الفقه الطبي

الكاتب : د/جمال باصهي   المشاهدات : 2,372   الردود : 5    ‏2001-08-03
      مشاركة رقم : 1    ‏2001-08-03
  1. د/جمال باصهي

    د/جمال باصهي مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2001-07-20
    المشاركات:
    157
    الإعجاب :
    0
    اقراء في هذا الباب:
    1- ما هو حكم تنظيم النسل ؟ وما هى مسوغاته؟
    2- فقه الطب وأدبه
    3- الإجراءات الطبية الحديثة وحكمها في ضوء قواعد الفقه الإسلامي
    4- موقف الإسلام من الاستنساخ
    5- فتاوى طبية
     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2001-08-03
  3. د/جمال باصهي

    د/جمال باصهي مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2001-07-20
    المشاركات:
    157
    الإعجاب :
    0
    ما هو حكم تنظيم النسل ؟ وما هى مسوغاته؟

    للشيخ الدكتور: يوسف عبد الله القرضاوي

    لا ريب أن بقاء النوع الإنساني من أول أغراض الزواج أو هو أولها وبقاء النوع إنما يكون بدوام التناسل، وقد حبب الإسلام في كثرة النسل، وبارك الأولاد ذكورًا وإناثًا ولكنه رخص للمسلم في تنظيم النسل إذا دعت إلى ذلك دواع معقولة وضرورات معتبرة، وقد كانت الوسيلة الشائعة التي يلجأ إليها الناس لمنع النسل أو تقليله - في عهد الرسول - صلى الله عليه وسلم - هي العزل (وهو قذف النطفة خارج الرحم عند الإحساس بنزولها) وقد كان الصحابة يفعلون ذلك في عهد النبوة والوحي كما رُوى في الصحيحين عن جابر "كنا نعزل في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والقرآن ينزل" وفي صحيح مسلم قال: "كنا نعزل على عهد رسول الله فبلغ ذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلم ينهنا".
    وجاء رجل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله . إن لي جارية وأنا أعزل عنها، وإني أكره أن تحمل وأنا أريد ما يريد الرجال، وإن اليهود تحدث: أن العزل الموءودة الصغرى ! ! فقال عليه السلام: "كذبت اليهود، ولو أراد الله أن يخلقه ما استطعت أن تصرفه" (رواه أصحاب السنن) . ومراد النبي - صلى الله عليه وسلم - أن الزوج - مع العزل - قد تفلت منه قطرة تكون سببًا للحمل وهو لا يدري.
    وفي مجلس عمر تذاكروا العزل فقال رجل: إنهم يزعمون أنه الموءودة الصغرى، فقال علي: لا تكون موءودة حتى تمر عليها الأطوار السبعة، حتى تكون سلالة من طين ثم تكون نطفة ثم علقة ثم عظامًا ثم تكسى لحمًا ثم تكون خلقًا آخر . فقال عمر: صدقت . . أطال الله بقاءك.
    مسوغات لتنظيم النسل
    ومن أول هذه الضرورات: الخشية على حياة الأم أو صحتها من الحمل أو الوضع، إذا عرف بتجربة أو إخبار طبيب ثقة . قال تعالى
    (ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة). (البقرة: 195).
    وقال: (ولا تقتلوا أنفسكم، إن الله كان بكم رحيمًا). (النساء: 29).
    ومنها الخشية في وقوع حرج دنيوي قد يفضي به إلى حرج في دينه فيقبل الحرام، ويرتكب المحظور من أجل الأولاد، قال تعالى :.
    (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر). (البقرة: 185).
    (ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج). (المائدة: 6).
    ومن ذلك الخشية على الأولاد أن تسوء صحتهم أو تضطرب تربيتهم وفي صحيح مسلم عن أسامة بن زيد أن رجلاً جاء إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: يا رسول الله، إني أعزل عن امرأتي . فقال - صلى الله عليه وسلم -: "لم تفعل ذلك" ؟ فقال الرجل: أشفق على ولدها - أو قال -: على أولادها . فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لو كان ضارًا لضر فارس والروم". (أخرجه مسلم).
    وكأنه عليه السلام رأى أن هذه الحالات الفردية لا تضر الأمة في مجموعها بدليل أنها لم تضر فارس والروم - وهما أقوى دول الأرض حينذاك.
    ومن الضرورات المعتبرة شرعًا الخشية على الرضيع من حمل جديد ووليد جديد، وقد سمى النبي - صلى الله عليه وسلم - الوطء في حالة الرضاع وطء الغيلة أو الغيل لما يترتب عليه من حمل يفسد اللبن ويضعف الولد، وإنما سماه غيلا أو غيلة، لأنه جناية خفية على الرضيع فأشبه القتل سرًا.
    وكان - عليه الصلاة والسلام - يجتهد لأمته فيأمر بما يصلحها، وينهاها عما يضرها.
    وكان من اجتهاد ه لأمته أن قال: "لا تقتلوا أولادكم سرًا فإن الغيل يدرك الفارس فيدعثره" (رواه أبو داود) . ولكنه عليه السلام لم يؤكد النهي إلى درجة التحريم، ذلك لأنه نظر إلى الأمم القوية في عصره فوجدها تصنع هذا الصنيع ولا يضرهم - فالضرر غير مطرد - هذا مع خشيته العنت على الأزواج لو جزم بالنهي عن وطء المرضعات، ومدة الرضاع قد تمتد إلى حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة لذلك كله قال: "لقد هممت أن أنهي عن الغيلة ثم رأيت فارس والروم يفعلونه ولا يضر أولادهم شيئًا". (رواه مسلم).
