ماذا يعني إنتمائي للإسلام؟!

الكاتب : مراد   المشاهدات : 586   الردود : 2    ‏2003-12-14
      مشاركة رقم : 1    ‏2003-12-14
  1. مراد

    مراد مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2003-11-28
    المشاركات:
    13,702
    الإعجاب :
    2
    [color=003399]أدعو إخواني للكتابة بما يشكل إجابة ضافية على السؤال الكبير والهام من منطلق تفعيل الإنتماء لهذا الدين العظيم وفي هذه الآونة بشكل أخص.
    نعيش اليوم مرحلة خطيرة في تأريخ أمتنالا تقل أهمية وخطورة عن حرب الردة وقتال التتاروسائر النكبات التي حاولت إغتيال هويتنا.
    مرة أخرى أعود فأقول داعياًإخواني المشاركين في هذا المجلس لما أشرت إليه سابقاًفربما عندهم الكثير والكثير من النقاط التي تشكل بمجملها إجابة قويمة للسؤال الذي عنونت به هذه السطور..لنا لقاء.[/color]
     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2003-12-14
  3. الحُسام اليماني

    الحُسام اليماني مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2002-06-07
    المشاركات:
    3,541
    الإعجاب :
    0
    سؤالك حول مفهوم "الانتماء" سؤال مهم، لأنَّها تصبُّ في جانب الالتزام الحقِّ بهذا الدين والعمل له، وهذا الالتزام وذاك العمل لا يكونان إلا حين نفهم ديننا جيِّدًا، وننتمي إليه جدًّا، فالالتزام والعمل هما نتاج "الانتماء"، لذا غدا "الانتماء" ضرورةً وأساسًا.


    أوَّلاً عن معنى "الانتماء"، وبما أنَّ انتماءنا للإسلام يعني انتماءنا للهويَّة الإسلاميَّة فلنعرِّف كذلك الهويَّة الإسلاميَّة، ثمَّ لننطلق من كلِّ ذلك للحديث عن معنى "الانتماء للإسلام"، وعن نتاجات هذا "الانتماء"، وما يصدر عن من "انتمى" للإسلام.

    1- معنى "الانتماء" لغة:

    يُعرِّف الإمام ابن منظور "الانتماء" في اللغة في كتابه "لسان العرب" فيقول:
    النَّماءُ: الزيادة.

    نَمَى يَنْمِي نَمْياً ونُمِيًّا ونَماءَ: زاد وكثر، وانْتَمَى هو إليه: انتسب، وفلانٌ يَنْمِي إلى حسَبٍ ويَنْتمِي: يرتفع إليه.
    وفي الحديث: (مَن ادَّعَى إلى غير أبيه أو انتَمَى إلى غير مواليه)، أَي: انتسب إليهم ومال وصار معروفًا بهم، ويقال: انْتَمَى فلانٌ إلى فلانٍ إذا ارتفع إِليه في النسب، وكلُّ ارتفاعٍ انتماءٌ، وتَنَمَّى الشيءُ تَنَمِّيًا: ارتفع، ونَمَّيت النار تَنْمِيةً إِذا ألقيت عليها حَطَبًا وذكَّيتها به.

    فخلاصة ما وصلنا حول معنى "الانتماء" لغةً هو أنَّه يحمل أربعة معانٍ هي: الزيادة- الانتساب- الارتفاع- الإذكاء.
    وهذه المعاني الأربعة هي المرادة حين نتحدَّث عن الانتماء للإسلام كما سنبيِّن لاحقًا.

