راشد الغنوشي: بعد طيّ صفحة صدام والبعث، العراق الى أين؟

الكاتب : Time   المشاهدات : 2,207   الردود : 13    ‏2003-12-23
      مشاركة رقم : 1    ‏2003-12-23
  1. Time

    Time مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2003-07-14
    المشاركات:
    18,532
    الإعجاب :
    1
    اللقب الاضافي:
    نجم المجلس اليمني 2004
    بسم الله الرحمن الرحيم



    [color=FF0000]بعد طيّ صفحة صدام والبعث، العراق الى أين؟[/color]

    [color=993366]بقلم الشيخ راشد الغنوشي[/color]

    [color=0000FF]لم نبك ولم نصفق لسقوط صدام بين أيدي القوات الأمريكية كما لم نفاجأ بذلك بعد أن انهار نظامه فليس إيقافه إلا نتيجة طبيعية: الدكتاتورية أجهزة يتحكم فيها الدكتاتور فإذا خرجت من يده فقد انتهى الامر. الذي فاجأنا بحق هو الحبكة الهوليودية والإخراج السينمائي لقصة اعتقاله.

    لم نبك لسقوطه لأنه طاغية بامتياز ونحن ضحايا الطغيان، والطغيان هو الكارثة العظمى التي حلت بالمسلمين وحكمت تاريخنا منذ سقوط الخلافة الراشدة وقيام الملك العضوض. والذي زاد في مرارة هذا الطغيان هو دخول الهيمنة الغربية على الخط حيث ساعدت على قيام أنظمة حكم تكاد تكون منفصلة بالكامل عن شعوبها ثقافة ومصالح، تستمد شرعيتها من القوة المدعومة من هذا المعسكر الخارجي أو ذاك لتعمل على قمع الشعوب وضرب قواه الفاعلة والمؤثرة من أجل تحييد أية قوة وطنية يمكن أن تهدد مصالح تلك القوى.

    لقد تظافرت عوامل داخلية وخارجية على تحويل أغلب دولنا إلى أجهزة قمع رهيبة لقمع المخالفين في الرأي بل وسحقهم في حين يتنعم الموالون لها ويتقلبون فيما تقدمه لهم الدولة من منافع وامتيازات حتى غدت أوطاننا أشبه ما تكون بالريع الخاص والحدائق الموقوفة على السلاطين وأتباعهم.

    ولم يشذ صدام عما هو سائد في المنطقة العربية بشكل عام. ففي نهاية المحصلة ومهما كان الواقع آسنا فزواله يفتح الباب أمام إمكان حصول نقلة نحو الحرية والإسلام وهزة عنيفة لعروش الكثير من أمثاله. لذلك أعرض الإعلام الرسمي لكثير من الأنظمة الإستبدادية عن نقل صدام وهو أسير بين أيدي القوات الأمريكية نظرا لما للصورة من التأثير البليغ على الرأي العام العربي المعني أكثر من سواه بما تشهده المنطقة من تحولات ...

    من جهة أخرى كان علينا والحال على ما قدمنا أن نصفق ونهلل ولكننا لم نفعل ذلك أيضا لأن الأمر جلل ومعقد والصورة مركبة اختلطت فيها الالوان. غير لائق بنا بل غير جائزأن نشارك قوات الاحتلال نشوة الإنتصار بالسيطرة على بلد اسلامي والفتك بقوم من جلدتنا- وإن جاروا وظلموا- فنلفى أنفسنا في مركبة واحدة مع أعداء أمتنا الصهاينة قيادة ورأيا عاما الذين عبروا فرحة عارمة واحتفاء وتشف مما حدث مع أن توجيهات كتاب ربنا التي لاتخطئ بينات قاطعات" ان تمسسكم حسنة تسؤهم وان تصبكم سيئة يفرحوا بها" (آل عمران 120). إنه انتصارهم سعوا إلى تحقيقه بالعمل الدؤوب والعزم الراسخ على إسقاط صدام بل واستهدافه شخصيا بالقتل وذلك منذ أن تمرد على خططهم، بذلك تنطق الوثائق، فبعد أن أمدوه بأفدح وسائل الدمار يوم أن كان يمينهم الباطشة المتربصة بإسقاط الثورة الإيرانية في أيامها الأولى فلم يتورع عن استخدام المبيدات الكيمياوية ضد جيرانه الإيرانيين كما استخدمها لاحقا ضد مواطنيه الأكراد الذين لم ينصرهم أحد يومئذ... أما وقد أنجز المهمة القذرة وأصبحت له قوة عسكرية مدربة في ساحات الموت مع الطموح الشخصي الواسع للزعيم وعمق شعوره الوطني والقومي الذي أبى عليه أن يقايض بقاءه وحكمه بالتفريط في فلسطين والتطبيع مع الكيان الصهيوني – كما فعال ويفعل غيره- وبعد أن غدا الرقم العسكري الصعب في المنطقة، فقد وجب التحرك والتدخل لمنعه والعراق من الإستفادة من التناقضات الدولية لتجاوز الحد المسموح به للعرب في مجال التسلح بعد إنجاز المهمة! بل ولتصفيته ونظامه وبالخصوص بعد أن أقدم على الخطيئة التي لا تغتفر: التجرأ على قصف اسرائيل رأس رمح السياسة الدولية والقوة الماسكة بمفاصل القرار الامريكي.