    قال ابن القيم رحمه الله في بيان الصلة بين هذا الحديث والحديث السابق - لا تقتلوا أولادكم سرًا -: " أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - في أحد الجانبين أنه - أي الغيل - يفعل في الوليد مثل ما يفعل من يصرع الفارس عن فرسه كأنه يدعثره ويصرعه، وذلك يوجب نوع أذى ولكنه ليس بقتل للولد وإهلاك له، وإن كان قد يترتب عليه نوع أذى للطفل، فأرشدهم إلى تركه ولكنه لم ينه عنه - أي نهي تحريم - ثم عزم على النهي سدا لذريعة الأذى الذي ينال الرضيع، فرأى أن سد هذه الذريعة لا يقاوم المفسدة التي تترتب على الإمساك عن وطء النساء مدة الرضاع، ولا سيما من الشباب وأرباب الشهوة التي لا يكسرها إلا مواقعة نسائهم، فرأى أن هذه المصلحة أرجح من مفسدة سد الذريعة . فنظر ورأى الأمتين - اللتين هما من أكثر الأمم وأشدها بأسًا - يفعلونه ولا يتقونه مع قوتهم وشدتهم فأمسك عن النهي عنه". ("مفتاح دار السعادة" لابن القيم ص 620 وانظر "زاد المعاد" جـ 4 ص 16 وما بعدها ط. صبيح).
    وقد استحدث في عصرنا من الوسائل التي تمنع الحمل ما يحقق المصلحة التي هدف إليها الرسول - صلى الله عليه وسلم - وهي حماية الرضيع من الضرر - مع تجنب المفسدة الأخرى - وهي الامتناع عن النساء مدة الرضاع وما في ذلك من مشقة.
    وعلى ضوء هذا نستطيع أن نقرر أن المدة المثلى في نظر الإسلام بين كل ولدين هي ثلاثون أو ثلاثة وثلاثون شهرًا لمن أراد أن يتم الرضاعة.
    وقرر الإمام أحمد وغيره أن ذلك يباح إذا أذنت به الزوجة، لأن لها حقا في الولد، وحقا في الاستمتاع . وروي عن عمر أنه نهى عن العزل، إلا بإذن الزوجة . وهي لفتة بارعة من لفتات الإسلام إلى حق المرأة في عصر لم يكن يعترف لها فيه بحقوق.
    هذا عن رأى الشيخ فى تنظيم النسل أما الجراحة التى تقطع النسل بالكلية فلم يجزها إلا إذا كانت هناك ضرورة قوية كالخوف على حياة الأم ولم تكن هناك وسيلة متاحة غير هذا والله أعلم
     
  4.   مشاركة رقم : 3    ‏2001-08-07
  5. د/جمال باصهي

    د/جمال باصهي مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2001-07-20
    المشاركات:
    157
    الإعجاب :
    0
    فقه الطب وأدبه

    فقه الطب وأدبه
    دكتور. عبد الستار أبو غدة
    الكويت
    تمهيد:
    الطب فى الدراسات الاسلامية :
    حين أردت أن أكتب موضوعا يتناسب مع نشاط هذا المؤتمر للطب الإسلامي تساءلت عما يستحق أن يدعي الطب الاسلامي لتكون الكتابة فى الصميم وكان الباعث على التساؤل هو أن الطب أحد العلوم التي لايتضح فيها وجه هذا الوصف بعيدا عن جعل العلم يتعدد تبعا للاديان والملل .... ثم تأملت فرأيت أن المقصود من الوصف بهذه الصفة التنوية بما أسداه الإسلام لعلم الطب من اعتبار وتشجيع وما اكسبه من عناية استتبعت استمراره ونموه على نحو لم يشهد له مثيل فى ظل غيره ، وقد يؤدي لايضاح المراد تقليب هذين اللفظين بأن يقال : " إسلاميات الطب " أو طبيات الاسلام " فالغرض تصويب النظر إلى الموقع الذى اتخذه الطب فى أرجاء الدراسات الإسلامية بانواعها .
    وقد تركت الحديث عن نمو الطب في ظل الإسلام وجهود الأطباء المسلمين فى تحرير ما ورثوه وإبداع ما ابتكروه من نظريات بعضها ظل محرثا لهم حق السبق إليه وبعض منها استلبه الأدعياء فى غفلة الانحطاط والضعف ، حتي قبض الله من يشهد بالحقيقة سواء من أهلها أو من أعدائها
    ( والفضل ما شهدت به الأعداء ) وهذا يغلب عليه الطابع الاختصاصي الفني ، والجدير بجلائه هم الاطباء دون غيرهم . كما أمسكت عن التوسع في مجالين آخرين يستهويان الباحث في ظل ما في عنوان :الطب الإسلامي " من شمول ( أحدهما ) هو الاستعراض التاريخي للجهود التأليفية في الطب وعلومه من قبل المسلمين ، وذلك له كتب عامة تعني بتاريخ العلوم من طب وغيرها ، وتهتم بتقويم الكتب ( الببلوغرافيا ) ، والرجوع إليها أو الاقتباس منها من خلال نظرات سريعة كفيل بالمطلوب والسبيل الامثل لتخليد هذه الجهود تحقيق مخطوطاتها ونشرها وترجمتها للغات الحية ليكون من مراجع الدراسات الطبية العالمية أمثال كتاب " الحاوي " للرازي ( 311 هـ = 923 م ) و " القانون " لابن سينا ( 348 هـ ـ 959 م ) و " التصريف " للزهراوي ( 427 هـ = 1035 م ) وكتب ابن رضوان المصري ( 453 هـ ـ 1061 م ) وكتب ابن رشد ( 595 هـ ـ 1198 م ) وكتب ابن زهر الأندلسي ( 577 هـ 1161 م ) و" الشامل " لابن النفيس ( 687 هـ ـ 1288 م . ) وغيرها مما تلاحق بعدها … تمهيداً لوصل حاضرنا العتيد بالماضي المجيد وانطلاقا لرسم المستقبل المنشود.
    ( والمجال الثاني)
    الربط والتوفيق بين النظريات الطبية الحديثة وما ورد من نصوص فيها إشارات ذات صلة بها في القرآن والحديث، وهذا المجال أيضا مما عني به القدامى والجدد بكتابات شاملة للنظريات العلمية مطلقا أو خاصة بالطبي منها …
    ومع ما يتطلب هذا المجال من ازداوجية لابد منها للباحث فيه فقد كان حظ الأطباء للإسهام في بيانه اكثر من حظ غيرهم لأنه يتطلب تمرسا في الطب وتعمقا في علومه في حين يكفي له الإلمام بالدراسات الدينية والعربية .
