هجرة العبادة وعبادة الهجرة

الكاتب : القلم العربي   المشاهدات : 495   الردود : 0    ‏2003-12-15
      مشاركة رقم : 1    ‏2003-12-15
  1. القلم العربي

    القلم العربي عضو

    التسجيل :
    ‏2003-09-25
    المشاركات:
    143
    الإعجاب :
    0
    هجرة العبادة وعبادة الهجرة

    {فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين فلما نجّاهم الى البر اذا هم مشركون . ليكفروا بما آتيناهم وليتمتعوا فسوف يعلمون . اولم يروا أنا جعلنا حرماً آمناً ويُتخطف الناس من حولهم أفبالباطل يؤمنون وبنعمة الله يكفرون } . صدق الله العلي العظيم .
    (ان رجب شهر الله العظيم لا يقاربه شهر من الشهور حرمةً وفضلاً .. الا ان رجب شهر الله وشعبان شهري ورمضان شهر أمّتي فمن صام من رجب يوماً استوجب رضوان الله الاكبر وابتعد عنه غضب الله وأٌغلق عنه باب من ابواب النار ) . صدق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .
    مرحباً برجب .. شهر الله الاصّب .. حيث تُصّب فيه الرحمة على أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم صباً .. شهر دعا الله سبحانه وتعالى عباده لعبادته ووعدهم مضاعفة الاجر والثواب ... تشويقاً وتشجيعاً لهم على الالتزام بما خلقهم من اجله (وما خلقتُ الجن والانس الاّ ليعبدونِ ) ... وهكذا ترى ان العبادة قضية محورية .. جعل الله سبحانه من رحمته محطات زمانية واخرى مكانية يجري التركيز خلالها على اهمية العبادة وضرورة الالتزام بها .. كمحطة رجب .. فشعبان .. وصولاً الى شهر رمضان المبارك .. بل جعل العبادة محوراً لحياة الانسان على اساسها يقرر مصيره السياسي والاجتماعي والاقتصادي .. وهي الامور التي تتغير عندما يقوم الانسان بالهجرة من بلاده .. تلك الهجرة التي علّل القرآن الكريم دافعها الرئيسي في العبادة .. قال تبارك وتعالى {يا عباديَ الذين آمنوا إنّ ارضي واسعةٌ فإيايَ فاعبدونِ } .
    العبادة بذلك تستحق هجرة الاوطان ليضمن الانسان المؤمن ادائها والالتزام بحدودها .. بمعناها الاوسع الذي يعني الطاعة لله سبحانه في كل الامور ... في اداء الفرائض جميعاً .. في السلوك .. في الاخلاق .. في الجهاد .. واذا قدّر المؤمن ان ارضه لا تتسع لذلك .. فامامه حينئذ خيار الهجرة من اجل الاستمرار في طاعة الله سبحانه والالتزام باوامره والانتهاء عن مناهيه .. في ارضه التي وعد المؤمنين بانها سوف تتسع لهم ولارادتهم في الطاعة ولطموحاتهم في الجهاد والعمل في سبيله جلّ وعلا .
    ولا يمكن الحديث عن الهجرة دون الحديث عن الشعب العراقي الممتحَن الذي يتشرد ابنائه اليوم في مشارق الارض ومغاربها ... سيما ان العراق اليوم هو حديث العالم اجمع .. وهناك ضجة اعلامية وسياسية واسعة حول العراق ومستقبله .. لعل اخطر ما في هذه الضجة - هو ما يرتبط بموضوع الهجرة إياها - ان الآخرين صاروا يذكروننا بأهمية قضايانا .. ويخلقون فينا الاهتمام بها .. ومن زاوية اهتماماتهم .. اما قبل ذلك .. وفي غياب الاهتمام العالمي .. فاننا في الواقع ننسى قضايانا ولا نهتم بها الا اهتمامات متواضعة جداً في افضل الافتراضات ! .. بمعنى آخر ان مجاميع الهجرة المباركة التي خرجت من العراق او غيره .. لانها وجدت في بلادها ضيقاً وحصاراً يمنعها من الاستمرار في عبادة الله وطاعته .. ومجاهدة عدوه .. ان هذه المجاميع في غالبيتها قد نسيت الهدف الاساسي الذي من اجله خرجت وهاجرت ..