    لقد كان مطلوبا بعد المغامرة الدامية الأولى لصدام في ايران والتي سالت فيها دماء المسلمين أنهارا وعلى مدار ثماني سنوات أن يعود إلى حجمه المعتاد فأبى واستعصى وقد أساء فهم الرسالة وعجز عن استيعاب ما كان يحصل في تلك الأيام من انخرام وعدم تكافئ في موازين القوى وميلها لصالح المعسكر الاطلسي ... في هذه الظروف والملابسات بدأ رسم الخطط ووضع برامج الإطاحة به وبنظامه جزء من خطة للسيطرة الامريكية. ولم يكن إغراؤه بغزو الكويت غير شرك منصوب بكل مهارة لاصطياده. وكانت تلك الحرب شبه الكونية التي واجه فيها العراق ثلاثين دولة فدمّر شر تدمير وتلقت إسرائيل خلالها ضربات في العمق وأنجز القدر المقدور عليه إلا أن المهمة عدت منقوصة وكانت أمريكا بقيادة كلينتون أقل تعطشا إلى إتمامها.

    إن مغامرة صدام في الكويت ما كانت لتكون لو لم يكن نظامه - سائر أنظمة العرب- مفتقدا للحد الادنى من مؤسسات الرأي والشورى والمشاركة السياسية، فلا أحد- في مثل هذا النظام يراجع الحاكم في أي قرار يرتئيه حتى لو كانت فيه نهايته وخراب بيوتنا وأوطاننا. لهذا السبب مثل غزو الكويت فرصة ذهبية لتنفيذ برامج الهيمنة والإستيلاء على مقدرات المنطقة العربية في الخليج من طرف الولايات المتحدة بعد أن أيقنت أنه لا أحد بوسعه أن ينافسها في رسم السياسة الدولية. ولم تتوان الصهيونية المتربصة في دفع السياسة الأمريكية في هذا الإتجاه وخاصة بعد الفرصة الذهبية التي أضافتها الى حماقات صدام حماقات جماعة بن لادن من ضلوعه في أحداث الحادي عشر من سبتمبر والمسارعة الى اختلاق الربط بين الجهتين من قبل القوى السياسية الأمريكية الصاعدة المتلمظة للسيطرة والمؤمنة بالصراع والمواجهة، فكانت فرصتها لوضع مخططاتها الهيمنية موضع التنفيذ واستكمال المهمات التي لم تنجز وتوسيع المخطط ليصبح غزو العراق حجر الزاوية في مخطط الهيمنة الأمريكية الصهيونية الكاملة على المنطقة والتحكم في منابع النفط وتأمين أمن إسرائيل نهائيا وإعادة رسم خرائط المنطقة بما يحقق هذا الغرض حتى وإن اقتضى الأمر الإطاحة بحكومات وتغيير ثقافات وفرض مناهج تربوية بديلة وبعث مؤسسات جديدة وإملاء حتى الأفكار والرؤى على الخصوم.

    وكل ذلك مما تنطق به الوثائق و تشي به التصريحات وما نراه مطبقا على أرض الواقع. ومع ذلك فان الرئيس العراقي بجهله بتداخل السياسات الدوليه وتعقيداتها كان للأسف جزءً لا يتجزأ من سوق المياه الى مجاري هذا المخطط الأمريكي الصهيوني. وبصرف النظر عما أثير من تلفيق وتركيب في سيناريو اعتقاله الذي قدم للعرب رئيسا لا يشك أحد في جرأته واستبداده وقساوته ودمويته، قدم عجوزا منهكا مسلوب الإرادة تائها مستسلما للجندي الأمريكي في حين قاتل حفيده الطفل قتالا شرسا كما قاتل ولداه، قلت بصرف النظر عن ذلك فإن قصد التشفي من الرجل وإهانته والمنزع الصلفي الإنتقامي واستهداف التأثير النفسي على شعبه وأمته وإشاعة مناخات الإحباط أمور لا تخفى. بصرف النظر عن كل ذلك وعما أضافه هذا الحدث في صفوف الأمة وفي شعب العراق وفئاته من شروخ وانقسامات واستقطابات فإن الكثير من عقلاء الأمة إن لم يكن أكثرهم يكاد يجمع على ما يلي من التوجيهات والنصح في النظر إلى هذا الحدث ومنهاج التعامل معه:

    1- لا أحد يشك في أن الرئيس صدام حسين كان حاكما علمانيا مستبدا دمويا حكم بلاده بالحديد والنار وانتهى الى الوقوع تحت سنابك الإحتلال وتمزيق الصفوف وأفدح الكوارث ودمار كل كسب تنموي ووضع يد المحتل على ثرواته كما اضاف الى الامة مهانة أخرى الى ما هي فيه بما يمثل أبشع صور عواقب الاستبداد. وأنه لا يرجى من ورائه خير مهما ازّين.

    2- إن العقول الأمريكية الصهيونية التي خططت لإسقاط نظامه عبر كل الوسائل بما في ذلك الإغتيال وتدمير البلد وحرب الحصار الإبادي على الشعب، لم تحركها دوافع إنسانية في العدل والديمقراطية .... وإنما حركتها نزوعات السيطرة العسكرية والإقتصادية على المنطقة التي تنطق بها خطط صريحة إسرائيل ضالعة فيها وشريك ومستفيد أساسي.

    3- إن العقل الجمعي لأمتنا والذي له تجربة طويلة مع الغزاة الغربيين قد استقرت فيه ثقافة وقيم راسخة لا تركن أبدا إلى الغزاة مهما تمسحوا بالدين (مثال نابليون)، و مهما رفعوا من شعارات الحضارة أو ما يرفعون اليوم من شعارات الديمقراطية وحقوق الإنسان بما يجعل المشكل اليوم في العراق هو نفس المشكل في فلسطين، هو الاحتلال وهو مرفوض مهما تمسح به من شعارات.

    وما يزيد التماهي بين الحالتين هو ضلوع الصهيونية في كل الخطوات التي أدت إلى احتلال العراق تفكيرا وتخطيطا وإعدادا وتنفيذا. والثابت اليوم كما نشرت قبل يومين صحيفة الواشنطن بوست أن بعض الجنرالات الأمريكيين مثل الجنرال مايكل فين هم في إسرائيل قصد التعلم من تجربتها في قمع الفلسطينيين من مثل هدم بيوت المقاومين وأقاربهم وجرف المزارع والإطلاق العشوائي للرصاص على المتظاهرين وممارسة شتى ضروب الإذلال.

    4- إن انطلاق المقاومة في العراق بهذه السرعة أمر منتظر ومتوقع. ولم يستكثر على شعب العراق وحده دون شعوب الأرض التي تعرضت للإحتلال أن يقاوم من أجل استعادة حرمته وكرامته وسيادته على أرضه وسمائه وثرواته؟ فحيثما كان هناك احتلال كانت هناك مشروعية للمقاومة. هذا هو قانون التاريخ. وليس الحديث هنا عن العمليات الإرهابية التي تستهدف الؤسسات المدنية أو السفارات أو المواطنين العراقيين والتي ندينها بشدّة.

    إن كثيرا من المتابعين لأحداث المنطقة يرى أن هذه المقاومة هي من الأهمية بمكان أنها ستتجاوز تحديد مستقبل العراق الى التأثير في جملة مصائر المنطقة كلها إن لم يكن جملة العلاقات الدولية ومنها علاقة الإسلام بالغرب والعلاقة بين الشمال والجنوب والعلاقة بين أمريكا \ إسرائيل والعالم. فكل ذلك سيتأثر إلى حد أو آخر بمصير هذه المقاومة في كل من العراق وفلسطين فكلاهما يمثل رأس الرمح في التصدي للهيمنة الأمريكية الصهيونية على العالم ومن ورائهما كل القوى والدول والحركات الرافضة لتلك الهيمنة إلى جانب أوروبا وروسيا والصين.

    -5 إن هذه المقاومة التي عبرت عن مستوى عال من الفعالية- ورغم ما قد أشيع حولها من اجل عزلها وتشويهها - من أن صداما والبعث وراءها، الشواهد الكثيرة تدل على أنها طيف واسع جدا لا يتحكم فيه فصيل واحد واتجاه واحد مع كل ما يقال عن تمركزها في المثلث السني .. وإذا صح ذلك فإن اعتقال صدام لن يمثل نهاية لتلك المقاومة بل الارجح أن يمثل عامل تقوية لها وإن على المدى المتوسط أو البعيد فتكون قد تخففت من ثقل وارتفع الحرج عن فيئات عراقية كثيرة سنية وشيعية وكردية كانت تستنكف من احتمال تجيير عملها لصدام ..

