القدس بين تامر الاعداءوتهاون الانباء

الكاتب : وليد محمد عشال   المشاهدات : 536   الردود : 0    ‏2003-12-07
      مشاركة رقم : 1    ‏2003-12-07
  1. وليد محمد عشال

    وليد محمد عشال عضو

    التسجيل :
    ‏2003-07-25
    المشاركات:
    94
    الإعجاب :
    0
    بسم الله الرحمن الرحيم
    الموضوع
    القدس بين تآمر الأعداء وتهاون الأبناء



    حين يقرأ تاريخ المنطقة في العمق يتضح بجلاء ان القدس كانت في معظم الصراعات مبدأ الصراع وموطن الحسم التاريخي، فهي الى جانب قدسيتها تحتل موقعا استراتيجيا على خريطة المنطقة، بحيث كانت دوما موضوع طمع كل الغزاة، من الشرق جاؤوا أم من الغرب، وتتباين مقولات المؤرخين بين من يرون انها دمرت وأعيد بناؤها ثماني عشرة مرة، ومن يرون انها كانت اثنتين وعشرين. وكان على أهل القدس، ولما يزل، دفع ضريبة الموقع المقدس والاستراتيجي. وفي تجارب قرن من الصراع العربي - الصهيوني يبدو جليا أن القيادات الصهيونية وعت تماما هذه الحقيقة التاريخية، وعملت في ضوئها، في حين ان القيادات العربية لم تعِ في معظمها أهمية القدس ولا أدركت الالتزامات التي تفرضها عليها، برغم كثرة الحديث عن القدس ووفرة اللجان التي شكلت لما يدعونه "انقاذها".
    فمنذ بدايات الاستيطان الصهيوني جرى تكثيفه في القدس وضواحيها، لدرجة ان غلبت الأحياء اليهودية على الضواحي الحديثة للمدينة، وبحيث كان يسكنها غداة صدور قرار التقسيم سنة 1947 نحو مائة وعشرين ألف مستوطن صهيوني مقابل سبعين ألف مواطن عربي. وفي حرب 1948 - 1949 كان بن جوريون يؤكد على قادة الهاجناه انه يريد القدس مهما كلفهم الثمن. وعلى العكس تماما كان موقف "اللجنة العسكرية" لجامعة الدول العربية التي كانت تتخذ من دمشق مركزا لها. ففي مطلع ابريل سنة 1948 توجه القائد الشهيد عبدالقادر الحسيني الى دمشق طالبا السلاح الذي يحتاجه لحسم معركة القدس، التي كانت قوات "الجهاد المقدس" تحكم السيطرة على طريقها الى الساحل في منطقة القسطل وباب الواد. وحين امتنعت اللجنة العسكرية عن تلبية مطلبه، عاد الى القسطل ليستشهد صباح 8/4/،1948 وليحتل الصهاينة القسطل وباب الواد، ولتقترف "الارغون" بقيادة مناحيم بيجن وتعاون الهاجناه مجزرة دير ياسين في اليوم التالي، ولتباشر القوات الصهيونية تنفيذ الخطة "دالت" بالتنسيق مع القوات البريطانية، بحيث تم خلال اسبوعين احتلال معظم القسم اليهودي بموجب قرار التقسيم وأجزاء واسعة من القسم العربي، وتشريد نحو مليون عربي بعد أن حسمت معركة القدس الغربية.
    واليوم وبعد خمسة وخمسين عاما من النكبة تواجه الحقوق العربية التاريخية والمشروعة بالقدس، تحديا مصيريا مزدوجا، فمن جهة اولى تجمع مختلف ألوان الطيف العقائدي والسياسي الصهيوني على اعتبار القدس الموحدة العاصمة الأبدية لاسرائيل.



