الشيخ المؤيد نموذجا.. ًالحرب الشاملة ضد الإرهاب وآثارها الإنسانية

الكاتب : وليد محمد عشال   المشاهدات : 399   الردود : 0    ‏2003-12-27
      مشاركة رقم : 1    ‏2003-12-27
  1. وليد محمد عشال

    وليد محمد عشال عضو

    التسجيل :
    ‏2003-07-25
    المشاركات:
    94
    الإعجاب :
    0
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    لست هنا في وارد الدفاع أو محاولة تبرئة الشيخ الفاضل محمد علي المؤيد الذي سلمته الحكومة الألمانية يوم 16نوفمبر الماضي، بحسب ما تناقلته الوسائل الإعلامية، إلى السلطات الأميركية التي وجهت إليه اتهامات تتعلق بالإرهاب، بعد أن ظل رهن الاعتقال في ألمانيا لفترة تقارب عشرة أشهر متتالية، ولا يعني ذلك بالضرورة أنني لا أريد الدفاع عنه، ولكن الخوض في مناقشة مشكلته غير ممكن ومستحيل بالنظر إلى الحجب المقام والسرية المطلقة للمعلومات المتعلقة بالتهم الموجهة إليه والأدلة والبراهين والقرائن المستندة إليها أو بالأصح المسوغة لها. وللأسف الشديد فإنه منذ قادت الإدارة الأميركية ما سُمّي بحرب العالم الشاملة ضد الإرهاب سواء بشن حرب مباشرة مدمرة ضد دولة واحتلالها، مثلما حدث في أفغانستان، أو من خلال القيام بعمليات خاصة للتصفيات والاغتيالات الدموية، كما حدث في اليمن، أو بالاعتقالات العشوائية الواسعة النطاق في سجون معزولة داخل قواعد عسكرية مغلقة أو عبر قتل أعداد كبيرة من أسرى الحرب المقيدي الأيدي والأرجل، كما حدث في قاعدة جوانتنامو وأفغانستان، وكذا الملاحقات والمطاردات المكثفة والواسعة لأشخاص وأحزاب ومنظمات وجمعيات سياسية ومالية وتعليمية وثقافية وخيرية واتخاذ إجراءات تعسفية وبالغة القسوة في حقهم على امتداد العالم بأسره. هذه الممارسات والإجراءات مما ذكرنا وما لم تذكر- وهو كثير- تمت وفق ذلك النهج الجديد المتسم بأقصى مستويات التكتم والسرية والغموض التام حتى ان احدا لايعرف لماذا يعتقل البشر وأين هم ولا لماذا أطلق سراحهم- إن أطلق سراح البعض منهم- وكذا بالنسبة للمطلوب تسليمهم من مواطني دول العالم، وما أسباب تجميد الأموال والأرصدة لأحزاب ومنظمات وجمعيات وأفراد. كل ذلك يتم وسط غياب كامل وتجاوز مطلق لكافة الشروط والضمانات القانونية ومقتضيات حقوق الإنسان وكرامته، وتلك سابقة خطيرة ومستهجنة وغريبة حينما تمارسها دول عظمى تدّعي حماية ورعاية الديمقراطية والليبرالية وحقوق الإنسان. وقد بلغ الأمر ذروة الخطورة والفوضى عندما أضافت الإدارة الأميركية إلى ذريعة محاربة الإرهاب والإرهابيين ذرائع ومبررات أخرى عديدة تبرر لها كل ما تريد تحقيقه واتخاذه من سياسات ضد أية دولة تختارها هدفاً لها، مثل أسلحة الدمار الشامل والديكتاتورية وانتهاكات حقوق الإنسان والديمقراطية وغيرها من الذرائع، وبهذا فرض طغيان وجبروت القوة العسكرية الأعظم في العالم وضعاً دولياً غير مسبوق ذا طابعين رئيسيين يميزانه وهما:
    الطابع الأول: انفراد القوة العالمية الأعظم (الولايات المتحدة) بشن الحرب على دول العالم الصغيرة واحتلالها عسكرياً، وهي دول مستقلة ذات سيادة وأعضاء في الأسرة والمنظمة الدولية المتوافق عليها عالمياً، كما حدث بشن حرب عدوانية شاملة ضد جمهورية العراق وإسقاط نظامها السياسي المشروع واحتلال أراضيها بحجة امتلاكها أسلحة دمار شامل، وهو ما أكد المفتشون الدوليون بطلانه وعدم صحته، ولم تستطع قوات الاحتلال العثور على أبسط الأدلة عليه حتى الآن رغم بسط سيطرتها «الاستعمارية»على كامل أرض العراق، وهو ما دفع بقوات الاحتلال إلى الترويج لذريعة أخرى وهي دكتاتورية وقمعية نظام الرئيس صدام حسين لشعبة وأنها لم تتجشم مخاطر الحرب وتتحمل تضحياتها المادية والبشرية إلا عطفاً ورحمة بالشعب العراقي المسكين لتهبه هدية الديمقراطية الثمينة والغالية!
