القرضاوي يحاكم جمال عبدالناصر في مذكراته

الكاتب : batal10   المشاهدات : 1,914   الردود : 1    ‏2003-12-18
      مشاركة رقم : 1    ‏2003-12-18
  1. batal10

    batal10 عضو

    التسجيل :
    ‏2002-10-27
    المشاركات:
    177
    الإعجاب :
    0
    العدد 637 الخميس الموافق 24 من شوال 1424هـ - 18 من ديسمبر 2003م

    عن افاق عربيه

    مذكرات القرضاوي
    ابن القرية والكتاب: ملامح سيرة ومسيرة (الجزء الثاني) [11]
    اعتذر بعض الناس عن عبد الناصر, وقال: إنه لم يكن يعلم بما يجري داخل السجون الحربية وغيرها من مآسي وأهوال, ونقول: إنه راعي, ومسئول عن رعيته, ونحن هنا ننشد قول الشاعر العربي:
    إذا كنت لا تدري, فتلك مصيبة
    وإن كنت تدري فالمصيبة أعظم!
    ولو لم يكن حمزة البسيوني يعلم علم اليقين أن ظهره مسنود من عبد الناصر وقادة الثورة, ما أقدم علي ما أقدم عليه من مذابح وفظائع بقلب جسور, ولسان عقور, ولو لم يعلموا فيه هذه الضراوة وهذه الوحشية, ما وضعوه في هذا الموضع, ولا كلفوه هذه المهمة.
    عبد الناصر كان يعلم!!
    ومن المعروف من سيرة عبد الناصر: أنه كانت ترفع إليه تقارير وافية عن سياسة مصر في جوانبها المختلفة, وأنه كان يقرأ هذه التقارير. حتي إن السادات بعده, لم يكن يقرأ هذه التقارير, قائلاً: إنها هي التي قتلت عبد الناصر!
    ولهذا لا يتصور أن تحدث هذه الوقائع الهائلة داخل السجون الحربية, ويخر الناس فيها صرعي من التعذيب, ولا ينقل أحد إلي عبد الناصر بعض ما يجري في ملكه. وطبيعة هذا النظام أنه لا يأمن لأحد قط, ولهذا كان بعضهم يشك في بعض, وبعضهم يتجسس علي بعض, فكيف يزعم زاعم أن عبد الناصر كان في غيبة أو غفلة عن الوقائع الهائلة التي تقع في السجن الحربي?
    ومن الناس من قال: إن ما حدث من تعذيب للإخوان ولغيرهم في السجن الحربي وغيره, لم يكن بإذن عبد الناصر, ولا بعلمه. إنما هو بفعل مراكز القوي, التي أصبحت لها القدرة علي أن تفعل ما تريد وإن لم يأتها أمر من عبد الناصر.
    .. وكان يتلذذ بتعذيب الإخوان
    وأقول هنا: إن مراكز القوي- التي تحدثوا عنها بعد ذلك - لم تكن قد تكونت بعد, إنما كان تكوينها بعد ذلك بسنوات. أما في سنة 1954 فقد كان عبد الناصر هو المسيطر, وهو الطاغوت الأكبر, ولا سيما بعد انقضاضه علي محمد نجيب. ولقد حكي الثقات أنهم رأوا عبد الناصر, وهو يشهد التعذيب بعيني رأسه, ويتلذذ به, وكأنما يشاهد فيلمًا سينمائيًا للتسلية والترفيه!
    يقول الرائد المجاهد الصادق معروف الحضري: أشهد الله أن جمال عبد الناصر كان يحضر شخصيًا إلي السجن الحربي! وكذلك جمال سالم, وعلي صبري, ليتلذذوا بالتعذيب الذي يقع علي الإخوان.
    ويقول المستشار علي جريشة : إنه شاهد الطاغوت (ناصر) ونائبه (عامر) يشهدان صور التعذيب في غرفة حمزة البسيوني.
    علي أن القرآن الكريم يحمل فرعون وهامان وجنودهما المسئولية جميعًا كما قال تعالي: {إنَّ فىرًعّوًنّ ¤ّهّامّانّ ¤ّجينيودّهيمّا كّانيوا خّاطىئىينّ} [القصص: 8], ففرعون يحمل التبعة بما يصدر من أوامر, وما يولي من مناصب, وهامان بما ينفذ من تعليمات الفرعون, والجنود بما يباشرون من الإيذاء والمظالم.
