استسلام ليبي بمباركة أمريكية

الكاتب : القلم العربي   المشاهدات : 453   الردود : 0    ‏2003-12-30
      مشاركة رقم : 1    ‏2003-12-30
  1. القلم العربي

    القلم العربي عضو

    التسجيل :
    ‏2003-09-25
    المشاركات:
    143
    الإعجاب :
    0
    مثلت زيارة الوفد الذي ترأسه محمد البرادعي إلى طرابلس تتويجا للاتصالات السرية التي أجرتها السلطات الليبية مع الإدارة الأمريكية والوكالة الدولية للطاقة الذرية والأمم المتحدة.

    ويبدو أن الصفقة التي توصلت إليها الجماهيرية تقضي بتعهد الولايات المتحدة بعدم السعي لللإطاحة بالنظام القائم مقابل الكشف عن الأسلحة المحظورة وبرامج التسليح الليبية.
    تأتي زيارة المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية، محمد البرادعي إلى طرابلس الغرب لاستكمال المفاوضات السرية بين الليبيين والأمريكيين، التي استغرقت نحو تسعة أشهر، والتي كشف خلالها الليبيون النقاب عن المنشآت النووية والأسلحة غير التقليدية التي حصلوا عليها في العقد الماضي من كوريا الشمالية وروسيا.

    وأوضح مصدر مطلع لسويس انفو أن ما كشفه الليبيون تمثل أساسا في منشآت ومخابر سرية في محيط مدينتي طرابلس، وسرت، و500 صاروخ من طراز سكود كانوا تسلموها من كوريا الشمالية في مطلع التسعينيات، و50 صاروخ باليستي يتراوح مداها بين 1300 و1500 كيلومتر من صنع كوري أيضا، إضافة إلى 80 منصة متحركة لإطلاق الصواريخ.

    وكانت الدول الغربية أثارت ضجّـة ضد ليبيا في أواخر الثمانينيات حول مصنع في مدينة الزاوية غرب العاصمة طرابلس، قيل أنه كان مخصصا لإنتاج أسلحة كيماوية.

    لكن البلدان المغاربية توسّـطت بين الطرفين عشية تأسيس الاتحاد المغاربي في مطلع عام 1989، وتعهّـد الليبيون تجاوبا مع الوساطة بتحويله إلى مصنع للأدوية.

    حماسة .. وصمت

    ولوحظ أن الكشف التطوعي من جانب ليبيا عن أسلحتها المحظورة، لاقى ترحيبا حماسيا من الرئيس الأمريكي جورج بوش الذي اعتبر الخطوة دليلا على شرعية الحرب التي شنّـها التحالف على العراق في 20 مارس الماضي، مؤكّـدا صواب الأسلوب الذي توخّـته إدارته مع البلدان المارقة، كما يسميها، لإقناعها بالقوة أو بالدبلوماسية بالتخلّـي عن أسلحتها المحظورة، وهذه إشارة جديدة إلى أن استخدام القوة مع العراق شكّـل رسالة لكل من سوريا وإيران لتُـدركا المصير الذي ينتظرهما في صورة الامتناع عن اقتفاء الخطوة الليبية.

    لكن اللافت للانتباه، هو رد الفعل الإسرائيلي الذي لم يُـخف أن الدولة العبرية هي المستفيد الأول من تدمير ترسانة الأسلحة غير التقليدية الليبية. وأتى تصريح وزير الدفاع الإسرائيلي شاوول موفاز للإذاعة الحكومية الإسرائيلية مؤكّـدا أن ما حصل مع ليبيا هو انتصار آخر بعد النصر الذي تحقق في العراق على حد قوله.

    أما البلدان المغاربية المجاورة لليبيا، فلازمت صمتا مطبقا إزاء الخطوة الليبية التي جاءت في مثابة مفاجأة آخر السنة بالنسبة للبعض، وصدمة محرجة عمقت شلل الاتحاد المغاربي بالنسبة للبعض الآخر. وفي الشارع العربي، نزلت المفاجأة الليبية نزول الصاعقة، واعتُـبرت هزيمة أسوأ مرارة من سقوط بغداد، لأن بلدا عربيا قبل تسليم سلاحه من دون حرب.

    العـرّاب .. بريطاني

    والثابت، أن بريطانيا لعبت دور حلقة الوصل في هذه الصفقة الليبية – الأمريكية. فالعقيد معمر القذافي بات يرتاح لها منذ استئناف العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وتعيين أحد المقربين منه وزير العدل والأمن العام السابق محمد أبوالقاسم الزوي سفيرا لدى لندن.

    وتأكيدا لهذه الثقة، أعطى للبريطانيين دورا مهما في المفاوضات التي أسفرت عن دفع تعويضات مجزية لضحايا طائرة شركة "بان أمريكان" التي تفجّـرت فوق بلدة لوكربي الاسكتلندية عام 1988. كما أن العاصمة البريطانية أصبحت منذ فترة مركزا للاتصالات العلنية الرامية لتطبيع العلاقات السياسية بين واشنطن وطرابلس.