    الطابع الثاني: إشهار القوة العالمية الأعظم لسيف التهديد والوعيد والتخويف والترويع والعقوبات وتسليطه على رقاب من تريد من دول العالم المستقلة ذات السيادة حيث أعطت الإدارة الأميركية لنفسها وحدها دون غيرها الحق في منح «صكوك غفران» وإصدار «شهادات حسن سيرة وسلوك» لهذه الدولة أو تلك، وتحديد واحتكار مرجعية منع أو منح قيم ومُثل ومعايير الشر والخير في العالم، وحتى الآن، ورغم احتواء قائمة «الحرمان» والتهديد لعدد لا يستهان به من حيث العدد والحجم، فبالإضافة إلى كوريا الشمالية نجد على رأس تلك القائمة دولاً مثل إيران والسعودية وسوريا ولبنان وفلسطين وباكستان، وهناك مصر بثقلها ووزنها الكبير ومكانتها في العالمين العربي والإسلامي، إضافة إلى السودان والصومال واليمن، فإنه من المؤكد أن تشهد تلك القائمة توسعاً وتزايداً مستمراً ومتصاعداً كلما اقتضت مصالح وأهداف القوة العالمية الأعظم ذلك، لا فرق ولا تمييز بين مناوئ وكاره وخارج عن الطاعة، وبين صديق وحليف ومحب، فالمطلوب والمحبوب الأرض وما فيها من ثروات وخيرات وموقع وليس طبيعة وفلسفة وتوجهات النظام السياسي!
    وبهذا الوضع الدولي المستحدث وغير المسبوق بطابعيه أو جانبيه المشار إليهما آنفاً سلبت المنظمة الدولية الممثلة للمشروعية الدولية بهيئاتها ومؤسساتها وأجهزتها دورها ومسؤولياتها في تنظيم وضبط وتوجيه مسارات العلاقات والتعاون بين دول العالم وحفظ الأمن والسلام والاستقرار بينها، حين أصبحت القوة العالمية الأعظم هي صاحبة الحق، منفردة في تقرير وإدارة شؤون العالم وعلاقاته ومصائره، وعلينا أن نعترف رغم الأسى والأسف العميقين، بأن القوة الأعظم، الولايات المتحدة، استطاعت من خلال ذلك الواقع الدولي الجديد الذي فرضته منفردة وعبر طغيان القوة العسكرية والمالية، أن تجبر كثيراً من دول العالم على إعطاء الولايات المتحدة، كل ما طلبته من امتيازات ووجود على أراضيها، والامتثال لكل مطالبها وشروطها دون مناقشة أو اعتراض، حتى وإن تعارض ذلك أو بعضه مع مقتضيات واعتبارات السيادة الوطنية أو شكّل تهديداً، عاجلاً أو آجلاً، لأمنها وسلامتها الوطنية أو تصادم مع معايير الحق والعدالة والمنطق.
    وعلى ضوء هذا الاستعراض العام ندخل لمناقشة صلب موضوعنا في هذا المقام- أي قضية أو مشكلة أو محنة الشيخ محمد علي المؤيد- وستقتصر مناقشتنا لها على جانبين رئيسيين هما:
    الجانب الأول: مبدأ قيام دولة بتسليم أحد رعايا دولة أخرى الى دولة ثالثة في اطار المبدأ العام المطالب بالتسليم اصلاً.
    الجانب الثاني: النتائج والآثار الإنسانية المؤلمة التي ترتبت على غياب المؤيد وبقاؤها دون معالجات أو ترتيبات بديلة للحد من تأثيراتها السلبية.