    2- معنى "الهويَّة الإسلاميَّة":

    الهويَّة الإسلاميَّة هي تفرُّد شخصيَّة المسلم بمجموعةٍ من القِيَم التي تميِّزه عن باقي الهويَّات الأخرى، وهذه القيم هي صفاتٌ وخصائصٌ تحكم المسلم في كلِّ مناحي حياته، وفي كلِّ علاقاته وتصرُّفاته، سواء مع الله تعالى أو مع النفس أو مع الكون أو مع الناس.
    والمسلمون الذين يحملون الهويَّة الإسلاميَّة هم وحدةٌ متكاملةٌ متناسقةٌ يحملون نفس القيم، ويتفرَّدون بنفس العلاقات والتصرُّفات المنضبطة بهذه القيم، وهؤلاء جميعًا يمثِّلون "أمَّة الإسلام" الذين يجمعهم دينٌ واحدٌ، وصفاتٌ واحدةٌ، وممارساتٌ واحدة.

    3- معنى "الانتماء للإسلام":

    الانتماء للإسلام أو للهويَّة الإسلاميَّة هو مكوِّنات النقطتين السابقتين:
    فهو من ناحيةٍ انتسابٌ لهذه الهويَّة المتفرِّدة عن الهويَّات الأخرى، وبالتالي يكون انتسابًا لأمَّة الإسلام، كدينٍ، وككيانٍ وأفرادٍ، فهو جزءٌ من كلٍّ عليه أن يعمل له ومعه لتحقيق الخير للعالمين، وهذا الانتساب هو انتسابٌ قلبيٌّ أوَّلاً، ثمَّ انتماءٌ فعليٌّ يبدو ويظهر عبر الأفعال والممارسات.
    والانتماء للإسلام من ناحيةٍ ثانيةٍ هو ارتفاعٌ بالنفس ورفع اهتماماتها عن الانحطاط والإخلاد إلى الدنايا، فالمسلم صاحب رسالةٍ أخرويَّةٍ يعمل كي ينال فيها رضاء الله تعالى، وصاحب رسالةٍ دنيويَّةٍ هدفها إعمار الأرض وتشييدها، بالقيم والمبادئ والمثل من جهة، وبالإصلاح وعدم الإفساد في الأرض من جهةٍ أخرى، وهو في الجهتين يفعل ذلك لإرضاء الله تعالى ونيل مكافأته الأخرويَّة.
    كما أنَّ الانتماء للإسلام رفعٌ للمسلم ذاته، من قدره، ومكانته، ومن سبب وجوده في الأرض، ودوره فيها، ليغدو جزءًا من خير أمَّةٍ أُخرِجت للناس.

    والانتماء للإسلام من ناحيةٍ أخرى هو زيادةٌ للمسلم في ذاته وحياته، زيادته هو شخصيًّا زيادةً روحيَّةً إيمانيَّةً توجد عنده السكينة والرضا وهدوء النفس، وزيادته عبر تحلِّيه بقِيمٍ وصفاتٍ أخلاقيَّةٍ سلوكيَّةٍ كالعدل والأمانة والصدق والكرم والشجاعة وغير ذلك.
    والانتماء للإسلام كذلك زيادةٌ لدور المسلم في الحياة، وإذكاءٌ مستمرٌّ لهمَّته وبذله وعطائه، فالمسلم حين يُعلن انتماءه لدينه فقد أعلن وجوب أن يزيد على الدنيا لا أن يكون زائدًا عليها، وضرورة أن تبقى جذوته الدعويَّة الخيريَّة متَّقدَّةً لا تُطفَأ أبدًا.

    فـ"الانتماء للإسلام" هو انتماءٌ عقائديٌّ أوَّلاً، ثمَّ انتماءٌ سلوكيٌّ نحو نفسه وأمَّته ثانيًا، ثمَّ نحو العالمين، فالمنتمي للإسلام تحكمه في حياته أربعة نصوص:
    - في قيمة حياته ومعناها: (قل إنَّ صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله ربِّ العالمين * لا شريك له وبذلك أُمِرت وأنا أوَّل المسلمين).
    - في علاقته بأمته وإخوانه من المنتمين للإسلام:
    * (المؤمن للمؤمن كالبنيان، يشدُّ بعضه بعضًا)، وشبَّك صلى الله عليه وسلم بين أصابعه، متَّفقٌ عليه.
    * (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم، مثل الجسد، إذا اشتكى منه عضوٌ، تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى) رواه البخاري ومسلم.
    - في علاقته بالعالمين: (ادع إلى سبيل ربِّك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن إنَّ ربَّك هو أعلم بمن ضلَّ عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين).

