المنهج السليم في أسماء وصفات الرب الرحيم (6)

الكاتب : وليد العُمري   المشاهدات : 583   الردود : 0    ‏2001-08-07
      مشاركة رقم : 1    ‏2001-08-07
  1. وليد العُمري

    وليد العُمري عضو

    التسجيل :
    ‏2001-07-29
    المشاركات:
    101
    الإعجاب :
    0
    ثم بعد هذا البحث الذي ذكرنا نحب أن نذكر كلمة قصيرة لجماعة قرءوا في المنطق والكلام وظنوا نفي بعض الصفات من أدلة كلامية كالذي يقول مثلا: لو كان مستويا على العرش لكان مشابها للحوادث لكنه غير مشابه للحوادث ينتج فهو غير مستو على العرش هذه النتيجة الباطلة تضاد سبع آيات من المحكم المنزل ولكننا الآن نقول في مثل هذا على طريق المناظرة والجدل المعروف عند المتكلمين. نقول: هذا قياس استثني فيه نقيض التالي فأنتج منه نقيض المقدم حسب ما يراه مقيم هذا الدليل. ونحن نقول: انه تقرر عند عامة النظار أن القياس الاستثنائي المركب من شرطية متصلة لزومية يتوجه عليه القدح من ثلاث جهات:
    ا- يتوجه عليه من جهة استثنائيته
    2- ويتوجه عليه من جهة شرطيته- إذا كان الربط بين المقدم والتالي ليس بصحيح.
    3- ويتوجه عليه القدح من جهتهما معا.
    وهذه القضية كاذبة الشرطية فالربط بين مقدمها وتاليها كاذب كذبا بحتا ولذا جاءت نتيجتها مخالفة لسبع آيات.
    وإيضاحه أن نقول: قولكم: لو كان مستويا على العرش لكان مشابها للحوادث هذا الربط بين (لو) و(اللام) كاذب، كاذب، كاذب. بل هو مستو على عرشه كما قال من غير مشابهة للحوادث كما أن سائر صفاته واقعة كما قال من غير مشابهة للخلق ولا يلزم من استوائه على عرشه كما قال أن يشبه شيئا من المخلوقين في صفاتهم البتة بل استواؤه صفة من صفاته وجميع صفاته منزهة عن مشابهة الخلق كما أن ذاته منزهة عن مشابهة ذوات الخلق ويطرد هذا في مثل هذا. وعلى كل حال فالجواب عن شيء واحد من هذا يطرد في الكل.
    وآخر ما نختم به هذه المقالة أنا نوصيكم وأنفسنا بتقوى الله وأن تلتزموا بثلاث آيات في كتاب الله.
    الأولى: (ليس كمثله شيء). فتنزهوا رب السموات والأرض عن مشابهة الخلق.
    الثانية: (وهو السميع البصير). فتؤمنوا بصفات الجلال والكمال الثابتة بالكتاب والسنة عك أساس التنزيه كما جاء (وهو السميع البصير) بعد قوله: (ليس كمثله شيء).
    الثالثة: أن تقطعوا أطماعكم عن إدراك حقيقة الكيفية لأن إدراك حقيقة الكيفية مستحيل وهذا نص الله عليه في سورة (طه) حيث قال: ( يعلم مما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون به علما). فقوله: يحيطون به فعل مضارع والفعل الصناعي الذي يسمى بالفعل المضارع وفعل الأمر والفعل الماضي ينحل عند النحويين عن مصدر وزمن كما قال ابن مالك في الخلاصة:
    المصدر اسم ما سوى الزمان من مدلولي الفعل كأمن من أمن
    وقد حرر علماء البلاغة في مبحث الاستعارة التبعية أنه ينحل عن مصدر وزمن ونسبة، فالمصدر كامن في مفهومه إجماعا. فـ(يحيطون) في مفهومها (الإحاطة) فيتسلط النفي على المصدر الكامن في الفعل فيكون كالنكرة المبنية على الفتح، فيصبر المعنى لا إحاطة للعلم البشرى برب السموات والأرض، فينفي جنس أنواع الإحاطة عن كيفيتها. فالإحاطة المسندة للعلم منفية عن رب العالمين. فلا يشكل عليكم بعد هدا صفة نزول ولا مجيء ولا صفة يد و لا أصابع ولا عجب ولا ضحك. لان هذه الصفات كلها من باب واحد فما وصف الله به نفسه منها فهـو حق وهو لائق بكماله وجلاله لا يشبه شيئا من صفات المخلوقين وما وصف به المخلوقون منها فهو حق مناسب لعجزهم وفنائهم وافتقارهم وهذا الكلام الكثير أوضحه الله في كلمتين (ليس كمثله شيء وهو السميع البصير). (ليس كمثله شيء) تنزيه بلا تعطيل. (وهو السميع البصير) إيمان بلا تمثيل. فيجب من أول الآية (ليس كمثله شيء) التنزيه الكامل الذي ليس فيه تعطيل ويلزم من قوله (وهو السميع البصير) الأيمان بجميع الصفات التي ليس فيها تمثـيل. فأول الآية تنزيه وآخرها إيمان، ومن عمل بالتنزيه الذي في (ليس كمثله شيء) والإيمان الذي في (وهو السميع البصير) وقطع النظر عن إدراك الكنه والكيفية المنصوص في قوله (ولا يحيطون به علما) خرج سالما.