    وقال تعالي: )فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ) (القصص:40) , فإذا كان جنود فرعون يتحملون المسئولية, فكيف بفرعون نفسه? وقد حكوا أن الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه, عندما أُخذ إلي السجن, ونزل به من الأذي ما نزل في فتنة خلق القرآن الشهيرة في تاريخنا, سأله سجانه يومًا عن الأحاديث التي وردت في أعوان الظلمة: أهي صحيحة? قال له: نعم, هي صحيحة.
    قال السجان: فهل تراني من أعوان الظلمة?
    قال الإمام: لا, لست من أعوان الظلمة. أعوان الظلمة من يخيط لك ثوبك, ومن يطهو لك طعامك... إلخ. أما أنت فمن الظلمة أنفسهم!!
    رأيي في عبد الناصر
    وقد سألني كثيرون عن رأيي في عبد الناصر, وتقويمي لشخصه, ومبادئه التي عرفت باسم (الناصرية) ومرحلة حكمه, فإن الناس قد ذهبوا فيه مذاهب شتي, ما بين مقدس له, حتي قال نزار قباني في رثائه له: "قتلناك يا آخر الأنبياء" ومتهم له بالعمالة والخيانة والردة.. وأنا أحتفظ برأيي الآن, لأقوله بصراحة عند الوصول إلي أحداث سنة 1970م, وفيها مات عبد الناصر, وهناك سأقول كلمتي فيه, إن شاء الله. أرجو أن يوفقني الله لقولة الحق بين المقدًّسين والمهتمين.
    الحكم بالإعدام علي سبعة من قادة الإخوان:
    في 4 ديسمبر - يوم وصولي إلي السجن الحربي - أصدرت محكمة الشعب أول أحكامها ضد الذين اشتركوا في محاولة القتل ورؤساء كل من الجهاز السري والجمعية العلنية, فحكم علي سبعة من أعضاء مكتب الإرشاد كلهم من مستشاري الهضيبي بالسجن مدي الحياة مع الأشغال الشاقة, وهم: كمال خليفة, ومحمد خميس حميدة, وأحمد عبد العزيز عطية, وحسين كمال الدين, ومنير الدلة, وحامد أبو النصر, وصالح أبو رقيق, كما حكم علي عضوين آخرين من أعضاء المكتب بالسجن خمسة عشر عامًا وهما: عمر التلمساني, وأحمد شريت. وبرئت ساحة ثلاثة أعضاء من المكتب كلهم من أصدقاء الحكومة وهم: عبد الرحمن البنا, وعبد المعز عبد الستار, والبهي الخولي. وحكم بالإعدام شنقًا علي سبعة من أعضاء الجمعية وهم: حسن الهضيبي ومحمود عبد اللطيف وهنداوي دوير وإبراهيم الطيب ويوسف طلعت والشيخ محمد فرغلي وعبد القادر عودة, ثم خفف مجلس الثورة الحكم علي الهضيبي إلي السجن المؤبد مع الأشغال الشاقة بحجة أنه ربما وقع تحت تأثير من حوله, وهو رأي يعززه "ضعف صحته وكبر سنه" ورفضت الحكومة التماسًا لعبد القادر عودة بإعادة النظر في القضية.
    يوم التنفيذ
    وفي اليوم التاسع من ديسمبر, بعد وصولي إلي السجن بخمسة أيام, شعرنا داخل السجن بجو غير عادي, وكان هناك قلق وهلع لدي قيادة السجن: أن يحدث شيء من المعتقلين, ولذا شددوا القبضة أكثر ومن أي يوم مضي, ولم نعلم نحن ما السر وراء هذا? ثم علمنا أنه في هذا اليوم قدم إلي حبل المشنقة كبار إخواننا الذين حكم عليهم بالإعدام, ما عدا المرشد.
    وفي ذلك يقول ميتشل: (وفي يوم 9 ديسمبر نفذت أحكام الإعدام في جو من الذهول وعدم التصديق ساد مصر, وعلي الرغم من احتجاجات العالم العربي. وقد سجل عدد من الذين حضروا الشنق كلمات المتهمين. كان عبد اللطيف ودوير يتلوان آيات من القرآن, وقد عراهما خوف شديد, وصاح الطيب مغاضبًا: "لقد كانت المحاكمة مهزلة, إذ كان أعداؤنا قضاتنا"! أما طلعت فقد طلب في هدوء الصفح من الشيخ فرغلي الذي أحس بأنه قد خانه, ثم أضاف "عسي أن يغفر لي ولأولئك الذين أساؤوا إلي". أما فرغلي فقد ظهرت عليه السكينة ولم يزد علي قوله: "إني مستعد للموت وإني أرحب بلقاء الله" وختم عودة حياته منتعشًا مرفوع الرأس قائلاً: "الحمد لله الذي جعلني شهيدًا, ألا فليجعل دمي لعنة علي رجال الثورة"(1).
