قراءة في مشهد اعتقال صدام

الكاتب : الصقر الجارح   المشاهدات : 532   الردود : 0    ‏2003-12-22
      مشاركة رقم : 1    ‏2003-12-22
  1. الصقر الجارح

    الصقر الجارح قلم فضي

    التسجيل :
    ‏2003-04-18
    المشاركات:
    2,647
    الإعجاب :
    1
    [color=CC0099]عن الفارق الزمني.. وعملية التخدير.. وأفلام أخري
    قراءة في مشهد الاعتقال



    ما أشبه الليلة بالبارحة
    [/color]

    [color=0000FF]يوم اجتاح المغول الجدد 'بغداد الرشيد' في التاسع من أبريل الماضي.. انبري بعض أصحاب الأقلام المشبوهة، والإعلام الفاسد مصوبين أسلحتهم في اتجاهات خاطئة وكاذبة.. راحوا ينسجون روايات وحكايات خيالية عن 'صفقة خيانية' عقدها صدام حسين مع المحتلين الأمريكان.. تاركا لهم 'الجمل بما حمل' فارا بذاته وأهله إلي الخارج، دونما اكتراث بالشعب والوطن اللذين أغرقهما في دوامات الحروب والنزاعات التي لا تنتهي.
    وعلي طريقة كتاب السيناريو .. ومخرجي أفلام 'الأكشن' راح البعض يروي 'التفاصيل المثيرة لقصة هروب صدام' حاملا معه مئات الملايين من الدولارات، وما لذ وطاب من خيرات العراق.. وبلغ 'الخيال الجامح' ببعض هؤلاء الكتاب والاعلاميين لأن يحددوا المواقع والبلدان التي لجأ إليها، وكميات الذهب التي حملها.
    حاول هؤلاء يومها أن يسيروا في فلك الدعاية الأمريكية، فانقلبوا في ساعات من النقيض إلي النقيض، ولأنهم مع 'الورقة الرابحة' أيا كانت جهتها.. فقد سقطوا في مستنقع 'الخطأ المهني الجسيم' إذ رددوا أكاذيب ومعلومات خاطئة أثبتت كل الأحداث التالية، وعلي مدار ثمانية أشهر منذ لحظة سقوط بغداد، أنها لم تكن أكثر من 'دعايات فارغة' و' شائعات مغرضة '.
    فقد تكشفت الحقائق أمام الجميع.. فصدام الذي ادعوا هروبه بجلده، راحت الأشرطة المسجلة تكشف عن وجوده في العراق، وأولاده الذين ادعوا أنهم تركوا العراق ورحلوا تبين أمام الدنيا كلها كيف أنهم قاتلوا حتي آخر نقطة دم في المعركة الشهيرة التي شهدتها مدينة الموصل بعد وشاية شيخ احدي القبائل الذي ائتمنوه علي أنفسهم فرد لهم جميل والدهم فيه بخيانتهم وقبض مقابل دمهم.
    أما مخطط تسليم مفاتيح بغداد الذي زعمه هؤلاء 'المضللون' فلم يكن أكثر من صفقة خيانية ارتكبها بعض من ائتمنهم صدام علي المواقع القيادية في الجيش والحرس الجمهوري مقابل مزايا وعطاءات واغراءات ورحلات آمنة إلي الخارج مع ملايين الدولارات التي تحفظ لهم ما تبقي من حياتهم.
    تكشف كل شيء علي الملأ.. وانطلقت المقاومة الباسلة فور سقوط بغداد، وأشارت كل الأصابع إلي وقوف صدام ورجاله من خلفها.
    وبرغم وضوح كل الحقائق .. إلا أن هؤلاء .. 'المضللين' لم يمتلكوا حتي اللحظة شجاعة الاعتذار عن خطأ مهني فادح 'وجرم سياسي شنيع' اقترفوه مع سبق الإصرار والترصد.. ليدوروا بذلك في الفلك الأمريكي البريطاني .. فبرغم سقوط كل أكاذيب وادعاءات اسلحة الدمار الشامل التي قامت عليها حرب بوش بلير 'الظالمة' إلا انهما لا يزالان مصرين برغم كل الحقائق التي ظهرت أنهما كانا ولا يزالان علي حق، رغم أن العالم برمته يدرك كذبهما وظلمهما.
