حوار الوافد والعالم

الكاتب : ابوهاشم   المشاهدات : 410   الردود : 0    ‏2004-01-02
حالة الموضوع:
مغلق
      مشاركة رقم : 1    ‏2004-01-02
  1. ابوهاشم

    ابوهاشم قلم فضي

    التسجيل :
    ‏2003-12-30
    المشاركات:
    2,725
    الإعجاب :
    0
    [color=FF0000]بسم الله الرحمن الرحيم

    قال الوافد: أيها العالم الحكيم الناطق، والبر الشفيق الصادق، أنشر عليَّ من مكنون حكمتك، وزدني من نوادر معرفتك، ما أزداد به فهماً، لعل الرين الذي في قلبي أن يخلص ببركتك، وينجلي عني بجود صحبتك علماً.

    قال العالم: جرى لك الفلاح، ووفق لك الصلاح، ويسر لك النجاح، عليك بسبعة([1]) أشياء فالزمها، واعمل بها، واحرص فيها، وحافظ عليها.

    قال الوافد: وما هي ؟ بينها لي يرحمك الله ؟

    قال العالم: أولها المعرفة بالمعروف وهو الله سبحانه، والإيمان به، والإسلام، والطاعة، والعلم، والعمل.

    ثم تعرف المعرفة ما هي ؟ حتى إذا صرت عارفاً رددت المعرفة إلى المعروف، فلحقت من المعرفة ما قدرت عليه.

    ثم تعرف الإيمان ما هو وكيف هو ؟ حتى إذا صرت مؤمناً أسلمت للذي آمنت له، حتى إذا صرت مسلماً احتجت أن تطيع للذي أسلمت له، حتى إذا صرت مطيعاً احتجت إلى علم تطيع به. وتعرف العلم ما هو وكيف هو؟ حتى إذا صرت عالماً احتجت أن تعمل بما علمت.

    ثم تعرف العمل ما هو ؟ وكيف هو ؟ وما ثمرته ؟ وإلى ما يوصلك ؟ وما عائدة نفعه؟

    قال الوافد: أيها العالم بين لي المعرفة ما هي وكيف هي؟

    قال العالم: أما هي فإصابة الأشياء بأعيانها، ووضعها في مواضعها، ومعرفتها على حقيقتها، وأمَّا كيف هي فإصابة المعاني فما شيء إلاَّ وله معنى يرجع إليه، فإصابة الأشياء بالنظر والتفكر، والتمييز والسمع والبصر، وإصابة المعاني بالتفكر والإعتبار والعقل.

    [معرفة الله]

    قال الوافد: فما معرفة الله عز وجل؟

    قال العالم: هي أن تعلم أن الله عز وجل لا تدركه الأبصار، ولا يحويه مكان، ولا يحيط به علم، ولا يتوهمه جنان، ولا يحويه الفوق ولا التحت، ولا الخلف ولا الأمام، ولا اليمين ولا اليسار، تعالى عن ذلك علواً كبيراً، لا يعلم كيف هو إلاَّ هو، فتعرفه بهذه المعرفة، فما توهَّمَهُ قلبُك فربُّك بخلافه عز وجل، وذلك قوله تعالى في كتابه لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ(1)اللَّهُ الصَّمَدُ(2)لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ(3)وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ(4)}[الإخلاص] فتقول كما أمرت، وتعمل كما قلت، وتشهد بما علمت، وتعلم كما شهدت، أن الله الواحد القهار، الملك الجبار، المحيي المميت، الحي الذي لا يموت، خالق كل شيء، ومالك كل شيء، الكائن قبل كل شيء، الباقي بعد كل شيء، ليس كمثله شيء، وهو على كل شيء قدير، فهذه معرفته بالتفكر.

    وأمَّا المعرفة بالفكر، والنظر بالقلب، والتمييز بالألباب فهي في عظيم قدرة الله وارتفاعه، وعلوه، وبقائه، ونفاذ أمره، وبيان حكمته، وإحاطة علمه، وكثرة خلقه، وسعة رزقه، وجود كرمه، وكرم تطوله، وبيان حُكْمِه، وحسن رأفته، وقرب رحمته، وجميل ستره، وطيب عافيته، فلله الحمد على ذلك.

    [الإيمان]

    قال الوافد: فما وراء ذلك يرحمك الله ؟

    قال العالم: الإيمان بالله، والإقرار به وبما جاءت به الرسل، وتؤمن جوارحك حتى لا تستعملها في شيء مما يكرهه منك ربك، فتكون قد أمنتها من عذاب الله.

    ومن الإيمان: أن تؤمن الناس من يدك([1]) ولسانك وظنون قلبك، فإذا فعلت ذلك فأنت مؤمن.

    ومن الإيمان: الرضى بالقضاء، والشكر على العطاء، والصبر على البلاء.

    ومن الإيمان: المحافظة على الفرائض والسنن، والقيام بالنوافل والفضائل.