    وبعد …. فإن وراء ما أشرت إليه مجالا رحبا لدراسة ما يمكن اعتباره أيضا من مسمى " الطب الإسلامي " بدءاً من " الطب النبوي " المتضمن هدى النبي " صلي الله عليه وسلم في الطب الطبيعي والعلاج الروحي والطب النفسي والقواعد التي أرساها الإسلام لحفظ الصحة ثم ما وراء ذلك من منارات منثورة في علوم الشريعة الغراء تتصل بفقه الطبيب " الأحكام الخاصة به " وآدابه أخلاقيات الطبيب " ومعظم ذلك مذكور في غير مظانة ، وقليل منه قد حظي بباب مفرد لدراسته في الكتب الشاملة أو بكتاب مستقل فيه .
    وفيما يلي إشارات لاهم الجوانب التي كان لها حيز في الدراسات الإسلامية بعيدا عن الاسترسال في الصعيدين التاريخىوالتأويل المشار إليهما لتكون هذه الدراسة تقريرا لاصالة الطب الإسلامي ومدخلا لوضع مرتكزات للدراسات المفصلة فيه وذلك يهم في فتح المجال أمام من ينشط لتسليط أضواء البحث الكاشفة لما خفي منها ولا يتسع المقام لتلمس دور الطب في الدراسات الإسلامية تأثرا وتأثيرا في جميع الزمر المستقرة لتلك الدراسات بدءاً بالقرآن ومرورا بالسنة والسيرة ، وانتهاء إلى الفقه وعلومه المساعدة لاسيما الحسبة والآداب الشرعية ، لذا اقتصرت على لمحات في فقه الطبيب ( الأحكام التي تتصل بمزاولته عمله من حل وحرمه ) ، مع نبذ الآداب التي ينبغي مراعاتها .
    ولابد من إلقاء نظرة إلى مشروعية الطب قبل الحديث عن فقه الطبيب وآدابه ، ثم الانتقال لبيان الخصال التي أوجبت الشريعة الإسلامية على ممارسة الطب المعرفة بها ، لأنها من الأمور المتصلة بصميم عمله .
    وهي مما يختص بالقيام به غالبا، ومما يشمل آثار تصرفاته فى الاحوال العادية أو الطارئة إذ من المقرر شرعا انه يجب على المسلم بالاضافة إلى معرفة الاحكام العامة فى حق الجميع كالعبادة اكتساب المعرفة بما يخصه فى عمله لتكون تصرفاته موافقه للشرع وليكون كسبه حلال .
    النظرية الشرعية للطب : ـ
    لعل أول ما يتعرض له الفقهاء فى هذا المجال حكم ( التداوي ) ويستتبع ذلك تعرضهم لحكم ( التطبيب ) (1 ) ... ولا يخفي ان الحديث عن هذين الأمرين كان لهما قديما ما يبرره إزاء مواقف بعض المتصوفه أو الزهاد الذين توهموا أن الاقدام على التداوي يخالف التوكل وقد اعتبرت هذه المواقف من باب التنطع بعدما ثبت تداوي النبي صلى الله عليه وسلم شخصيا والامر منه لغيره بالتداوي والمداواة .
    ويستوقف النظر فى المراجع التى تناولت هذه القضية حرص الفقهاء على اعتبار " مهنة التطبيب " إحدي فروض الكفاية بمعني انه إذا لم يوجد من ينهض بما أثم المسلمون كلهم وأن القيام بها من البعض يسقط الاثم عن البقية ويكون الاجر خاصا بمن يقوم بذلك ... ويظهر أثر هذا الاتجاه حين الموازنة بمحاربة الطب قبل الإسلام من خلال شن الحملة عليه من قبل محتكري الوصاية على الأديان والعقول .
    الفقه والخبرة الطبية :
    تثور الحاجة إلى خبرة الطبيب فى أكثر من موضوع فى الفقه الاسلامي وتلك المواطن إما أن تتصل بالمرض أو الاعذار المبيحة لبعض الرخص والتيسير فى العبادة وإما ان تتصل بالفصل فى المنازعات التى تنشأ من دعاوي محلها جسم الانسان سواء أكان النزاع فى شأن السلامة والبقاء على الفطرة وعدمها أو من قبيل ادعاء العيوب والنشاز ... ونظرا إلى ان الشريعة الإسلامية من منهجها العام فى التشريع بناؤه على الأمم الأغلب فقد ندر فى غير مجال الطب ربط الامور بالخبرة الفنية وحدها بل أقيمت أكثر الأمورعلى حصول الامارات الظاهرة الميسورة كما هو الحال فى أوقات الصلاة ومطالع الأشهر وغيرها ، أما فى مجال الطب فلم يعدل عنه إلى غيرها الا فى الامور الميسور إدراكها بالتأمل او بطول الأمر الكافي لظهور الأعراض وإجماع القرآئن كما هو الحال فى البلوغ وعلاماته الطبيعية .
    وفى هذه الأحوال كان البديل ليس هو الشخص العادي ، بل أصنافا من ذوي الخبرة الآخذه من الطب بنصيب كالقابلة ..... أو مجموعة من النساء الثقات .
    ومن أهم امثلة الحاجة إلى خبرة الطبيب فى تحقق شروط العبادة لوجوب مزاولتها .
    أ ـ التطهر لها بالوضوء والغسل بحسب الحاجة ، حيث ينتقل الواجب بحصول المريض ، من استعمال الماء ، وهي الطهارة الحقيقة الأصلية إلي طهارة بدلية اعتبارية ( التيمم ) وقد يكون الانتقال فى جزء من البدن لا فى جمعية ، ومثاله الاعفاء من مساس الماء للبدن ، بسبب وضع جبائر حيث يستعاض عن ذلك ( بالمسح على الجبيرة ) .
    ب ـ وصلاة المريض احد الأبواب المعروفة فى الفقه حيث يصلي كما يطيق من قعود او علي جنب بحسب مقتضي مرضه .
