الاستراتيجية الأمريكية في المغرب العربي

الكاتب : القلم العربي   المشاهدات : 537   الردود : 0    ‏2003-12-30
      مشاركة رقم : 1    ‏2003-12-30
  1. القلم العربي

    القلم العربي عضو

    التسجيل :
    ‏2003-09-25
    المشاركات:
    143
    الإعجاب :
    0
    منذ أحداث 11 سبتمبر تغيّـر شكل الخطاب الأمريكي تُـجاه دول المغرب العربي التي أصبحت محلّ اهتمام مُـتزايد في واشنطن.

    فبعد أن كان الخطاب الأمريكي واضحا ولا يحتاج إلى تفسيرات كثيرة، أضحى الآن، رغم بساطته الظاهرة، مُشفرا وفي حاجة إلى قراءات متكررة.
    اهتمت دول الاتحاد المغاربي بالزيارة الأخيرة لنائب كاتب الدولة الأمريكي لشؤون الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، وليام بيرنز إلى المنطقة، وسبب هذا الاهتمام هو الرغبة في الوصول إلى أعلى درجات التفاهم مع الإدارة الأمريكية.

    وفي نفس الوقت، أبدى بيرنز اهتماما "متوازنا" بكل دول المنطقة مع منح شعور بالراحة لدى كل طرف، يـفهم منه، حقا أو باطلا، أنه أقرب من غيره للولايات المتحدة.

    وقد أكدت مصادر دبلوماسية أمريكية لسويس إنفو أن سياسة الولايات المتحدة تجاه دول المغرب العربي تنبني على أساسين: الأول اقتصادي، والثاني أمني يتضمن بعض الأفكار السياسية.

    فالهدف الاقتصادي للولايات المتحدة، يتمثل في إقناع دول المغرب العربي بضرورة بناء سوق موحدة تمكن المستثمرين الأمريكيين من الاستفادة من هذه السوق الواسعة.

    وتقول المصادر الدبلوماسية الأمريكية إن واشنطن تعمل ما في وسعها لإقناع الدول الخمس بضرورة العمل معا في أقرب وقت ممكن.

    ويعتبر لقاء 5+5 في تونس الذي جمع وزراء خارجية المغرب العربي الخمسة مع نظرائهم من الدول الخمسة في جنوب غرب أوربا، هاما جدا بالنسبة للإدارة الأمريكية التي تشجع الاتحاد الأوروبي على المضي في نفس اتجاه الدعوة إلى توحيد المغرب العربي تجاريا.

    أما الهدف السياسي، فأساسه "تذويب الخلافات السياسية الحادة بين الاخوة الأعداء، ومنها على الخصوص أزمة الصحراء بين الجزائر والمغرب، وهي سبب كل المشاكل في المغرب العربي لأنها لا تتوقف عند الخلاف بين دولتين، بل تستغل دول أخرى هذا الصراع لتقف مع هذا الطرف أو ذاك، وفي العين مصالح ضيقة جدا لا تصل إلى مستوى المصالح الوطنية الكبرى.

    هذا ما يُفسر قول وليام بيرنز في المغرب، "أن الولايات المتحدة، لا تضغط على أحد من الفرقاء حول مسألة الصحراء، ولكنها تدعو الجميع إلى الوصول إلى حل في أقرب الآجال".

    خطاب، من الناحية النظرية، غير مرغوب فيه لا في الجزائر ولا في الرباط، لأن التصالح من أجل تحقيق أهداف لم تسطرها الحكومات نفسها أمر مزعج جدا.

    كلّ يُـقدّر العلاقة وِفق رغباته!

    وقد فهمت مؤسسات صناعة الأفكار في الجزائر، وخاصة تلك المقربة من الدولة، مدى خطورة الاقتراحات الأمريكية على المؤسسات. ويبدو أن هذا الفهم مشترك، رغم سلبيته، في باقي دوائر صنع القرار في كل من تونس والمغرب وليبيا وموريتانيا.

    السبب هو استفادة الأجهزة الحالية من الوضعية العامة في المغرب العربي، رغم شذوذها واختلافها عما هو معاش في باقي الأقاليم حول العالم.

    أما قلق دوائر صنع القرار من هذا التوجه، فهو راجع بالأساس إلى كون التفتح الاقتصادي ووجود سوق مغاربية مشتركة، يُعتبر منفذا للانفتاح السياسي والإعلامي.

    من ناحية أخرى، ستفسد المخططات الأمريكية البنية الاستراتيجية للحكومات التي تستغل الصراعات الإقليمية كي تغتني من تجارة السلاح، الخفي منها والمعلن، بالإضافة إلى تحييد المجتمع عن صنع القرار عبر تهييجه بخطر قادم من الشرق أو من الغرب.

    وتعلم الإدارة الأمريكية أن هذا الشكل من الصراع والرفض تختص به دولتان هما الجزائر والمغرب، وتعلم أيضا أن في تونس وليبيا وموريتانيا فوائد أخرى يجنيها أصحاب القرار من انعدام سوق مغاربية مشتركة.





    بيوت من زجاج!

    ولم تُـعلّـِق المصادر الدبلوماسية الأمريكية على منع دخول أغلب اليوميات الجزائرية إلى تونس، غير أنها أكدت لسويس إنفو أن الديموقراطية في دول المغرب العربي تعتبر الحل والواجهة لتحرر اقتصادي يخدم مصالح الجميع.