    ومن الإيمان: أن تعلم أن الله حق، وقوله حق، وأن الجنة حق، وأن النار حق، وأن البعث حق، وأن الثواب حق، والحشر حق، والقيامة حق، والعرض حق، والحساب حق، وأن الله على كل شيء قدير. وأنك منقول من هذه الدار الفانية، إلى الدار الآخرة الباقية، مسئول عن أعمالك، موقوف على أفعالك وأقوالك، وإقلالك وإكثارك، وإعلانك وإسرارك، فتجد كلما عملت قد أحصي عليك، وأنت اليوم في دار المهلة، ومكان الفسحة، فلا تذهب أيامك سُدى، فاعمل فيها بطاعة الله، وعلق قلبك في ملكوت إلهك، واجعل دليلك القرآن، وقرينك الأحزان، وفعلك الإحسان، وطعامك الفكر، وحديثك الذكر، وحليتك الصبر، وقرينك الفكر، وهمك الحساب، وسعيك الثواب، وجليسك الكتاب، وأملك الرجاء، وسريرتك الوفاء، وسيرتك الحياء، وفاقتك الرحمة، وعملك الطاعة، وطلبتك النجاة، وسؤالك المغفرة، وسبيلك الرضا، وخوفك العقاب، ورقيبك الثواب، وعن يمينك الكتاب، فمن سلك هذه الطريق سبق، ومن تكلم بهذا صدق، وهي عروة من تعلق بها استوثق، والحمد لله رب العالمين.

    [الإسلام]

    قال الوافد: فما وراء ذلك ؟

    قال العالم: الإسلام هو: أن تسلم للذي آمنت به.

    ومن الإسلام أن تسلم كليتك إلى أعمال الطاعات، فإذا بلغت ذلك سلمت من العقاب، وسلم الخلق منك، ويكون إسلامك بالظاهر والباطن، حتى لا يخالف قولك فعلك، ولا فعلك قولك، فيكون ظاهرك هو باطنك، وباطنك هو ظاهرك، وتكون موقناً بالواحدانية، معترفاً بالعبودية، مقراً بالربوبية، مجلاً للعظمة، هائباً للجلالة، فرحاً بالمَلَكَة([1])، محباً للطاعة، طالباً للرضا، خائفاً للبعث، راغباً للجزاء، راهباً للعذاب، مؤدياً للشكر، مداوماً على الذكر، معتصماً بالصبر، عاملاً بالفكر، فهذا عمل الباطن.

    وأمَّا الظاهر: فالإجتهاد في أداء الفرائض والسنن، والفضائل والنوافل، منها: الصلاة، والزكاة، والصيام، والحج، والجهاد، والأمر، والنهي، وقراءة القرآن. ومن السنن: الختان، وصلاة العيدين، وحلق العانة، وتقليم الأظفار، ونتف الإبط، وقص الشارب، والسواك.

    ومن الفضائل صيام رجب، وشعبان، والأيام البيض، والإثنين، والخميس.

    قال الوافد: فما وراء ذلك يرحمك الله ؟

    قال العالم: وراء ذلك المواصلة والمعاونة والمؤاساة، والمؤاخاة في الله، والحب لأولياء الله، والبغض لأعداء الله، وصلة الرحم، وبر الوالدين، ورحمة اليتيم، ومعونة الضعيف، وتعليم الأولاد([2])، وإنصاف الزوجة، فيما تسألك عنه وهي ناظرة إليك، والعناية في تعلمها، والأمر لها فيما لا بد لها منه، والنهي لها عما لا حاجة لها إليه، ولزومها لمنزلها، وطول الحجاب، وتصفية الأثواب، وتعليم الحكمة والصواب، مع لزوم العفاف، والرضى بالكفاف، والصيانة لها من التبرج من اللهوج والأبواب، والتشرف إلى أهل الفحش والإرتياب، ومنع الدخَّالات إلى دار المسلمات، مما لا يشاركهن في الدين والإحسان، فأولئك هاتكات الستور، ومبيحات كل محظور، والناقلات الكلام الزور، والجالبات للفحشاء والفجور، والمبغضات للنعمة، والمدخلات على المؤمنات الهم، والمفرقات للإلفة، والراعيات للكشفة.

    ولقد روي عن علي عليه السلام: ((أحب إليَّ أن أجد في منزلي مائةَ لصٍّ يسرقونه أهون علي من أن أجد فيه عجوزاً لا أعرفها)).

    ومن ذلك إنصاف الخادم فيما يقدر عليه، والنهي له عما لا حاجة له فيه، والرفق به فيما لا يقدر عليه، والنظر له فيما لا يدري، فهذا الأمر بالمعروف.

    وأمَّا النهي عن المنكر فمن المنكر: فعل الشرور، والقول السيء، والقول بالفواحش، والغدر، والتيه.

