امرأة على باب المقبرة

الكاتب : الحُسام اليماني   المشاهدات : 438   الردود : 3    ‏2003-12-30
      مشاركة رقم : 1    ‏2003-12-30
  1. الحُسام اليماني

    الحُسام اليماني مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2002-06-07
    المشاركات:
    3,541
    الإعجاب :
    0
    امرأة على باب المقبرة

    قالت: كنا منصرفين قبيل المغرب من زيارة عائلية في منطقة الوثبة متجهين إلى حيث نسكن في أبو ظبي، وحاول زوجي أن يسرع ليلحق بصلاة المغرب جماعة، ولذا فقد عرج في الطريق ناحية المقبرة ليدرك الصلاة في المسجد المقام خارجها، وبمجرد أن دخلت بنا السيارة تلك المنطقة في سكون الليل الموحش أحسست أن بدني كله يرتجف من مفرق رأسي إلى أخمص القدم. خيل إلي أنها الزيارة الأخيرة ووداع الدنيا برمتها. فحانت مني التفاتة إلى الخلف كي أملأ عيني بأنوار الطريق التي أخذت تتباعد، وتواردت عشرات الخواطر على عقلي.. حول الحياة والموت والأحياء والأموات، والسعادة والشقاء والميلاد والوفاة، والحقائق والأوهام وعشرات الأقارب والأصدقاء الذين استقروا تحت التراب ،وخيل إلي أن شريطاً طويلاً يمر أمام عيني وعشرات بل مئات وآلاف الجنائز تتوالى تشيعها أصحابها إلى دار جديدة يكون بابها الأول حفرة في التراب ومنها يجدون أنفسهم في عالم آخر، لا تساوي الدنيا بالنسبة له إلا كما تساوي بطن أم بالنسبة للدنيا بكلها.! أما أهل الجنازة، فما أسرع ما يهيلون على صاحبهم وحبيبهم كميات التراب والحصى والحجارة ثم يعودون إلى حيث كانوا يسمرون، وليست سوى أيام حتى ينسى الجميع ما أصابهم.! ووقفت السيارة في مواجهة بوابة المقبرة تماماً كأنما تستعد للدخول حالما يفتح الباب، وزاد هذا من هلعي.

    كانت الدنيا قد دخلت في الظلام وكان لهذا الجو أثره النفسي الرهيب على قلبي، لقد انعقد لساني كله وأنا أحاول أن أنطق لأطلب من زوجي أن يغير مكان السيارة، غير أنه سرعان ما تركني وحدي أواجه قدري وبقيت مع أفكاري التي تفور وتشتعل بألوان من المخاوف والمفاجآت التي قد تظهر بغتة من هذه البوابة أو من على هذه الأسوار ..!!
    الموت.. الموت... وما أدراك ما الموت.. ثم ما أدراك ما الموت.؟! هذا الغول الذي يفتك بالكبار والصغار بلا موعد ثم يكون مستقر الجميع هاهنا .. نعم .. وراء هذه الأسوار : أغنياء وفقراء وصعاليك و أمراء، وأقوياء وضعفاء، وظلمة ومظلومين..

    الكل يتوارون تحت التراب ويلاقي كل منهم ما قدم من خير أو شر.. يا إلهي!! كيف لو أن قلبي سكت الآن فجأة، وبدلاً من أن أعود إلى صغاري الذين يتشوقون لعودتي، إذا بي أزف إلى حفرة مظلمة ضيقة في الأرض، لا أنيس معي، ولا حبيب بقربي ولا أهل أصرخ بهم لنجدتي أنا وحدي والظلام والعذاب والسؤال والحساب.؟ ويرتجف بدني من جديد و أحس بدبيب يسري في كل خلية من كياني وأكاد أبكي، واشرع في فزع إلى إغلاق نوافذ السيارة و أبقى محملقة في ذهول نحو أسوار المقبرة وبواباتها و خفقات قلبي يتصاعد وقعها، و لساني لا أدري كيف انطلق ذاكراً لله مسبحاً مستغفراً داعياً متضرعاً باكياً!! يطلب المهلة من أجل توبة صادقة، أما رجلاي فلم أشعر بهما أبداً، وأما يداي فقد كانتا ترتعشان وهما تلفان العباءة حول جسدي في إحكام.. كانت هذه هي أول مرة أرى فيها المقبرة، وكأني رأيت الموت عيانا.. وخيل إلي أن هذا الزوج قد تعمد الإتيان بي إلى هنا لإعطائي هذه الجرعة الروحية أو هذا الدرس الذي يبلغ مستقر العظم.. يا لكثرة نصائح هذا الزوج لي، وتوجيهاته إياي وتوصياته ومواعظه غير أن كل ذلك لم يهز في شعرة فيما يبدو وأبقى شامخة بأنفي كأنما المعني بكل ذلك سواي.. وكان صبره لا ينفذ، فكان لا يمل من تكرار مواعظه في ود وحب وإصرار كذلك..
    الآن أحسست أن شرارة ما انقدحت في غور نفسي لتحدث هذا التفاعل العجيب مع تلك المواعظ.. الآن أيقنت أن النار كانت كامنة تحت الرماد ..الآن فقط أيقنت تماماً أن كلمة الخير لا تضيع وأن النصيحة الخالصة تبقى مخزونة مع الأيام ..لقد كر أمام عيني في تلك اللحظة شريط طويل من نصائحه ومواقفه معي وترهيبه إياي، وركوبي رأسي في استخفاف ..!