    قوبلت أخبار الإعدام في مصر بذهول وسكون مروع, وكانت الحكومة قد أخذت احتياطها, فعززت دوريات الجيش والحاميات العسكرية حول المدينة. أما خارج البلاد فقد قامت مظاهرات احتجاج في الأردن وسوريا وباكستان, وفي دمشق وقف مصطفي السباعي بعد الصلاة علي الشهداء مطالبًا الجمهور أن يعاهدوه علي "الانتقام للشهداء" وقد استجابوا له, وعادت العلاقات مرة أخري بين سوريا ومصر إلي حد القطيعة.
    ما بعد الجريمة
    سارت الأحداث مائعة بعد تنفيذ الإعدام, وعهد بأعمال محكمة الثورة إلي ثلاث محاكم فرعية يرأسها ضباط أقل رتبة, حتي إذا أغلقت المحاكم أبوابها في أوائل فبراير كان حوالي ألف من الإخوان قد قدموا إلي المحاكمة وبلغ مجموع من حكم عليهم بالإعدام خمسة عشر خفف عنهم الحكم جميعًا باستثناء الأولين, وحكم بالبراءة أو بالعقوبة مع إيقاف التنفيذ علي أكثر من نصف من قدم إلي المحاكمة, كما قدم غالبية أعضاء الهيئة التأسيسية إلي المحاكمة ولكنهم إما برئوا أو حكم عليهم بإيقاف التنفيذ, وبقي عدد لا حصر له من الإخوان الذين لم يقدموا إلي محاكمة أو الذين برئوا بعد محاكمتهم في السجون علي مدي الشهور. وجدير بالملاحظة أن من بين جميع الإخوان الذين قدموا للمحاكمة لم يكن هناك إلا تسعة وعشرون من القوات المسلحة, غالبهم من جنود الصف, وأن الأحكام الخفيفة نسبيًا التي صدرت علي معظمهم ومحاكمتهم فعلاً أمام محاكم قانونية, توحي في منطوق هذا الموقف أن جريمتهم الكبري كانت جمعهم بين عضوية الجمعية وخدمة الدولة, وأعظم من ذلك أهمية هو نتيجة محاكمتهم إذ كان وجود "خلايا" في الجيش تقوم بتدبير أعمال مخربة كان ضمن الوسائل الرئيسية التي جعلت الحكومة منها محل جدل مع الهضيبي الذي دأب علي نفي هذا الزعم. علي أنه صدرت أحكام لها وزن آخر علي ضابطين ظلا هاربين من العدالة, إذ حكم علي كل من أبي المكارم عبد الحي, وعبد المنعم عبد الرءوف غيابيًا بالإعدام رميًا بالرصاص(2).
    محاكمتي:
    بعد أن مكثنا أيامًا في السجن الحربي لا أذكر عددها, ولكنها ليست كثيرة, نودي علينا للذهاب إلي المحكمة, فحشرنا في (لوريات عسكرية) ونزلنا منها محلوقة رؤوسنا جميعًا بالموسي, وكان المحاكمون في هذا اليوم من إخوان المحلة, وإخوان بسيون, وإخوان بين السرايات بالقاهرة.
    وكانت الأعداد كبيرة, والمحاكمات سريعة, قد لا تستغرق محاكمة الفرد أكثر من ثلاث دقائق أو خمس علي الأكثر, وربما كانت محاكمتي من أطول المحاكمات نسبيًا, لما جري فيها من نقاش لم يكن معتادًا, وإن كانت لم تلبث أكثر من دقائق معدودات.
    تلا ممثل الادعاء التهمة الموجهة إليّ وإلينا جميعًا, وهي:
    1- الاشتراك مع آخرين في اتفاق جنائي لقلب نظام الحكم عن طريق إحداث فتنة دامية, والقيام باغتيالات واسعة النطاق وارتكاب عمليات تدمير بالغة الخطورة للمرافق العامة, وتخريب شامل في جميع أنحاء البلاد, تمهيدًا لاستيلاء الجماعة التي ينتمي إليها علي مقاليد الحكم بالقوة.
    2- الاشتراك في جهاز سري مسلح مناهض للدولة ومخالف لقوانينها, بهدف قلب نظام الحكم بالقوة.