    4- أمثلةٌ من "انتماء" الصحابة:

    - قال صلى الله عليه وسلم: (غفار غفر الله لها، وأسلم سالمها الله) متفقٌ عليه.
    وقصَّة هذا الحديث أنَّ أبا ذرٍّ رضي الله عنه لمَّا أسلم كان رابع أربعةٍ في الإسلام، وفهم من إسلامه أنَّ عليه واجب دعوة قومه، فيمَّم شطر قومه غفار، وبدأ بأسرته وقرابته، فدعا أمَّه، ودعا أخاه، ثمَّ هبَّ إلى قبيلته يدعوها فأسلم نصفها، أمَّا النصف الأخر فأسلم بعد ذلك، فلمَّا سمعت قبيلة أسلم بذلك قالت: "ليس بنا عمَّا رغب به بنو عمِّنا غنى"، فأسلموا أيضًا، فكان انتماء رجلٍ للإسلام انتماءً صحيحًا سببًا في انتماء قبيلتين.

    - عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: "ما زلنا أعزَّةً منذ أسلم عمر" رواه البخاري، وورد عن ابن مسعود رضي الله عنه كذلك: "إنَّ إسلام عمر كان عزًّا، وإنَّ هجرته كانت فتحًا ونصرًا، وإمارته كانت رحمة، والله ما استطعنا أن نصلِّي حول البيت ظاهرين حتى أسلم عمر، فلمَّا أسلم عمر قاتلهم حتى صلَّينا، وإنِّي لأحسب بين عيني عمر ملَكًا يسدِّده، وإنِّي لأحسب الشيطان يَفْرَقُه، وإذا ذكر الصالحون فحيَّ هلا بعمر".
    فهذا أثر انتماء رجلٍ واحدٍ للإسلام.

    - لمَّا نزل قول الله تعالى: (يا أيُّها الذين آمنوا إنَّما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجسٌ من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلَّكم تفلحون * إنَّما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدّكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون) قال عمر: انتهينا، وأمر النبي صلى الله عليه وسلم مناديه أن ينادي في سكك المدينة، ألا إنَّ الخمر قد حرِّمت.. فكُسرت الدنان، وأريقت الخمر حتى جرت في سكاك المدينة.
    وروى الإمام البخاري عن أبي النعمان قال: "كنت ساقي القوم في منزل أبي طلحة، فنزل تحريم الخمر، فأمر مناديًا فنادى، فقال أبو طلحة: اخرج فانظر ما هذا الصوت؟ قال: فخرجت فقلت: هذا منادٍ ينادي: ألا إنَّ الخمر قد حُرِّمت، فقال لي: اذهب فأهرقها، قال: فجرت في سكك المدينة".
    وعن أنسٍ قال: "بينا أنا أدير الكأس على أبي طلحة وأبي عبيدة بن الجراح ومعاذ بن جبل وسهيل بن بيضاء وأبي دجانة حتى مالت رؤوسهم إذ سمعنا مناديًا ينادي: ألا إنَّ الخمر قد حُرِّمت، فما دخل علينا داخلٌ ولا خرج منَّا خارجٌ فأهرقنا الشراب، وكسرنا القلال، وتوضَّأ بعضنا واغتسل بعضنا، وأصبنا من طيب أمِّ سليم، ثمَّ خرجنا إلى المسجد فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (يا أيُّها الذين آمنوا إنَّما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجسٌ من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلَّكم تفلحون) حتى بلغ: (فهل أنتم منتهون)" رواه البزار بسندٍ صحيح.
    فالأمة المنتمية وقافةٌ عند حدود الله تعالى، وتنفذ أوامره سبحانه دون ترددٍ أو تلكؤٍ أو مماطلة.