    ج ـ و( المرض) أحد الاعذار التى يسقط بها وجود الجمعة والجماعه ، فيستعاض عن حضور المسجد بالصلاة فى البيت .. ومناط ذلك المرض تعذر الوصول إلى مكان المسجد لما فى الجسم من وهن أو فى القدم من ألم .
    د ـ والمرض يبيح الفطر فى رمضان ليكون الصوم فى أيام اخر هي ايام الشفاء والعافية إلا إذا كان المرض مما لايرجي شفاؤه فينتقل الواجب من الصوم إلى الفدية التصدق بطعام مسكين ولايخفي ان الحكم بالمرض أصلا أو بكونه مزمنا هي هو مهمة الطبيب دون غيره .
    هـ ـ ومرض الموت له شأن آخر فهو ليس ذاك المرض الميئوس من شفائه فقط بلي هو الذى يزداد أثره حتي ينتهي بالوفاة وله أحكام فقهية مفصلة بشأن التصرفات ولاسيما الهبة والاقرار والطلاق ... والذى يقرر ان المرض من هذا القبيل " هو الطبيب على أنه ليس من إعطاء الخبرة حقها فى الدقه أن يطلق العنان للمرض مهما كان نوعه ومداره لتستباح به الرخص ويعفي به عن الشروط ، ولذا كان المرض عند الفقهاء أنواعا لكل منها اعتباره واكتفي بالاشارة إلى اختلاف الرأي فى اكتفاء بعضهم بخوف زيادة المرض أو امتداد زمنه واشتراط بعضهم خوف الهلاك أو فوات العضو على أن بعض الفقهاء اكتفي للاستفادة من الرخصة الشرعية بأن يكون فى استعمالها كالفطر فى الصوم مثلا ) الظن بحصول الصحة ، وبعضهم اشترط اليقين ... (3 ) وفى هذه المعايير المختلفة دلالة واضحة على الدقة فى تقدير الأمور والحاجة الماسة إلى الخبرة الفنية ... ويتأكد هذا المبدأ من استعراض نماذج من اشهر مجالات الرجوع للخبرة الطبية فيما يلي :
    أ ـ ففي ، موضوع الزواج وثبوت المهر كاملا بالدخول أو الخلوة لا يعتد بالخلوة ما لم تكن الموانع زائلة ، فالمرض أحد تلك الموانع لكنه " المرض الذى يمنع المعاشرة او يلحقه به ضرر ... ) (4 )
    ب ـ والأمراض الجنسية التى تمنح بها المرأة حق الفرقة عن الزوج هي العنه والجب والخصاء ، لكن المجبوب لايتريث فى اعتباره ، أما العنين والخصي فيؤجل معهما الزوج سنه لتمر به الفصول الأربعة ويتبين هل ما به هو علة معترضة أم آفة أصلية .
    ج ـ وكذلك المرجع للخبرة الطبية فى عيوب الزواج المستوجبة للخيار : وهي بالنسبة لما يوجد فى الزوج مغتفرة عند بعض الفقهاء لوجود الطلاق الذى يتمكن به الزوج من مفارقة الزوجة المصابة ... ويمنحة بعضهم حق الخيار ويحصر تلك العيوب فى ثلاثة عامة الجذام ، والبرص ، والجنون ، وقد عمم بعضهم أثرها ليشمل حالة إصابة الزوج بها وعيبين نسائيين هما الرتق وهو التصاق يمنع من المعاشرة الجنسية والقرن هو حائل عظمي او لحمي يمنع من المعاشرة .
    ومن الواضح ان معرفة ذلك لابد فيه من خبرة الطبيب ، وإن كان يستعان فى بعض الأحيان بالقابلة ... وهي صورة من صور الطب .. والأمثلة للتعويل على الخبرة الطبية كثيرة فى شتي أبواب الفقه .
    ولهذ1 وضع الفقهاء اساساً لاعتبار المرض مرخصا فى التيمم ,أمثاله من المواطن التى يتغير بها الحكم من حال إلى حال أخف أو اشد وهو " أن يعتمد على معرفة نفسه إن كان عارفا " أي المعرفة الفنية " وإلإ فله الأعتماد على قول طبيب واحد صادق مسلم بالغ عدل فإن لم يكن بهذه الصفة لم يجزا اعتماده ومفاد هذا أنه لايعتمد على من لم تتوافر فيه الصفات والقيود المشار إليها ، علي أن بعض الفقهاء رأي انه يجوز اعتماد قول من كان فاسقا ، لعدم التهمة هنا لذا اقتصر هؤلاء فى وصف الطبيب بأنه "مسلم ثقه " مع تقييده بالحذق والفطنة. كما صرحوا بقبول قول المرأة وحدها لانه من باب الاخبار وليس من قبيل الشهادة التى جاء فى تنظيمها نص الآية الكريمة " واستشهدوا شهيدين من رجالكم ، فان لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء " ( 2/282 )
    ومما يدل على إحالة الأمر إلى خبرة الطبيب منع بعض الفقهاء من التيمم للمرض ان لم يجد طبيبا على الصفة المشروطة .
    مسئولية الطبيب ( الضمان )
    إن المسئولية بالنسبة للطبيب وغيره نوعان : تعاقدية ، وجنائية .
    1 ـ المسئولية التعاقدية
    تنطبق على التعامل بين المرضي والأطباء القواعد العامة للاجارة على الاعمال وهي السائدة فى كل المهن التى يلتزم فيها صاحب المهنة بأداء منفعة للمتعاقد محدودة بإنجاز معين مع تمكنه من تلقي مهام أخري .. وقد يكون التعامل على اساس الاجارة الخاصة التى يسمي مقدم المنفعة فيها (الاخير الخاص ) وذلك حين يرتبط خلال مدة معينة بأن لايعمل لغير من تعاقد معه وهاتان الحالتان لاخصوصية فيهما للطبيب عن غيره على ان هناك حالتين لا تتصوران الا فى ممارسة الطب تسمي إحداهما " المشارطة على البرء " وتسمي الاخري : " اشتراط السلامة " وقد عني بمعالجتهما الفقهاء على النحو التالي : ـ
    الحالة الاولي المشارطة على البرء .
