عندما سحق الجبل أزهاري!! (قصّة قصيرة)

الكاتب : أبوحسن الشّافعي   المشاهدات : 519   الردود : 5    ‏2004-01-01
      مشاركة رقم : 1    ‏2004-01-01
  1. أبوحسن الشّافعي

    أبوحسن الشّافعي عضو نشيط

    التسجيل :
    ‏2002-12-07
    المشاركات:
    344
    الإعجاب :
    0


    حسناً.أنا رجل الآن.لم أعد طفلاً , هكذا يقول أبي , وأمّي تدعمه في حضوره وغيابه , ترفع شعار الرجولة صريحاً لأراه.
    وأسأل أبي:
    -وماذا عن روح الطفولة يا أبي؟ أنّى لها بالرحيل؟ألم أكبر وأنا أحملها؟ أنا ولدت طفلاً ككل الأطفال!
    -حسناً يا بني.الطفولة ستذهب رويداً , رويداً , وعليك أن تملأ روحك بقيم الرجال!!
    -أنا لم أرها ترحل يا أبي!!
    -إذن دعها هنالك , لقد نمت , كبرت , وهي اليوم صخراً. صخر أفهمت؟!
    -آه. هذا شيء أقرب إلى العقل.
    -اسمع يا بني , قيم الرجال ليست بضاعة تباع وتشترى , إنّها شيء نحمله , نسقيه كل يوم ليكون صخرة يوماً ما , عليك أن تتأكّد أنّها صخرة!!
    لكنّي أجزم أنّني لم أفهم. آثار الطفولة , براءتها , صفاؤها , نقاؤها , أليست مزروعة في وجداننا ؟ أليس من حقّها أن تكبر وتكبر كأجسادنا تماماً , فتغدو (أكثر) براءة وصفاءً ونقاءً , لم كُتب عليها الذهاب؟
    وحملت أسئلتي إلى أمي , وبعد تذمّرها من كثرة استفساراتي المشاغبة , وطول لساني , و....و.. وكل الأشياء التي في اللائحة الجميلة التي تنشرها أمامي وهي تبتسم , قالت لي:
    -ياولدي(لكل صلاة أذان) , لكل زمن مهامّه , أنت بالأمس كنت تلعب , واليوم له مهمّة أخرى....أفهمت؟!!
    -فهمت.لكنّي لم أقتنع. اسمعي , أمّاه , هذه يدي التي كانت صغيرة(ابتسمت وضربتها بكفّها الحلوة) اليوم هي أكبر...أكبر حجماً ..ليس إلا!! وهكذا الطفولة ..هي أكبر حجماً اليوم..مثل هذه اليد. أفهمتِ؟!
    -أنت شقي كعادتك , أنا لا أفقه شيئاً ممّا تهذي به , أنت اليوم غيرك بالأمس , على الطفولة أن ترحل!!
    -ولكن متى...وكيف؟
    -سترحل . لا تهتم , أثناء النوم ستتسلّل إلى إخوتك الصغار , أو إلى أبناء الجيران , وستحل الرجولة مكانها. أو قد ترحل إلى الوديان لتغدو أزهاراً ووروداً , ألا يسرك ذلك؟!
    كنت صغيراً , ولم أدرِ لِمَ هذه العجلة. كنت أسأل عن أشياء لم يحفلوا بها , أنا لا أحفل باللعب , هم يعلمون كم أنا بعيد عنه. لكنّي أحفل بذلك النقاء وذاك الصّفاء.
    بدأ أبي يأخذني معه إلى أكثر الأماكن التي يذهب إليها , يعلمّني استخدام السّلاح , واشترى لي (جنبية) أكبر تليق بالرجولة , وألبسني إيّاها , وأحياناً كان يلزمني بحمل البندقيّة , وأحملها وكتفي ينوء بثقلها , وهي تلثم الأرض بين الحين والحين!!
    وفي الوادي كان يشير إلى الجبال والصخور المحيطة ويقول:
    -أترى هذه الجبال و وتلك الصخور , إنّها قد تتآكل , بل الكثير منها يتآكل , قد تنتهي...والكثير منها قد انتهى , هكذا يقول أجدادنا و يقولون أنّنا كنا نلامس الغيوم فنعرف السحب الماطرة من تلك التي لا تحمل شيئاً , لكن تلك الجبال اندثرت , ذهبت أدراج الرياح , ولم يبقَ سوى هذه الجبال المحيطة بنا , وهي في مصيرها إلى النهاية يوماً ما!!
    (آه لم يبق سوى هذه التي حجبت عنّا رؤية العالم من حولنا)قلت لنفسي.
    -لكن ياولدي الجبل الذي نحمله نحن الرجال , والذي تحمله أنت , لا يمكن أن ينتهي , ولا يمكن أن يتآكل , اللحظة الوحيدة التي يغيب فيها هي عند موتنا فقط!!
    -حدثني عن الغيوم.
    -آه.الغيوم!! إنّها كالنّساء لا تدري ما تحمل لك , أخير أم غير ذلك , بعضها يجود , وبعضها يحمل الدمار , وبعضها للزينة فقط. والرجل لا ينبغي أن يكون غيمة , لا يجوز له ذلك.
    وأردت سؤاله :هل جبالنا التي نحملها ما تزال تلامس الغيوم أم لا؟ لكنّني أحجمت!!
    ورأيت الغيوم ساعتها تزحف ببطء ودلال , كعروس تُزفُّ , وخيّل إليّ أنها تمسح السّماء , تزيل عنها الغبار , فقد بدت السماء من ورائها أكثر صفاء وجمالاً , وأعجبني تشبيه أبي حينها , فنحن بحاجة إلى الغيوم , أرى ذلك ماثلاً في الأفق !!
    وكان أبي يكرّر كلامه عن الجبل , وأمي تكرّر القول (لكل صلاة أذان) (ولكل زمن مهمّته).
    وأنا أكبر ويكبر الجبل معي , والصخر بداخلي يزداد قساوة وضراوة , لكنّ هناك شيء ما يحاول تفتيته , أسمع المعاول التي تنغرز فيه , اشعر بالهزّات العنيفة , وكنت أعيش بين هذه الصّرخات وبين صرخات أبي عن الجبل (وأنّه لا ينتهي إلا ونحن في القبور).
    وسلاحي لا يفارقني , وصخرتي أيضاً.
    وأسمع الطرْقات , وأسمع أمي تقول: (أنت جبلنا اليوم) وأبي يسقي الصّخرة , يسقيها كل لحظة.
    وهوّة عميقة لا أفهمها , بين هذا الجبل , بين هذه الصّخور , وبين ذلك البستان الجميل.
    والطرْقات تزداد , والهوّة تتّسع , وشيء ما أشعر به , معول كبير يهدم شيئاً بداخلي , والصخر يأبى إلا تماسكاً , والجبل يعلو ويعلو , والضربات تزداد , بقوّة , وبسرعة!!
    ((ولكل صلاة أذان )) ((ولكل زمن مهمّته))
    يصرخان داخلي بكل عنف , وشيء ما يتهدّم , أشعر به , شيء ما يتناثر , وأبي يطرق سمعي(أنت رجل. أنت جبلنا) , وبندقيّتي ملآ بالرصاص , و(الجنبية) تعلو وتنزل , وشيء يتفجّر في مفاصلي , شيء ما يحترق , يشتعل , يلتهب , جسدي كلّه يغلي , وأشعر بالنار تخرج من أذني وعينيّ , ورأسي يفور , والطرقات تزداد قسوة وسرعة , وبندقيتي بيدي , أصوّبها , أطلق (الرصاص) , وأرى شبحاً يهوي هنالك , وأسمع صرخاته المروّعة تمزّق الليل الصامت , والصّوت أعرفه...يأتيني من وراء الجبل...من وراء الصّخور....
    وأبي يربّت على كتفي قائلاً:
    [color=FF0000]-رجل.جبل. الآن أخذت بثأرنا!![/color]