    ہہہ
    هذا الكذب المفضوح .. والإفك البواح الذي روجه المضللون.. لم يستوعبوا دروسه، رغم سقطاتهم السابقة.. فجاءت ازمة اعتقال الرئيس العراقي صدام حسين لتكشف مجددا استمرار حرب الأكاذيب ومسلسل الخيال الذي أدمنه بعض فاقدي الحياء.. فعلي الرغم من أن أحدا لا يعرف متي، ولا كيف، ولا الطريقة التي اعتقل بها صدام، إلا أن أصحاب الاقلام سابقة التجهيز 'والأصوات مدفوعة الأجر' راحت كالعادة تنسج الروايات والخيالات حول الرئيس الذي سلم نفسه بلا مقاومة، والقائد الذي ادعي الشجاعة والبطل الذي تبين أنه 'نمر من ورق' وغير ذلك من أوصاف واتهامات تتجاوز كل حدود القيم والأخلاقيات المتعارف عليها في مثل تلك الأحوال.
    وكما وقفنا يوم اجتياح بغداد في ذات خندق الصدق والموضوعية الذي يحدد إطار هذه الصحيفة، وفندنا وقتها كافة الأكاذيب والادعاءات، وأكدنا أن صدام لم يهرب وأنه أعد مخططا للمقاومة أكدته تطورات الأحداث فيما بعد.. فها نحن نقف الآن ذات موقفنا ليس انحيازا لشخص صدام، الذي بقدر ما له من إيجابيات فإن عليه مثالب لا يمكن انكارها ولكن موقفنا هو للحقيقة والتاريخ .. لأجيال سوف تأتي يوما وتفحص السجلات، وتكشف بالبحث والدراسة الغث من السمين.
    لقد ارتأينا في 'الأسبوع' أن نقدم رؤية حقيقة لحدث اعتقال صدام، بعيدا عن رؤي الزيف والضلال التي يمارسها الآخرون، مدركين حتي الآن أن القارئ النابه لن تنطلي عليه تلك الأكاذيب التي يبثها 'إعلام مسموم' خاضع للسيطرة بكل أبعادها.


    'أيها السيدات والسادة.. لقد قبضنا عليه'
    بهذه الجملة السينمائية، بدأ الحاكم الأمريكي في العراق إعلان الخبر أمام الصحفيين في بغداد، قبل أن يبدأ العرض الذي كان مقصودا منه إعدام صدام حسين معنويا وإعدام صورته أمام العالم كله.
    كثيرون لم يصدقوا الخبر، لكن حين رأوا صدام ماثلا بين يدي الطبيب الأمريكي أدركوا أنه مات، بالضبط مات.
    كان بهيئته التي رأوه عليها كأسد عجوز، والمنطق يقول إن الأسد المستسلم لصياده هو أسد مات، أو غائب عن الوعي، فهل كان صدام حسين حين استسلم لمن قبض عليه ولمن اعتقله ولمن رأيناه يفحصه ميتا أم كان مغيبا عن الوعي؟!
    استسلام صدام حسين للجنود الأمريكيين دون أدني مقاومة يثير اسئلة لا حصر لها، والشيء نفسه ينسحب علي صوره المقربة التي تكرر بثها علي شاشات التليفزيون وهو يخضع للفحص الطبي علي يد عسكري أمريكي، الأمر الذي لا يمكن تقبله إلا بمزيج من عدم التصديق والاحساس بالعار والازدراء، والسؤال عن السر الذي دفع صدام لقبول اذلاله بهذا الشكل المثير للاشمئزاز؟
    فهل يعقل أن يستسلم صدام دون أن يطلق رصاصة واحدة دفاعا عن نفسه؟ وهل يعقل أن يستسلم ويقف خانعا ومشتتا بهذا الشكل لطبيب أمريكي يرتدي قفازا يفحص شعره ولحيته وفمه وأذنيه؟
    هل يعقل أن يقبل صدام تقديمه مثل غوريلا خرجت من الغابة وأن يسمح لهذا الطبيب بأن يفحص شعره بحثا عن القمل؟
    كل الذين تحدثوا وحدثونا عنه قالوا إن لديه من الشجاعة والجرأة ما يمنعه من التردد في قتل نفسه، وأكدوا أن المسدس في يده، وأنه كان يرتدي حزاما ناسفا، فهل هذا هو الشخص الذي رأيناه زائغ البصر، مستكينا يستجيب للأوامر التي يشير إليها الطبيب الأمريكي بها.
