فضل علم السلف على الخلف

الكاتب : ابو خطاب   المشاهدات : 488   الردود : 0    ‏2003-12-18
      مشاركة رقم : 1    ‏2003-12-18
  1. ابو خطاب

    ابو خطاب قلم ماسي

    التسجيل :
    ‏2002-10-31
    المشاركات:
    13,910
    الإعجاب :
    1
    الحمد لله رب العالمين , وصلى الله على محمد وآله وصحبه أجمعين , وسلم تسليماً كثيراً , أما بعد ,,, فهذه كلمات مختصرة في معنى العلم، وانقسامه إلى علم نافع، وعلم غير نافع، والتنبيه على فضل علم السلف على علم الخلف، فنقول:

    قد ذكر الله في كتابه العلم:

    تارة: في مقام المدح، وهو العلم النافع.

    وتارة: في مقام الذم، وهو العلم الذي لا ينفع.

    فأما الأول: العلم النافع: فمثل قوله:{...رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ...[9]}[سورة الزمر] . وقوله:{شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ ...[18]}[سورة آل عمران] . وقوله:{...وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا[114]}[سورة طه] . وقوله:{ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ...[28]}[سورة فاطر] . وما قصه سبحانه من قصة موسى عليه السلام وقوله للخضر:{...هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِي مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا[66]}[سورة الكهف] .فهذا هو العلم النافع .

    وقد أخبر عن قوم أنهم أوتوا علماً ولم ينفعهم علمهم: فهذا علم نافع في نفسه لكن صاحبه لم ينتفع به، قال تعالى:{ وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ[175]وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ...[176]}[سورة الأعراف] . وقال تعالى:{ فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لَا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ[169]}[سورة الأعراف] .

    وأما الثاني: وهو العلم الذي لا ينفع، الذي ذكره الله على جهة الذم له: فقوله:{ فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ[83]}[سورة غافر] . وقوله:{ يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ[7]}[سورة الروم] .

    ولذلك جاءت السنة بتقسيم العلم إلى نافع، وإلى غير نافع، والاستعاذة من العلم الذي لا ينفع، وسؤال العلم النافع فكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: [...اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عِلْمٍ لَا يَنْفَعُ وَمِنْ قَلْبٍ لَا يَخْشَعُ وَمِنْ نَفْسٍ لَا تَشْبَعُ وَمِنْ دَعْوَةٍ لَا يُسْتَجَابُ لَهَا] رواه مسلم. فالعلم الذي يضر ولا ينفع جهل؛ لأن الجهل به خير من العلم به. فإذا كان الجهل به خيراً منه فهو شر من الجهل.

    وأما ما أحدث بعد الصحابة من العلوم التي توسع فيها أهلها وسموها علوماً وظنوا أن من لم يكن عالماً بها فهو جاهل أو ضال فكلها بدعة وهي من محدثات الأمور المنهي عنها . فمن ذلك: ما أحدثته المعتزلة من الكلام في القدر وضرب الأمثال للَّه. ومنها: الخوض في القدر إثباتاً ونفياً بالأقيسة العقلية: كقول القدرية لو قدر وقضى ثم عذب كان ظالماً. وقول من خالفهم إن اللَه جبر العباد على أفعالهم ونحو ذلك. ومنها الخوض في سر القدر. ومن محدثات الأمور ما أحدثه المعتزلة ومن حذا حذوهم من الكلام في ذات الله تعالى وصفاته بأدلة العقول، وقد اتفق السلف على تبديعهم، وتضليلهم، وقد سلك سبيلهم في بعض الأمور كثير ممن انتسب إلى السنة والحديث من المتأخرين.

    ومن محدثات العلوم ما أحدثه فقهاء أهل الرأي من ضوابط وقواعد عقلية ورد فروع الفقه إليها. وسواء أخالفت السنن أم وافقتها طرداً لتلك القواعد المقررة وإن كان أصلها مما تأولوه على نصوص الكتاب والسنة لكن بتأويلات يخالفهم غيرهم فيها، وهذا هو الذي أنكره أئمة الإسلام على من أنكروه من فقهاء أهل الرأي بالحجاز والعراق، وبالغوا في ذمه وإنكاره.