    قال ممثل الادعاء كلامًا كثيرًا يطلب فيه لي ولإخواني أقصي العقوبات, وقال عني أكثر مما قال عن غيري من المتهمين, وأني كنت أهيئ الإخوان لعمليات الاغتيال والتخريب, وأعدّهم لليوم الموعود, وأعدهم علي ذلك بجنة الفردوس, إلي آخر ما قال مما لم أعد أذكره.
    وقال رئيس المحكمة: مذنب أو غير مذنب?
    قلت: غير مذنب
    سألني: رئيس المحكمة - وقد نسيت اسمه: ألم تكن عضوًا في الجهاز السري للإخوان?
    قلت: أنا من الإخوان منذ سنة 1943م أخطب وأحاضر وأدرس, وأنظم القصائد, وأجوب البلاد, في وضح النهار, وتحت الأسماع والأبصار.
    قال: حضرتك حتخطب لي خطبة?
    قلت: لا, ولكني أشرح لسيادتك أن عملي في الإخوان عمل علني بطبيعته.
    قال: ولكن عبد الحميد الرفاعي رئيس الجهاز في المحلة قال: إنك عضو في الجهاز, وإن رئيس الجهاز في الغربية قال له: إنك الموجه الروحي للجهاز في الغربية.
    قلت له: يا سيادة الرئيس, أنا الموجه الروحي للإخوان كلهم في الغربية, ولكني لم أبايع أحدًا للانضمام إلي الجهاز السري.
    قال: هل تعرف يوسف طلعت?
    قلت: ومن في الإخوان لا يعرف يوسف طلعت? لقد عرفته في المعتقل سنة 1949م في جبل الطور.
    قال: وهل عملت معه بعد أن تولي رئاسة الجهاز السري?
    قلت: لا. لا معه ولا مع غيره.
    وصدر الحكم عليّ بالسجن عشر سنوات مع إيقاف التنفيذ.
    وكان الذي يأخذ حكمًا مع إيقاف التنفيذ, أو الذي يأخذ حكمًا بالبراءة يبقي في السجن, لا يغادره, حتي سئل أحد الإخوة الظرفاء بعد الحكم: بماذا حكم عليك? فأجاب: براءة مع إيقاف التنفيذ! بل هذا شأن الذين لم يقدموا إلي المحاكمة أصلاً: بل هو شأن أناس أخذوا خطأ, وليس له أي صلة بالإخوان من قريب ولا من بعيد, ولكنهم حشروا في زمرتهم فجري عليهم ما جري علي الإخوان. وكثير منهم خرج من السجن وقد أصبح من الإخوان.
    البسيوني يحاكمنا بعد المحاكمة:
    وعدنا إلي السجن, ودخلنا زنازيننا, وأخلدنا إلي النوم قليلاً, وإذا بالزنازين تفتح علينا فجأة, وقلنا: يا ستار استر, اللهم إنا نعوذ بك من شر هذه الليلة, وشر ما فيها. فتح الزنازين في هذا الوقت قبل منتصف الليل لا يكون إلا لشر.
    وما هي إلا ثواني حتي نودي علينا بالنزول إلي صحن السجن, فوجدنا قائد السجن حمزة البسيوني ينتظرنا في ساحة السجن, وحوله زبانيته وعساكره, وعلي رأسهم (صول) السجن أمين السيد, وصدر إلينا الأمر أن نركض ونعدو بأسرع ما يمكننا في صورة دائرة أو حلقة مفرغة في ساحة السجن, والعساكر بالكرابيج من حولنا يضربوننا لنسرع أكثر وأكثر. وإذا سقط أحد منا انهالوا عليه بالكرابيج حتي يقوم, ولا أدري كم مضي علينا من الوقت, ونحن نلهث تحت السياط? ولكني كنت شابًا قوي الجسم, في الثامنة والعشرين من عمري, فلم يزعجني هذا الركض كثيرًا, فقد كنا نمارس المشي والجري من قبل, ولكن قلبي كان يتقطع إشفاقًا علي إخوة لي بعضهم كبار في السن, أو بعضهم يشكون من السمنة وثقل الجسم, مثل الأخ محمد كمال إبراهيم من إخوان زفتي, ممن لا يستطيعون مواصلة هذا العدو, ولا سيما بعد أن طالت مدته, فكانوا يخرون من الإعياء, وعساكر البسيوني لا يرحمونهم, ولا يشفقون عليهم, بل يزيدونهم عذابًا بمضاعفة الضرب عليهم, ولا حول ولا قوة إلا بالله.