    استسلام وتعاون رجل لا يدري أين هو، ومع من.. بل لا يدري من هو؟
    رجل يتحسس وجهه ليعرف إن كان هذا الوجه له أم لآخر؟!
    رجل يتحسس ذقنه ويمسك بها بصورة تعني قطعا أنه غائب عن الوعي وأنه بدأ لتوه يفيق من تأثير مخدر شديد المفعول.
    يؤكد ذلك ما تم نشره بعد ذلك من تفاصيل فهل يمكننا تصديق أن هذا الشخص المستكين المستسلم هو نفسه الذي وجده من قابله من أعضاء مجلس الحكم الانتقالي متمردا، يرفض الاعتذار عن جرائم قيل إنه ارتكبها ومصرا علي أنه كان حاكما عادلا حازما وأن من أعدمهم كانوا لصوصا؟
    هل يعقل أن يكون هذا الشخص هو نفسه من قال الذين خرجوا من لقائه إنه أجاب عن كل أسئلتهم باستهزاء وسخرية؟
    الهدف إذن لم يكن الرجل، لم يكن صدام، بل كان الصورة، صورة صدام المحفورة في أذهان العراقيين والعرب جميعا، فقرروا اعدام تلك الصورة، وهكذا ظهر صدام أو أظهروه في الصورة، جبانا، مستسلما، متعاونا، وضعوا تحت كل وصف ما تشاءون من خطوط.
    فيلم أمريكي جديد!
    وضع الخطوط يليق ايضا بالاسم الذي اختارته الإدارة الأمريكية لعملية اعتقال صدام، (عملية الفجر الأحمر)،. لكن قبل وضع الخطوط نري ضرورة التوقف عند الرواية الأمريكية لتلك العملية.
    ستيفن كومارو نقل في جريدة 'يو . إس . إيه توداي' الرواية الأمريكية لحادث القبض، وهي الرواية التي شرحها الكولونيل جيمس هيكي للصحفيين وهو يتجول معهم في المزرعة التي كان المخبأ بها.
    هيكي الذي ينتمي إلي الفرقة الرابعة للمشاة قال: إن صدام أنقذ نفسه من موت محقق باستسلامه السريع، لأن القوة التي كانت تبحث عنه كانت علي وشك إلقاء قنبلة يدوية داخل الحفرة التي كان مختبئا بها، مؤكدا أن صدام حسين سارع للتحدث بالانجليزية قائلا: (أنا رئيس العراق وأريد التفاوض).
    وجملة كهذه تحتاج إلي وضع عشرات الخطوط تحتها، قبل أن نستكمل معا التفاصيل التي سردها هيكي عن أنه في حوالي الساعة الخامسة من بعد ظهر السبت تم وضع تقديرات مخابراتية حول المكان بعد فحص صور التقطتها الأقمار الصناعية، وباستخدام مهارات اكتسبها الجنود من خلال مئات الغارات التي شنوها منذ ابريل الماضي، وضع الجنود خطة حول كيفية شن الهجوم، وأضاف لقد تم ذلك بسرعة وبشكل غير تقليدي، ومباشر بعد اعداد الخطة، وقد توقعنا بعض القتال، وكنا علي استعداد لكسب المعركة بسرعة وبطريقة حاسمة، فالقوة المكونة من 600 جندي توزعت عبر المنطقة بسرعة لكن مخبأ صدام حسين كان النموذج المثالي لإحباط جيش متقدم تكنولوجيا، فالحفرة كانت مغطاة ببساط اسفنجي مضغوط وقطع ملابس وأتربة لإخفاء المدخل.
    لكن جنديا لاحظ وجود فتحة كانت متصلة بالحفرة لتوفير الاضاءة والتهوية، فقام الجنود بإزالة البساط والأتربة واكتشفوا مدخل الحفرة.