    6- بسقوط صدام فقد الاحتلال حجة أخرى بعد سقوط ذريعة أسلحة الدمار الشامل التي تبين أنها محض اختلاق ..حجة أخرى سقطت هي اسقاط الدكتاتورية .. فماذا بقي اليوم من الذرائع؟ وماذا بقي أمام "مجلس الحكم" من مبرر لئلا يضرب للاحتلال أجلا لمغادرة البلد؟

    7- إن اعتقال صدام وإخراجه في تلك الصورة الهليودية المهينة دل مرة أخرى على مدى جهل المخطط الامريكي بالنفسية العربية المرتابة أصلا في كل ما يصدر عن الامريكان من سياسات بسبب دعمهم الظالم وغير المحدود لاحتلال قبلة المسلمين الاولى من طرف حليفهم الصهيوني والدأب على تدمير الارض والسكان والحرث والنسل .. إن هذه المشاهد المهينة البائسة التي وقع الاختيار عليها والتي يعامل بها أهل تكساس أبقارهم المريضة تعبر عن رغبة متأججة للتشفي من رئيس أسير وقائد جيش فضلا عن تنافيها مع الشرائع المتعارف عليها في حروب الشعوب المتحضرة، بقدر ما تتجاوز ذلك الى التشفي من حضارة وأمة ودين.. إن ذلك ليس من شأنه إلا أن يرفع من وتيرة العداء للامريكان ويزيد من الالتفاف حول المقاومة ودعمها وتأكيد شرعيتها.

    8- إن المقاومة لا تقتصر بالضرورة على نمط واحد من الاعمال بل هي تتسع لتغطي مجالات الثقافة والمال والاعلام والسياسة والتحركات الاحتجاجية من مسيرات واعتصامات وعرائض، وهي بالتاكيد تحتاج الى من يفاوض المحتل للاتفاق على ترتيبات رحيله. فمن ضيق النظر – حسب رأي أولئك المتابعين قصر المقاومة على نمط واحد من الاعمال.. ولكن يبقى البون شاسعا بين دعم الاحتلال في كل الصور وبين دعم المقاومة في كل الصور، ناهيك عن شتمها ووصمها بالارهاب.

    9- إن أشد ما يتربص بالعراق والمقاومة من أخطار هو تفجير صواعق الفتن والتحارب العرقي والطائفي ..إنها الحالقة بالتعبير النبوي .. ولقد برهن العراقيون – حتى الآن- رغم استفزازات هنا أو هناك من مثل احتلال مسجد سني أو اغتيال زعيم أو اصرار على التقسيم الطائفي للسلطة- أنهم على قدر من النضج لا بأس به أفشل كثيرا من التوقعات المتشائمة أن سقوط الطاغية ونظامه لن يكون البديل عن قبضته الحديدية التي ينسب لها أنها الماسكة بوحدة البلد!! غير الحرب الأهلية. إلا أن ذلك لم يحصل والحمد لله، لكن عناصر التفجير لا تزال جاهزة، وهو ما يجعل الافادة من تجربة المقاومة في فلسطين أمرا مهما جدا التزاما مطلقا بالشعار الحكيم الذي رفعته فصائل المقاومة الفلسطينية "الدم الفلسطيني محرم" فلم لا يكون الدم العراقي محرما أيضا؟. وليس البديل عن ذلك التصفيق لكل ما تفعله بعض الفئات دعما للاحتلال أو ما يشبه ذلك وإنما التوعية والاستنكار والضغط عليها لحملها على التراجع أو تعزل شعبيا وسط طائفتها نفسها. ومن التبسيط بمكان شمل طائفة معينة كلها بحكم واحد كالقول بأن السنة تقاوم والاكراد والشيعة متعاونون!! فهذا تعميم لا يصح بإطلاقه على أي طائفة وكل ذلك موجود في الكل.

    10- إن الدكتاتورية التي طحنت العراق وشردت ما لايقل عن أربعة ملايين من بلاد هي من أخصب واجمل وأعرق بلاد الله هائمين على وجوههم في العالم ومزقته طائفيا وعرقيا وحولته الى سجن مرعب وزجت به في أتون حروب وعداوات مع جيرانه وانتهت الى محرقة استخدمت فيها افدح وأحدث وسائل الافناء ناهيك عن الحصار والمصير نهاية الى الاحتلال.. إن شيئا من ذلك فضلا عن جميعه كاف لعدم الشعور بأي قدر من الأسى على سقوط هذا النظام الدموي وشاهد صارخ على أن الدكتاتورية لا خير فيها وأنه ما يجوز لعاقل أن يعلق عليها أملا في خير فهي الداء وليست الدواء.