    ثم أوقف هذا الطابور, وهم يسمونه (طابور تكدير) وأمرنا أن نقف صفوفًا, لنأخذ حظوظنا مما يقسمه أو (يصرفه) لنا القائد البسيوني من الكرابيج, فمنا من كان حظه (عشرة كرابيج) وهذا نصيب الأغلبية, ومنا من نصيبه خمسون كرباجًا, منهم الأخ خليل دبايج من بين السرايات, والفقير إليه تعالي. وأصحاب العشرة عليهم أن يقعدوا في الأرض ويمدوا أرجلهم ليضربهم الجنود, واحدًا بعد الآخر. أما أصحاب الخمسين, فتنصب لهم (الفلكة) وتقيد فيها أرجلهم, ويجلدون بإشراف حمزة نفسه.
    حوار مع الطاغية بسيوني
    وقد جاء دوري, ووضعت في الفلكة, واستمر الضارب يضرب, ولا أدري هل أكمل الخمسين أو وقف دونها, ولا أذكر أنها آلمتني كثيرًا, إلا أني رأيت الدم يسيل من ساقي بغزارة.
    ووقف حمزة يخطب فينا: نحن الذين حوكمنا في ذلك اليوم من إخوان الغربية وبين السرايات, والذين سيحاكمون غدًا, فقد أحضرهم حمزة ليشهدوا بأعينهم ما نزل بنا, ليتخذوا منا عبرة.
    يقول بسيوني:
    تريدون أن تجعلوا من أنفسكم أبطالاً بالإنكار أمام المحكمة. أنا سأحاكمكم هنا, وأصدر عليكم ما شئت من أحكام, حتي الإعدام, ولن يحاسبني أحد. أنا هنا القانون, ولا قانون غيري! ثم التفت إليّ وقال: حضرتك رايح تخطب لي أمام المحكمة وتنكر ما نسب إليك?
    قلت: من حق كل إنسان أن يدافع عن نفسه.
    قال: فاخطب لنا الآن خطبة من خطبك التي كنت تخطبها في المحلة أو في الأزهر.
    قلت: المجال ليس مجال خطابة.
    قال: اختر لك واحدة من اثنتين: إما أن تخطب لنا خطبة, وإما أن تغني لنا أغنية!!
    قلت: لست من أهل الغناء حتي أغني.
    قال: فأسمعنا خطبة من خطبك.
    قلت: لا بأس, وماذا تملك إذا سلط عليك متكبر جبار, مطبوع علي قلبه, لا يخشي خالقًا, ولا يرحم مخلوقًا, جنوده من حوله مطيعون له كأدوات في يديه, وأنت أسير عنده, وهو يقول عن نفسه: أنا القانون. وهو كذلك فعلاً, فلا رقابة عليه, ولا أحد يحاسبه, وكم من شاب قضي نحبه في زنازين التعذيب, وشطب من سجلات السجن, ولم يسائله أحد. فهل تملك أمام جبروته وتألهه إلا أن تؤمر فتطيع?!
    لهذا لم أملك حين أصر أن أخطب أو أغني, إلا أن أختار الخطبة . وحمدت الله تعالي وأثنيت عليه, وصليت علي نبيه ثم قلت مخاطبًا الإخوان الموجودين في ساحة السجن, وبالقرب منا إخوان داخل الزنازين يسمعون ما يجري:
    قال العباس بن عبد المطلب عن رسول الله صلي الله عليه وسلم: إنه لم ينزل بلاء إلا بذنب, ولم يرفع إلا بتوبة. وإن أحوج ما يكون المؤمن إلي التوبة والاستغفار إذا نزلت به الشدة, وحل به الكرب, فعليه أن يقول ما قاله أبوه آدم وأمه حواء: )قَالا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ) (لأعراف:23) وقد قص علينا القرآن قصة نبي الله يونس ذي النون, حين التقمه الحوت, فنادي في الظلمات: ظلمة البحر, وظلمة الليل, وظلمة بطن الحوت: {أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين} [الأنبياء: 87], قال تعالي: )فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ) (الانبياء:88) . وقال صلي الله عليه وسلم: "دعوة أخي ذي النون, ما دعا بها مكروب إلا فرج عنه: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين".
    فتضمنت هذه الكلمة : التوحيد بقوله: (لا إله إلا أنت) والتنزيه عن كل نقص بقوله: (سبحانك) والاعتراف بالذنب بقوله: (إني كنت من الظالمين).