    وبحلول الثامنة والنصف أضاف هيكي كان الجنود قد تأكدوا أنهم اعتقلوا الرجل المطلوب، فقد تطابقت الصفات الشخصية للرجل المعتقل مع المعلومات التي أبلغوا بها فتم نقله إلي حقل مفتوح، ويداه مقيدتان بقيود بلاستيكية قبل أن تهبط طائرة هليكوبتر وتنقله إلي موقع عسكري في تكريت.
    وفيلم أمريكي قديم!
    سؤالنا الآن هو لماذا لم يلجأ المخرج جون ميليوس 'Gohn Milius' للقضاء ليحصل علي حقه في استغلال الإدارة الأمريكية لاسم الفيلم الذي أخرجه عام 1984 فحسب بل ولتفاصيله أيضا؟!
    جون ميليوس هو مخرج فيلم الفجر الأحمر 'Red Dawn' الذي قام ببطولته باتريك سويزي 'Patrick Swayze' وسي توماس هويل 'C.Thomas Howell' وجنيفر جراي 'Jennifer Grey' والذي لم تكتف الإدارة الأمريكية بسرقة اسمه فقط، بل قامت بسرقة تفاصيله أيضا.
    والفيلم ليس مجهولا، وتكفي الإشارة إلي أنه كان محط الرئيس الأمريكي الأسبق رونالد ريجان (وكان ممثلا من الدرجة الثانية بالأساس)!، ووصل إعجابه به حد إعلانه أن يلخص الدور الذي ينبغي علي الولايات المتحدة أن تقوم به لإنقاذ العالم من المؤامرات التي تهدف إلي القضاء علي العالم الحر!!
    تفاصيل الفيلم تكاد تطابق مع ما تفعله الولايات المتحدة في العراق مع اختلاف العدو فهو في الفيلم رجال عصابات شيوعيون يدعمهم الاتحاد السوفيتي هذا عام 1984 عام عرض الفيلم وطبعا بمرور 20 عاما كان طبيعيا أن يختلف العدو في فيلم الإدارة الأمريكية الجديد فكان صدام حسين ومن معه.
    غير أن الإدارة الأمريكية أرادت بإعادة صياغتها للفيلم أن تزعم أنها كما أنقذت العالم 'في الفيلم القديم' من الخطر الشيوعي الأحمر، أنقذته أيضا في الفيلم الجديد من خطر صدام الذي لا نعرف لماذا أعطته هو الآخر اللون الأحمر؟!!
    ألا يغري هذا التطابق مخرج الفيلم باللجوء للقضاء للحصول علي حقوقه المادية والأدبية نظير استغلال اسم فيلمه ومحتواه؟
    لا تهمنا إجابة السؤال الآن، لكن ما يهمنا هو بحث ما إذا كانت الرواية الأمريكية لواقعة القبض علي صدام حسين تتطابق مع الواقع، أم كانت هي الأخري فيلما عجز خيال رجال الإدارة الأمريكية عن وضع سيناريو جديد له فاكتفوا بإعادة إنتاج سيناريو فيلم قديم؟!!
    حدث في يوليو!
    موقع 'رينز. كوم' قال إن الذين قالوا إن العراق يملك أسلحة دمار شامل هم الذين يروون رواية القبض علي صدام، فهل نصدقهم؟!
    واضح أن السؤال حمل صيغة التعجب والاستهزاء من السيناريو الرسمي الذي أعلنته وزارة الدفاع الأمريكية والإجابة المتوقعة عن سؤال كهذا هي لا.
    فمن شريط الفيديو الذي بثته وزارة الدفاع الأمريكية لاعتقال صدام حسين ومن الصور التي بثتها وكالات الانباء لاحقا لمكان الاعتقال، نستطيع بمنتهي السهولة أن نكذب هذا السيناريو.
    فالصور تظهر في الخلفية أشجار نخيل عليها بلح أصفر، وفات علي الذي أخرج الفيلم أن زراعة النخيل وإثماره وجنيه تكون في شهور الصيف الأولي، وهكذا يكون أمامنا احتمالان، فإما أن العملية لم تتم في منطقة الدور قرب تكريت، التي تتراوح درجة حرارتها بين 10 13 درجة مئوية في هذا الوقت، وهي درجة حرارة يستحيل عندها إثمار النخيل فيها.