    نعم لقد خطر لي خاطر سوء وقتها.. هو أن أحمل عليه حملة شعواء بلا هوادة حين يعود، ولكني عدلت عن هذا الخاطر وأنا أتذكر الموت والموتى والمقبرة والقبور والليل الموحش والحساب والنعيم والجحيم.. وعدت باللائمة على نفسي وقررت أن أستفيد من هذه النفحة الروحية، لقد قفز في ذهني خاطر عجيب: لماذا لا يكون ما حدث هذه الليلة خير عظيم ساقه الله لي وعليّ أن استفيد منه؟.. لذا فقد ركزت فكري كله في تلك الوصايا والتوجيهات التي كان يكيلها بلا حساب على مسامعي وذهبت أستعيد الشريط بشكل مذهل وعجيب وأخذت الوصايا والمواقف والتعليقات تتقافز في ذهني بصورة مثيرة حية. وأيقنت لحظتها أنه ما فعل ذلك كله إلا حباً لي وحرصاً على وشفقة بي وإرادة الخير لي في الدنيا والآخرة وأدركت كم كنت غبية وأنا أتجاهل ذلك كله راكبة رأسي مع هواي وشيطاني ونفسي الأمارة.. وسبحت مع أفكاري الجديدة المشرقة منقطعة عن كل ما حولي كما ينقطع الأموات عن الحياة والأحياء .. حتى لقد أغمضت عيني وأنا أتوهم انطفاء آخر شمعة في حياتي ودخولي في ليل مظلم حالك، وإقبالي على أهوال لا توصف وانتظاري ملائكة الله للسؤال والحساب .. وهاهنا تفزعت بل بكيت وحملقت في حذر وأخذت أتلفت في جزع وكانت النسائم التي تهب كأنما تحمل معها أرواح الموتى من حولي..!! ورغم أنفي سقطت من عيني دموع كثيرة.. لقد كانت لحظات لا توصف ولا يمكن التعبير عن الشحنات الروحية التي فيها. ولن يدرك حقيقتها إلا من وقع تحت تجربتها وذاق سحرها ..ولقد كان لتلك الليلة أبعادها، لقد شعرت بأنني خرجت من المقبرة بغير القلب الذي دخلت به إليها .. ولقد وطنت نفسي منذ تلك الساعة على أن أكون عاقلة.. على أن أستعد للقاء هذه النقلة إلى هذا المكان الموحش.. فعزمت عزماً أكيداً على الإقبال على الله بنشاط وشوق وفي همة ..

    فهاهنا على أعتاب هذه الدار سوف يتركك أحب الأحباب إلى قلبك بعد أن تترك أنت أعز الأشياء إلى نفسك.. سوف ينفض أحباؤك أيديهم من تراب قبرك لينسوك بعد فترة قد تطول وقد تقصر ليعودوا إلى ممارسة حياتهم العادية في اللحظة التي تواجه فيها ما يشيب له شعر الصغير.

    جميع أحبابك سوف يتركونك وحيداً لتواجه مستقبلاً مجهولاًً فإذا كان لديك رصيد من طاعات وقربات وحسنات وأذكار فيا لفوزك ويا لفرحتك.. وما أروعك يومها وما أعظمك.. وأما إذا كانت الأخرى، فلا تلومن إلا نفسك .. ولقد أعذر من أنذر .وصدق رسول الله صلي الله عليه وسلم حيث يخبر أن العاقل الحقيقي: هو الذي يحاسب نفسه ويعمل لما بعد الموت.. وأن العاجز الغبي هو الذي يتبع هواه في كل الميادين ثم يتمنى على الله الأماني .!! يتمنى على الله الأماني وهو الذي لم يفكر أن يجعل حياته وفق ما يريد الله سبحانه.

    أما أنا فلكم حمدت الله كثيراً على تلك الزيارة المفاجئة إلى المقبرة.. فلقد نفضت نفسي على نفسي.. وأشرقت أرض قلبي بنور ربها.. ولله الحمد والمنة والفضل والثناء الحسن. اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون..
    منقول.........
     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2003-12-30
  3. rayan31

    rayan31 قلم ذهبي

    التسجيل :
    ‏2002-07-21
    المشاركات:
    5,471
    الإعجاب :
    0
    إن الذكرى تنفع المؤمنين

    بارك الله فيك اخي الحسام على هذا التذكير
     
  4.   مشاركة رقم : 3    ‏2003-12-30
  5. يمانية

    يمانية قلم ذهبي

    التسجيل :
    ‏2003-12-12
    المشاركات:
    9,477
    الإعجاب :
    0
    نص مقتبس من رسالة : rayan31
     
  6.   مشاركة رقم : 4    ‏2003-12-30
  7. نبض اليمن 2003

    نبض اليمن 2003 عضو متميّز

    التسجيل :
    ‏2003-06-15
    المشاركات:
    1,116
    الإعجاب :
    0
    بارك الله فيك ، وجعل أجر هذه الموعضة في ميزان حسناتك

    تحياتي
     

مشاركة هذه الصفحة