    - عن أنس بن مالك رضي الله عنه يوم بدرٍ أنَّه لمَّا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (قوموا إلى جنَّةٍ عرضها السماوات والأرض)، قال: يقول عمير بن الحمام الأنصاري: يا رسول الله، جنَّةٌ عرضها السماوات والأرض؟ قال: (نعم)، قال: بخٍ بخٍ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما يحملك على قولك بخٍ بخٍ؟) قال: لا والله يا رسول الله إلا رجاء أن أكون من أهلها، قال: (فإنَّك من أهلها)، فأخرج تمراتٍ من قرنه، فجعل يأكل منهنّ، ثمَّ قال: لئن أنا حييت حتى آكل تمراتي هذه، إنَّها لحياةٌ طويلة، قال: فرمى بما كان معه من التمر، ثمَّ قاتل حتى قُتِل.
    هذا هو فعل المنتمي الذي يعرف معنى انتمائه وغايته.

    5- من آثار "الانتماء للإسلام":

    لعلَّ أهمَّ نتاجات الانتماء للإسلام ثلاثة.. أحدها العزَّة ، وثانيها: التحرُّر، وثالثها التكافل، وسأذكر كلَّ نتاجٍ منها بتفصيلٍ بسيط:

    أوَّلاً: العزَّة:

    - معنى العزَّة:

    العزَّة في الأصل القوَّة والشدَّة والغلبة، والعزُّ والعزَّة : الرفعة والامتناع، وهو خلاف الذل، والعزيز من أسماء الله تعالى، ومعناه الممتنع فلا يغلبه شيء، أو القوي الغالب لكلِّ شيء.

    - معنى عزَّة المسلم:

    يقول الشيخ محمد الغزالي رحمه الله تعالى: "هي كبرياءٌ، فيها من التمرُّد على الباطل بقدر ما فيها من الاستكانة للحق، وفيها من التعالي على الباطل بقدر ما فيها من التطامن للحق، فيها الترفُّع على مغريات الأرض وأباطيل الحياة، وفيها الانخفاض للمؤمنين، والتبسُّط لهم، واحترام الحقِّ الذي يجمعه بهم، فيها إتيان البيوت من أبوابها، وطِلاَب العظمة من أصدق سبلها".

    - بم تتحقَّق العزَّة ؟

    تتحقَّق العزَّة بالخضوع لله تعالى والانتماء إليه سبحانه، قال تعالى: (من كان يريد العزَّة فلله العزَّة جميعًا)، فالمسلم إنَّما يكون في أعزِّ أحواله ساعة تعنو جبهته لربِّ العزَّة سبحانه في السجود، عندها يشعر بقيمته، وبمكانته، حين يعطي الخالق العزيز العظيم حقَّه الذي لا ينازعه فيه أحدٌ من خلقه.

    - من نتائج العزَّة على المسلم:

    عندما يشعر المؤمن بالعزَّة التي اكتسبها من خضوعه لله تعالى تبدو مظاهر هذا الشعور عبر أفعاله، فلا ينكِّس رأسه لغير باريها سبحانه، فلا يهون المسلم ولا يُستذَلّ أو يُستضعَف، مؤمنًا بقوله تعالى: (ولله العزَّة ولرسوله وللمؤمنين ولكن المنافقين لا يعلمون)، (ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلَون إن كنتم مؤمنين).
    وحين يستشعر المسلم عزَّته باستسلامه لخالقه تعالى فإنَّه لا يتَّخذ الكافرين أولياء من دون المؤمنين، فعزَّته بولايته لله ربِّ العالمين، قال تعالى: (الذين يتَّخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين أيبتغون عندهم العزَّة فإنَّ العزَّة لله جميعًا).
    وهو كذلك يعلم أنَّ ما يصيبه من خيرٍ أو ضرٍّ هو خير، قال صلى الله عليه وسلم: (عجبًا لأمر المؤمن، إنَّ أمره كلُّه خير، وليس ذاك لأحدٍ إلا للمؤمن، إن أصابته سرَّاء شكر، فكان خيرًا له، وإن أصابته ضرَّاء صبر، فكان خيرًا له) رواه مسلم، (من يُرِد الله به خيرًا يُصِبْ منه) رواه البخاري، قال الإمام ابن حجر: "وفي هذه الأحاديث بشارةٌ عظيمةٌ لكلِّ مؤمن، لأنَّ الآدمي لا ينفك غالبًا من ألمٍ بسبب مرضٍ أو همٍّ أو نحو ذلك ممَّا ذكر، وأنَّ الأمراض والأوجاع والآلام - بدنيَّةً كانت أو قلبيَّة – تكفِّر ذنوب من تقع له".

    وإذا كان الأمر كذلك، فالعزَّة تمنع المسلم من الخوف من أيِّ ظالمٍ يخالف ما أمر الله تعالى به، مهما كانت قوَّة هذا الظالم، فيقوم المسلم بواجبه في نهي الظالم عن ظلمه، وفي أمره بالمعروف، دون خوفٍ أو وجل، قال صلى الله عليه وسلم: (والذي نفسي بيده لتأمرنَّ بالمعروف، ولتنهونَّ عن المنكر، ولتأخذنَّ على أيدي المسيء، ولتأطرنَّه على الحقِّ أطرًا أو ليضربنَّ الله بقلوب بعضكم على بعضٍ، ويلعنكم كما لعنهم) رواه الطبرانيُّ ورجاله رجال الصحيح، (والذي نفسي بيده لتأمرنَّ بالمعروف، ولتنهونَّ عن المنكر، أو ليوشكنَّ الله أن يبعث عليكم عقابًا منه، ثمَّ تدعونه فلا يستجاب لكم) رواه الترمذيُّ وقال: حديثٌ حسنٌ، (سيِّد الشهداء حمزة بن عبد المطلب، ورجلٌ قال إلى إمامٍ جائرٍ، فأمره، ونهاه، فقتله) رواه الطبرانيُّ وصحَّحه الحاكم، (أفضل الجهاد كلمة حقٍّ عند إمامٍ جائر) أخرجه أبو داود والترمذي وحسنه وابن ماجه.
    فالعزَّة بالله تعالى تمنح الروح طاقةً قادرةً على الصمود أمام كوارث الحياة وتقلُّباتها، والوقوف أمام كلِّ متجبرٍ لا يؤمن بيوم الحساب، والمؤمن في كلِّ الحالات ثابتٌ لا يهتز، قويٌّ لا يُقهَر ولا يتقهقر، لأنَّ الإيمان أعطاه ثقةً بالنفس، واعتزازًا بها، واستعلاءً على صغائر الحياة، وصغائر الأحياء.

    ثانيًا: التحرُّر:

    - معنى التحرُّر:

    التحرُّر جاء من كلمة "حُرّ"، وهذه لها معانٍ كثيرة، منها:
    الحُرُّ ضدَّ العبد، والحُرُّ من الناس أخيارهم وأفاضلهم، وحُرِّيَّة العرب أشرافهم، والحُرُّ من الأشياء خالصها، والحُرُّ كلُّ شيءٍ فاخر، والحُرُّ من الفاكهة خيارها.
    وهذه كلُّها معانٍ يصلح إطلاقها على معنى تحرُّر المسلم بانتمائه للإسلام.