وهذا مرض خطير تتعرض له معظم مجاميع المهاجرين .. سببه ان المهاجر ينسى معاناة المجموع عندما تنتهي معاناته الشخصية او تخف عندما يجد سعة الهجرة .. ولا يتذكر أمن مجتمعه الذي تركه عندما يتحقق له ولاسرته الامان .. وفي هذا خطأ كبير في التقدير .. ذلك ان الامن الشخصي لا يتحقق فعلاً الا بامن المجموع .. فالعراقي المهاجر مثلاً كما الفلسطيني المهاجر من قبل يخطيء عندما يظن انه حقق لنفسه الامان والاستقرار وقضية بلاده الاساسية لا تزال معلقة .. فمهما طال الزمن او قصر سيجد نفسه او اولاده في عمق المأساة والمعاناة مع تغير الظروف والاوضاع العالمية او تلك التي من حوله .. ان امرنا يشبه اولئك الذين تحدثت عنهم الآية التي باركنا بها مطلع المقال .. الذين ركبوا في سفينة واحدة وعندما شارفت على الغرق سئلوا الله النجاة فلما انجاهم نسوا ربهم ونسوا القضية التي كانوا يدعون لها مخلصين .. ان سفينة العراق واحدة .. وهي مهددة باكملها .. ويخطيء من يظن ان بامكانه النجاة لوحده ولا يعمل من اجل نجاة السفينة بالكامل لان في ذلك فقط نجاته الحقيقية .. وعندما تسنح له الظروف بالنجاة فعليه ان لا يتوقف عن السعي لانقاذ السفينة ومن فيها ففي هذا قمة الانانية والتنكر للاهل والاحبة والخيانة لما عاهد الله عليه وهو يطلب النجاة ! .. لو تخيل كل مهاجر نفسه في سفينة العراق التي تغرق الآن .. ولو للحظات .. لما غمض له جفن ولا ارتاح له بال .. ولما قعد عن السعي والعمل في سبيل انقاذ شعبه واخوته في الايمان من المحنة .. والمأساة .. او سمها ما شئت .. فلن تجد في قاموس اللغة كلمة تستطيع ان تصف ما يجري على الشعب العراقي اليوم من ابتلاءات وما يتهدد مستقبلهم من اخطار .. ولتجاوز معها بالتأكيد كل تلك التبريرات والحواجز النفسية والاعذار التي سيجدها تافهة جداً والتي تمنعه من العمل لقضية شعبه وامته .. ولتعدى كل تلك الخطوط (الحمراء) ! التي اصطنعتها الاهواء ومنعته ومنعت القوى المختلفة من التعاون والانسجام فيما بينها والعمل يداً واحدة لانقاذ العراق في لحظات غاية في الصعوبة والمصيرية .
    اننا نتفرج على ما يُراد ببلدنا ومستقبل شعبنا في العراق .. وهذا في احد اسبابه اننا لم نعمل في الماضي .. وظننا ان العالم سينتظرنا متى نقرر العمل .. ويصفق من حولنا .. اننا في الحقيقة نمتلك جوهرة ثمينة كان ينبغي ولا يزال ان تكون جهودنا بحجم المحافظة عليها .. العراق جوهرة عظيمة في شعبه واصالته وثرواته وامكاناته .. وهي امور يسيل لها لعاب العالم واصحاب المصالح .. ان التقارير تؤكد ان العراق مثلاً يمتلك اكبر واجود ثروة نفطية عالمية ! وينمو النخيل فيه كما تنمو الحشائش في غيره من البلاد ! مثل هذا البلد لا يُنام عنه حتى وان نام اهله عنه .. وقد تلتقي مصلحة الشعب العراقي اليوم في الخلاص من الديكتاتورية الحاكمة في بغداد مع مصلحة القوى التي تتطلع لاغراضها في العراق .. ولكن هذا لا يعني بالضرورة ان تتطابق النظرة المستقبلية للاوضاع للطرفين .. وبذلك - ومهما تمخضت عنه نتائج هذه الحملة الاعلامية والسياسية الامريكية بشأن العراق - فان المطلوب في كل الاحوال تكثيف الجهود لحفظ مصالح الامة في العراق .. وتأكيد القيم والمباديء الالهية التي خرجنا من اجل المحافظة عليها في انفسنا وفي بلدنا .. والالتزام بثوابت وحدة العراق واحترام حق الاكثرية وحق الاقلية .. وانصاف الاطراف جميعاً .. ولكي نطمئن باذن الله للمستقبل علينا ان نسعى .. ولا تتحول الهجرة التي هاجرناها للعبادة والطاعة .. الى معبود نعبده في حد ذاتها .. فنتوقف عند ما حققناه خلالها على المستويات الفردية ... وننسى القضية الجمعية .
    ان الامة المتوكلة على الله سبحانه وتعالى تستطيع ان تحقق ذلك واكثر وان تصون حقوقها الذي جعله الله آمناً على مر الدهور .. ويُتخطف الناس من حوله .. وتعصف المشاكل بالعالم من حوله .. وهو على امنه واستقراره .. ان هذه آية كبرى يريد الله سبحانه وهو يخاطبنا يدعونا الى التفكر في هذا الحرم .. ان نؤمن انه قادر ايضاً على ان يحقق لنا بلداً آمناً ومستقراً ان اخلصنا له .. ولم نؤمن بالباطل الذي نحاسب له كل حساب .. ونستسلم لارادته .. لان من آمن بشيء استسلم له .. انه يعدنا سبحانه بالامن والاستقرار الحقيقي .. اذا آمنا بنعمه ومضينا على هداه .. وخشيناه ولم نخش احد سواه
     

مشاركة هذه الصفحة