    ومن الفعل: القتل، والزنا، والربا، ومن التيه: الرياء، والكبر، والحسد، والبغضاء، والشحناء.

    ومن الفعل: أخذ أموال الناس سراً وجهراً. ومن القول: النميمة، والغيبة، وشهادة الزور، فهذا من النهي عن المنكر.

    قال الوافد: فما وراء ذلك يرحمك الله ؟

    قال العالم: تطيع الله الذي أسلمت له.

    [الطاعة]

    قال الوافد: وما الطاعة يرحمك الله ؟ بيّنها لي حتى أعرفها وأعمل بها ؟

    قال العالم: الطاعة اتباعك لما أمرك الله به، واجتنابك ما نهاك الله عنه، فعليك فيما قد علمت التوبةُ والرجوعُ، والإنابة والتضرع، ولك في ذلك المغفرة، فإنك إذا خفت ربك تبت إليه.

    وتعرف الخوف ما هو وكيف هو ؟

    [الخوف]

    قال الوافد: وما هو يرحمك الله ؟

    قال العالم: أما هو فمعرفة الذنب، وشهادة الرب، وأما كيف هو ؟ فوجل القلب، ودموع العين، فإن لم يكن كذلك فلست بخائف فيما قد علمت، وأمَّا الذي لا تعلمه فعليك منه الرهبة والتقوى، فإذا اتقيت الله لم يجدك حيث نهاك، وإذا خفته لم يفقدك حيث أمرك، فإن الله يراك، ويعلم سرك ونجواك، ويسمع كلامك، فهناك ترهبه وتخافه، حتى كأنك تراه.

    قال الوافد: فما رواء ذلك يرحمك الله ؟

    قال العالم: وراء ذلك التقوى.

    [التقوى]

    قال الوافد: وما التقوى ؟

    قال العالم: لسانك، وعينك، ويدك، وفرجك، وظنون قلبك.

    فلا تنظر بعينيك إلى ما لا يحل لك، فإن النظرة الواحدة تزرع في القلب الشهوة، وهي سهم من سهام إبليس.

    وتحفظ لسانك عن الكلام فيما لا يعنيك، فلا تفعل ما لا يحل لك.

    ولا تمد يدك إلى ما لا يحل لك، فإن لم تفعل فما اتقيت الله([1]) ولك في ذلك المغفرة والرحمة وذلك قول الله عز وجل {وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى}[طه:82].

    قال الوافد: فما وراء ذلك يرحمك الله ؟

    قال العالم: القيام بما أمر الله به، حتى تعرف عملك، فتضع كل شيء منه في موضعه، وتعرف خطأه وصوابه، ويكون ذلك العمل متابعاً للعلم، مطابقاً له ويكون فيه الرغبة واليقين والإخلاص والحياء والإستقامة، وتعرف الرجاء ما هو؟ وكيف هو ؟ ومن ترجو ؟

    [الرجاء]

    قال الوافد: بين لي ذلك يرحمك الله.

    قال العالم: هو أن يكون رجاؤك الله في كل أمورك لدنياك وآخرتك، ولا يكون رجاؤك للخلق أكثر من رجائك للخالق، فتحبط عملك، وتبطل أجرك، فإن الله سبحانه يقول: {فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا}[الكهف:110] فتعمل بما أمرك الله به ظاهراً وباطناً، فتصلح ظاهرك، وتصلح باطنك، فإن الظاهر الجلي يدل على الباطن الخفي، ويكون قلبك متعلقاً بذكرِ مَنْ ناصيتك بيده، ورزقك عليه، ورجاؤك عنده، وشدتك وعافيتك، وبلواك، ومحياك ومماتك، ودنياك وآخرتك، وترجوه للشدة كما ترجوه للرخاء، وترجوه للآخرة كما ترجوه للدنيا، وتخافه كما تخاف الفقر.

    قال الوافد: فما وراء ذلك يرحمك الله ؟

    قال العالم: الرغبة في التطوع تعرفها ما هي ؟ وكيف هي؟

    [الرغبة في التطوع]

    قال: بينها يرحمك الله.

    قال العالم: إن الرغبة في التطوع بعد الوفاء بما أمرك الله به، فإنك إذا رغبت ازدت إلى الخير خيراً، و إن لم ترغب لم تزدد وأنت متطوع، ولست براغب، وأما كيف هي؟ فالتضرع عند الدعاء فإنك إذا رغبت تطوعت، وإن لم ترغب كان دعاؤك بلا رغبة، وذلك قول الله عز وجل: {ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً}[الأعراف:55] فمن خاف وتضرع رحمه الله وأجابه.

    قال الوافد: فما وراء ذلك يرحمك الله ؟

    قال العالم: وراء ذلك اليقين بالله.

    [اليقين بالله]

    قال الوافد: وما هو ؟

    قال العالم: صاحب اليقين ذنبه لا يكتب، وتوبته لا تحجب.