    وليس هناك من تمايز كيفي بهذا الخصوص بين من يصنفون غلاة اليمين ومن يرفعون شعارات يسارية، فالكنيست ذو الأكثرية العمالية هو الذي اصدر قرار ضم القدس الشرقية في 27/6/1967 وبدأ اجراءات تهويدها وتهميش مواطنيها العرب. فيما استكملت حكومات الليكود عمليتي التهويد والتهميش دون تميز كيفي عما فعلته حكومات العمل في المجالين.
    أما الراعي الأمريكي لما تسمى تجاوزاً بعملية السلام فلا يختلف موقف إدارته وقواه السياسية والإعلامية في شيء يذكر عن الموقف الصهيوني. فالكونجرس بأغلبيته الساحقة وصقور المحافظين الجدد في الإدارة ومراكز الابحاث وأجهزة الإعلام، وجماعات الصهيونية المسيحية ومختلف قوى اليمين المتحكم في صناعة القرار الامريكي في السياسة الخارجية، مجمعون على المطالبة بنقل السفارة الامريكية الى القدس، في مخالفة صريحة وصارخة لقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 181 لسنة 1947 الذي اعتبر منطقة القدس دولية خاضعة لإشراف الأمم المتحدة.


    في حين ان الرئيس عرفات وأركان قيادته والمفاوضين في اوسلو حين ارتضوا في تلك المفاوضات ان تكون القدس وضواحيها خارج إطار سلطة الحكم الذاتي، برهنوا عملياً ان القدس لا تحتل المقام الاول في أولوياتهم. فضلا عن أن إرجاء موضوع القدس لمفاوضات المرحلة النهائية لم يقترن باتفاق واضح على عدم المساس بوضعها القانوني كمدينة محتلة، او اتخاذ ما من شأنه التأثير سلبياً في معالمها التراثية والعمرانية، وحقوق مواطنيها العرب، وتواصلهم مع عمقهم الوطني الفلسطيني وفضائهم القومي العربي.
    وليس أدل على النتائج الخطرة لإرجاء موضوع القدس لمفاوضات المرحلة النهائية دون الاتفاق على ضبط الممارسات الصهيونية وفقا للقانون الدولي وشرعة حقوق الإنسان خلال السنوات السابقة لإنجاز المفاوضات الموعودة، من أن ما تم في نطاق عملية تهويد القدس وفصلها عن محيطها العربي، تجاوز بإقرار الخبراء المختصين خلال سنوات اوسلو العشر العجاف، ما كان قد تحقق في المجالين طوال سنوات الاحتلال السبع والعشرين السابقة لاوسلو، بالرغم من خطورة ما كان قد تم قبل انتفاضة اطفال الحجارة سنة 1987 وأسهم في تفجيرها.
    ولأن الفريق المتفرد بصناعة القرار السلطوي لما يزل اسير ثقافة الهزيمة ونهج اوسلو نجد بعض رموزه، الذين شاركوا في لقاءات البحر الميت وإصدار ما يسمى باتفاق جنيف، فاقوا في تنازلاتهم في موضوع القدس ما كان قد اثقل اتفاق اوسلو من تهاون وتفريط. وسبق ان تناولت في مقال سابق نواحي القصور المفجعة في الاتفاق. فضلا عن إجماع القوى الملتزمة بالمقاومة خيارا استراتيجيا على رفضه بالمطلق وإدانة موقعيه والمروجين له والقابلين له. وذلك في إحيائها يوم القدس العالمي يوم الجمعة الاخير من رمضان المبارك في غزة قبل اسبوع.