    وحول الجانب الأول لمناقشتنا لا بد من التنبيه إلى أنني لن أتعرض للمسائل المتعلقة بالقانون كتخصص بما في ذلك المواثيق والمعاهدات والقوانين الدولية ولا القوانين المحلية أو الاتفاقات الثنائىة المعنية بتنظيم وإدارة العلاقات بين الدول، وإنما سأستند إلى إيحاءات وإملاءات المنطق والحق والعدل وما يستحسنه العقل السوي ويستصوبه فطرياً المنهج الإنساني، مستشهداً كلما اقتضت الضرورة ببعض جوانب الأعراف والتقاليد السائدة في المجتمع باعتبارها خلاصة تراكم خبرات وتجارب وحياة الإنسان- فرداً وجماعات- طوال مئات السنين والحقب الزمنية الممتدة عبر العصور. فالشيخ المؤيد أراد السفر إلى المانيا سواء للعلاج الطبي أو غيره فتقدم إلى السفارة الألمانية بطلب منحه تأشيرة دخول، وأعطيت له بالفعل، وبموجبها سافر إلى المانيا، والمعنى الحقيقي لمنح التأشيرة لأي إنسان أن البلد الحاصل على تأشيرتها الرسمية موافقة على دخوله أراضيها، وأنه مرحب به وليس عليه أية ملاحظات أو مآخذ تجعله غير مرغوب فيه أو محظوراً عليه دخول البلد. وبهذا المعنى تصبح التأشيرة الرسمية الحاصل عليها بمثابة وثيقة أو عقد اتفاق يضمن سلامته وأمانه ورعايته ومعاملته معاملة كريمة بمقابل احترامه والتزامه وتقيده بقوانين البلد السائدة، وحتى بعد دخوله البلد- بموجب التأشيرة الممنوحة له- فإنه في حالات معينة يمكن تفهم وتقبّل أن تطلب البلد من ذلك الشخص، لسبب أو لآخر، مغادرة البلاد حيث أصبح شخصاً غير مرغوب فيه، أما أن تقوم باعتقاله لشهور طويلة ثم تسليمه مخفوراً لدولة أخرى امتثالا لرغبتها واستناداً إلى اتهامات تتهمه بها وفقاً لرؤيتها فإن ذلك مما يصعب قبوله أو تبريره، بصرف النظر عن المواثيق والمعاهدات والاتفاقيات الدولية التي داستها الإدارة الأميركية وضربت بها عرض حائط الاحتقار والإهمال تماماً.
    ودعوني في هذا الصدد أضرب لكم مثلاً من الواقع، ففي بلادنا اليمن الذي يغلب عليه الطابع العشائري القبلي فإن أعراف وتقاليد القبائل- التي ينظر إليها الغرب المتحضر على أنها فئات متخلفة ووحشية وهمجية- تقضي، ضمن ما تقضي به، أنه في حال وجود ثأر شخصي بين إنسان وآخر بسبب قتل أحدهما أب أو ابن أو أخ أو أحد أقارب الآخر، وتواجه المطالِب بالثأر والمطلوب الثأر منه صدفة، وقام أحدهما بإطلاق تحية سواء بالكلام أو بمجرد الإشارة وبدون المصافحة بالأيدي وقام الآخر بالرد عليها بنفس الطريقة، فلا يجوز للمطالِب بالثأر أن يأخذ بثأره من الآخر طوال ذلك اليوم أما إذا تصافحا أو أكل الاثنان من طعام واحد ودخل المطلوب الثأر منه منزل المطالب بالثأر فمدة تحريم القيام بالثأر تطول تبعاً لكل حالة، وتصل في أقصاها إلى أيام طويلة، ذلك أن الأعراف القبلية المعمول بها لمئات طويلة من السنين تعتبر التحية أو الرد عليها ولو بالإشارة بمثابة عهد أمان وتأمين للشخص لا يجوز مطلقاً الخروج عليه. وبالقياس على هذا فإن منح إنسان تأشيرة دخول رسمية لبلد من البلدان بمثابة عهد أمان وتأمين ورعاية يجب الوفاء والتقيد بأحكامه.
    وعليه فإن اعتقال الشخص وتسليمه لطرف آخر ضد إرادته يعتبر في عرف القبائل «عيباً أسود» وهو أعلى درجات العيب لأنه قام على الخديعة والاستدراج ونقض العهود، يقتضي مضاعفة العقوبة عليه أضعافاً كثيرة تصل أحياناً إلى مايقارب مائتي ضعف!