    أما الاحتمال الثاني فهو أن تكون عملية الاعتقال تم تنفيذها في الصيف الماضي أي قبل شهور من الآن.
    ومع استبعاد الاحتمال الأول لعدم منطقيته، يبقي الاحتمال الثاني الذي يؤكده أكثر من مصدر منها موقع 'ديبكا فيل' الذي ذكر أن القوات الأمريكية ألقت القبض علي صدام حسين في 28 يوليو الماضي أثناء اقتحامها أحد المنازل في حي المنصور في بغداد.
    وأشار الموقع المقرب من الموساد إلي أن هذه المعلومة المتعلقة بحقيقة اعتقال صدام لم يكن يعرفها سوي 'الموساد' والولايات المتحدة، وكان الرئيس جورج بوش يريد التكتم عليها لإعلانها قبيل موعد إجراء الانتخابات الرئاسية الأمريكية بشهر واحد.
    وذكر الموقع أن الولايات المتحدة بعد أن بدأت تصدر رسائل تحذير لإسرائيل فيما يتعلق بسياستها، فإن جهاز 'الموساد' قام بتسريب صورة لصدام حسين وهو بالشعر والذقن الطويل لاحدي الصحف البريطانية، مما وضع إدارة بوش في موقف حرج للغاية اضطرت معه للإسراع بإعلان اعتقالها صدام وعدم الانتظار لإعلان النبأ قبل شهر من الانتخابات حسبما كانت تخطط وذلك قبل أن تنشر الصحيفة البريطانية النبأ.
    بين صورة وصورة
    الموقع الذي نقلنا عنه ما سبق وقلنا إنه مقرب من الموساد يتبع مؤسسة إسرائيلية لها نفس الاسم ، وقال محللون فيها إن صدام اختطف بمساعدة من المقربين منه وأودع 'حفرة العنكبوت' التي وجد فيها في تلك المزرعة لثلاثة أسابيع أو اكثر وفسرت بذلك سوء هيئته وشكله وحالة 'الاستسلام' التي كان عليها، مشيرين إلي أن طول وحالة شعر صدام يوحي بأنه لم يحلقه لثلاثة أسابيع علي الأقل ونفس الشئ بالنسبة للحيته، إضافة إلي أنه كانت معه بندقيتا كلاشنيكوف ومسدس لم يستخدم أيا منها، وإلي جانب كل ما سبق قال محللو 'ديبكا فيل' إن الحفرة التي وجد فيها صدام، كانت لها فتحة واحدة ولم تكن مغطاة بالتراب ومموهة فقط بل كانت مغلقة، وهو ما يعني أن صدام لم يكن يستطيع أن يخرج منها دون أن يزيل شخص في الخارج ما كان فوقها.
    ونعود إلي الصور المنشورة لصدام نفسه وأدعوكم لإعادة فحصها بقليل من التركيز، وستجدون ما يؤكد أن هناك فارقا زمنيا لا يقل عن أسبوع بين الصورة التي التقطت له وهو بذقن والصورة التي تمت حلاقتها فيها، ففي الأولي ستجدون أعلي أحد الحاجبين جرحا لا وجود له في الصورة الثانية، وهو ما يعني وجود فاصل زمني لا يقل عن أسبوع بين الصورتين اندمل خلالها الجرح.
    وغير كل ذلك فإن الواقع يقول إن أسر صدام أو قتله كان ورقة كبيرة وأخيرة مدخرة عند بوش لضرورات قصوي، وأنه قرر استخدامها، في توقيت لن يحقق له الاستفادة القصوي منها.
    إنها ورقة كبيرة وأخيرة، بدليل هذا الإخراج الهائل لعرضها علي العالم، والذي يشير بلا أدني شكوك إلي أن لا شئ يضاهيها أهمية ومعني، وأنها نصر ليس بعده من نصر.