    الاصل فى تقدير التعامل مع الطبيب ان يكون على مدة معينة او ان يكون على القيام بأعمال علاجية معينة ويستحق الاجر حر بإنجاز ذلك ولو لم يبرأ وهذا ما يدعي فى الاصطلاح القانوني " بذل العناية ) وفى هذه الحالة احتمالات لها حلولها التى تختلف فيها أنظار الفقهاء مثل حصول البرء أثناء المدة او حصول الوفاة او امتناع المريض من مواصلة العلاج ، على أنه قد يشترط فى هذا التعاقد بالاضافة إلى بذل العناية تحقيق غاية وهي الشفاء من المرض ( البرء ) والفقهاء مختلفون فى الحكم على هذا التعاقد .
    فبعضهم منعه لما فيه من الجهالة ، لأن البرء غير معلوم متي يحصل حتي لو أحاط الطبيب علما بأحوال مرضه ومريضه له لتدخل اسباب خارجية .
    وجمهور الفقهاء اتفقوا على جوازة والدليل عليه هو ما ورد ان أبا سعيد الخدري عالج رجل وشارطه على البرء ، وعلم بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فأقر تصرفه ، ويري ابن قدامه ان هذه المعاملة ليست من باب الاجارة التى يشترط فيها معلومية محل التعاقد بالمدة أو العمل ، وإنما هي من قبيل ( الجعالة ) وهي تجوز على عمل مجهول كما هو الحال فى رد اللقطة ويكفي للجعالة تحديد مقدار الجعل وبيان الغاية المطلوب تحقيقها بقطع النظر عن مقدار العمل ... ومن أحكام هذه المشارطة أنه لو ترك قبل البرء فلاشيء له إلا أن يتمم غيره فله حساب نسبة من الاتفاق ... (6 ) .
    وقد تناول الفقهاء هنا مسائل آخري ثانوية مثل اشتراط الدواء على المريض او الطبيب وهي من القضايا الملحوظ فيها اثر الاعراف والاوضاع الزمنية والتى لا يوجد ما يلزم بمتابعتها مع تطور أصول التعامل فى هذا المجال .
    الحالة الثانية ـ اشتراط السلامة : ـ
    تناول الفقهاء ما لو تعاقد الطبيب مع مريضة واشترط أن يكون عمله مقترنا بالسلامة من السراية ( المضاعفات ) فالشرط باطل ليس فى وسعة ذلك ، وما دام ما ينتج عن الفعل المعهود المستوفي للشروط معفي من المسئولية فلا تترتب بمجرد الانفاق للقاعدة القائلة " ضمان الآدمي يجب بالجناية لا بالعقد " (7 ) ويلحظ ان الشارع قد تدخل لينقذ الطبيب الذى تورط بقبول هذه المغامرة اما مدفوعا بإقدامه على أكثر مما يطيق ، وإما بدافع الحاجة لقطف ثمار عمله ولو كانت محاطة بمحاذير ، والشريعة جاءت لإقرار العدل أو لتحقيقه حين يزهقه جموح أو طغيان أحد الاطراف .
    ب ـ المسئولية الجنائية : ـ
    الكلام عن المسئولية الجنائية المترتبة على الطبيب إنما هو فى مجال ممارسته المهنة " لأن تصرفاته العمدية العدوانية خارج المهنة لاتختلف عن غيره ولكن نظرا إلى ان طبيعة مهنته قد يلتبس فيها التصرف المعتاد المقصود به العلاج بالتصرف الجنائى الناشىء عن جهل أو تجاوز أو خطأ فقد تناول الفقهاء بالدراسة هذه التصرفات بإسهاب وتفصيل يمكن إيجازة على النحو التالي:

    أن اعتبار التطبيب واجبا كفائيا يقتضي أن لايكون الطبيب مسئولا عما يؤدي إليه عمله قياما بواجب التطبيب لأن القاعدة أن الواجب لايتقيد بشرط السلامة لكن لما كانت طريقة أداء هذا الواجب متروكة لاختيار الطبيب وحده لما له من السلطان الواسع فى الطريقة وكيفية الاداء تبعا لاجتهادة العلمي والعملي ، كان ذلك داعيا للبحث عن مسئوليته جنائيا عن نتائج عمله إذا أدي إلى نتائج ضارة بالمريض باعتبار انه حيث يؤدي واجب التطبيب اشبه بصاحب الحق منه بمؤدي الواجب ولايخفي أن صاحب الحق يسأل فى حال تجاوزة حقه .
    وبمناسبة فى الموازنة بين اعتبار الطبيب قائما بواجب او اعتباره صاحب حق يهتم الفقهاء بالتأكيد على ضرورة الاستعانة بخبرة الطبيب فى تنفيذ القصاص الشرعي فى حالة وجوبه بالجناية على نفس ( القتل ) ، أو الجناية على مادون النفس الجراح وإتلاف الاطراف أو الحواس فلاشك عندهم أن قيامه بذلك هو من قبيل أداء الواجب وقد صرح الفقهاء على أن مقتضي الاحسان في التنفيذ ان يعهد به إلي ذوي الخبرة بعد أن يوكلهم الأولياء المتمسكون بحق القصاص إذا لم تطب نفوسهم بالعفو ، لم يتطلبه ذلك من دقة وحذر لعدم مجاوزة الواجب قصاصا كان اوحد ولتحقيق البعد عن الظلم والتعذيب وقد تضمنت المراجع الفقهية القديمة بعض الأصول التى كانت تراعي قبل التنفيذ والوسائل التى كانت تستخدم فى القياس وتحديد محل الاستيفاء ، ليتم على أعدل وجه وأرفقه وأسهله (8 ) وهناك إجماع على عدم مسئولية الطبيب إذا أدي عمله لنتائج ضارة فيما إذا توافرت الشروط التالية : ـ

    1 ـ ان يكون طبيبا عن معرفة ودراية لا عن زعم وادعاء ولا فائدة من أن تكون له شهرة غير مستندة على خبره حقيقية .
