرين غير خفيين، ولذلك ما دعيا بهذا الإسم من النجدين إذ كانا قد هدى إليهما وكانا بارزين.

    ثم قال سبحانه: ((فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (11) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ (12) فَكُّ رَقَبَةٍ (13) أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (14) يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ(15) أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ(16))) [البلد:11-16] فالعقبة والله أعلم عند من يعرف اللسان العربي ويفهم: فهي الشديدة من الأشياء، ولذلك ما سمي العقب في الأبدان عقبا، ولذلك ما سمى اللسان العربي الطرق التي في رؤوس الجبال عقابا، يراد أنها كانت مكروهة لشدتها صعابا، فلما كانت هذه الأفعال التي دل الله تبارك وتعالى عليها ورضيها وأحبها ورغب الناس فيها من فك الرقبة والإطعام في اليوم ذي المسغبة لليتيم ذي المقربة، والمسكين ذي المتربة شديدا تجشمها وتكلفها على من يبخل، ولما كان تكلفها على أكثر الناس مما يشتد ويثقل سماها الله تبارك وتعالى: العقبة، وأخبر بما جعل لمن تكلف شدتها وثقلها من كريم الجزاء والمثوبة.

    والإطعام في اليوم ذي المسغبة: فهو الإطعام في يوم الجوع، والأزمة: فهي الجدب والضرورة والحطمة، لأن الجوع بعينه في اللسان: هو السغب، وبذلك قديما وحديثا كانت تسميه العرب، فأمر الله سبحانه بالإطعام في اليوم ذي المسغبة ورغب فيه تبارك وتعالى أكثر الرغبة، ودل بقوله: ((يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ)) على أن أفضل ما يتقرب به من أطعم قربة إطعام أيتام ذي الرحم والقرابة.

    والمساكين الفقراء: فهو ذو المتربة، والمتربة من المساكين: فهو ذو الحاجة الملحة الشديدة، الذي ليس له معاش ولا بلغة، قد أفضى إلي التراب من شدة فقره، ووصل إليه من الحاجة والعري الذي هو فيه، وإنما سمى جميع من عرف اللسان العربية متتربا، لأنه قد أفضى من شدة الفقر إلي التراب إفضاء متتربا.

    ثم أخبر الله تبارك وتعالى بقوله: ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا)) بعدما رغب فيما دعا إليه من إطعام ذوي المسغبة وأيتام القرابات أنه إنما يقبل فعل ما تقرب إليه بالإيمان الذي معناه ترك كبائر معاصيه.

    ثم ذكر الله سبحانه الصبر على فعل ما أمر به وجعل الصبر من أحسن ما دل عليه في كتابه فقال: ((وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ)) والمرحمة: فهي التراحم بين المؤمنين، والتعاطف بينهم بالرحمة، لأن الله سبحانه رحيم يحب الرحماء، كريم فوق كل كريم يحب الكرماء.

    ثم قال تبارك وتعالى: ((أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ (18))) والميمنة: فهي اليمن والبركة، ثم قال: ((وَالَّذِين َكَفَرُوا بِآيَاتِنَا هُمْ أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ (19) عَلَيْهِمْ نَارٌ مُّؤْصَدَةٌ (20)))

    والمشأمة: الشؤم الذي صاروا به إلي الهلكة، وصارت النار به على الكافرين بكفرهم وعصيانهم مؤصدة، والمؤصدة: المحيطة المطبقة بالأبواب المشددة، فنسأل الله أن يجعلنا وإياكم ممن نجا بتقواه من سخطه وعقابه، وأن يبعدنا من النار المؤصدة، وما فيها من عذابه لأهل المعصية والعدوان، وأن يسلمنا ويسلمكم من الهوان، وحسبنا الله ونعم المولى ونعم الوكيل، عليه توكلنا وهو رب العرش العظيم.
    [/color]
     
حالة الموضوع:
مغلق

مشاركة هذه الصفحة