صدام حسين

الكاتب : شاكر حسين   المشاهدات : 426   الردود : 0    ‏2003-12-17
      مشاركة رقم : 1    ‏2003-12-17
  1. شاكر حسين

    شاكر حسين عضو فعّال

    التسجيل :
    ‏2002-08-29
    المشاركات:
    853
    الإعجاب :
    0
    يشهد التاريخ المعاصر زعيما نصب نفسه وثنا معبودا مثلما فعل صدام حسين، فقد اختصر بلده الفسيح الأرجاء العريق التاريخ في شخصه المهيب، وحوَّله إلى ظل له، ونصب أنواع المراسم والطقوس لعبادته, ولم تتوقف عبادة صدام حسين على العراقيين، بل مدها صدام بماله وإعلامه في الثمانينات إلى كافة أرجاء الوطن العربي الفسيح.

    فقد قدسه بعض الصحفيين وسبحوا بحمده، وكان الشعراء يتقاطرون إلى مهرجان "المربد" الشعري في العراق كل عام، ليكيلوا له بسخاء من ثروتهم اللغوية، ويجسدوا فيه فضائل أمة العرب وأمجادها، ويكيل لهم بسخاء من ثروته المالية وثروة غيره، يوم كانت ثروة غيره طوع يده.

    كل هذا وهو يقتل أبناء العراق وإيران في حرب عبثية طاحنة، خدمة للاستراتيجية الأميركية في المنطقة، وبتعاون من دول عربية عديدة هي جزء من تلك الاستراتيجية. لكن التاريخ لم يشهد زعيما انتهى بمذلة ومهانة أمام أعين العالم أجمع مثلما حدث لصدام حسين.

    وفي رحلة الانتقال من وثن معبود إلى شخص منبوذ عبرة للمعتبر، خصوصا للزعماء العرب الذين رسخوا في شعوبهم الوثنية السياسية، ومنعوها من اكتشاف الذات واحترامها, وهما شرطان لكل إنجاز.

    كان في وسع صدام حسين أن يموت مضرجا بدمائه، فيمحو سجله الأسود، ويدخل التاريخ من أوسع أبوابه، بدلا من حياة الذل وموت الذل التي يواجهها الآن. لكن التاريخ لم يحدثنا عن سيد بذل روحه حرصا على حياة عبيده أو صونا لكرامتهم.

    وكان في وسع العراقيين أن يمسحوا عن أنفسهم شيئا من عار الهزائم وظلم الظلمة بالإمساك بخناق صدام وذبحه في الشارع، كما فعلت شعوب حرة بأسلافه من قبل. لكن التاريخ لم يحدثنا عن عباد وثن يجرؤون على تحطيمه.

    وشاء القدر أن تكون النهاية مزيجا من المأساة والملهاة: أعظم زعماء العالم فخرا وتضخما للذات يعتقله الغزاة في حفرة موحشة أشعث أغبر وحيدا، وهو ملتح بلحية شهباء، تشبه لحية أعظم علماء وكتاب العراق في القرن العشرين محمد باقر الصدر، الذي ذبحه صدام مطلع الثمانينات.. وكان يدعوه "خميني العراق".

    ولم تكن نهاية صدام مهانة له فقط، بل كانت مهانة لجميع العرب والمسلمين في العالم، وأولهم العراقيون الذين نسي بعضهم في غمرة الفرحة برحيل الطاغية أنهم ليسوا من أمسك به. ولا هم من يملك تقرير مصيره أو مصير أنفسهم.

    سلطان الصورة

    مشهد المهانة في صورة اعتقال صدام حسين جرحت مشاعر الملايين في العالم العربي، وبدلا من دفعهم إلى اليأس والقعود، فقد تدفع بهم إلى الفعل والحركة

    وقد عرض الأميركيون أسيرهم صدام حسين في صورة مفزعة، تثير مزيجا من المشاعر، تترواح بين المهانة والإشفاق والتقزز والشماتة. وللصورة في علم الإعلام سلطانها وتأثيرها الخاص، وهي لا تقل تأثيرا عن تأثير الكلمة، بل هي أقوى، وأسهل نفاذا إلى القلوب. وقد أريد للصورة التي خرج – أو أُخرِج - بها صدام أن تخاطب أصنافا شتى من المتلقين، وتثير في كل منهم مشاعر خاصة:

    • فالرأي العام الأميركي أريد أن تخاطبه الصورة بلغة العزة والنصر: فهذا هو قائد البلد الذي خرج الجيش الأميركي لغزوه في يد الجنود الأميركيين البواسل، فالتقدم في الحرب موجود إذن، فلا تهونكم قصص موت جنودنا في بغداد يوميا.

    • وحلفاء واشنطن داخل العراق وحوله أريد أن تخاطبهم الصورة بلغة القوة والقهر، بحيث تطمئن قلوبهم أن الزعيم الذي طالما رهبوه أصبح اليوم معدودا في سَقَط المتاع. فليس من خوف من عودته أو عودة رجاله إلى الحكم إلى الأبد.

    • والمقاومون وأنصارهم خاطبتهم الصورة بلغة التيئيس والتقنيط، فهذا هو "القائد" في صَغار ومذلة تحت يد الفاتح المنتصر، وما عليهم سوى الاستسلام، وهو ما طالبهم به كل من بوش وبريمر في هذه المناسبة.

    • وقادة العالم الثالث الخارجين على بيت الطاعة الأميركي – وهم قلة هذه الأيام – أريد لهم أن يأخذوا من الصورة الرعبَ والفزع من أن ينالهم ما نال صدام حسين، إذا لم يبادروا بالتوبة والرجوع إلى بيت الطاعة.

