مهرجان جنيف ومخاطره ( عبد الباري عطوان )

الكاتب : arab   المشاهدات : 441   الردود : 0    ‏2003-12-02
      مشاركة رقم : 1    ‏2003-12-02
  1. arab

    arab عضو نشيط

    التسجيل :
    ‏2002-03-27
    المشاركات:
    359
    الإعجاب :
    0
    من شاهد وقائع الاحتفال بتوقيع مبادرة جنيف امس والشخصيات العالمية البارزة التي ايدتها بحضورها، وكلماتها، وتصفيقها، يعتقد ان السلام تحقق بالفعل بين الفلسطينيين والاسرائيليين، وان المرحلة المقبلة هي مرحلة الرخاء والتعايش والبقرات السمان.
    هذا الاهتمام العالمي بمبادرة جنيف لا يأتي بسبب اهمية من تفاوضوا علي هذا الاتفاق وصاغوا بنوده، فكلاهما عاطل عن العمل، ولا يملك حزبا او دعما سياسيا قويا خلفه، وكلاهما (ياسر عبد ربه ويوسي بيلين) انحسرت عنهما الاضواء بعد خروجهما من الوزارة، وباتا يبحثان عن دور، ونجحت الحكومة السويسرية في توفيره لهما، وتقديم الغطاءين المادي والسياسي لمبادرتهما.
    المبادرة الجديدة حظيت بهذا الاحتفال المبالغ فيه، لانها اول مبادرة سلام يكون احد اطرافها فلسطينياً، وتتنازل عن جوهر الصراع العربي ـ الاسرائيلي، أي حق العودة وتقبل بدولة فلسطينية منزوعة السلاح والكرامة، ولا سلطة او سيادة لها علي معابرها او حدودها او اجوائها او مياهها.
    دولة خاضعة بالكامل للانتداب الاسرائيلي المباشر، وتدار سلطتها من تل ابيب، ومهددة بالاجتياح، في اي لحظة،
    ولا نفهم لماذا يدعم الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات مثل هذه المبادرة، ويرسل مجموعة من رجاله للمشاركة في حفل توقيعها، مثلما لا نفهم كيف يسمح للسيد ياسر عبد ربه ان ينخرط في مفاوضاتها السرية مع شريكه الاسرائيلي يوسي بيلين، عندما كان وزيرا في السلطة التي يرأسها.
    فمن المفترض ان هناك خريطة طريق معتمدة امريكيا واوروبيا وروسياً واممياً، وافقت عليها السلطة، فلماذا القفز الي مبادرة جديدة ومباركتها رسمياً، واعتماد تنازلاتها الكارثية عن حقوق اساسية؟ نتمني ان تبدأ هذه السلطة خطوة وتكملها!
    يقولون ان الرئيــس عرفات يتكتك سياسياً ويريد احراج شارون، وكسر الحصار المفروض عليه، ونحن نقول انه ليــس تكتيـــكا وانما مقامرة ربما تأتي بنتائج عكسية تماماً علي عرفات والقضية الفلسطينية معاً.
    مبادرة جنيف أحيت الانقسامات في صفوف الشعب الفلسطيني، وسجلت سابقة خطيرة، بل الاخطر في تاريخ الصراع، أي التنازل عن السيادة، وحق العودة، وخارج اطار المفاوضات.
    بنود مبادرة جنيف ستكون الاساس لأية مفاوضات قادمة بين العرب والاسرائيليين، وستشكل السقف الاعلي للمطالب الفلسطينية، وهذا السقف غالبا يتعرض للانخفاض عندما يجلس المفاوضون علي مائدة التفاوض، لان الحقيقة الثابتة في فن التفاوض هي وصول الاطراف المتفاوضة الي حلول وسط، اي اقل كثيرا من مطالبها الاساسية.
    ومن المؤسف ان هذه التنازلات الفلسطينية المجانية التي يقدمها رجال السلطة، ورجال النخبة السياسية الحاكمة، تأتي في وقت تعيش فيه الدولة العبرية في مأزق حقيقي يهدد وجودها، ويتجه فيه التحالف الامريكي ـ الاسرائيلي نحو الفشل المخجل في العراق وافغانستان، بسبب المقاومة المتعاظمة وخسارة الحرب ضد الارهاب.