    قال الوافد: بين لي ذلك ؟

    قال العالم: صاحب اليقين يعلم أن العلم متصل بالنية، فكلما يخطر خاطر في قلبه علم أن الله قد علمه، فيلحقه الخوف، ويبادر بالتوبة قبل أن يعمل الذنب، فتوبته مقبولة، وذنبه غير مكتوب، وإنما يكتب ذنبه لو أصر عليه ولم يتب منه.

    [الإخلاص]

    قال الوافد: فما وراء ذلك يرحمك الله ؟

    قال العالم: وراء ذلك الإخلاص في الدين، وهو في القول والعمل والاعتقاد، قول خير، وعمل خير، واعتقاد خير، أما سمعت ما قال الله عز وجل في كتابه: {أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ}[الزمر:3].

    قال الوافد: بين لي هذا يرحمك الله.

    قال العالم: هو أن يعلم العبد أنه بين يدي سيده، يراه ويسمع كلامه، ويعلم ما في نفسه، فيجعله أمله، وتكون الطاعة عمله، ولا يغيب عن مشاهدته، ولا يزول إلى معاندته بإزالة، قَلَّت الدنيا في عينه، وتعلقت الآخرة في قلبه، فقيامه طاعة، وقوله نفاعة، وكلامه ذكر، وسكوته فكر، قد قطع قوله بعمله، وقطع أمله بأجله، وخرج من الشك إلى اليقين، فقلبه متعلق بحب الآخرة وجسده في الدنيا، أحب الأشياء إليه الخروج من الدنيا إلى الآخرة، فقلبه وجل، ودمعه عجل، وصوته ضعيف، وكلامه لطيف، وثقله خفيف، وحركته إحسان، وتقلبه إيمان، وسكوته إيمان.

    [الحب في الله والبغض في الله]

    قال الوافد: فما وراء ذلك يرحمك الله ؟

    قال العالم: حب الحق، وبغض الباطل، وحب من أطاع الله قريباً كان أو بعيداً، وبغض من عصى الله قريباً كان أو بعيداً.

    قال الوافد: كيف أحب من أطاع الله قريباً كان أو بعيداً؟

    قال العالم: يسرك ما يسره، ويسوءُك ما يسوءه، وتدخل السرور عليه، وإن كان أعلم منك تعلمت منه، وإن كنت أعلم منه علمته، وحفظته في محضره ومغيبه، وواسيته وأعنته ورعيت صحبته، وجعلت ذلك لله وفي الله، ولا يكون في ذلك مناً ولا أذىً.

    قال الوافد: فما وراء ذلك يرحمك الله ؟

    قال العالم: وراء ذلك الحياء من الله.

    [الحياء]

    قال الوافد: بين لي ذلك.

    قال العالم: ذلك على ثلاث: أولهن أن يعلم العبد أن طاعة الله عليه، وأن رزقه على الله، أفلا يستحي العبد من الله أن يراه حريصاً على رزقه ؛ كسلاناً عن طاعة ربه؛ يمن على قوم، أجسادهم معافاةٌ وعقولهم ثابتة، وقلوبهم آمنة، ونفوسهم طيبة، قد أحسن إليهم فلا ينظرون إلى شيء من قدرة الله فيتفكرون، وإلى نعمه عليهم فيشكرون، ولا إلى من كان قبلهم فيعتبرون، ولا إلى ذنوبهم فيستغفرون، ولا إلى ما وعدهم الله في الآخرة فيحذرون، أفلا يستحي من آمن بالله أن يراه مع أولئك مقيماً لا بثاً ؟ ومساكناً، مواسياً؟ وحاضراً مجالساً ؟

    وأمَّا الثانية فإن الله أعطى وقضى، يعطي وهو راضٍ، أفلا يستحيي العبد من الله أن يرضى برضى ربه عند العطاء، ولا يرضى برضاه عند القضاء، كما يرضى برضاه عند العطاء.

    وأمَّا الثالثة فإن الله يرضى لعباده الجنة، ويأمر بالعمل لما يصلح لها، فيعمل العبد مالا يرضي الله، ويكره ما يرضى الله له من الخير، ويرتكب المعاصي والشرور، ولا يرضى برضا الله له، ويكون له ولد يحبه ويريده للدنيا، وربما قبضه الله إليه وهو له ولي، أفلا يرضى العبد بقضاء الله كما يرضى أولا بعطائه ؟ وهو يعلم أن موت ولي الله خير له من حياته في هذه الدنيا الفانية، المحشوة هموماً وغموماً، ونغصاً وغصصاً، وآفاتاً وشروراً.

    [الإستقامة]

    قال الوافد: فما وراء ذلك يرحمك الله ؟

    قال العالم: وراء ذلك الإستقامة، أما سمعت الله تعالى يقول:{ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ} [فصلت:30].