    • والرأي العام العربي خاطبته اقائد يتحدث عن القومية ولو مجازا، أو يذكر الإسلام ولو نفاقا، أو يعادي إسرائيل ولو شعارا. وإلا فإن الخيبة والخسران والهزيمة في انتظاره..

    بيد أن الصورة سيف ذو حدين: فمشهد المهانة في صورة اعتقال صدام حسين جرحت مشاعر الملايين في العالم العربي، وبدلا من دفعهم إلى اليأس والقعود، فقد تدفع بهم إلى الفعل والحركة.

    على أن واشنطن التي اعتادت من العرب خطبا نارية لا يصاحبها تصميم، وأقوالا لا تصدقها أفعال، لا يهمها كثيرا نوعية المشاعر إذا كانت جوفاء. وللأمريكيين نظرة وقراءة خاصة للعقلية العراقية والعربية، عبر عنها بعض قادتهم العسكريين في العراق مؤخرا، هو النقيب تود براون من فرقة المشاة الأميركية الرابعة، بقوله: "لا بد أن تفهم العقلية العربية.. إنهم لا يعرفون غير لغة القوة". وزاد زميله العقيد ساسامان: "أعتقد أننا بجرعات قوية من التخويف والعنف، وبمبالغ مالية كبيرة، يمكن أن نقنع هؤلاء القوم أننا جئنا هنا لمساعدتهم" .

    لعبة الاعترافات

    خدم صدام أميركا من مخبئه، حيث اتخذت من ذلك ذريعة لاستمرار الاحتلال، وهو سيخدمها في زنزانته، حينما تنسب إليه كل يوم "اعترافات" تورط هذا الطرف أو تحرج ذاك

    ومما له صلة بموضوع الصورة ورسالتها، موضوع الاعترافات التي قد يقولها صدام أو تقال على لسانه. فمنذ اللحظات الأولى لاعتقال صدام حسين بدأ تسريب اعترافات على لسانه إلى الصحافة، تخدم أهداف أميركا السياسية والدعائية وأهداف المتعاونين معها من العراقيين. وتضمنت تلك "الاعترافات" تعبيره عن احتقاره للشعب العراقي، وعدم ندمه على مساوئ حكمه. ورسالة تلك الاعترافات – التي قد تصح نسبتها إلى صدام وقد لا تصح – هي تبديد أي تعاطف من العراقيين مع الأسير البائس وهو في السلاسل الأميركية.

    لصورة بلغة التحذير: أن لا يغتر باتباع

    ولعل لعبة "الاعترافات" هذه ستكون أعظم مكاسب أميركا من اعتقال صدام حسين مستقبلا، حينما تفقد صورة الاعتقال تأثيرها الإعلامي مع الزمن. إذ تستطيع المجموعة الحاكمة في واشنطن تحقيق مكاسب جمة من اعتقال صدام حسين من خلال "اعترافات" حقيقية أو مزيفة تعزوها إليه من حين لآخر لغايات الحرب النفسية والإعلامية والسياسية، ومن أمثلة "اعترافات" صدام على نفسه التي ستطلع علينا مستقبلا على الراجح:

    • اعترافه بأنه كان يمتلك أسلحة دمار شامل. وهو ما سيخفف الضغط السياسي على الرئيس بوش وحزبه داخليا وخارجيا، ويرد بعض ماء الوجه الذي فقده الرئيس الأميركي عالميا بسبب عدم وجود أسلحة الدمار الشامل في العراق.

    • اعترافه بأنه هو الذي أسس المقاومة وقادها خلال كل الفترة الماضية، أملا في أن يفقد ذلك الاعتراف المقاومة شيئا من بريقها في نظر أكثر العراقيين، ممن مقتوا صدام وحكمه، وعانوا على يديه خلال العقود المنصرمة.

    • اعترافه أنه تعاون عن كثب مع "القاعدة" وغيرها من منظمات تحاربها واشنطن حاليا، وهو ما يحتاجه الرئيس الأميركي لإضفاء طابع أخلاقي وشرعي على حربه ضد العراق أمام الرأي العام الأميركي.

    • اعتراف منه بتورط دول أخرى، تريد واشنطن استهدافها مستقبلا. ومن أمثلة ذلك أن يقول – أو يقال على لسانه – أنه نقل برامجه التسلحية إلى إيران أو سوريا، أو أن الكوريين الشماليين تعاونوا معه، مما سيكون ذريعة مستقبلية لضرب هذه الدول.

    • اعتراف منه إن بعض قادة الدول التي عارضت الحرب الأميركية ضد العراق أو شركاتها ساعدته عسكريا في الأعوام الأخيرة. والغرض من ذلك إحراج تلك الدول مثل فرنسا وروسيا.

    ونكرر أن المهم ليس ما إذا كانت هذه "الاعترافات" حقيقية أم لا، فلن يكون أغلبها حقيقيا في أحسن الأحوال. إنما المهم هو وظيفتها السياسية والإعلامية.

    لقد خدم صدام أميركا من مخبئه، حيث اتخذت من تخويف العراقيين منه ذريعة لاستمرار الاحتلال، وهو سيخدمها في زنزانته، حينما تنسب إليه كل يوم "اعترافات" تورط هذا الطرف أو تحرج ذاك. إنها ورقة رابحة للاستخدام الحقيقي والمفتعل في اتجاهات شتى.

    الإفلاس القيادي
    ولسقوط صدام واعتقاله بطريقة مهينة علاقة بالإفلاس القيادي الذي تحترق بناره الشعوب العربية، في وقت تكاد تفقد فيه الوجهة. وهو إفلاس يستوي فيه من رفع شعارات التحرير والقومية، ومن جاهر بخيانته.
     

مشاركة هذه الصفحة