    وإن من كيد الله بالامريكان والصهاينة أن يجيشوا كل هذه الجيوش لاسقاط حاكم علماني طالما خدم مخططاتهم فينزعوا السدادة التي طالما حالت والعمائم من كل حجم ولون أن تملأ الساحة، كما لم يحصل ويؤمل من زمان بعيد. "ومكروا مكرا ومكرنا مكرا وهم لا يشعرون، فانظر كيف كان عاقبة مكرهم إنا دمرناهم وقومهم أجمعين" <النمل51>. لن يمضي زمن بعيد حتى يستشعر الامريكان والصهاينة الحاجة لمثل صدام ويندمون.

    11- لا يعني ذلك بحال أن الاحتلال خير وأنه سيأتي بالديمقراطية. الاحتلال أكثر صور الاستبداد بشاعة ووحشية وبريمر اليوم يتمتع بنفس صلاحيات صدام وأشد وهو وإن نصب مجلسا للحكم إلا أنه احتفظ لنفسه بسلطة الفيتو والمسك بأمهات القضايا الامن والدفاع والبترول..إن الشر لا ياتي بالخير عادة.

    12- إن دكتاتورية صدام البعثية النموذجية يجب أن تدرس ظروف تخلقّها وتعملقها .. نحن نعلم اليوم أسباب سقوطها والمتمثلة في إدمانها على الانفراد بالرأي والتأله الذي قادها الى سلسلة من التقديرات والحسابات الخاطئة قادت الدكتاتور وحزبه والبلاد والعباد الى الكارثة.. ولكن الذي يجب الوقوف عنده بدقة حتى لا تنبت الارض مرة أخرى مثل هذه النبتة الخبيثة كيف تخلقت ونمت؟ أين كان شعب العراق؟ وهو سؤال موجه الى شعوبنا والى نخبها بالخصوص فهي – الى جانب القوى الخارجية التي تتحمل المسؤولية. وهل انسدت سبل العرب للتخلص من الدكتاتور غير سبيل كارثة الاحتلال، خلافا لبقية شعوب الأرض التي تعلمت نخبها فن التضامن والتحالفات بينها وتعبئة قوى الشارع قوى الجماهير للاطاحة بالطواغيت بدل التمسح على أعتابهم أو على أعتاب القوى الاجنبية لتغييرهم.

    13-إن أشد مخلفات الدكتاتورية ما تتركه عادة وراءها من شعوب مريضة على نحو يصبح معه الدكتاتور كابوسا يملأ على الناس حياتهم النفسية والعقلية فيحيط بهم حتى لا يغيب لحظة من نوم أو يقظة .. لقد لا حظت أكثر من مرة في حديثي مع أصدقائي العراقيين الكثر أن الواحد منهم لا يكاد يمضي معك في حديث عن شأن سياسي أبعد من دقائق معدودة حتى يرد على لسانه ذكر صدام بما ما يشبه الكابوس.. وهو ما يفسر كثيرا من المسالك غير الطبيعية لكثير من العراقيين اليوم.. إن مثل هذه المواقف – حسب تقدير بعض الدارسين لآليات الاستبداد- هي مسالك مفهومة ظهر مثلها في الكويت عقب وقوعه تحت حكم الاستبداد وتحويل أهله -فجأة- من حال الثراء والعز الى حال التشرد والفاقة والذل باسم العروبة، فكفر بعضهم بالعروبة وبكل القيم لا سيما وهو يرى ملايين من العرب يتظاهرون لا يشغلهم شيء غير الاحتجاج على الغزو الامريكي للمنطقة بينما الامريكي في نظرالكويتي محرر جدير بالاحتفاء. غير أن شعب الكويت احتاج الى وقت حتى يستعيد توازنه ويسترد أنفاسه وتندمل جراحه ليستعيد وضعه ضمن النسيج العربي الاسلامي .. وكذا شعب العراق اليوم يحتاج الى أن تفهم حالته ويصبر عليه ومراعاة عمق جراحه بدل إساءة الظن بوطنيته أو عروبته واسلامه حتى لا يحكم على فئات وطوائف محترمة كالكرد والشيعة- مع إسهاماتهما المعتبرة في الحرب ضد المحتلين والدفاع عن بلاد العروبة والاسلام- من خلال ظروف استثنائية يمرون بها والوطن العراقي..

    يجب الالتفات إلى الحس الشعبي العام وبالخصوص ذاك الذي تعبر عنه المراجع الشيعية الكبرى التي مثلت عقبة كؤودا أمام تطبيع الاحتلال أو القبول بحكم غير منتخب.. وبدستور مملى.