    الهوامش:
    1- هنا يعلق صالح أبو رقيق قائلاً: لماذا لم يسجل المؤلف قولة هنداوي دوير...? (أين جمال عبد الناصر... إننا لم نتفق علي هذا)...
    2- انظر: الإخوان المسلمون لريتشارد ميتشل ص 293-295.

    [في العدد القادم: أنا والجهاز السري (النظام الخاص)].
    ملخص ما نشر
    اخترت تخصص التدريس بعد أن تخرجت في كلية أصول الدين, وفي تلك الفترة بدأ التوتر يتصاعد بين الإخوان والثورة, فالإخوان يطالبون بعودة الحياة النيابية وإعادة الحريات, بينما كان عبد الناصر يرفض ذلك, وبالفعل دبر المظاهرات التي تطالب باستمرار مجلس الثورة ورفض الحياة البرلمانية!
    وبدأت الضغوط والاتهامات ضد الإخوان تتزايد, وامتنعت الصحف الرسمية عن نشر ردود الإخوان علي الاتهامات الموجهة إليهم, مما دفع الإخوان لإصدار نشرات نارية ضد الثورة وعبد الناصر, وكان الأخير حريصًا علي تقسيم صفوف الإخوان والاستفادة من ذلك, ثم أخفقت كل محاولات رأب الصدع بين الإخوان وعبد الناصر.
    ثم وقع حادث المنشية الذي كان فرصة العمر لعبد الناصر في صراعه مع الإخوان, فحمل عليهم حملة شديدة, وأدخلهم السجون والمعتقلات, لكن هناك غموضًا لا يزال يلف حادث المنشية, وكل منصف يعترف بأن قيادة الإخوان لا صلة لها بالحادث, ثم كانت محكمة الشعب محاكمة للشعب المقهور والإخوان طلائعه الراشدة, وعانيت من التعذيب الرهيب في المحلة الكبري, لكن ذلك كان أهون من أهوال السجن الحربي, فقد فاق التعذيب فيه كل تصور ومات عدد كبير تحت سياط التعذيب وكانوا يدفنون في صحراء العباسية, بلا غُسل أو كفن أو صلاة...!







    الأخيرة

    مذكرات القرضاوي
     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2003-12-18
  3. سمير محمد

    سمير محمد مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2002-09-26
    المشاركات:
    20,703
    الإعجاب :
    0
    اللقب الاضافي:
    نجم المجلس اليمني 2003
    أخي موضوع جميل ورائع ..

    لكن كثرة المواضيع غير المنقولة وبنفس الوقت أمر يثير غضب الاعضاء كلهم ..

    حيث أنها لاتحظى بالقراءة والمتابعة ....

    في المرة القادمة أرجو منك أن تقوم بعمل موضوع خاص للنقل تنقل فيه ماتشاء من منقولات ... وسوف تجد القراء يتسابقون للتعقيب والمشاركة ... لأن مواضيع كثيرة في وقت واحد يعرضها للنقل أو للحذف ...

    تحياتي
     

مشاركة هذه الصفحة