الى قلبك يا بني

الكاتب : القيري اليماني   المشاهدات : 499   الردود : 0    ‏2003-12-06
حالة الموضوع:
مغلق
      مشاركة رقم : 1    ‏2003-12-06
  1. القيري اليماني

    القيري اليماني قلم فضي

    التسجيل :
    ‏2003-11-17
    المشاركات:
    2,972
    الإعجاب :
    0
    ابني العزيز..
    مشاعر شتى تختلج في قلبي، وأنا أمسك بالقلم لأسكب على الورقة شيئاً بسيطاً من أحاسيسي الهائلة، من محبة عظيمة وشفقة دافقة ونصح مخلص..
    أنظر إليكم الآن يا أبنائي، وقد كبرتم وتعلمتم واعتمدتم على أنفسكم، فيتلاحق بين عيني شريط حياتكم، من بسمات المهد الطاهرة، إلى ضحكات الطفولة المتأرجحة، إلى قفزات الصبا العابثة، وحتى خطوات الشباب الواثقة القوية، فأتنهد بعمق ورضا، ويملأ قلبي الاعتزاز؛ فأشعر وأنتم تكبرون أمامي سريعاً، وكأن العمر لحيظات خاطفة!
    أتدرون ما همي الأكبر وغايتي الأعظم أيها الأعزاء؟ أن تعيشوا سعداء مطمئنين، هذه هي مهمتي ورسالتي من أجلكم، فما تروني ادخرت وسعاً منذ تفتحت نظراتكم على الدنيا، في سبيل راحتكم واطمئنانكم، وكم فضلتكم على نفسي، وحرصت عليكم أكثر منها، وفي فؤادي من مشاعر الحب المتوهج والاهتمام الكبير لكم الكثير والكثير..
    أيها الأعزاء، لا تعتبوا علي إن قلت لكم: إنكم ما تزالون في عيني صغاراً، فأنتم بالفعل صغار مهما كبرتم وشببتم، صغار بخوفي عليكم واهتمامي بكم، وحرصي الهائل على راحتكم، رغم أنكم كبار برجولتكم وآمالكم وثقتكم..
    ولذا، أبت المشاعر في قلبي النابض بالحنان، إلا أن تشد على أيديكم ببعض نصائح، ترسم لكم درب السعادة والهناء، وثقوا أنكم لن تجدوا قلباً أصدق من قلب والدكم، يمنح لكم خالص النصح وصادق الوداد..
    السعادة يا بني، التي أتمنى من جوامع قلبي لو منحتها لك، أدلك الآن على سبيلها فأقول: هي (حسن الخلق)، حسن الخلق مع الجميع، الكبار والصغار، الحيوان والإنسان، بل حتى الجماد تتعامل معه برقي وذوق..
    حسن الخلق يا بني، أول من تتعامل به معه هو خالقك والمنعم عليك والمتفضل، فتراقبه في أفعالك، وتشكره على نعمائه، وتحرص على طلب رضاه، وتقيم الواجبات، وتتزود بالنوافل، "وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه"، ولتكن كفاك مرتفعة دائما دائما بالدعاء إلى الله، في السراء والضراء، سائلاً منه العون والهداية، والتوفيق والنجاح.
    حسن خلقك مع الصلاة، راقب نفسك في إقامة عمود دينك، فإنك لا تسأل عن شيء بعدها إذا فسدت يوم الدين، استشعر عظمة الله وسلطانه وجبروته وأنت تقف بين يديه، وابذل وسعك في القيام بها والخشوع في أركانها، واحذر أن تكون ممن تلف صلاته كالثوب الخلق ثم ترمى في وجهه قائلة: ضيعك الله كما ضيعتني!. واعلم أنما يكتب لك من صلاتك بقدر ما تعقل منها، وربما يشيب عارضا المرء في الإسلام وما كتب له من صلاته شيء!
    حسن خلقك مع المسجد، احرص على الصلاة مع الجماعة، فلا يتكاسل عنها إلا منافق معلوم النفاق، وقد هدد الرسول -صلى الله عليه وسلم- من يتخلف عنها بإحراق بيوتهم بالنار، ولو يعلم الناس ما في الصف الأول من الأجر لاقترعوا عليه من شدة مزاحمتهم عليه، ولو يعلموا ما في صلاة العشاء والفجر من الأجر لأتوهما ولو حبوا، واحتسب كل خطوة إلى المسجد، درجة ترفع في درجاتك، وسيئة تمحى من صحائفك، وحسنة تثقل في موازينك..