    أما الدين الإسلامي فيوجب ويلزم اتباعه بحماية المستجير وإيوائه، ليس هذا فسحب، بل وضمان إيصاله إلى المكان الذي يشعر فيه بالأمن والأمان على حياته، ولو كان المستجير من ألد أعداء المسلمين، حيث يقول الله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم موجهاً المسلمين: «وإن أحد من المشركين استجارك فأجرْه حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه».
    ولذا فقد كان من الأفضل لألمانيا، وهي البلد الصديق الذي يحتل مكانة مرموقة من الاحترام والتقدير في أنفس ومشاعر اليمنيين، أن لا تمنحه تأشيرة دخول أو أن تطلب منه مغادرة ألمانيا، وأقصد الشيخ المؤيد ورفيقه، أو تقوم بتسليمه لبلده الأصلي.
    وفي هذا الصدد، فإن الكثيرين هنا يتساءلون بكل دهشة واستغراب: لماذا لم تطلب السلطات الأميركية من الحكومة اليمنية تسليم المؤيد لها لمحاكمته واعتقاله؟ وهل يكون هناك قصد خبيث لتشويه الصورة الممتازة لألمانيا في أعين الشعب اليمني؟ بل ولماذا لم تطلبه عبر الشرطة الدولية «الانتربول الدولي» مثلاً؟
    بعد هذا نأتي إلى مناقشة الشق الآخر للجانب الأول من تناولنا للموضوع- المشكلة، وهو الشق المتعلق بمبدأ قيام دولة ما بالضغط على دولة أخرى لإجبارها على تسليمها شخص أو أكثر من رعاياها لتتولى هي، في أرضها ووفق قوانينها وبواسطة أجهزتها، التحقيق معه أو معهم في تهم تتهمهم بها وبالتالي محاكمتهم وعقابهم. وفي اعتقادي أن الامتثال والاستجابة لمبدأ كهذا في العلاقات بين الدول وإرساء نموذج لتعامل مثل هذا المبدأ، يمثل سابقة سيترتب عليها أوخم وأخطر العواقب والتداعيات والآثار المدمرة من أهمها تدمير وإلغاء مفهوم ارتباط رعايا الدول برباط الولاء الوطني الوثيق الذي يوحدهم ويجمعهم حول مفهوم الدولة أو الوطن، حيث سيفقد مفهوم الولاء الوطني معناه وقدسيته ودعواه تماماً، حيت يشعر المواطنون ان دولتهم التي تمثل بالنسبة لهم رمز الهوية والولاء لا معنى لها ولا توفر لهم الحماية والأمن والكرامة، وسيتحول ولاؤهم وارتباطهم شيئاً فشيئاً إلى الدولة العالمية الأعظم التي تملك الحل والعقد وتفرض إرادتها ومشيئتها على كل ما دونها من دول وكيانات وطنية عالمياً. هذا جانب والجانب الآخر فإن الانصياع لذات المبدأ والقبول به اليوم من قبل الحكومات والحكام ضد مواطنيهم يطرح التساؤل: ما الذي سيحول غداً دون أن يصبح مصيدة ووسيلة لاصطيادهم وجرجرتهم ليهانوا ويحاسبوا ويذلوا خارج أوطانهم، كما حدث لرعاياهم من قبل؟ .. وبطبيعة الحال فإننا هنا لا ندعو إلى عدم التعرض للمجرمين ومن ثبت إدانتهم، أو تركهم أحراراً طلقاء، ولكننا نقول ما الذي يمنع السلطات الأميركية أو سلطات غيرها من الدولة إذا ما لديها اتهامات ضد مواطنين أن تطلب من سلطات بلدانهم التحقيق معهم ومحاكمتهم وعقابهم، ولا أعتقد، في مثل هذه الحالة، أن تتولى سلطات وأجهزة الدولة، صاحبة الاتهامات، مهمة «الادعاء العام» لدى القضاء اليمني مثلاً؟ هذا إذا لم يتمكن العالم من إيجاد هيئات قضائية ومحاكمة دولية محايدة ونزيهة متفق عليها في إطار منظومة الشرعية الدولية.