    وقد ذكرت لكم مرارا أني أقول: هذه الأسس الثلاثة التي ركزنا عليها البحث وهى:
    ا- تنزيه الله عن مشابهة الخلق
    2- والإيمان بالصفات الثابتة بالكتاب والسنة وعدم التعرض لنفيها : عدم التهجم على الله بنفي ما أثبته لنفسه.
    3- وقطع الطمع عن إدراك الكيفية. لو (متم يا إخوان) وأنتم على هذا المعتقد. أترون الله يوم القيامة يقول لكم لم نزهتموني عن مشابهة الخلق ويلومكم على ذلك؟ لا، وكلا والله لا يلومكم على ذلك.
    أترون أنه يلومكم على أنكم آمنتم بصفاته وصدقتموه فيما أثنى به على نفسه ويقول لكم لم أثبتم لي ما أثبته لنفسي أو أثبته لي رسولي؟ لا والله لا يلومكم على ذلك ولا تأتيكم عاقبة سيئة من ذلك. كذلك لا يلومكم الله يوم القيامة ويقول لكم: لم قطعتم الطمع عن إدراك الكيفية ولم تحددوني بكيفية مدركة. ثم، إنا نقول: لو تنطع متنطع. وقال: نحن لا ندرك كيفية (نزول) منزهة عن نزول الخلق ولا ندرك كيفية (يد) منزهة عن أيدي الخلق ولا ندرك كيفية (استواء) منزهة عن استواءات الخلق، فبينوا لنا كيفية معقولة منزهة تدركها عقولنا فنقول أولا: هذا السؤال الذي قال فيه مالك بن أنس: والسؤال عن هذا بدعة، ولكن نجيب ونقول: اتعرف أيها المتنطع السائل الضال كيفية الذات المقدسة الكريمة المتصفة بصفة النزول وصفة اليد وصفة الاستواء وصفة السمع والبصر والقدرة والإرادة والعلم فلابد أن نقول: لا، فنقول: معرفة كيفية الصفة متوقفة على معرفة كيفية الذات، إذ الصفات تختلف باختلاف موصوفاتها ونضرب مثلا ولله المثل الأعلى. فان الأمثال لا تضرب لله ولكن الأخرويات لا مانع منها كما جاء بها القرآن فنقول مثلا كما فال العلامة ابن القيم رحمه الله لفظة (رأس) الراء والهمزة والسين، رأس. هذه الكلمة أضفها إلى المال وأضفها إلى الوادي وأضفها إلى الجبل قل رأس المال. رأس الجبل فانظر ما صار من الاختلاف بين هذه المعاني بحسب هذه الإضافات وهذا مخلوق ضعيف مسكين، فما بالك بالبون الشاسع الذي بين صفة الخالق جل وعلا وصفة المخلوق.
    وختاما يا إخواني نوصيكم وأنفسنا بتقوى الله وأن تتمسكوا بهذه الكلمات الثلاث:
    ا- أن تنزهوا ربكم عن مشابهة صفات الخلق.
    2- أن تؤمنوا بما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم ، إيمانا مبنيا على أساس التنزيه على نحو (ليس كمثله شيء وهو السميع البصير)
    3- وتقطعوا الطمع في إدراك الكيفية لأن الله يقول: (ولا يحيطون به علما).
    ونريد أن نختم هذه المقالة بنقطتين:
    إحداهما أنه ينبغي للمؤولين أن ينظروا في وقوله تعالى لليهود: (وقولوا حطة) فإنهم زادوا في هذا اللفظ المنزل نونا فقالوا: حنطة فسمى الله هذه الزيادة تبديلا فقال في البقرة: (فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم فأنزلنا على الذين ظلموا رجزا من السماء بما كانوا يفسقون)، وقال في الأعراف: (فبدل الذين ظلموا منهم قولا غير الذي قيل لهم فأرسلنا عليهم رجزا من السماء بما كانوا يظلمون)، وكذلك المؤولون للصفات قيل لهم استوى. فزادوا لاما، فقالوا: استولى. فانظر ما أشبه (لامهم) هذه التي زادوها بـ(نون) اليهود التي زادوها. ذكر هذا ابن القيم.
    الثانية: أنه ينبغي للمؤولين أن يتأملوا آية من سورة الفرقان وهى قوله تعالى: (ثم استوى على العرش الرحمن فاسأل به خبيرا). ويتأملوا معها قوله تعالى في سورة فاطر: (ولا ينبئك مثل خبير). فإن قوله في الفرقان: (فاسأل به خبيرا) بعد قوله: (ثم استوى على العرش الرحمن) يدل دلالة واضحة أن الله الذي وصف نفسه بالاستواء خبير بما يصف به نفسه لا تخفي علبه الصفة اللائقة من غيرها ويفهم منه أن الذي ينفي عنه صفة الاستواء ليس بخبير، نعم هو والله ليس بخبير. وصلى الله على عبده ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم، سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.
     

مشاركة هذه الصفحة