    القضية الفلسطينية تعيش هذه الايام أقوي مراحلها، لان المشروع الصهيوني، وباعتراف رموزه، يواجه الانهيار، ويهودية اسرائيل تتآكل بشكل مرعب، والعالم كله يشهد عملية تغيير متسارعة يتناقص فيها التعاطف مع اليهود، وتتصاعد فيها الشكاوي من غرورهم وجرائمهم وارهابهم.
    فليس صدفة ان يعلن ستون في المئة من الاوروبيين عن ايمانهم بان اسرائيل هي مصدر الارهاب والخطر علي امن العالم وسلامه واستقراره، وليس صدفة ايضا ان يضيق اليهود ذرعا باليهود، ويعلن الحاخام عفاديا يوسف زعيم حركة شاس ان اليهود الغربيين هم مصدر الشرور كلها . ويدين اربعة من قادة الشين بيت سياسة حكومتهم، ويمتنع طيارون عن الخدمة.
    هذا التغيير العالمي لم يأت من فراغ وانما نتيجة المقاومة الفلسطينية والعمليات الفدائية الجريئة، والجهاد الاعلامي العربي في الخارج، والاخطاء الامريكية الكارثية في العراق وافغانستان، والممارسات الاسرائيلية الوحشية في فلسطين المحتلة.
    سلاح معاداة السامية المدعوم امريكيا لم يعد مجديا في ارهاب العالم، والغربيين خاصة، لان هناك سلاحا اقوي منه، بدأ يثبت فعاليته، وينتشر انتشار النار في الهشيم اسمه معاداة الامركة ، خاصة في اوروبا والعالم الثالث.
    في ظل هذه المتغيرات العالمية من المفترض ان يتوقف رجال السلطة عن الفهلوة وتقديم التنازلات المجانية. والتمسك بالانضباط السياسي والاخلاقي الكامل، ولكنهم لم يفعلوا لان هناك قادة او سياسيين، لا يهنأ لهم بال دون التفاوض مع شارون او غيره، والتنازل عن الحقوق الفلسطينية، لانهم ادمنوا الهوان، ويلهثون خلف دعوة تأتيهم من اوروبا او امريكا، تعيدهم الي الاضواء مجددا، وتوفر لهم الذريعة للتبضع في اسواق جنيف ومدريد واوسلو ونيويورك.
    يوسي بيلين قال انه بهذه المبادرة يريد ان ينقذ دولة اسرائيل، ويحافظ علي الاغلبية الديمغرافية لليهود امام خطر الانقراض والتآكل. فلماذا يحقق له ياسر عبد ربه هذا الهدف، ولماذا يبارك الرئيس عرفات هذا المجهود الذي يصب في مصلحة انقاذ الدولة العبرية؟
    السلطة الفلسطينية تريد انقاذ نفسها وتوفير فرص البقاء لبعض رموزها، ولذلك لا يتورع بعض هؤلاء عن التضحية بمصالح الشعب الفلسطيني الاساسية من اجل تحقيق هذا الهدف. والذريعة الجاهزة دائما هي ضرورة خوض المعركة السياسية وكسر الجمود.
    هذه الاجتهادات العقيمة هي التي اوصلتنا الي هذه النتيجة المأساوية، حيث يواجه الشعب الفلسطيني حصارا خانقا، ونزيفا بشريا يوميا، ويعيش تحت الاحتلال وافرازاته الارهابية، بينما يبحث كبار قادته وصغارهم عن امتيازات صغيرة، مثل حرية التحرك علي المعابر، دون مضايقات او تفتيش.
    اننا نطالب بمحاكمات شعبية في كل مخيمات اللجوء، واماكن الشتات، لكل مسؤول فلسطيني يتنازل عن حق العودة، والثوابت الفلسطينية الاخري، وخاصة السيادة الكاملة وغير المنقوصة علي القدس. فالشعب الفلسطيني لم يفوض ياسر عبد ربه، ولا سري نسيبة، ولا احمد قريع ولا ياسر عرفات للتنازل عن هذه الثوابت. فهذا الشعب هو المرجعية الاساسية، وهو مصدر كل السلطات، ولا يستحق مثل هذه الاهانات، بعد كل ما قدمه من بطولات وتضحيات.
     

مشاركة هذه الصفحة