    وبعيدا عن الرؤية الأمريكية وحساباتها التكتيكية، فإن الإحساس السائد لدى شعوب المنطقة، منطقي ويُترجم بالنكات في أغلب الأحيان، كتلك النكتة التي تروي قصة كلب تونسي شبعان مليء البطن هرب إلى الجزائر، وقبل أن يصل إليها التقى في الحدود مع كلب جزائري جائع خائر القوى، فاندهش الكلب الجزائري وقال لأخيه التونسي "أنت مجنون، تترك بلادا تشبع فيها إلى بلاد لا تجد فيها قطعة عظم؟ فرد الكلب التونسي: "كلامك صحيح لكني اشتقت إلى النباح...".

    مثل هذا المنطق مفهوم أمريكيا ومعلوم أن وجوده لا يخدم التكامل بين دول المغرب العربي، ويتضح مع مرور الوقت أن الراحة الاقتصادية النسبية في تونس تتعارض مع الحرية السياسية النسبية في الجزائر، ليس لاختلاف الأمرين، بل لأن تحسن الوضعية الاقتصادية في الجزائر سيدمر وضعية مافيا المال والأعمال التي اغتنت بدماء مئات الآلاف من الجزائريين. كما أن الحرية السياسية في بلد مثل تونس قد تعصف بمن بنوا أمجادهم على إسكات أفضل طبقة مثقفة في المغرب العربي.

    أما المغرب، فالوضع فيها مميز لأن البلد لا تنقصه إمكانات النهضة. غير أن بناء المؤسسات يختلط بشرعية الملك واختلافه عن دستورية العرش في إسبانيا، والمصالح الاقتصادية لطوائف معينة جعلت شرائح اجتماعية كثيرة في أسفل سافلين، تماما كما في الجزائر وموريتانيا.

    وهناك من يرى أن وليام بيرنز والإدارة الأمريكية لن تحصد إلا الشوك مهما زرعت من أفكار وبرامج في المغرب العربي.

    وحتى مثال التعاون الجزائري الأمريكي مثال ناقص على اعتبار أنه لا يخدم الشعب الجزائري بشكل مباشر، لأنه مرتبط بالبترول والغاز وبتعاون عسكري لا يُعتقد أن سكان المناطق الداخلية للجزائر يؤمنون به لأنه لا يُسمنهم ولا يُغنيهم من جوع.

    في المقابل، وبحكم بناء المؤسسات السياسية في الولايات المتحدة والمختلف عن نظرائه في المغرب العربي، ينتظر الأمريكيون والمؤسسات الاقتصادية بشكل خاص من حكومتهم أن تفيدهم من علاقاتها الجيدة في دول المنطقة التي أصبحت في منظور المدارس الاقتصادية الأمريكية منفذا ومتنفسا للكابوس الذي أصبحت تمثله الصين والاتحاد الأوربي بعد أن نقُص امتصاصهما للسلع الأمريكية في السنوات العشر الأخيرة.

    قد يتبادر إلى الذهن احتمال من نوع خاص، وهو أن تُبادر الولايات المتحدة إلى مغازلة شعور مواطني المغرب العربي، وأن تستعمل آلتها الإعلامية الضخمة لإقناعهم بأن تعاونهم أفضل من الحالة التي هم فيها الآن، وإذا ما تحقق هذا الاحتمال، هل ستعادي الحكومات الحالية في المغرب العربي واشنطن؟ أم ستتجه إلى الاتحاد الأوربي، الذي لديه نفس أفكار الولايات المتحدة الاقتصادية؟

    التكامل بالقـوّة

    من الواضح أن زيارة وليام بيرنز إلى المنطقة لا تدخل إلا في إطار تأكيد التوجهات الأمريكية الجديدة، وهي بالدرجة الأولى التعامل مع المؤسسات لا الأشخاص، وإيجاد فضاء مغاربي يخدم المصالح الاقتصادية الأمريكية.

    ليس من السهل معرفة رأي الإدارة الأمريكية بشأن بقاء الرئيس التونسي زين العابدين بن علي في السلطة بعد عام 2004، وليس من السهل أيضا معرفة رأيها حول الرئيس عبد العزيز بوتفليقة ورغبته في الفوز بفترة رئاسية ثانية.

    غير أنه من السهولة بمكان معرفة التوجهات الاقتصادية الجديدة للولايات المتحدة التي لا تتناسب مع أفكار القيادات السياسية التقليدية، والاستنتاج بعدها بسيط، وهو أن الولايات المتحدة بتعاملها مع المؤسسات قبل الأشخاص، وبما أن المؤسسات يمكنها إخراج أشخاص يتفهمون ويتقبلون من دون عقدة النظرة الأمريكية والأوروبية.

    معنى هذا أن الراغبين في البقاء حكاما من دون منازع على طريقة السنوات الثلاثين الماضية، قد يكون من المستحسن لهم أن ينسحبوا من دون ضجيج، لا لأن الولايات المتحدة حريصة على الديموقراطية في المنطقة، بل لأن اهتمامها بمستقبل أبنائها تعطله العقليات المتكلّـسة.

    الغريب هنا، أن ليبيا، رغم نظامها السياسي المغلق، إلا أنها وافقت دون تردد على تحقيق المطالب الاقتصادية الأمريكية علما أن هذا السلوك في شمال المغرب العربي غير كاف، لأن التركيبة الاجتماعية مختلفة تمام الاختلاف ويتعارض تناقضها المستمر مع المصالح الأوروبية والأمريكية على حد
     

مشاركة هذه الصفحة