    فأما الأئمة وفقهاء أهل الحديث، فإنهم يتبعون الحديث الصحيح حيث كان إذا كان معمولاً به عند الصحابة ومن بعدهم، أو عند طائفة منهم فأما ما اتفق على تركه فلا يجوز العمل به؛ لأنهم ما تركوه إلا على علم أنه لا يعمل به، قال عمر بن عبد العزيز:'خذوا من الرأي ما يوافق من كان قبلكم فإنهم كانوا أعلم منكم'.

    ومما أنكره أئمة السلف الجدال والخصام والمراء في مسائل الحلال والحرام أيضاً، ولم يكن ذلك طريقة أئمة الإسلام، فكل ذلك محدث لا أصل له، وصار ذلك علمهم حتى شغلهم ذلك عن العلم النافع. وقد أنكر ذلك السلف، وورد في الحديث المرفوع: [مَا ضَلَّ قَوْمٌ بَعْدَ هُدًى كَانُوا عَلَيْهِ إِلَّا أُوتُوا الْجَدَلَ ثُمَّ تَلَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذِهِ الْآيَةَ:{مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ[58]}[سورة الزخرف] ] رواه الترمذي وابن ماجة وأحمد .

    وقال بعض السلف:' إذا أراد الله بعبد شراً أغلق عنه باب العمل وفتح له باب الجدل'. وقال مالك:' أدركت أهل هذه البلدة وإنهم ليكرهون هذا الإكثار الذي فيه الناس اليوم' يريد المسائل، وكان يعيب كثرة الكلام والفتيا، ويقول:' يتكلم أحدهم كأنه جمل مغتلم، يقول هو كذا هو كذا بهدر في كلامه'. وقال:' المراء والجدال في العلم يذهب بنور العلم' . وقال:' المراء في العلم يُقسي القلب، ويورث الضعن' . وكان يقول في المسائل التي يسئل عنها كثيراً:لا أدري ، وكان الإمام أحمد يسلك سبيله في ذلك.

    وقد ورد النهي عن كثرة المسائل، وعن أغلوطات المسائل، وعن المسائل قبل وقوع الحوادث، وفي ذلك ما يطول ذكره، ومع هذا ففي كلام السلف والأئمة كمالك والشافعي وأحمد وإسحاق التنبيه على مأخذ الفقه، ومدارك الأحكام بكلام وجيز مختصر، يفهم به المقصود من غير إطالة ولا إسهاب، وفي كلامهم من رد الأقوال المخالفة للسنة بألطف إشارة، وأحسن عبارة بحيث يغني ذلك من فهمه عن إطالة المتكلمين في ذلك بعدهم، بل ربما لم يتضمن تطويل كلام من بعدهم من الصواب في ذلك ما تضمنه كلام السلف والأئمة مع اختصاره وإيجازه، فما سكت من سكت من كثرة الخصام والجدال من سلف الأمة جهلاً ولا عجزاً، ولكن سكتوا عن علم وخشية للَّه. وما تكلم من تكلم، وتوسع من توسع بعدهم لاختصاصه بعلم دونهم، ولكن حباً للكلام، وقلة ورع، كما قال الحسن-وسمع قوماً يتجادلون- :'هؤلاء قوم ملوا العبادة، وخف عليهم القول، وقل ورعهم فتكلموا'. وقال مهدي بن ميمون:'أنا أعلم بالمراء منك، ولكني لا أماريك' .

    وقال إبراهيم النخعي:' ما خاصمت قط' . وقال جعفر بن محمد:' إياكم والخصومات في الدين فإنها تشغل القلب، وتورث النفاق'. وكان عمر بن عبد العزيز يقول:' إذا سمعت المراء فاقصر' . وقال:' من جعل دينه عرضاً للخصومات أكثر التنقل' . وقال:'إن السابقين عن علم وقفوا، وببصر قد كفوا، وكانوا هم أقوى على البحث لو بحثوا' . وكلام السلف في هذا المعنى كثير جداً.