    14- إن الجسم العراقي المثخن جراحا وآلاما والرازح تحت وطأة الاحتلال والمهدد بشتى الأخطار الإضافية ومنها خطر التشظي والتحارب الأهلي هو اليوم أحوج ما يكون لا لتأجيج مشاعر الثأر والانتقام والتشفي فقد ناله من وراء ذلك شر مستطير وإنما إلى إشاعة وبسط روح السماحة والعفو والتجاوز وطي صفحة ماض أليم وذلك بعد إن سقط الطغيان وغدا قادته في السلاسل- وإن بيد غير عراقية للأسف- إنه أحوج ما يكون إلى الروح التي أشاعها فاتح مكة في التعامل مع قومه المهزومين. وهو المنهج الذي اتبعه زعماء جنوب إفريقيا في التعامل مع حكم التمييز العنصري وذلك من أجل إعادة التماسك والاطمئنان لمواجهة مختلف التحديات: الاحتلال وإعادة البناء.

    ويبقى الزلزال العراقي بعد كل ذلك عاملا محددا لمستقبل المنطقة والامة وحتى العالم. في أي اتجاه؟

    ذلك بحسب مدى نضج شعب العراق ونخبه هل سيكون الانتقال عبر الاحتلال بل قل عبر مقاومته من صفحة سوداء كالحة لدكتاتورية نموذجية غاشمة زعمت أنها السبيل الوحيد للحفاظ على عراق موحد، الى ديمقراطية نموذجية في المنطقة كما يزعم الامريكان تسفه ادعاءات الدكتاتورية وتحفظ للعراق وحدته الوطنية واستقلاله الامني والاقتصادي والثقافي ونسيج علاقاته مع عالم العروبة والاسلام؟ ذلك هو التحدي الذي يواجه النخب العراقية الجديدة المرشحة للحكم والاستراتيجيا الامريكية في المنطقة؟ أم سيكون الانتقال الى الانقسام والتحارب الطائفي وحتى الى فتح الابواب أمام النفوذ الصهيوني وترسيخ قواعد الاحتلال عبر النفوذ الامريكي الدائم ولو تحت غطاء عراقي؟

    زعم الاستراتيجيون الامريكان مرة أنهم جاؤوا لتدمير أسلحة الدمار الشامل في العراق وفي المنطقة باستثناء الكيان الصهيوني- ولما يضفروا بشيء- ثم زعموا أنهم جاؤوا لبسط الديمقراطية وحسب، والآن وقط طويت صفحة صدام نهائيا الذي ظل عقبة في وجه النفوذ الامريكي العسكري خاصة هل سيقبل الامريكان وقد زالت مبررات وجودهم الانسحاب نهائيا من العراق غير طامحين الى تحويله قاعدة كبرى لنفوذهم العسكري وسيطرتهم الاقتصادية وفتحا لبواباته أمام شريكهم الصهيوني؟ مقياس آخر لنخبة الحكم القادمة في العراق التي لا نملك إلا أن ندعو الله القوي الرحيم أن يسدد خطاها في طريق الخير والرشد وعزة العراق ووحدته واستقلاله حتى يتبوأ مقعده المتقدم في خدمة الامة.

    "والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون" (سورة يوسف 21) "واستفتحوا وخاب كل جبار عنيد" (سورة إبراهيم 15) "ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون" (سورة إبراهيم 42). وفي الحديث "إن الله ليملي للظالم فإذا أخذه لم يفلته" (متفق عليه).
    [/color]

    نقلا عن موقع [color=FF0000]النهضة نت[/color]
     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2003-12-23
  3. الصـراري

    الصـراري مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2001-09-01
    المشاركات:
    12,833
    الإعجاب :
    3
    [color=006666]تحليل ناضح عن فكر رشيد وتجربة لها ريادتها في مجاهدة الدكتاتوريات والصبر عليها بنهج سلمي وصبر جميل ... [/color]

    وبقراءتي للمقال حاولت الخروج بالنقاط التالية :

    [color=FF0000]1-الموقف السديد أن لا نبكي ولانصفق بل وقفة تأمل جديرة بشعوب عانت الأمرين عبر مراحل زمنية ليست بالقصيرة .

    2-الأنظمة الدكتاتورية في حقيتها صنعتها أياد آثمة ثم عندما تضخمت واستعصت أرادت (تنخيسها ) ولعل في ذلك نظرة نحو (عسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم ) ...( ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين ) ...

    3-ماحدث مثل هزة عنيفة في الوجدان العربي للشعوب وبريادة مفكريها أن يستفيدوا من الحدث في إحياء موات الشعوب وتبصيرها بان الدكتاتوريات لاتمثل خيراً أبدا وإن بدت عامل تماسك فهي لاتعدوا قنابل موقوته .


    4-ماحدث يجب أن يندفع الأنظمة العربية الى فتح مجالات الشورى والعمل الديمقراطي الحقيقي وإحياء مؤسسات السلطة فالدرس بليغ جداً في التفرد بالرأي وعاقبته الوخيمة .