    - من ثمرات التحرُّر:

    كي تتحقَّق خلافة الله تعالى في الأرض على الوجه الذي يرضيه عزَّ وجلَّ، فلابدَّ من وجود طاقةٍ للإنسان في داخله تدفعه لإعداد الإمكانيَّات الخارجيَّة التي تحقِّق هذه الخلافة، وهذه الطاقة هي التحرُّر الوجداني من كلِّ أنواع المكبِّلات والقيود، هذا التحرُّر الذي لا يأتي إلا نتاج الانتماء لهذا الدين.
    فالإسلام بدأ بتحرير الوجدان البشري من عبادة الآلهة المزعومة السائدة في الأرض، ومن الخضوع لغير الله تعالى، وغرس في أذهان المنتمين له قيمًا ومفاهيم مثل:
    * لا عبوديَّة إلا لله تعالى، قال تعالى: (قل يأهل الكتاب تعالوا إلى كلمةٍ سواءٍ بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئًا ولا يتَّخذ بعضنا بعضًا أربابًا من دون الله)، (اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله والمسيح ابن مريم وما أُمروا إلا ليعبدوا إلهًا واحدًا لا إله إلا هو سبحانه عمَّا يشركون).
    * لا سلطان على الإنسان غير سلطان الله عز وجل، فالله تعالى يقول: (وهو القاهر فوق عباده)، (ما تعبدون من دونه إلا أسماء سمَّيتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان إنِ الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إيَّاه ذلك الدين القيم).
    * لا أحد يحيي الإنسان أو يميته إلا الله تعالى، يقول تعالى: (والله يحيي ويميت والله بما تعلمون بصير)، (كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتًا فأحياكم ثمَّ يميتكم ثمَّ يحيكم).
    * ما من أحدٍ يملك للإنسان ضرًّا ولا نفعًا، إنَّما النفع والضرُّ بيده وحده تعالى، يقول تعالى: (وإن يمسسك الله بضرٍّ فلا كاشف له إلا هو وإن يمسسك بخيرٍ فهو على كلِّ شيءٍ قدير)، (قال أفتعبدون من دون الله ما لا ينفعكم شيئًا ولا يضرُّكم).
    * لا رازق إلا الله تعالى، فالإنسان لا يحمل همَّ الرزق طالما يعتقد أنَّه إن بقي حيًّا فلن يعدم رزقًا، فالرزق من الله وحده، قال جلَّ شأنه: (قل من يرزقكم من السموات والأرض قل الله)، (الله يبسط الرزق لمن يشاء ويَقِدر)، (إنَّ ربَّك يبسط الرزق لمن يشاء ويَقْدِر إنَّه كان بعباده خبيرًا بصيرًا)، (أوَلَمْ يرَوا أنَّ الله يبسط الرزق لمن يشاء ويَقْدِر إنَّ في ذلك لآياتٍ لقومٍ يؤمنون)، (نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا)، (والله فضَّل بعضكم على بعضٍ في الرزق فما الذين فُضِّلوا برادِّي رزقهم على ما ملكت أيمانهم فهم فيه سواء أفبنعمة الله يجحدون).
    * لا واسطة بينه وبين الله ولا شفيع، قال تعالى: (وإذا سألك عبادي عنِّي فإنِّي قريبٌ أجيب دعوة الداع إذا دعان)، (ما لكم من دونه من وليٍّ ولا شفيعٍ أفلا تتذكَّرون).
    فبهذا كلِّه يبقى المسلم متحرِّرًا من كلِّ شركٍ أو حاجةٍ لغير الله تعالى، ويتَّصل اتصالاً متينًا بربِّه سبحانه يستمدُّ منه القوَّة والعون، ويشعر بعنايته ورعايته جلَّ شأنه له، وينال من رحماته الواسعة، ويركن إليه في الشدَّة والضيق، فيجد ربًّا غفورًا رحيمًا يقبل توبته، ويقيل عثرته، ويرفعه عنده درجات، ويعفو عن كثير: (ولو أنَّهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابًا رحيمًا).