    2 ـ ان يعمل طبقا للأصول الفنية التى يقررها فن الطب وأهل العلم به فيما لم يكن كذلك فهو خطأ جسيم يستوجب المسئولية .
    3 ـ أن يأذن له المريض أو من يقوم مقامة كالولي ...
    والطريف فى هذا القضية ان الفقهاء حين أجمعوا على رفع المسئولية عن نتائج فعل الطبيب حين توافر الشروط المشار إليها اختلفت وجهات نظرهم فى تعليل نفي المسئولية على نحو يدل على التقدير لشأن هذه المهنة وخطورتها فى آن واحد فبعضهم يري أن العلة هي الحاجة إلى ممارسة المهنة فى جو يشجع على أدائها ... لاسيما حين يقترن ذلك بالاذن وبعضهم يري العلة بالاضافة للإذن أن الغرض من الفعل قصد العلاج لا الضرر ، والقرينة على هذا القصد وقوعة موافقا للأصول الفنية ... ويري البعض ان العلة هي الاذن فى صورته المزدوجة المركبة من إذن الحاكم بممارسة المهنة وإذن المريض بأداء ما تقتضي به من أعمال .
    العلاج بالفعل المخوف : ـ
    لعله لا يخرج عن دائرة ارتكاب أهون الضررين ما ذهب اليه بعض الفقهاء فى قضية العلاج بالافعال التى يخاف منها التلف او السرايه المضاعفات بدلالة ما أردفوا به هذه المسألة من تفصيلات بأنه اذا خيف التلف من ترك الفعل كان القيام به جائزا بل واجبا كما صرحوا بحل قطع عضوا استقر فيه الداء وخشي انتشاره فى سائر الجسم .
    ولايخفي ان المعيار المشار اليه هو المحكم وما جاء على غير ذلك ربما كان من التأثر بالاوضاع الزمنية .
    وكان مما ثار الجدل فيه فى غيبة مراعاة القاعدة : لكي (9 ) مبالغة فى البعد عن مجال التعذيب بالنار ، وشتان ما بينهما...
    تشريح بدن الانسان : ـ
    كان لهذا الموضوع صداه قديما باقتصارالبعض على التمسك بمبدأ تكريم بني آدم وتحريم المثلة وتحريم كسر عظم الميت فى بعض الاحاديث دون مراعاة المقاصد الاخري من حفظ النفس بشتي الوسائل المؤدية لحفظها ومن تلك المقاصد التى تسعف نصوص التشريع وعبارات الفقهاء بمراعاتها شق بطن الام الميته لحفظ حياة الجنين ، والتشريح لتعلم الطب ولكشف جريمة ... ومما جاء فى ترجمة ابن النفيس وهو فقيه مشهور فضلا عن أنه طبيب وغيره أنهم كانوا يذهبون إلى المقابر فيلاحظون بعض العظام التى تنكشف عنها القبور القديمة ويراقبون مفاصلها فضلا عن تشريحهم بعض الحيوانات ولايخفي أن حرمة بدن الإنسان الميت موفورة اذا كان تشريحة لمصلحة أكبر ....
    ومما يتبع هذا قضية الاستفادة من أعضاء الموتي لتعويض نقص أو تلف الأحياء وهي مسألة مركبة من نواح متعددة ولاتخرج عن نصوص الأمر بالتعاون وقاعدة ارتكاب اهون الضررين المشار اليها.
    العلاج بالمحرم أو النجس :
    الاصل المنع من ذلك لنفس المقاصد والغايات التى يرمي إليها الشارع فى المنع من بعض الأشياء غذاء كانت أو دواء واعتبارها محرمة بالنص على تحريمها أو الحكم بنجاستها .
    وقد اتجه جمهور الفقهاء هذا الاتجاه المنسجم مع علل المنع ما ظهر منها وما بطن ، على أن بعضهم رأي فسحه فى استعمال المحرم أو النجس فيما إذا تعين ذلك دواء للمريض ، واخري هنا أحكام الضرورة التى يباح معها ارتكاب المحظور فى حين رأي الجمهور فرقا بين الدواء الذى هو مظنون وله بدائل وبين الغذاء الذى به قوام البدن ولاغني عنه مطلقا فإذا اضطرإليه الإنسان غير باغ ولاعاد فلا إثم عليه ...
    وقد استوفي أبن القيم وجوه الحكمة فى المنع من التداوي بالمحرمات بعد أن أورد الادلة الصحيحة على هذا الاتجاه المشهور لدي الفقهاء وهو يشير إلى أن المعالجة بالمحرمات قبيحة عقلا وشرعا ، لأن تحريمها على الأمة ليس عقوبة بل هو لخبثها فحرمت صيانة عن تناولها وحفظا من أخطارها فلا يناسب العودة اليها للاستشفاء ، وفي اتخاذها دواء ترغب فيها ينافي داعي التحريم إلى تجنبها ، والاخذ بها يكسب النفس من خبثها بالانفعال البين الحاصل بالدواء .. واباحة التداوي بها يكون ذريعة لتناولها للشهوة واللذة والشارع يسد ذرائع الفساد ولايخلو الدواء المحرم من أضرار تزيد على ما يظن فيه من الشفاء . ثم أشار إلى لطيف فى كون المحرمات لايستشفي بها هو افتقارها إلى عنصر التلقي بالقبول واعتقاد المنفعة والبركة المجعولة للشفاء .. واعتقاد تحريمها يحول بين المسلم وبين تلك العوامل .
    ومما يذكر عن ابن النفيس ان فى مرضه الاخير وصف له بعض الاطباء تناول شيء من الخمر إذ كانت علته تناسب أن يتداوي بها على ما زعموا فأبي ان يتناول شيئا من ذلك وقال : " لا ألقي الله تعالي وفى باطني شيء من الخمر " ولعل فى هذه العجالة غني عن تفصيل الكلام فى هذا الموضوع (10 ) .