    وسؤال عابر
    ومع المكان لنا وقفة، فجون بيرنز مراسل نيويورك تايمز زار المكان الذي قال الأمريكيون إنهم اعتقلوا صدام حسين فيه فماذا وجد؟
    وجد أن ذلك الملجأ، أكثر ضيقا واقل تهوية مما بدا في الصور التي وزعها الجيش الأمريكي، فالمدخل الأسمنتي للحفرة، يسمح بالكاد لشخص واحد بجسم صدام حسين (طوله 180 سنتميترا ووزنه 90 كيلو جراما (قبل اختفائه في ابريل الماضي) للدخول فيه.
    ولم يكتف بيرنز بذلك بل أكد أن صحفيا بطول وبنية قريبين من صدام حسين، دخل في تلك الحفرة وبعد أن خرج أكد أنه بعد دخول النفق اضطر للانحناء ثم الانعطاف والانزلاق حتي يتمكن من الاستلقاء في المساحة الارضية.
    ولتقريب الصورة، قال القائم بالتجربة إن النفق والمساحة الأرضية معدتان علي شكل حرف 'تي'، وأوضح أن الحفرة ليس بها غير مروحة، وماسورة تهوية مربوطة بفناء المنزل ونظام إضاءة بسيط ومعطل.
    مكان كهذا، هل يصلح مخبأ لإنسان؟
    وهذا مجرد سؤال عابر قبل أن نتوقف عند نقطة أخري مهمة في المشهد.
    فيلم روسي أيضا!!
    تدخل إلي المشهد سيدة كان اسمها يتردد منذ فترة طويلة كزوجة ثانية لصدام حسين، اسمها سميرة الشهبندر، التي ظهرت مباشرة بعد اعتقال صدام حسين لتقول علي صفحات 'الصنداي تايمز' ما لايمكن تصديقه.
    توقيت ظهورها ليس هو ما يثير الريبة فقط، بل وفي الكلام الذي نشرته الصحيفة البريطانية منسوبا إليها، فسميرة قالت إنه كان يتصل بها هاتفيا كل أسبوع أو يرسل رسائل لها، وطبعا من رابع المستحيلات أن يصدق عاقل كلاما كهذا، تمام كما لايمكن بحال من الأحوال فهم الدوافع التي تدفع سيدة تعيش في أمان، أن تعلن وعلي الملأ أن صدام زارها في التاسع من ابريل (يوم سقوط بغداد) وأعطاها 5 ملايين دولار وسبائك ذهبية تزن ثمانية كيلو جرامات، وأنه كان حزينا وكئيبا، وأخذها إلي غرفة مجاورة وبكي شاكيا من الخيانة.
    لا توجد أية دوافع منطقية بالطبع تسمح لسيدة تعيش في أمان ومعها كل هذا المبلغ أن تفرط في أمنها وأمن ولدها، وتعطي الفرصة لأعداء زوجها _إن كان زوجها من الأساس_ أن يسلبوها أمنها وأموالها، كما أن سماحها بنشر صور لها ولو بالأبيض والأسود، يجعلنا نتشكك في قواها العقلية، طبعا إذا لم يكن هناك من أعد لها سيناريو محكما، تقوم فيه بهذا الدور لأهداف لا تخفي علي من يمتلك قدرا من عقل.
    فهل يعقل أن تقول سيدة في مثل وضعها إنها تنحدر من عائلة ارستقراطية، وأنها كانت تنظر بازدراء إلي أبناء الريف من أمثال صدام؟
    قد نعتبرها حالة من الهوس أصابت سيدة، لكن ما حكته بعد ذلك يؤكد وجود مبيتة لضم حكاية سميرة الشهبندر إلي مجمع الحكايات التي تهدف إلي إعدام صدام معنويا.
    فبين ما قالته أنها حين التقت صدام لأول مرة، كانت متزوجة من طيار عراقي ولها منه ولد وبنت، وأنها كانت تعاني مشاكل مع زوجها، وذات يوم حضر صدام نزهة مدرسية مع ابنته الصغري حلا ووقعت عيناه عليها وسحر بها. وأضافت: 'صدام أتي إلي منزلي بعد أسبوعين من سفر زوجي إلي الخارج'، مشيرة إلي أنه بعد ذلك اختطف زوجها واتفق معه علي تطليقها، مقابل تعيينه مديرا للخطوط الجوية العراقية، لتصبح هي زوجة صدام الثانية.