    وقد فتن كثير من المتأخرين بهذا، فظنوا أن من كثر كلامه وجداله وخصامه في مسائل الدين فهو أعلم ممن ليس كذلك، وهذا جهل محض، وانظر إلى أكابر الصحابة وعلمائهم كأبي بكر وعمر وعلي ومعاذ وابن مسعود وزيد بن ثابت كيف كانوا، كلامهم أقل من كلام ابن عباس، وهم أعلم منه، وكذلك كلام التابعين أكثر من كلام الصحابة، والصحابة أعلم منهم، وكذلك تابعوا التابعين كلامهم أكثر من كلام التابعين، والتابعون أعلم منهم. فليس العلم بكثرة الرواية ولا بكثرة المقال، ولكنه نور يقذف في القلب يفهم به العبد الحق ويميز به بينه وبين الباطل، ويعبر عن ذلك بعبارات وجيزة محصلة للمقاصد.

    فيجب أن يعتقد أنه ليس كل من كثر بسطة للقول وكلامه في العلم كان أعلم ممن ليس كذلك. وقد ابتلينا بجهلة من الناس يعتقدون في بعض من توسع في القول من المتأخرين أنه أعلم ممن تقدم. فمنهم من يظن في شخص أنه أعلم من كل من تقدم من الصحابة ومن بعدهم لكثرة بيانه ومقاله.

    وهذا تنقص عظيم بالسلف الصالح، وإساءة ظن بهم، ونسبته لهم إلى الجهل وقصور العلم.

    وما حدث بعدهم من التوسع لا خير في كثير منه إلا أن يكون شرحاً لكلام يتعلق من كلامهم، وأما ما كان مخالفاً لكلامهم، فأكثره باطل أو لا منفعة فيه. وفي كلامهم في ذلك كفاية وزيادة، فلا يوجد في كلام من بعدهم من حق إلا وهو في كلامهم موجود بأوجز لفظ، وأخصر عبارة، ولا يوجد في كلام من بعدهم من باطل إلا وفي كلامهم ما يبين بطلانه لمن فهمه وتأمله، ويوجد في كلامهم من المعاني البديعة، والمآخذ الدقيقة مالا يهتدى إليه من بعدهم ولا يلم يه.

    فمن لم يأخذ العلم من كلامهم فاته ذلك الخير كله مع ما يقع في كثير من الباطل متابعة لمن تأخر عنهم. قال الأوزاعي:' العلم ما جاء به أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم فما كان غير ذلك فليس بعلم' . وليكن الإنسان على حذر مما حدث بعدهم، فإنه حدث بعدهم حوادث كثيرة، وحدث من انتسب إلى متابعة السنة والحديث من الظاهرية ونحوهم، وهو أشد مخالفة لها؛ لشذوذه عن الأئمة، وانفراده عنهم بفهم يفهمه، أو يأخذ مالم يأخذ به الأئمة من قبله.

    فأما الدخول مع ذلك في كلام المتكلمين، أو الفلاسفة، فشر محض، وقل من دخل في شيء من ذلك إلا وتلطخ ببعض أوضارهم، وكان أحمد وغيره من أئمة السلف يحذرون من أهل الكلام وإن ذبوا عن السنة.

    والعلم النافع ضبط نصوص الكتاب والسنة، وفهم معانيها والتقيد في ذلك بالمأثور عن الصحابة، والتابعين، وتابعيهم في معاني القرآن والحديث، وفيما ورد عنهم من الكلام في مسائل الحلال والحرام، والزهد، والرقائق، والمعارف، وغير ذلك، والاجتهاد على تمييز صحيحه من سقيمه أولًا، ثم الاجتهاد على الوقوف في معانيه وتفهمه ثانياً، وفي ذلك كفاية لمن عقل، وشغل لمن بالعلم النافع عني واشتغل، ومن وقف على هذا وأخلص القصد فيه لوجه الله عز وجل، واستعان عليه؛ أعانه وهداه، ووفقه، وسدده، وفهمه، وألهمه، وحينئذ يثمر له هذا العلم ثمرته الخاصة به، وهي خشية اللَه كما قال عز وجل:{...إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ...[28]}[سورة فاطر] .

    ا
     

مشاركة هذه الصفحة