    وبعد موافقته العلنية على خريطة الطريق والضمنية على اتفاق جنيف بات الرئيس عرفات مطالبا بالتوقف عن خطابه الديماغوجي وإيضاح ما الذي يقصده تماما بمصطلح القدس الشريف، هل يقصد ما جاء في الاثر عن بيت المقدس وأكناف بيت المقدس باعتبار القدس بشطريها الغربي والشرقي محتلة بموجب القرارات الدولية؟ أم البلدة القديمة في القدس بكل احيائها وما تضمه من مقدسات اسلامية ومسيحية؟ أم الحرم القدسي المحيط بمسجد قبة الصخرة والمسجد الاقصى بما في ذلك حائط البراق؟ أم نطاق الحرم دون الحائط الغربي كما ورد في اتفاق جنيف؟ وإذا كان هذا ما بات مقصودا بمصطلح ابي عمار القدس الشريف، فماذا عن بقية المقدسات الاسلامية والمسيحية في القدس؟ وهل يجوز لقائد عربي مسلم ان يقدم هذه التنازلات، متجاهلا انه على مدى التاريخ العربي الاسلامي كا نت كنيسة القيامة وباقي المقدسات المسيحية تشكل مع أولى القبلتين وثالث الحرمين، وحائط البراق، وأضرحة عشرات الصحابة وأبطال الفتح في القدس وضواحيها اهم مكونات التراث العربي والإسلامي؟
    ولست أدري هل هو عدم وعي حقائق التاريخ وافتقاد الكفاءة في إدارة الصراع، علة التهاون والتفريط في الحقوق العربية المشروعة بالقدس وضواحيها؟ أم ان ذلك انما يصدر عن موقف استراتيجي مضمونه اعتماد التنازلات سبيلا لإنقاذ ما يمكن انقاذه مما أبقت عليه التنازلات من الحقوق التاريخية؟ أم ان المصالح الذاتية ذات الأولوية القصوى عند بعض اعضاء السلطة اقتضت التفريط بالعام لتأمين الخاص؟ وأياً كانت اسباب القبول بكل من خريطة الطريق واتفاق جنيف فالشيء المؤكد ان هذا القبول محسوب ليس فقط على من صدر عنهم، وإنما ايضا، وبما هو أخطر وأجل، على شعب فلسطين وأمته العربية. ذلك لأنه ليس من قول او موقف عربي، أيا كان مستوى الذي يصدر عنه، إلا وهو موضوع رصد وتحليل الأجهزة الصهيونية والأمريكية، التي توظفه في تأكيد مكاسب التحالف المضاد.
    وفي تاريخ الصراع على مدى القرن العشرين ما يدل دلالة قاطعة على أن صناع قرار التحالف الاستعماري - الصهيوني اعتادوا ان يأخذوا من القرارات الدولية ما يعزز مكاسب المشروع الصهيوني ويمكنه في الارض العربية، ويطرحوا منها ما هو دون ذلك، فكيف الحال بما تعلن قبوله الفئة التي لما تزل تعتبر الممثل الشرعي والوحيد لشعب فلسطين؟ الأمر الذي يتطلب من الرئيس عرفات وحكومته والناطقين بلسان الرئاسة والحكومة إعادة النظر في مواقفهم ومقولاتهم المهددة في الصميم الحقوق العربية الوطنية والقومية المشروعة في القدس عروس عروبتنا.
    ولما كان الصمت في معرض الحاجة بياناً، فإن جميع الأنظمة والنخب العربية القابلة صراحة أو سكوتاً بكل من خريطة الطريق واتفاق جنيف مشاركة فريق اوسلو الفلسطيني في تفريطه بالحقوق الوطنية والقومية المشروعة بالقدس. وليست مقبولة بأي حال المقولة الخادعة والمضللة نقبل بما يقبل به الفلسطينيون وقرينتها الملتبسة أهل مكة أدرى بشعابها، تماما كما انه ليس من حريص على سلامته يرتضي ان يخرق زميله الموقع الذي يجلس عليه في سفينة تخوض بحراً عاصفاً بحجة انه حر التصرف في الموقع الذي يجلس عليه. فالعرب ما زالوا شركاء مسيرة ومصير، والقدس ما برحت موطن الحسم التاريخي لصراعات المنطقة العربية، وضياع القدس يعني في التحليل الاخير ضياع فلسطين، ووضع الاقليم العربي رهينة إرهاب الدولة الصهيوني.
     

مشاركة هذه الصفحة