    قال الوافد: بين لي ذلك ؟

    قال العالم: الاستقامة هي أن الدنيا قيامة، فلا يلتفت فيها إلى كرامة، ولا يبالي فيها بالملامة، الاستقامة تؤدي صاحبها إلى السلامة، والمستقيم صادق، وبالحق ناطق، عمله في خضوع، وقلبه في خشوع، وروحه في رجوع، وسره يروع، وجسمه سقيم، وقلبه سليم، مقيم بلا التفات مداوم على المراقبات، ملازم للأمر، ومدمن على الزجر، وطالب للأجر، تارك للهوى، مقيم على الوفاء، حريص على التقاء، مجتهد على الصفاء، ليله قائم، ونهاره صائم، إِلْف من آلَفْ، صابر عاكف، تام الصحبة، دائم المحبة، مجيب غير مريب، معرض لا متعرض، مطيع غير مريع، طالب راهب، مسلم مستسلم، مقر لا منكر، مُحْتَقَر لا مُحْتَقِر، متواضع غير مستكبر، مقبل غير مدبر، علامة المستقيم أن يستقيم له كل معوج، ويسلك به خير منهج، عالماً يقتدى به، ولياً([1]) يهتدى به، ولا يكون ممن يعبد الله على حرف فإن أصابه خير اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين)).

    [الرجاء والخوف]

    قال الوافد: فما وراء ذلك يرحمك الله ؟

    قال العالم: أما علمت أن الدنيا شدة ورخاء ؟

    قال: بلى.

    قال: فليكن حالك في الشدة كحالك في الرخاء.

    قال: بين لي ذلك.

    قال: أليس الرخاء حساب، والشدة ثواب([1]) ؟

    قال: بلى.

    قال: فأيهما أحب إليك الثواب أم الحساب ؟

    قال: بل الثواب أحب إليَّ من الحساب.

    قال: أما علمت أنك وقت الشدة ترجو الرخاء، وفي وقت الرخاء تخاف الشدة، وذلك قوله عز وجل:{ فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا(5)إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا}[الشرح:5،6] فتعرف حد الشدة فتكون راجياً للرخاء، وتعرف حد الرخاء فتكون خائفاً للشدة ؛ لأن الرخاء والشدة يعتقبان، فاستعد للحالتين جميعاً، ولست أعني لك شدة الدنيا ولا رخاءها ؛ لأن الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر، ولكني أخاف عليك شدة الآخرة إذا رضيت برخاء الدنيا.

    قال الوافد: فما وراء ذلك يرحمك الله ؟

    قال العالم: الرضا بالعطاء، والصبر على القضاء.

    [الشكر]

    قال الوافد: وكيف يكون الشكر ؟

    قال العالم: الشكر على سبعة أشياء.

    قال: وما هي حتى أعرفها ؟

    قال العالم: الخلق، والملكة، والرزق، والعافية، والعلم، والقدم، والقدرة، فتنظر إلى ثبات عقلك، وتمام خلقك، فتحمد الله العظيم على ذلك كثيراً، ثم تنظر إلى الملكة، فكم من ذي روحٍ، غيرُه له مالك، والله مالك كل شيء، وأنت لا مالك لك، فتحمد الله على ذلك كثيراً، ثم تنظر إلى الرزق، فإذا هو من عند الله سبحانه فتحمد الله على ذلك كثيراً. ثم تنظر إلى مالك وولدك وطعامك وشرابك ولباسك ونومك ويقظتك، وانظر إلى اختلاف الليل والنهار، كيف يقربان البعيد، ويخلقان الجديد، ثم تنظر إلى العافية وإلى كل شيء تخافه على نفسك، في ليلك ونهارك، مما ترى ومما لا ترى، فتعلم أنه لا يدفع ذلك ولا يصرفه ولا يكفيك ما ترى وما لا ترى إلاَّ الله سبحانه، فتحمد الله على ذلك كثيراً ثم تنظر إلى المصائب التي تصيب الناس في أبدانهم المركبة عليهم، فتعلم أن في تركيبك مثل ما في تركيبهم، فتحمد الله الذي ستر عليك، مما ظهر على غيرك، من العلل والآفات، ثم تنظر إلى من كان من قبلك، وإلى من هو كائن من بعدك، في دنياك وآخرتك، فتحمد الله على ما مضى وتسأله النجاة في ما بقي.

    ثم تنظر إلى العلم، فتعلم أنه تعالى قد علم ما هو كائن قبل أن يكون ثم تنظر إلى القدم فتعلم أن الله قديم لم يزل، ولا يزول، ولا يزال. ثم تنظر إلى القادر، فتعلم أن الله قادر لا بقدرة غيره، سبحانه وتعالى عمَّا يقولون علواً كبيراً. ثم تنظر إلى جميع ما سخر لك من جميع ما خلق الله وذرأ وبرأ، من السماء التي زينها بالكواكب والشمس والقمر، وأجرى ذلك لمنافعك، وما جعل من الرياح والسحاب، وما جعل في الأرض من الحيوان المسخر، المجبور المقهور، المنقاد إلى المنافع، فتحمد الله على ذلك كثيراً.