    النظر للعورة للعلاج : ـ
    فى ظل القاعدة الشرعية المعروفة الضرورات تبيح المحظورات الاخري التى تقضي بارتكاب أهون الضرريين اتقاء الاشدجهما اعتبر تحريم النظر إلى العودة قاعدة لها مستثنيات لاتختص بطبيب دون غيره ... لكن التطبيق العملي كشف أن العلاج أشهر التطبيقات التى خرجت عن القاعدة ... وليست كلها فهناك النظر لاداء الشهادة مثلا ، وأمور أخري قد آلت بالتطوير إلى الطب نفسه كما سنري .
    ولايخفي ان العورة من الرجل ما بين السرة إلى الركبة ، ومن المرأة البدن كله عدا الوجه والكفين ، العورة المغلظة هي الفرج وما حوله ، وعلى هذا فإن ما فوق السرة وما تحت الركبة هو القدر المباح للنظر إليه من الرجل بالنسبة للرجل ومن الرجل لمحارمة ، ومن المرأة للمرآة ، ومن المرأة للرجل ، أما نظر الرجل إلى المرأة فالقدر المباح منه هو الوجه والكفان هذه هي القاعدة فى الجملة ، أما الاستثناءات التى نوهت بها فهي إباحة النظر إلى محل المعالجة أو لمسه وهو فى الاصل اشد حرمة من النظر وذلك بالقدر الذى تدعو إليه الحاجة ، حتي لو كان ذلك المحل هو السوأتين ودواعي النظر التى مثلوا بها متعددة وهي قد آلت كما اشرت إلى الطبيب او مساعديه والملخصين به فى الحكم القابلة الخاتن الممرض ولمن يعهد إليه بتعرف البلوغ ( التسنين ) ولمن يرجع اليه فى معرفة العيوب الجنسية أو البكارة .
    ومما حض عليه الفقهاء ستر ما لايحتاج لنظرة من العورة بثوب ، والاقتصار على النظر للمحل المعالج ...
    علاج الرجل للمرأة وعكسه :
    من القواعد الشرعية أن نظر الجنس ـ ذكرا أو أنثي إلى الجنس نفسه أخف ولهذا كان الاصل ان تعالج المرأة مثلها ... ومع هذا فقد نص الفقهاء على جواز الاستثناء ، وهو معالجة الرجل للمرأة وذلك حيث لم يوجد أحد من بني جنسها ... ولهم تفصيلات فى تقدير الضرورة بين أن يكون " تعذر تأتي " المقصود من المرأة " وهذا يتيح المجال لاعتبار الحال الحاضرة ، فإذا لم يكن ساعة العلاج العاجل الارجل ، أو كان الاختصاص المطلوب أو مقدار المهارة فيه لم يتوافر فى امرأة ، فذلك كله من الدواعي المشروعة .. وصرح بعضهم بأن الرجل يستعين بامرأة فيطلب إليها فعل ما يريد فعله ...
    الخلوة بالمرأة : ـ
    أحكام الخلوة عامة لا إعفاء من مراعاتها إلا فى الحالات الطارئة النادرة كما لو كانت المرأة مسافرة مع زوج او محرم ، ثم فارقها بالوفاة مثلا .
    والخلوة الممنوعة هي الانفراد بالمرأة من قبل رجل ليس زوجاً ولا محرماً ، أما انفراد الرجلين بالمرأة او أنفراد الرجل بالمرأتين فليس خلوة عند بعض الفقهاء وهذا طبعا اذا كان الغرض ليس سيئا على أن فى انفراد الرجلين بالمرأة ، وعكسه ، خلافا لبعض الفقهاء ويتعين تفسيره وفقا لما تدل عليه الوقائع الكثيرة من السنه وعمل السلف بأنه نوع من الاحتياط الواجب إذا لم تؤمن الفتنة ، وأما المتفق عليه فهو ما جاء به الحديث الصحيح " ما خلا رجل بامرأة الا كان الشيطان ثالثهما "
    ولا شك ان الخلوة على ما صرح به الإمام أحمد وغيره لاتتحقق الا فى بيت او نحوه مما يؤمن معه دخول ثالث الا بإذنهما .
    اما ما كان من الاماكن متاحا دخوله لعامة الناس او لصنف كالاطباء والممرضين مثلا فلاتحقق فيه
    الخلوة ...
    استطباب غير المسلم :
    التطبيب مهمة خطيرة ، فإذا لم تجر فى جو من الأمان والاطمئنان كانت ذريعة لإلحاق الأذي بالخصوم كما أن لذلك اثراً نفسيا فى شعور المريض نفسه (11 )
    من هذا المنطلق ومما كان يقع مع بعض غير المسلمين من مكائد أو غش ، ذهب بعض الفقهاء إلى كراهة استطباب غير المسلم إلا الضرورة . ويدل على مستندهم فى الرأي ما أشاروا إليه بقولهم " لعدم الثقة وافتقاد النصيحة " فإذا لم تبق هذه العلة زال الحكم المنوط بها ولذا يعارض ابن تيمية فى القول بالكراهية قائلاً : " إذا كان اليهودي أو النصراني : كبيرا بالطب ، ثقه عند الإنسان ، جاز أن يستطبه ، كما يجوز أن يودعه المال وان يعامله ، وقد روي ان النبي صلى الله عليه وسلم أمر أن يستطب الحارث بن كلده وكان كافرا واذا أمكن ان يستطب مسلما فهو كما لو أمكنه ان يودعه أو يعامله فلاينبغي ان يعدل عنه وأما إذا احتاج إلى ائتمان الكتابي واستطبابه فله ذلك ، ولم يكن من ولاية اليهود والنصاري المنهي عنها " .
    كما نبهوا على التثبيت مما يصفه من الأدوية المركبة لئلا يكون فيها محرم ، كما قالوا بانه لو أشار عليه بالفطر فى الصوم ، والصلاة جالسا لايرجع إلى قوله لانه خبر متعلق بالدين فلا يقبل (12 )
    من آداب الطبيب : ـ
    يشير السبكي فى بيان ما ينبغي أن يتحلي به الطبيب من آداب بعبارة مستوعبة بالنسبة لقلة ما جاء هذا فى غيره من كتب الحسبة التى توغلت فى بيان ما يكتشف به أهلية الطبيب وما يزاح به الغطاء عن الجهل او الغش إن وجد كما أشارت إلى ما يجب علمهم به ، وما يقسمون عليه ، ولزم مراعاة الأذن من ولي الأمر ومن المريض او وليه ( 1 ) يقول السبكي عن آداب الطبيب .