    ثالثًا: التكافل:

    - معنى التكافل:
    مادة "كفل" في اللغة لها اشتقاقاتٌ كثيرةٌ منها:
    * الكفل: بمعنى الضِّعف والنصيب، قال تعالى: (يؤتكم كفلين من رحمته) أي ضعفين ونصيبين.
    * الكفيل: الشاهد والرقيب، قال تعالى: (وقد جعلتم الله عليكم كفيلاً).
    * الكافل: العائل والضامن، قال تعالى: (إذ يلقون أقلامهم أيُّهم يكفل مريم) أي أيُّهم يعيلها ويضمن معيشتها.

    - معنى التكافل في الإسلام:
    التكافل في الإسلام هو أن يتضامن أبناء المجتمع المسلم ويتساندوا فيما بينهم سواء أكانوا أفرادًاً أو جماعات، حكامًا أو محكومين، على اتخاذ مواقف إيجابيَّة "كرعاية اليتيم" أو سلبيَّة "كتحريم الاحتكار" بدافعٍ من شعورٍ ينبع من العقيدة الإسلاميَّة، ليعيش الفرد في كفالة المجتمع، وتعيش الجماعة بمؤازرة الفرد لإيجاد المجتمع الأفضل، ودفع الضرر عن أفراده.
    فالعقيدة هي الدافع الأساسي لإرساء المجتمع المتكافل المتوازن، فالإيمان بالله وحده يغرس في النفس حبّ الآخرين الذين يجتمع المرء معهم على عقيدةٍ واحدة، فأمام حرص المسلم على نيل حقوقه في الإسلام تراه يحرص على أداء واجباته، كي يحقِّق السعادة لمجتمعه بحيث لا تتمُّ سعادة الفرد إلا بتمام سعادة المجتمع، فالإسلام يدعو المسلمين أن يكونوا متكافلين، متضامنين، متعاونين، يسعى بذمَّتهم أدناهم، ويعطف غنيُّهم على فقيرهم، ويساعد قويُّهم ضعيفهم، وهم يدٌ على من سواهم، وقد ربَّى رسول الله صلى عليه وسلم المسلمين على ذلك وجعله من صميم الإيمان، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يؤمن أحدكم حتى يحبَّ لأخيه ما يحبُّ لنفسه) متفقٌ عليه، (مثل المؤمنين في توادِّهم وتراحمهم وتعاطفهم، مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو، تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى) رواه البخاري ومسلم، (المؤمن للمؤمن كالبنيان، يشدُّ بعضه بعضًا)، وشبَّك صلى الله عليه وسلم بين أصابعه، متفقٌ عليه، (المسلمون تتكافأ دماؤهم، يسعى بذمَّتهم أدناهم، ويجير عليهم أقصاهم، وهم يدٌ على من سواهم يردُّ مشدهم على مضعفهم، ومتسرِّيهم على قاعدهم) رواه أبو داود، وصححه الحاكم.

    - من صور التكافل:
    * المسلم وصيانة النفس:
    وذلك أنَّ يحفظ المسلم نفسه من المحرَّمات، ومن كلِّ الرذائل والأوبئة الاجتماعيَّة، فيزكِّيها، ويطهِّرها، ويسير بها في طريق الخير، وقد حذَّرنا الإسلام من إيقاع النفس في المهالك فقال تعالى: (ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة)، كما أنَّ المسلم مكلَّفٌ في الوقت ذاته أن يمنح نفسه حقَّها من العمل والراحة، فلا ينهكها، ولا يضعفها، يقول الله تعالى: (وابتغ في ما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنسَ نصيبك من الدنيا)، وروى عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: (يا عبد الله، ألم أُخبَر أنَّك تصوم النهار وتقوم الليل؟)، قلت: بلى يا رسول الله، قال: (فلا تفعل، صم وأفطر، وقم ونم، فإنَّ لجسدك عليك حقًّا، وإنَّ لعينك عليك حقًّا، وإنَّ لزوجك عليك حقًّا) رواه البخاري ومسلم.
    كما أنَّ المسلم مكلَّفٌ أن يقف من نفسه موقف الرقيب يهديها إذا ضلَّت، ويذكِّرها إذا نسيت، ويحاسبها إذا أخطأت، قال تعالى: (قد أفلح من زكاها * وقد خاب من دسَّاها)، وهذه هي الخطوة الأولى نحو تحقيق التكافل، إذ لا سبيل إلى تحقيقه إلا إذا كان الفرد قويّ الإيمان، وقويّ السلوك، وقويّ البدن كذلك.

