المفاجآت الليبية ( عبد الباري عطوان )

الكاتب : arab   المشاهدات : 422   الردود : 0    ‏2003-12-22
      مشاركة رقم : 1    ‏2003-12-22
  1. arab

    arab عضو نشيط

    التسجيل :
    ‏2002-03-27
    المشاركات:
    359
    الإعجاب :
    0
    تتوالي علينا النكسات، الواحدة، تلو الاخري، حتي لكأن الهوان بات من سمات زماننا الراهن، والمفاجآت غير السارة هي خبز يومنا، نتجرعها سماً زعافاً، تتناسخ بشكل مرعب، واصبحت هزائمنا بلا قاع، والفضل في هذا الانجاز العظيم وهذه الاهانات المتواصلة، يعود الي أولي الامر فينا، زعاماتنا التاريخية، التي نطــــالب بين الحين والآخر بطاعتها، وتقديم فروض الطـــاعة والولاء لهــا، والتسبيح بحمد انجازاتها ليل نهار.
    فبعد سقوط بغداد، والاعتقال المهين والمذل، للرئيس العراقي صدام حسين، والاعتقال الاكثر اهانة لرئيس آخر اسمه، لمن تخونه الذاكرة، ياسر عرفات، ها هي ليبيا تحذو حذو ايران، وتفتح مواقعها النووية، وخزائن اسرارها حول المنظمات الارهابية امام خبراء وكالة المخابرات الامريكية، من اجل مسح كل ماضيها العربي في دعم حركات المقاومة، وتأكيد انتمائها الافريقي الجديد، والحصول علي رضاء البيت الابيض.
    وقد يجادل المسؤولون الليبيون، والعقيد معمر القذافي بالذات، الذي طالما انتقد الزعماء العرب وتنازلاتهم المخجلة، بان ليبيا تركت وحدها تواجه الحصار الامريكي، عقاباً لها علي مواقفها القومية وانحيازها لقضايا الحق في العالم، وانه لم يكن امامها من خيار غير ان تنظر الي مصلحتها، ومصلحة شعبها بالدرجة الاولي، طالما ان معظم الحكومات العربية تتخذ هذا النهج اسلوبا وعقيدة للأسف.
    ونحن نختلف كلياً مع هذا المنطق، ولا نساند مثل هذه التبريرات، خاصة عندما تأتي من ليبيا، ليس لانها تتناقض مع الكتاب الاخضر الذي يعتبر الدستور الثوري المكتوب الوحيد للقيادة الليبية، وانما ايضاً لانها تتناقض كلياً مع مباديء الثورة الليبية والقيم العربية والاسلامية في آن.
    القيادة الليبية قدمت العديد من التنازلات المهينة في ما يتعلق بتعويضات لوكربي، واعترف المسؤولون الليبيون بان المبالغ ضخمة جدا (ثلاثة مليارات دولار) وانهم ارادوا ان يشتروا حريتهم وحرية بلادهم ورفع الحظر عنها واذا كان الحال كذلك، فلماذا الاستمرار في مسلسل التنازلات، وبهذه الطريقة، ثم لماذا هذا التهافت لاقامة علاقات جيدة مع الولايات المتحدة او دفع مثل هذا الثمن الباهظ من كرامة ليبيا وتراثها العربي والاسلامي؟!
    ان اكثر ما نخشاه ان تتواصل عملية الابتزاز الامريكية هذه لليبيا تماما مثلما تواصلت بشكل مماثل للعراق، وقيادته، فبالامس تعويضات لوكربي واليوم كشف البرامج النووية واسلحة الدمار الشامل الكيماوية والبيولوجية الاخري، وغدا ربما يصل الابتزاز مداه بالمطالبة باقامة علاقات دبلوماسية كاملة مع الدولة العبرية.
    القيادة الليبية تريد ان تتجاوز الغضب الامريكي، وان تنجو بنفسها من مصير الرئيس العراقي صدام حسين، ولكن المقارنة هنا في غير محلها، وكان باستطاعة هذه القيادة ان تتمسك بثوابتها وتحافظ علي مبادئها، دون اي تنازل او تفريط، لان ليبيا ليست عضوا في محور الشر، واسلحتها البيولوجية والكيماوية لم تكن علي درجة من الخطورة بحيث تستدعي غزوا امريكيا علي غرار الغزو العراقي، خاصة بعد ان اقتنع الامريكيون بالتحول الجذري في سياسات ليبيا، وتفهم اشارات قيادتها في هذا الاطار، بداية من التخلص من الهوية العربية، ونهاية بالانسحاب من الجامعة العربية، والتعاون بالكامل مع واشنطن في حربها ضد ما تسميه بالارهاب الاسلامي.
    القيادة الليبية بخطوتها المفاجئة هذه، قدمت خدمة كبيرة للرئيسين جورج بوش وحليفه التابع توني بلير، عندما انقذتهما من محنتهما الكبري في العثور علي اسلحة الدمار الشامل العراقية، فها هي تقول للعالم، وهي التي نفت دائما وجود اي برامج للاسلحة الكيماوية او النووية لديها، اننا نحن العرب نحتل المرتبة الاولي عالميا في الكذب والتضليل، ولا تنفع معنا الا سياسة العصا الغليظة.
    الان، نستطيع ان نقول ان الجميع باتوا سواسية، في الاحتماء بالخيمة الامريكية، والاستظلال بظلها، فلم يعد هناك متطرف ومعتدل بين الزعماء العرب، تقدمي او رجعي، ثوري ويميني، لقد سقطت كل التقسيمات والتسميات وتشابهت البقر.
    نتمني الان، وبعد ان ظفرت القيادة الليبية بالرضاء الامريكي او كادت، نتمني عليها ان تلتفت فعلا الي شعبها، وان تقدم له التنازلات المطلوبة والمأمولة، مثل التعويض ماليا، وبالقدر نفسه، لاهالي ضحايا اللجان الثورية، والعفو العام عن المعتقلين، واعادة تأهيلهم وتوفير الحد الادني من العيش الكريم لهم، فهؤلاء كانوا وحسب التصنيف الثوري، عملاء لامريكا، وطابورا خامسا، وما يجري الان من تقارب مع امريكا وتنازلات لها، يقول بانهم غير ذلك، بل ربما يعطيهم صك براءة، ويثبت بانهم كانوا ابعد نظرا، واوضح رؤية.
    نتمني ان يكون تعويض الشعب الليبي باطلاق الحريات، واعادة بناء مؤسسات الدولة علي اسس ديمقراطية حديثة، مثل الفصل الواضح بين السلطات، واطلاق التعددية السياسية، لان التمثيل، وحسب المفهوم الامريكي، لم يعد تدجيلا، والقضاء المستقل ليس كفرا.
    انها مقامرة كبري من قبل القيادة الليبية، وبهدف حماية الحكم وضمان استمراره، ولكنها علي اي حال، ومثل كل المقامرات، ليست مضــمــونة النتائج. فامريكا وفية لعملائها دائما، ولا تثق بمن رفعوا عليها عصا الطاعة، وهتفوا طز طز بامريكا .
    ونأمل ان لا يكون تشاؤمنا هذا في محله، لاننا ما زلنا نؤمن بان ليبيا عوقبت وتعاقب وتهان، بسبب تضحياتها من اجل قضايا العرب، والانسانية عامة.
     

مشاركة هذه الصفحة