    [الصبر]

    قال الوافد: فما رواء ذلك ؟

    قال العالم: الصبر على قضاء الله، فما جاء من عند الله حمدت الله عليه، ولم تسخط ذلك، وسلَّمت لأمر ربك، ورضيت بقضاء خالقك، وحمدت الله على ذلك كثيراً.


    [أطوار خلق الإنسان ولحمه وعظامه وعروقه وعصبه وغير ذلك]

    قال الوافد: فما وراء ذلك ؟

    قال العالم: تنظر بعد ذلك إلى نفسك، فتعلم أن الله خلق الإنسان من نطفة، تقع في رحم مظلمة، تقيم في الرحم سبعة أيام، ثم ترجع دماً، فيكون ذلك الدم علقة أربعين يوماً، ثم يجعلها الله تعالى مضغة ذكراً أو أنثى، فيكون فيه الروح لسبعة وسبعين يوماً، ثم يخلق الله تعالى العروق والعظام والعصب، ثم يصيره بعد ذلك لتمام مائتين وسبعين يوماً، وذلك أربعة آلاف ومائة واثنين وخمسين ساعة، فجميع ذلك حمل الولد لتمام حمل أمه، كاملة أشهره وأيامه وساعاته، فأشهره تسعة أشهر، وأيامه مائتان وسبعون يوماً، كل شهر ثلاثون يوماً، وساعاته سبعة آلاف وأربع مائة وثمانون ساعة، فهذه أيام الولد كاملة، وأشهره وأيامه وساعاته في تركيبة الحرارة والبرودة واليبوسة واللين، والدم حارٌّ ليِّن، والمرة الصفراء حارة يابسة، والمرة السوداء باردة يابسة، والبلغم بارد رطب.

    وتركيب الأسنان اثنا عشر فصلاً، وله مائتان وثمانية وأربعون عظماً، وله ثلاثمائة وستون عرقاً فالعروق تسقي الجسد، والعظام تمسكها، والعصب واللحم يشد العظام ؛ فلكل يدٍ إحدى وأربعون عظماً، الكف من ذلك خمسة وثلاثون عظماً، والساعد عظمان، وللعضد عظم، وللتراقي ثلاثة أعظم، وكذلك اليد الأخرى ؛ وللرجل ثلاثة وأربعون عظماً، للقدم من ذلك خمسة وثلاثون عظماً، وللساق عظمان، وللركبة ثلاثة أعظم، وللورك عظمان، وكذلك الرجل الأخرى. وللصلب ثمانية عشر فقارة. ولكل جنب تسعة أضلع وللرقبة ثمانية أعظم وللرأس ستة وثلاثون عظماً، الأسنان من ذلك اثنان وثلاثون عظماً. وطول الأمعاء خمسة أذرع، فسبحان الله خالق الإنسان خلقاً بعد خلق، في ظلمات ثلاث، حتى إذا حان أوان خروجه من بطن أمه إلى الأرض لم يقدر أحد على إخراجه أبداً، ولو اجتمعت الإنس والجن ما أحسنوا ذلك.

    فسبحان من أخرجه سوياً لا يعرف أحداً، ولا يسأل رزقاً، قد أوجد الله له رزقه في صدر أمه لبناً يغذوه به ؛ لضعفه وقلة بطشه.

    حتى إذا جل عظمه، وكثر لحمه، وقطع سنه، وطحن ضرسه، وبطشت يده، ومشى على قدمه، وعرف أن الله خالقه، الذي أفضل عليه، ورزقه قبل خروجه وبعد خروجه في مهده – نسي ذلك وجحده، ورجع يطلب رزقه من مخلوق مثله {قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ}[عبس:17] أما علم أن الذي رزقه في ضعفه هو يرزقه في وقت قوته ؟ أما سمع ما قال الله تعالى في كتابه لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم: {لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى}[طه:132]، أما سمع قول الله سبحانه وتعالى - حيث أقسم في كتابه فقال عز من قائل: {وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ}[الذاريات: (22،23)]؟ أما سمع قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم حيث قال: ((لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها))، وقال: ((لو أن أحدكم هرب من رزقه كما يهرب من الموت لأدركه رزقه كما يدركه الموت)) ؟ قال رجل لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه: يا أمير المؤمنين، من أين يأتي الرزق إلى الإنسان؟ قال: "من حيث يأتيه الموت"([1]).

    [أفضل ما أعطي العبد]

    قال الوافد: أيها العالم الحكيم ما أفضل ما أعطي العبد ؟

    قال: العقل الذي عرفك نعمة الله، وأعانك على شكرها، وقام بخلاف الهوى، حتى عرف الحق من الباطل، والضار من النافع، والحسن من القبيح.

