قصه قصيرة

الكاتب : وليد محمد عشال   المشاهدات : 306   الردود : 0    ‏2003-12-07
      مشاركة رقم : 1    ‏2003-12-07
  1. وليد محمد عشال

    وليد محمد عشال عضو

    التسجيل :
    ‏2003-07-25
    المشاركات:
    94
    الإعجاب :
    0
    بسم الله الرحمن الرحيم
    نص الموضوع
    قصة قصيرة : نموت... نموت ويحيا ''الكلام''
    كان يا مكان في قديم الزمان سلطان من بني قحطان يحبّ الصمت و يكره الكلام، حتى صار الناس يتكلّمون بالإشارة ولا يستخدمون ألسنتهم إلا في الهتاف. وجعل شعار دولته الأمن قبل الطعام، ولذلك اختفت أرغفة الخبز من السوق. بينما بلغت قوات الأمن رقما قياسيا. حتى أصبح لكلّ مواطن شرطيان.

    وذات صباح ممطر استيقظ السلطان القحطاني من نومه منزعجا، كان قد سمع رعدا كثيرا، ورأى حلما مفزعا، فأرسل على عجل يطلب من شعبه الحضور إلى القصر، والمثول أمامه في التوّ والحين...

    جاء الشعب مهرولا هاتفا يعبّر عن حبه العظيم للسلطان. كان الجوّ عاصفا والمطر ينهمر غزيرا. وكان الشعب يقف أمام شرفة القصر يتقاطر ماء، ويرتجف بردا، ولكنّه يشتعل حماسة ولهفة لرؤية السلطان...خرج السلطان إلى الشرفة، وأشار بيده الكريمة إلى الشعب أن يتوقّف عن الهتاف...وقف الشعب تحت المطر صامتا خاشعا، ينظر إلى السلطان الذي مضى يقول: "رأيت البارحة يا شعبي العزيز حلما"...

    ارتفعت هتافات الفرح و الاغتباط...وتعالت الدعوات بالهناء والصحة و طول العمر للسلطان. فالشعب ينتظر دائما هذه الأحلام و يترقبها، ويمضي في الحياة مسترشدا بها. لأن الأحلام التي يراها السلطان في الليل، تصبح في صباح اليوم الموالي قوانين، ترسم للشعب الطريق الواجب اتباعه، وتريه حقوقه وواجباته، وتحدّد له ماذا يفعل، وماذا يقول، وماذا يشرب، أو يلبس أو يأكل...كما تحدّد له مواعيد نومه واستيقاظه، وكيف يفكّر وكيف يصادق، وكيف يحبّ وكيف يتزوج، وماذا يسمّي أطفاله...ولذلك فإن كلّ حلم جديد يحلمه السلطان هو مناسبة للفرح والابتهاج، وتأليف الهتافات الجديدة تمجيدا للسلطان وأحلامه...

    ومرّة أخرى أشار السلطان بيده الكريمة للشعب أن يتوقّف عن الهتاف قائلا: رأيت يا شعبي العزيز أنّي أذبحك قالها السلطان حزينا متألمّا يخفي العبرات... قالها بصوت ملؤه الأسى و الشجن، فهو يحبّ شعبه أكثر من حبّه للموائد "والعزومات"، يحبّ شعبه أكثر من حبّه للكلب الذي تلقاه هدية من مللك الصقالبلة، وصار قريبا إلى قلبه حتى خصّص له ساعة في الإذاعة كلّ يوم لا يذاع فيها إلا نباحه العذب الجميل...بل هو يحبّ شعبه أكثر من هذه الأشياء، فهي كائنات وأطعمة يستطيع فراقها يوما أو يومين، أما شعبه الحبيب فهو لا يستطيع فراقه، أو التخلي عنه إلى الأبد...

    ارتفعت هتافات الشعب الذي وقف تحت المطر، يتلقى آخر أحلام السلطان...نموت...نموت ويحيا السلطان...نحن فداء للسلطان.

    ابتهج السلطان عندما رأى الشعب صابرا في مواجهة الامتحان العسير، ممتثلا لما تتلوه الأحلام، واستأنف حديثه قائلا: "تعلم يا شعبي العزيز مدى محبّتي لك، وحرصي على حياتك ورغبتي في البقاء معك إلى الأبد. ولكن للأحلام منطقها وحكمتها، فهي لا تنطق على الهوى ولا تقول إلا ما تريده القوى الخفية المجهولة التي لا سبيل إلى فهمها. وما على البشر الفانين إلا تنفيذ أوامرها. وليس غريب يا شعبي العزيز أن يتوافق هذا الحلم مع مجيء الأمطار، التي تبشّر بمواسم الخصب والخير والازدهار. ومعنى ذلك أنّه لا يأس مع الموت، وأن في موتك أيّها الشعب الغالي الحبيب إلى قلبي حياة لهذه الأرض، وإنقاذا لها من الجفاف و القحط"...

    هبط السلطان القحطاني بعد ذلك من شرفته و ركب محفّته التي يحملها العبيد، ومضى يقود شعبه الحبيب إلى مكان الذبح تحت الجبل...وبعينين تمتلئان بالدموع أخرج سكينه، وأمر عبيده الذين أمسكوا بالشعب وطرحوه أرضا أن يترفّقوا به في لحظاته الأخيرة، وأن يضعوه في مواجهة القبلة، لكي يكون الذبح متفقا مع القواعد والأصول الشرعية...رفع الشعب المسكين بصره إلى السماء، وانتظر أن تحدث المعجزة و ترسل السماء كبشا يفتديه مكافئة على صبره وامتثاله لما تقوله أحلام السلطان...ولكن السماء أقفلت وجهها وامتلأت بالسحب السوداء. لقد توقّفت منذ زمن طويل على إرسال الكباش إلى الأرض، وافتداء البشر الذين يسلّمون رقابهم للسلاطين...
    مدّ الشعب عنقه...ومدّ السلطان سكّينه ليذبح شعبه، وهو يسبّح بالدعاء، ويذكر اسم الله بصوت يملؤه الحزن و الانفعال الشديد...في حين كان المطر ينهمر بغزارة مبشّرا بمواسم الخصب و الازدهار...
     

مشاركة هذه الصفحة