    رياض
    بعد منتصف ليلة الاثنين
    29/كانون الأول/2003م
     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2004-01-01
  3. فهودي

    فهودي عضو متميّز

    التسجيل :
    ‏2003-05-14
    المشاركات:
    1,408
    الإعجاب :
    0
    [color=FF9900]لكن ياولدي الجبل الذي نحمله نحن الرجال , والذي تحمله أنت , لا يمكن أن ينتهي , ولا يمكن أن يتآكل , اللحظة الوحيدة التي يغيب فيها هي عند موتنا فقط!!

    اقتبست من كتابتك هذه الجملة التي جلست أتمعن فيها كثيراً ...

    دعني أتوقف معك بضع لحظات ان سمحت لي ... ان الرجولة لا تعني بأن يترك الانسان أشياء كانت معه في طفولته مثل الرحمة والبراءة ولكن في هذا الزمن أخي رياض ماعاد هنالك متسع لهذه الأشياء ... لأن هذا الزمن لا يعرف الرحمة ... لا يعرف سوى القتل والنهب والتشريد وهذا مايحكيه واقعنا أخي ... ويبدو لي بأنك قد اشتقت الى أيام الطفولة وافتقادك الى البراءة والصفاء والنقاء هو ما جعلك تعنون هذه الرائعة بعنوان (عندما سحق الجبل أزهاري)



    اخي رياض أهنئك على هذا القلم الرائع ولك خالص تحياتي والعفو والسموحة منك ان كنت أطلت عليك

    عاشــ الحب المستحيل ــق[/color]
     
  4.   مشاركة رقم : 3    ‏2004-01-01
  5. زهرة الصحراء

    زهرة الصحراء مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2002-04-22
    المشاركات:
    3,435
    الإعجاب :
    0
    نص مقتبس من رسالة : أبوحسن الشّافعي
    [color=FF3399]
    إستوقفتني كثيراً تلك التساؤلات!