    وأما ما يتعلق بالجانب الثاني لمناقشتنا لمحنة الشيخ المؤيد والخاص بالآثار والنتائج الإنسانية المريرة التي ترتبت أو نتجت عن غيابه أو تغييبه، وحول هذا الجانب نقول باختصار ان الشيخ محمد علي المؤيد كان معروفاً - اجتماعياً- على نطاق واسع على أنه من رجال الخير البارزين في البلاد، عمل منذ سنوات طويلة وكرس حياته بنشاط وهمة غير عادية لتأسيس وبناء صرح إنساني خيري كبير ومتميز هو «جمعية الإحسان الخيرية» في أمانة العاصمة، وبها ومن خلالها ظل يرعى ويساعد- في حدود معلوماتي القليلة- ما يقارب ثمانية آلاف أسرة فقيرة، أنشأ عدة مطابخ لإعداد الوجبات الغذائية في عدد من الأحياء السكنية لإطعام الفقراء وخاصة خلال شهر رمضان، وتزويدهم بالخبز اليومي، بانتظام، وأنشأ مركز الإحسان التعليمي لأبناء الفقراء يتعلمون فيه مجاناً علوم الكمبيوتر واللغات وغير ذلك من العلوم ويزود الطلبة الفقراء بالحقائب المدرسية والدفاتر والأقلام والزي المدرسي، ويساعد الفقراء في نفقات العلاج وغير ذلك من الأعمال الخيرية الإنسانية، وكان حلول شهر رمضان المبارك لهذا العام شاهداآً على مشاعر الحزن والبؤس ومظاهر الألم والمعاناة التي ارتسمت على ملامح وحياة كل هؤلاء الفقراء إثر افتقادهم راعيهم ومعينهم على ظروف المعيشة التي تطحنهم -وغيرهم كثير- إلى حد يفوق الاحتمال الانساني. ولم يخطر على بال الإدارة الأميركية ولا غيرها ولو للحظة واحدة مثل هذا الوضع الإنساني المؤلم والمرير، بل كان كل همها هو مجرد استدراج المؤيد وسجنه وطلب تسليمه، وهو ما يجعل استياء وغضب وسخط الناس يزداد توسعاً وعمقاً ضد الإدارة الأميركية، ولو أنها فكرت في وقت متزامن مع سعيها لاعتقال المؤيد لتوفير بديل إنساني لجموع الفقراء والمساكين الذين يرعاهم المؤيد ويساعدهم لكان بإمكان الناس، حينئذ، تفهم- وربما تقبل- مسألة اعتقال المؤيد وأمثاله.
    والحقيقة المرة أن الإدارة الأميركية منذ بدأت حربها ضد ما يسمى الإرهاب قامت بتجميد أنشطة وأرصدة وحسابات وممتلكات عدد كبير من المؤسسات والجميعات الخيرية الإنسانية في طول العالم وعرضه ما أدى إلى حرمان الملايين من الفقراء من إعاناتها ومساعداتها الإنسانية بحجة أن تلك المؤسسات والجمعيات تموّل الإرهاب دون تقديم دليل يؤكد ذلك. وقبل أيام ذكرت وسائل الإعلام أن الإدارة الأميركية اتخذت اجراءً تمييزياًً ضد ثلاث من كبريات الجمعيات الخيرية الإسلامية في الولايات المتحدة، ممن لم تشملها إجراءات الحظر والتجميد والمصادرة، بإلغاء الإعفاء الممنوح لها من الضرائب أسوة بمثيلاتها في كل دول العالم، وهذا المنهج التدميري السيء هو نفسه مايؤجّج مشاعر العداء والكراهية ضد أمريكا وسياستها، ويولّد قناعة راسخة لدى قطاعات واسعة من الناس بالتعاطف والتأييد لمن يطلق عليهم بالإرهابيين ما دامت أعمال البر والخير والإحسان ومساعدة الفقراء والمساكين تتم على أيديهم. ولو أن الإدارة الأميركية أوعزت ودفعت هي وحكومات العالم الغربي المؤسسات والجمعيات الخيرية الإنسانية المسيحية التي تحظى بدعم ومساعدة حكوماتها لتحل محل المؤسسات والجمعيات الخيرية الإنسانية الإسلامية المحاربة والمحظورة في تقديم خدماتها ومساعداتها للفقراء والمساكين والمحتاجين لكان ذلك مدعاة لكسب ثقة ورضى وتأييد شعوب العالم الإسلامي للسياسة والإجراءات الأميركية ولأوجدت مصداقية معقولة بسلامة وصواب حربها ضد الإرهاب، لكن العكس هو ما حدث للأسف الشديد.
    ü وصدق الشاعر اليمني:
    تقولون أخطأنا فهاتوا صوابكم
    وكونوا بُناةً قبل أن تهدموا الصرحا.

    اخوكم الكاسر
     

مشاركة هذه الصفحة