    قال الوافد: فما وراء ذلك يرحمك الله ؟

    قال العالم: الإيمان، وحقيقة الإيمان الإخلاص وصدق النية، حتى إذا عملت عملاً صالحاً -لم تحب أن تذكر وتعظم من أجل عملك، ولا تطلب ثواب عملك إلاَّ من الله، فهذا هو إخلاص عملك، فإن عملت عملاً - وأحببت أن تذكر وتعظم من أجل ذلك العمل - فقد تعجلت ثوابه من غير الله، ولم يبق لآخرتك منه شيء.

    [البكاء]

    قال الوافد: فما تقول في البكاء ؟

    قال العالم: لأن تبكي وأنت سليم، خير من أن تبكي وأنت في النار مقيم، بين أطباق الحميم، والشيطان لك قرين خصيم، واعلم أنك دخلت الدنيا عند خروجك من بطن أمك باكياً عابساً، فاجتهد أن تخرج منها ضاحكاً مستأنساً، لأن تبكي وأنت في الطريق، خير من أن تبكي وأنت في وسط الحريق، البكاء مع السلامة، خير من البكاء مع الملامة، اليوم ينفعك البكاء إذا بكيت ندماً، وغداً لا ينفعك البكاء لو بكيت دماً، البكاء قبل المعاتبة، خير من البكاء عند المعاتبة، إبك لضعف فاقتك، إبك لقلة طاعتك، إبك لكثرة معاصيك، إبك لعظم مساوئك، إبك لإفلاسك، إبك لعدم إيناسك، ابك لقلة عملك، إبك لقلة حيلتك، إبك لعدم وسيلتك، إبك لكثرة وزرك، إبك لثقل ظهرك، إبك لفساد أمرك، إبك لظلمة قبرك، إبك لقسوة قلبك، إبك لخبث سرك، إبك لمضي دهرك، إبك لكشف سترك، إبك لساعة موتك، إبك لانقطاع حياتك، إبك لغربتك في لحدك، إبك لتوديع دارك، إبك لتوقع فراقك، إبك ليوم بوارك، إبك لاستقبال أهوالك.

    [أسباب قساوة القلب وجمود العين]

    قال الوافد: كيف أصنع إذا لم أستطع البكاء ولم تدمع؟

    قال العالم: ما جمدت العيون إلاَّ من قساوة القلوب، وما قست القلوب إلاَّ من كثرة الذنوب، وما كثرت الذنوب إلاَّ بالرضا بالعيوب، وما وقع الرضى إلاَّ بعد الاجتراء على علام الغيوب، جمود العين، من وجود الرين، ثم قال: أتبغي صفاء الفؤاد، مع بقاء المراد، تضيع الأصول، وتركب الفضول، ثم تطمع في الوصول، وأنت لا تتبع ما جاء به الرسول، أتطلب المراد، مع كثرة الرقاد، وقلة الإجتهاد، أتطلب المساعدة مع قلة المجاهدة، هذا من علامة المباعدة، لن تنال الأماني، إلاَّ بترك الفاني، لا بالكسل والتواني، تسهر العيون تصبح غير مغبون، لن تنال غرف الجنان، إلاَّ بصفاء الجنان، وخالص الإيمان، وقراءة القرآن، وتوحيد الرحمن، وإطعام الطعام، ورحمة الأيتام، وكثرة الصيام، وطول القيام، من طابت([1]) مناجاته، ارتفعت درجاته، وقلت فزعاته.

    [مؤهلات العبد لجنة الخلود]

    قال الوافد: بم ينال العبد جنة الخلود ؟

    قال العالم: بحفظ الحدود، وبذل المجهود، وطاعة المعبود، والوفاء بالعهود، وكثرة الركوع والسجود.

    من أراد الأمان، فليخلص الإيمان، ويفعل الإحسان، ويقرأ القرآن.

    لن ينال جنة النعيم، إلاَّ من جاء بقلب سليم، لن تنال من الله المزيد، إلاَّ بصدق التوحيد وكثرة التحميد.

    من أراد البر، لم يكتسب الوزر، من أراد العطاء، صبر على البلاء.

    لا تنال شهوات الآخرة، إلاَّ بترك شهوات الدنيا، لا تنال النعيم، إلاَّ بترك النعيم، لا تنال معانقة الحور، إلاَّ بصلاح الأمور، ومجانبة الشرور، ورفض المحذور.

    لا ينال الشفاعة، إلاَّ من قام لأخيه بالنفاعة، وحافظ على صلاة الجماعة، وأطعم الأيتام في المجاعة.

    من أحب الشرب من حوض الرسول، فليترك كلام الفضول، ويتثبت فيما يقول، فإنه لا بد مسئول.