    وحتي تكتمل اللعبة قالت سميرة: إن صدام ارتكب اخطاء لكنه قال لها إنه أدرك مبكرا أن العراقيين إذا أعطوا تفاحة فإنهم سيطالبون بالسلة كلها، وأنها لم تجد تناقضا بين معاملته للعراقيين علي هذا النحو وبين شرائه مجوهرات لها يصعب حصرها.
    بالنسبة لي فقد شاهدت تلك التفاصيل تقريبا في فيلم روسي للمخرج ميخالكوف عنوانه 'الشمس الحمراء'، ويبدو أن من لقنها تلك الحكاية فاته أن ينهي الحكاية بالنهاية نفسها التي انتهي بها الفيلم، فالمفروض أن يظهر الآن زوج سميرة الشهبندر الأول ويطالب بزوجته!!.
    خارج سياق الفيلم
    ملقن الحكاية أيضا لم يكن يضع في حسبانه قيام السلطات اللبنانية الرسمية بنفي أن تكون سميرة الشهبندر، قد دخلت الأراضي اللبنانية أو حصلت علي أي جواز أو وثيقة سفر بهذا الخصوص.
    لكن ما لم يكن في الحسبان حدث وأصدرت المديرية العامة للأمن العام في لبنان بيانا بهذا جاء فيه: تعليقا علي ما تداولته بعض وسائل الإعلام حول وجود زوجة الرئيس العراقي السابق صدام حسين في لبنان باسم سميرة أو خديجة شاه بندر أو شبندر، نفي مصدر مسئول في المديرية العامة للأمن العام وجود أي حركة دخول أو خروج شرعية، من وإلي لبنان، لأي شخص لبنانيا، أو غير لبناني، يحمل الاسم المذكور، كما نفي المصدر أيضا صدور أي جواز أو وثيقة سفر بهذا الخصوص.
    كيف ترد صحيفة 'الصنداي تايمز' إذن علي تلك الصفعة؟
    وهل يكتفي من لقن سميرة الحكاية بأن فيلم ميخالكوف لم يشرح كيفية التعامل مع هذا النفي؟!
    صحفيون .. والله أعلم
    نعود مرة أخري للحفل الذي شرب فيه بريمر ومن معه دماء صدام حسين ومثلوا فيه بجسده علي شاشات العالم، لنبحث عن تفسير الصرخات الهستيرية التي انطلقت من حناجر صحفيين رأيناهم في المؤتمر الذي أعلن فيه بريمر خبر الاعتقال، فبعيدا عن عدم مراعاة هؤلاء لأية اعتبارات مهنية تجعلهم يتدخلون بآراء أقل ما توصف به أنها وقحة، وبعيدا عن عدم مراعاتهم لأية مشاعر إنسانية، وإظهارهم كل هذه الكراهية لشخص يرونه مهدر الكرامة والإنسانية، فإن تهليلهم الفلكلوري لتصريحات بريمر وأعضاء مجلس الحكم وهم يتحدثون بأقصي قدر من التشفي يعني أن هؤلاء تم اختيارهم بدقة ليلعبوا أدوارا تم رسمها بعناية، وإلا كيف يمكننا تفسير هذا التتابع بالغ الدقة في عرض الأسئلة، وعدم وجود صحفي واحد يسأل سؤالا قد لا يلقي صدي طيبا لدي المتحدثين في المؤتمر؟!
    إنها حلقة مكملة لحلقات مسلسل الإذلال الذي تعمدت فيه الإدارة الأمريكية أن تضع فيه عدوا أو خصما لها، قالت لقد بالغوا في تحريك السكين بعنف داخل الجرح العراقي النازف دون مراعاة لأية معايير تتعلق بالقيم والذوق العام في التعامل مع أسري الحرب أو من هم في حكم الشخصيات العامة، وضربوا عرض الحائط بقوانين ومواثيق دولية، وليس علي معتادي خرق القوانين والمواثيق حرج.
    وبعد..
    وبعد كل ذلك تبقي الأبواب، كل الأبواب مواربة، ووحده الله يعلم حقيقة ما حدث. [/color]
     

مشاركة هذه الصفحة