    5-دورنا في إنجاح المقاومة العراقية والتخلص من الإحتلال التأكيد على مبدأ " الدم العراقي محرم " والخيانة ليس لها وطن أو جنس بعينه أو مذهب بذاته .والجراح تحتاج الى وقت لإندمالها والعودة الى مرحلة التوازن والإندماج في النسيج العربي الإسلامي . [/color]

    لرائع الإهداء والتبصير كل التقدير والتحية ..
     
  4.   مشاركة رقم : 3    ‏2003-12-23
  5. Time

    Time مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2003-07-14
    المشاركات:
    18,532
    الإعجاب :
    1
    اللقب الاضافي:
    نجم المجلس اليمني 2004
    [color=0000FF]أخي الصراري
    أشكر لك تفضلك بتلخيص النقاط الرئيسية في تحليل الغنوشي
    وما أحوجنا للتحليل الذي يعطينا رؤية ممزوجة بسلامة النية وعمق المعرفة
    أما تلك التحليلات التي تدغدغ عواطفنا وتلهب حماسنا
    دون أن تتوفر لكاتبيها رؤية منضبطة على نصوص الشرع ومقررات الواقع
    فهي تضرنا أكثر مما تنفعنا
    وبالمقابل فأن تلك التحليلات التي لاتحس فيها روح الأنتماء لهذه الأمة دينها وتاريخها ومصالحها وجماهيرها
    فبرغم ماقد يتوفر لها من عمق ودراية
    فهي إنما تحاول سوقنا بعلم ودهاء إلى أن نرفع الرأية البيضاء

    ولك خالص التحيات المعطرة بعبق البُن
    [/color]
     
  6.   مشاركة رقم : 4    ‏2003-12-23
  7. الجشيمي

    الجشيمي عضو

    التسجيل :
    ‏2003-12-22
    المشاركات:
    8
    الإعجاب :
    0
    الاخ تايم شكرا لك على طرح الموضوع:)
     
  8.   مشاركة رقم : 5    ‏2003-12-23
  9. Time

    Time مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2003-07-14
    المشاركات:
    18,532
    الإعجاب :
    1
    اللقب الاضافي:
    نجم المجلس اليمني 2004
    [color=0033FF]عزيزي الجشيمي
    ونسأل الله أن يجعل أعمالنا وأقوالنا خالصة لوجهه
    ولك خالص التحيات المعطرة بعبق البُن
    [/color]
     
  10.   مشاركة رقم : 6    ‏2003-12-23
  11. Fares

    Fares عضو نشيط

    التسجيل :
    ‏2002-10-09
    المشاركات:
    452
    الإعجاب :
    0
    موضوع رائع جدا

    فجزى الله خيرا الكاتب و الناقل

    و ما أحوجنا و خاصة الاخوة في العراق الى الوقوف طويلا عند النقاط التي طرحت

    نسأل الله للجميع التوفيق و السداد
     
  12.   مشاركة رقم : 7    ‏2003-12-24
  13. aborayed

    aborayed قلم ذهبي

    التسجيل :
    ‏2003-08-03
    المشاركات:
    7,186
    الإعجاب :
    0
    اخي

    عين العقل ان نحلل وننظر بعينين لا بعين واحده وانت هنا كان كذالك
    شكرا لك
     
  14.   مشاركة رقم : 8    ‏2003-12-24
  15. التمساح

    التمساح عضو فعّال

    التسجيل :
    ‏2003-06-05
    المشاركات:
    682
    الإعجاب :
    0
    استاذي القدير تايم

    ان الطريق الذي سلكها صدام في حكمه للعراق طريقة لم يحاول ان يلتف حول شعبية جيدا
    ولم يحاول ان يبني في خيرات البلد دولة اقتصادية صناعية
    وحاله حال اي حاكم عربي كل ساعة له راي وقانون وادائما متخبطين في البحث عن الحامي لهم من قهر شعوبهم
    لم يعتبر صدام ابدا لقد اذل واستبد شعبه ولم يحمي بلده من بطش الاخرين ودائم متسرع ومستهتر في عدوه ولم يدرك مايخطط للعراق العظيم ولم يدرك ان بين العراق والغرب ثار عمره( 1400)وكما يعرف كل بشر بأن الغرب كانيحكم من بغداد وكانة كلمته هي السائدة حين كان يرفع راية الاسلام في السابق

    نعم نحن مقهورين على العراق قهر لايوصف واثبت صدام انه ليس عميل

    ولكن من يستبدل الاسلام في حكمه

    وبعد ان ابتلي وشتدة عليه الامور ياتي ويستنجد و يستعين في الجهاد وهل الراية الصادقة واهل الولا والصدق هذا شئ لايعقل ابدا

    اذا النتيجة هي كالاتي :
    صدام اخطاء في ايجاد ثقرة للغرب في غزوا العرب ولم يحمي اهل الدين والصلاح في السابق واستعان في اناس من خارج عقيدته في الحكم