    وفي معلومات مصادر ليبية أن القذافي يُـدرك طبيعة العلاقات الوثيقة بين الحليفين الأطلسيين، ولذلك، حرص على توسيط البريطانيين، ولم يطرق أبواب باريس أو برلين، لأنه يعلم أن كلمة الفرنسيين أو الألمان ليست مسموعة عند جورج بوش.

    وفي معلومات المصادر نفسها، أن المقايضة التي تم التوصل إليها بعد 9 أشهر من الاتصالات السرية بين عناصر استخبارات، ومسؤولين أمنيين أمريكيين وليبيين، قامت على أربع نقاط جوهرية من الجانب الليبي يمكن تلخيصها كالتالي:

    1 - وقف برامج التسلح غير التقليدية.

    2 - الكشف عن جميع أسلحة الدمار الشامل، والوثائق المتصلة بها، إضافة إلى قائمة بالمنشآت والمصانع التي تُـنتج أسلحة محظورة.

    3 - التعهد باحترام المعاهدات الدولية الخاصة بمنع انتشار الأسلحة النووية والجرثومية والكيماوية.

    4 - الالتزام بفتح المنشآت والقواعد الليبية أمام مفتشين من الوكالة الدولية للطاقة الذرية والتعاون الكامل معهم.

    والظاهر، أن الليبيين لم يكتفوا بإعطاء وعود قاطعة بتنفيذ هذه التعهدات، وإنما فاجأوا محاوريهم الأمريكيين بالسماح لهم بأخذ عينات، والتقاط صور للأسلحة المحظورة التي كشفوا عنها، مما ستتّـرتب عنه انعكاسات على أسلوب التعاطي الأمريكي مع كوريا الشمالية، التي هي مصدر تلك الأسلحة، عدا الأسرار الثمينة التي حصل عليها الخبراء الأمريكيون مجانا.

    "مغانم ومكاسب" للنظام!

    لكن بالمقابل، ما هي المغانم التي حصل عليها العقيد القذافي من وراء هذه الصفقة؟

    يقول مصدر ليبي مُـطّـلع، إن المغانم تكاد توازي التعهدات، لكنها تدور إجمالا حول حماية النظام وضمان استمراره بعد رحيل زعيمه الحالي العقيد معمر القذافي، وهي تتمثل في العناصر التالية:

    1 - شطب ليبيا من قائمة الدول الداعمة للإرهاب، وبالتالي، إخراجها من قائمة دول محور الشر التي أعلنها الرئيس بوش بعد أحداث 11 سبتمبر 2001.

    2 - تطبيع العلاقات الدبلوماسية والسياسية الأمريكية معها، وإلغاء الحظر على نشاط الشركات الأمريكية في ليبيا الذي صار يخضع للمراجعة كل ثلاثة أشهر فقط بدل عام في الماضي.

    3 - التخلي عن محاولات زعزعة النظام الليبي، علما أن تقارير سابقة كانت كشفت عن محاولات لوكالة المخابرات المركزية الأمريكية للتخلص من القذافي والإطاحة بحكمه، وبالتالي، فهو لن يكون هدفا للتغيير في المستقبل مما يجرد خصومه من أي دعم أمريكي بعد أن قدمت واشنطن في التسعينيات مساعدات وتسهيلات سخية لتيارات من المعارضة الليبية وصلت إلى حد تدريب عناصرها في قواعد عسكرية في الولايات المتحدة. أكثر من ذلك، يبدو أن واشنطن في سبيلها إلى السماح لليبيا بلعب دور إقليمي لم تتوضّـح معالمه بعد.

    4 - الأهم من ذلك من الزاوية الليبية، هو تعهّـد واشنطن بمباركة نقل السلطة إلى النجل الأكبر للقذافي، سيف الإسلام معمر القذافي، الذي نسج علاقات حميمة مباشرة مع الأمريكيين، خصوصا من خلال رئاسته للمؤسسة الخيرية التي تحمل اسم والده، والتي أتاحت له لعب أدوار سياسية في بعض الأزمات الدولية.

    وتكتسي مسألة الخلافة أهمية متزايدة مع تواتر المعلومات عن تدهور صحة العقيد القذافي البالغ من العمر 64 عاما، والذي سبق أن تعرض لمحاولات اغتيال عدة تركت الأخيرة منها آثارا واضحة عليه، إذ ظل يمشي معتمدا على عصا لأكثر من عام.

    وفي هذا السياق، يذهب مراقبون إلى التكهن بانخراط ليبيا في مشروع الديمقراطية والإصلاحات السياسية، الذي عرضه الرئيس بوش على البلدان العربية والإسلامية في 6 نوفمبر الماضي. إلا أن الثابت أن طرابلس ستركز على الانفتاح الاقتصادي في الدرجة الأولى، مثلما دل على ذلك اختيار المهندس شكري غانم لقيادة حكومة "تكنوقراط" أوكل لها إدخال تغييرات جوهرية على النظام الاقتصادي، ووضع قوانين انفتاحية تُـشجّـع على استقطاب الاستثمارات الخارجية، خصوصا الأمريكية، إلى قطاع النفط الذي مازال يؤمّـن حصة الأسد من مداخيل ليبيا.
     

مشاركة هذه الصفحة