    * المسلم وبناء الأسرة الصالحة:
    فالأسرة هي اللبنة الأولى في بناء المجتمع، وهي التي إن صلحت صلح المجتمع كلُّه، وإن فسدت فسد المجتمع كلُّه.
    وهذه الأسرة تقوم على روابط الرحمة والمودَّة والسكن، وبهذه الروابط تقوم العلاقة بين الزوج والزوجة، لتكوين بيتٍ، ورعاية أطفال، وهذه العلاقات التي تربط بين أفراد الأسرة الواحدة تجعل منهم وحدةً اجتماعيَّةً متعاونةً في السعة والضيق والسرَّاء والضرَّاء، متكافلةً في الجهد والجزاء جيلاً بعد جيل، متعديةً الأسرة كوحدةٍ لتشمل الأسر الممتدَّة، الصغير فيها يحترم الكبير، ويستمع لنصائحه، والكبير يسعى لما فيه صلاح الصغير، ليغدو الطرفان عناصر فاعلةً صالحةً تسعى نحو الخير، وتمشي إليه.

    * المسلم وتحقيق أمَّة الخير:
    يعتبر الإسلام كلَّ فردٍ لبنةً للمجتمع لا يقوم بناؤه إلا بها، لأنَّ الإسلام يوحِّد بين جانبي التبعات المشتركة والحقوق المتبادلة، فيعتبر حقَّ الفرد واجبًا على غيره من أفراد المجتمع تحقيقه له، وبهذا تكون العلاقة بين الأفراد علاقةً "واجبيَّةً" ملزمةً لكلِّ مسلمٍ نحو أخيه المسلم، واعتبر الإسلام ذلك عبادةً يطلع عليها الله تعالى ورسوله والمؤمنون: (وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون).
    ولهذا يصبح كلُّ فردٍ مكلفٌ أوَّلاً أن يحسن عمله الخاصّ ويتقنه، وكلّ فردٍ مكلَّفٌ أن يرعى مصالح الجماعة كأنَّه حارسٌ لها، موكَّلٌ بها، مثلهم كمثل السفينة حين يكون كلُّ الراكبين مسئولين عن سلامتها، ومحاسبين على ذلك، وليس لأحدٍ أن يخرق موضعه منها باسم الحريَّة الفرديَّة، قال عليه الصلاة والسلام: (مثل القائم على حدود الله والواقع فيها، كمثل قومٍ استهموا على سفينة، فأصاب بعضهم أعلاها، وبعضهم أسفلها، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مرُّوا على مَن فوقهم، فقالوا: لو أنَّا خرقنا في نصيبنا خرقًا، ولم نؤذ من فوقنا، فإن يتركوهم وما أرادوا هلكوا جميعًا، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعًا) رواه البخاري.

    وفي إطار هذه الحياة المشتركة حرَّض الإسلام الأفراد على التعاون في ما يحقِّق مصلحة الجماعة، سواءً كان تعاونًا إيجابيًّا على البرِّ والتقوى، أو تعاونًا سلبيًّا برفض التعاون على الإثم والعدوان، فقال تعالى: (وتعاونوا على البرِّ والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان).

    الإجابة منقوله بتصرف من الأسلام اون لاين
     
  4.   مشاركة رقم : 3    ‏2003-12-14
  5. الحُسام اليماني

    الحُسام اليماني مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2002-06-07
    المشاركات:
    3,541
    الإعجاب :
    0

مشاركة هذه الصفحة