    واستعان في دستور وضعي لايقبله الانسان المسلم حتى افسدة الامة بسبب غياب العلم الشرعي في الدولة والمدارس حتى ياهل امة غيورة على دينها وارضها

    اخي تايم ان حكامنا العرب قد احبطوا همم الكثير وتركونا نجري ورا المصالح بسبب
    عدم وجود الوازع الديني في الامة واستيراد المناهج الغربية
    التي لاتنفع الامة الاسلامية
    ولو تعرف العراق في الخمسين السنة الاخيرة تذرف العين دم وليس دموع
    لقد ابيح كل حرمات الاسلام ودمروا عقيدة المسلم حتى وصل كثير منهم
    من خلال افعالة يكره اهل الدين والصلاح ويحب الفساد والمفسدين في الارض

    خلينا واقعين اخي تايم

    نحن سلبنا بسبب حكامنا وولاة امرنا وعلى البقية من الحكام ولاة الامر ان يراجعوا انفسهم ويعتبروا وانه مايصح الا الصحيح

    نحن امة في هذا الوقت المعاصر نتعامل في العواطف ولم نستخدم العلم والعقل والمنطق ونحبوا كل من يضحك علينا في كلمة وهو يبطن سو الافعال للامة

    اذا اخي تايم
    من ترك دين الله واستباح حرماته ونهب خيرات الشعوب فجزاه هذا
    ولم يستخدم الفطنة والادراك من دينه وعقيدته فنهايته الزوال

    نحن نرى ما يجري في العراق وهذا شئ ليس بجديد لقد عاشه اباءنا واجدادنا في القرون الاخيرة وما انقذهم منه هو الايمان بالله والرجوع الى تثقيف الشعوب
    ورفع راية الحرية ولكن ابناءهم استسلموا ولم يحافظوا على الميراث الذي ورثوه من اباءهم

    والان ترى الذل والعار الذي نحن فيه حتى صرنا الان نخاف على المصالح والجاه والمال وكيف نكسبه وترى الذين يجروا ورا المال الان هم من ينتقدوا الشرفاء الذين يحاربوا من اجل دينهم وحريتهم وعقدتهم
    لقد زرع فينا الخوف + المصلحة وجلب المال والجاه والا يهم ان كان حلال او حرام ونحن امة امرنا ان ننشر الاخلاق
    كما قال رسول الله ( لقد بعثت لاوتمم مكارم الاخلاق ) وهو الدين الاسلامي
    اخي تايم
    ان الامة بحاجة الى صدمات اكبر حتى تفيق وترجع الى ما تركته من مبادئ الاسلام

    اخي تايم لانتعامل في العواطف
    لابد ان نتعامل في الحكمة والفطنة والعلم والرؤية للمستقبل
    ونرفع ونعتز في دستورنا (وهو القران والسنة )فهو صالح لكل زمان ومكان

    وهو شريان الامة ونستمد قوتنا منه

    اخي تايم اسف للاطالة وارجوا منكم ان تفهم ما اخاطبكم به
    والا تفهموني بالنحو الذي لايلق
    واذا حدثت فختار ما يقبله العقول
     
  16.   مشاركة رقم : 9    ‏2003-12-24
  17. Time

    Time مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2003-07-14
    المشاركات:
    18,532
    الإعجاب :
    1
    اللقب الاضافي:
    نجم المجلس اليمني 2004
    [color=0033FF]أخي الفاضل التمساح
    وكلامك يا أخي لم يجاوز الحكمة ولم يفارق الصواب.
    ولك جزيل الشكر على مداخلتك التي أضافت الكثير
    وخالص التحيات المعطرة بعبق البُن
    [/color]
     
  18.   مشاركة رقم : 10    ‏2003-12-24
  19. Time

    Time مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2003-07-14
    المشاركات:
    18,532
    الإعجاب :
    1
    اللقب الاضافي:
    نجم المجلس اليمني 2004
    Re: اخي

    نص مقتبس من رسالة : aborayed
    [color=0033FF]
    والأمر كما قلت أخي أبو رائد فلا بد لنا أن ننظر الى الأمور بعينين أثنتين لابعين واحدة
    والعينان هما نصوص الشرع ومقررات الواقع. وحين ننزل النصوص على الواقع ونحاول تغيير الواقع بالنصوص يكون طريقنا مستقيما أما حين نفصل هذا عن ذاك فأن طريقنا يكون معوجا وكذلك تفكيرنا!
    وقديما قالوا "رحم الله أمرأ عرف زمانه وأستقامت طريقته"

    ولك خالص التحيات المعطرة بعبق البُن
    [/color]
     

مشاركة هذه الصفحة