    حسن خلقك مع النبي -صلى الله عليه وسلم- باتباع سنته وقراءة سيرته والتأسي به، فهو من أحرص الناس عليك، والناس في يوم القيامة كل يقول "نفسي.. نفسي"، أمك وأبوك، والرسل والأنبياء، إلا هو فإنه يقول: "أمتي.. أمتي"!، فاحرص على موافقة سنته وهديه، وكلما سمعت بسنة صحيحة أثرت عنه فأت بها ولو مرة واحدة لتكون من أهلها..
    حسن خلقك مع القرآن، أكثر من تلاوته وتدبره وحفظه وقراءة تفسيره، والعمل به، فإنه يأتي يوم القيامة شفيعاً لأصحابه، واجتهد في طلب العلم والتفقه في الدين، ومعرفة الحق، فما أسوأ المتعلم الذي يعلم الكثير عن أمور الدنيا، ويجهل الكثير عن أمور دينه!.
    حسن خلقك مع الناس، عليك بالصدق والحياء والكرم والتواضع وإصلاح ذات البين، وإياك والسباب والشتام والشقاق وسوء الأخلاق، فإن الرجل يبلغ بحسن خلقه درجة الصائم القائم، واعلم أن من طلب رضا الناس بسخط الله، سخط الله عليه وأسخط عليه الناس، ومن طلب رضا الله بسخط الناس، رضي الله عنه وأرضى الناس..
    حسن خلقك مع أموالك، أد زكاة أموالك وابذل من الصدقات مواساة لإخوانك وتطهيرا لمالك وطرحاً للبركة فيه، واعلم أن كل درهم تبذله في سبيل الله؛ فإنما تقدمه أمامك درجات في الجنان، إياك إياك والسرقة والغش والخداع وأكل أموال الناس بالباطل، واجتهد في مراقبة الله في عملك ليكون راتبك حلالاً سائغاً مباركا فيه، فكل جسد نبت من حرام فالنار أولى به، وأنا أخشى على جسدك الحبيب الذي ربيته صغيراً وسعدت به كبيراً، أن تهلك عاقبته ويسود مصيره!
    حسن خلقك مع دينك، انظر ماذا قدمت لنصر الإسلام، واحرص على نصرة إخوانك المستضعفين بالدعاء وما تقدر عليه، واحرص على نفع من حولك، دلهم على كل سعادة نعمت بها وزادت في إيمانك، وتذكر "ولئن أمشي في حاجة أخي المسلم أحب إلي من أن أعتكف شهرا".
    حسن خلقك مع والديك، فهما أحق الناس ببرك وإحسانك وكل جميل من يديك، وتذكر أنه بقدر صنيعك لأبويك يكون صنيع أبنائك فيك، فانظر لنفسك مقاماً!.
    حسن خلقك مع قلبك، طهره من الأضغان والحسد والشحناء، فالقلب السقيم لا يمكن أن ينفع أو ينتفع، والنعم مقادير من الله يقسمها على خلقه، وأنت إذا تحسد وتحقد إنما تعترض على أقدار الله في ملكوته!
    احرص يا بني على الأذكار والأوراد المأثورة الصحيحة، وتحصن بها دائما بحضور قلب وعقل للمعنى، وتصديق وتوكل، فهي تزيد إيمانك وتحفظك من كل سوء، وتهبك قوة وصبراً على الطاعة والخير.
    لتكن الآخرة دوما نصب عينيك، استشعر قرب الساعة وعلامتها، ونعيم القبر وجحيمه، وأهوال الحساب ومشاهد القيامة، وإلى جنة أو نار سيكون المآل، وإذا كان للجنة ففي أي درجة من درجاتها المائة؟.. فإن ذلك يجعلك عالي الهمة، محتقراً لكل نعيم دنيوي زائل، قوياً في التغلب على شهواتك، والتزود لمعادك.
    وعندما تبلغ العلا في حسن الخلق مع الجميع يا بني الغالي، سوف تشعر بسعادة تغمر قلبك وتطمئن روحك وتعم جوانحك، بإيمان صادق وراحة كبيرة، وهذا الذي تتدافع دعواتي لك من أجله، من قلبي قبل لساني، عسى أن يحفظك المولى ويسدد خطاك، ويأخذ بيدك، ويثبت قدمك، ويوفقك لسعادة الدنيا والآخرة.. آمين.

    والدك المحب لك دوماً..
     
حالة الموضوع:
مغلق

مشاركة هذه الصفحة