    تحمل الأقصوصه رساله ساميه..وتساؤلات بقيت معلقه بلا إجابات مقنعه..

    أسلوبك يأسر القارئ يا ابا الحسن..

    شكراً لكرمك ..وعاطفتك[/color]
     
  6.   مشاركة رقم : 4    ‏2004-01-02
  7. أبوحسن الشّافعي

    أبوحسن الشّافعي عضو نشيط

    التسجيل :
    ‏2002-12-07
    المشاركات:
    344
    الإعجاب :
    0
    أخي الكريم:عاشق الحب المستحيل(ولماذا المستحيل؟!!)
    الفاضل :فهودي
    اسمح لي يا أخي أن أبعد شبهة (الشخصنة) من القصّة , نعم يقول الكاتب المبدع بهاء طاهر أنّ الخيال جزء من الواقع , هكذا معنى كلامه إذ لا أتذكّره بالنص. وأخوك هنا أراد توصيل شيء .....هو في السطر الأخير
    السطر الأحمر.....الأحمر في الكتابة.....الأحمر في حياتنا
    الفرق أنّه في الأولى يخرج من القلم
    وفي الثانية ...يخرج من أوصالنا!!!!
    أقر أنّني أشتاق إلى الطفولة....ومن منّا لا يشتاق؟
    لكنّي -أنا عل الأقل-لا أملك منها سوى هذا الشوق.....فقط.
    البراءة ...الصفاء....النقاء ....ينابيع خلقت معنا....شربناها مع لبن الأمّهات
    وتكبر الأجساد.....وتطر الشوارب....وتطول اللحى.....وتعلو العمائم
    يكبر كل شيء.....إلا تلك الينابيع.....إنها لا تكبر يا سيّدي!!
    إنّها تجف.....يحفرون لها أخاديد سحيقة...فتذهب إلى غير عودة!!
    وإذا وجد منّا فرد مايزال يحتفظ...بـ(رشفة) من ذلك النبع....قالوا له:
    لست رجلاً!!!
    أرأيت المأساة؟
    وعلى الجانب الآخر.....يريدون من المرأة(مصدر النبع) أن تجفّف كل شيء!!
    أن (تسترجل) لخدمة أهدافهم.....أهدافهم في خطف (الروح) من أجل ثأر!!
    وأقسم أنّ تلك (الأم)....أن تلك (الأخت) ...أو (الابنة)
    أبعد الناس عن أخذ حياة.....ولو مقابل (قلب) رحل!!
    لكنّهم اغتالوا فينا كل شيء
    حتى ذلك النصف الآخر(الرحيم)......قتلوه!!!
    لماذا مددت حروفي هكذا يا أخي؟
    ولكن مع رائع مثلك لا أملك سوى.......(البوح)!!
    سلّمك الله .....أيّها الفاضل.....يا فهودي.

    أختنا الفاضلة:زهرة الخير
    ستبقى هذه التساؤلات معلّقة....مادامت أعناقنا معلّقة على مشانق
    صنعها عشّاق (جثثنا)!!
    لكنّي نويت أن أنزل عنقي بيدي التي (قطعوها).....أليست ما تزال (يدي)؟
    وسنحصل على الإجابة ...أختاه...
    سنحصل عليها.
    سلّم الله ذاك اليراع تمسكه يد أخت مبدعة فاضلة.
     
  8.   مشاركة رقم : 5    ‏2004-01-04
  9. هدية

    هدية قلم ذهبي

    التسجيل :
    ‏2002-12-13
    المشاركات:
    5,715
    الإعجاب :
    0
    [color=0000CC]عندما قرأت كلماتك كان شيئا بداخلي يصرخ يقول
    ليتني بقيت طفلة
    حتى ألم الطفولة جميل وضرب الكبار لنا لذيذ
    جميلة هي كلماتك كنت انتقل من سطر إلى سطر بكل شوق وكنت اتمنى أن لاتنتهي هذه الأسطر الجميلة ولكن لكل شئ نهاية
    كا أن للطفولة نهاية
    رعاك الله يارائع
    [/color]
     
  10.   مشاركة رقم : 6    ‏2004-01-06
  11. أبوحسن الشّافعي

    أبوحسن الشّافعي عضو نشيط

    التسجيل :
    ‏2002-12-07
    المشاركات:
    344
    الإعجاب :
    0
    اختنا الفاضلة :هدية
    شرفني هذا الحضور ولعله بك وامثالك من المؤمنات تعود الطفولة
    تعود براءتها .شكرا لك.
     

مشاركة هذه الصفحة