    [مواعظ بالغة]

    قال الوافد: كنا صبياناً فلعبنا، فصرنا شباباً فسكرنا، فصرنا كهولاً فكسلنا، فصرنا شيوخاً فعجزنا وضعفنا، فمتى نعبد ربنا ؟

    عطلنا الشباب بالجهالة، وأذهبنا العمر في البطالة، فأين الحجة والدلالة ؟

    قال العالم: من غفل في شبابه، ندم في وقت خطابه، الشباب لا يصبر على الصواب، ويندم عند الخطاب، ما أحسن الشباب في المحراب.

    إلى متى العصيان ؟ إلى متى متابعة الشيطان ؟ إلى متى الجرأة على الرحمن؟ ألنا صبر على مقطعات النيران ؟ ومجاورة الحنشان ؟ ولباس القطران ؟ وتهدد مالك الغضبان؟ وضرب الزبانية والأعوان؟ إلاّ بتزودٍ لذلك اليوم من هذا اليوم، وبتخلص من الهوان واللوم.

    أيها المغرور بشبابه، والمسرور بأصحابه، والمختال في ثيابه، أما تحذر أليم عذابه، وتخاف شديد عقابه.

    كم من وجه صبيح، وخد مليح، وبدن صحيح، ولسان فصيح أصبح في العذاب يصيح، بين أطباق النار لا يستريح.

    كم من شاب ينتظر المشيب، عاجَلَه الموت وحل به النحيب.

    كم من مسرور بشبابه، أخذه الموت من بين أحبابه إلى قبره وترابه.

    أيها الشاب المجهول، إنك إلى التراب منقول، وعلى النعش محمول، وعن أعمالك كلها مسئول. مالك لا ترجع ؟ مالك لا تفزع ؟ مالك لا تخضع؟ مالك لا تخشع.

    آه من يوم يقول فيه المولى: عبدي شبابك فيما أبليته ؟ وعمرك فيما أفنيته؟

    فلا تنظر إلى الشباب وطراوته، ولا تغتر بحسنه وملاحته، ولكن انظر إلى صرعته وندامته. ما أحسن الإياب بالشباب، وما أقبح الخضاب لمن قد شاب وما تاب.

    ما بقاء الشيخ في الدار إلاَّ كبقاء الشمس على العصر في وقت العصر.

    الشيب داعي الموت، وناعي الفوت.

    الشيب يؤذن بالفراق، ويخبر بالتلاق.

    الشيب ظاهره وقار، وباطنه انزجار.

    الشيب يبعد الجنا([1]) ويقرب الفنا.

    الشيب يكدر المنى، ويقرب العناء.

    الشيب كسل في كسل، وعلل في علل، وملل في ملل، وخلل في خلل، وآخره مَكَل([2])، وتقريب الأجل، وقطع للأمل.

    فلما انتهى الوافد إلى هذا الحد، قال العالم: ما أسوأ عبد قرب منه الأجل، وهو يسيء العمل.

    ما أسوأ عبداً([3]) ظهر فيه الخلل، وهو يكثر من الزلل.

    من شابت ذوائبه، جفى حبائبه.

    أين الاستعداد ؟ أين تحصيل الزاد ؟ وأنت للذنوب تعتاد؟ وقد ناداك المناد، أين الراجع إلى الله ؟ أين المشتري نفسه من الله ربه ؟ أين النادم على ذنبه ؟ أين الباكي على أمسه؟ أين المستعد لرمسه([4]) ؟ أين الطالب للثواب؟ أين الخائف للعذاب، ألا ترجعون إلى الله، ألا تقبلون على الله، ألا تخافون من عذاب الله ؟ ألا تطمعون في ثواب الله ؟ ألا تقتدون بأولياء الله ؟ ألا تتقون من الذنوب ؟ ألا ترجعون من العيوب ؟

    ألا تندمون على ما أسلفتم ؟ ألا تعترفون بما اقترفتم ؟ ألا تستغفرون لما اجترمتم ؟

    أما آن للقلوب أن تخشع ؟ أما آن للعيون أن تدمع ؟ آما آن للصدور أن تجزع ؟ أما آن للعاصي أن يتزعزع من الذنوب ؟ أما آن للخاطئ أن يرجع من العيوب ؟ أما تعلم أيها العاصي أنه لا يخفى خافية على علام الغيوب ؟ أما تعلم أنك مأخوذ مطلوب؟ ومُتَتبّع محسوب ؟ وعلى الوجه في النار مكبوب؟

    أما تعلم أنك مفارق لكل صديق، ودمعك على خدك سكوب ؟ أما تخاف أن تصبح وأنت عن رحمة الله محجوب ؟ وعلى حر الوجه إلى النار مسحوب ؟ فيا له من جسد متعوب، ودمع مسكوب، وقلب مكروب، وعقل مرعوب.
    [/color]
     
حالة الموضوع:
مغلق

مشاركة هذه الصفحة