    من حقه بذلك النصح والرفق بالمريض .
    وإذا رأي علامات الموت لم يكره أن ينبه على الوصية بلطف من القول وله النظر إلى العورة عند الحاجة بالقدر المطلوب .
    ـ واكثر ما يؤتي الطبيب من عدم فهمه حقيقة المرض واستعجالة فى ذكر ما يصفه وعدم فهمه مزاج المريض وجلوسه لطب الناس قبل استكماله الأهلية .
    وعليه أن يعتقد أن طبه لايرد قضاء ولاقدرا ، وأنه إنما يفعل امتثالا لأمر الشرع وأن الله تعالي أنزل الداء والدواء وما أحسن قول أبن الرومي : " غلط الطبيب على غلطة مورد عجزت موارده عن الاصدار " .
    والناس يلحون الطبيب وإنما غلط الطبيب إصابة الاقدار وهناك آداب اخري ليست الشريعة مصدرها الوحيد ، بل هي من آداب هذه المهنة مثل كتمان أسرار المرضي والالتزام بمقتضي القسم الطبي مما هو معروف ( 14 ) على أن من الآداب أمرا يخاطب به الجميع ويخص به الطبيب لاتصاله المباشر بالمريض وهو أدب " عيادة المريض " ولايقلل من شأن هذه المطالبة الخاصة أن يكون ذلك مقتضي مهنته . فإنه إذا نوي بالاضافة إلى باعث الواجب الوظيفي الأخذ بهذه الآداب التى هي من تمام حق المسلم على المسلم كان أداؤه أكمل لصدور ذلك عن قناعه والتزام ديني ينمو الوازع الداخلي بعد رقابة الله عز وجل .
    وقد جاء من التفصيلات لآداب عيادة المريض ما يجعل منها علاجا نفسيا للمريض فضلا عن تحقيق المؤانسه والرعاية له فى حال ضعفه وقعودة وأشير إلى أهم العناصر البارزة فى عيادة المريض مما مصدره الشريعة قبل غيرها .
    أ ـ عيادة المريض أدب ديني للأمر بها والأجر والفضل عليها فما يلي من الاحاديث .
    أمرنا صلى الله عليه وسلم بعبادة المريض ...( اخرجه البخاري ومسلم ) .
    حق المسلم على المسلم خمس ... رد السلام وعيادة المريض ، واتباع الجنائز واجابة الدعوة وتشميت العاطس " اخرجه البخاري ومسلم " .
    ـ إن الله يقول يوم القيامة : يا بن آدم مرضت فلم تعدني قال : يارب كيف أعودك وأنت رب العالمين ؟ قال اما علمت انك لوعدته لوجدتني عنده ؟ اخرجه البخاري ومسلم " .
    ـ عودوا المريض ، وأطعموا الجائع وفكو العاني ـ اي الأسير " أخرجه البخاري " .
    ـ أن المسلم إذا عاد أخاه المسلم لم يزل فى خرفه الجنة حتي يرجع ( أي فى جناها) " أخرجه مسلم " .
    ب ـ الدعاء للمريض ، بمثل الأدعية المأثورة التالية : ـ
    باسم الله ، تربه أرضنا بريقة بعضنا يشفي سقيمنا ، بإذن ربنا " أخرجه البخاري ومسلم "
    ـ اللهم رب الناس أذهب البأس ، أشف أنت الشافي ، لاشفاء الا شفاؤك ، شفاء لايغادر سقماً " أخرجه البخاري ومسلم " .
    ـ باسم الله ( ثلاثا ) أعوذ بعزة الله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر " سبع مرات " أخرجه مسلم " .
    ـ أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يشفيك .
    ـ لاباس طهور إن شاء الله .
    ـ باسم الله أرقيك من كل شر يؤذيك ، من شركل نفس أو عين حاسد الله يشفيك ، باسم الله ارقيك " أخرجه مسلم " .
    ـ قراءة المعوذتين والإخلاص والفاتحة ....
    ـ اللهم اشف ، عبدك ينكأ لك عدوا ، أو يمشي لك إلى صلاة ... السؤال عن حال المريض .
    ويكون الجواب فى جميع الأحوال : " اصبح بحمد الله بارئاً " إلا إن كان السائل معنيا بعلاج المريض وهو يسأل عن تطور حاله ، لمتابعة علاجه بما يناسب تلك الحال .
    د ـ الإحسان للمريض واحتماله والصبر على ما يشق من أمره : وذلك من باب الامتثال لقوله تعالي " إن الله يأمر بالعدل والإحسان " (6 الم 90 ) وقوله صلي الله عليه وسلم إن الله كتب الإحسان على كل شيء " .
    هـ ـ كراهية تمني المريض الموت :
    لقوله صلى الله عليه وسلم " لايتمنين أحدكم الموت من ضر أصابه ، فإن كان لابد فاعلا فليقل " اللهم أحيني ما كانت الحياة خيراً لي وتوفني إذا كانت الوفاة خيراً لي ... " والمراد إيصاء الطبيب الذى يعود المريض بعدم الوقوع فى هذا المحذور .
    وتطيب نفس المريض :
    لقوله صلى الله عليه وسلم إذا دخلتم على مريض فنفسوا له فى أجله ، فإن ذلك لايرد شيئا ويطيب نفسه وبؤيده قوله صلى الله عليه وسلم لأحد من عادهم : لابأس طهور إن شاء الله .
    ز ـ الثناء على المريض بمحاسن أعماله .
    إذا رأي منه خوفا ليذهب خوفه ويحسن ظنه بربه : وفيه إخبار عن ابن عباس مع عمر ، وعبد الله بن عمرو مع أبيه عمرو بن العاص ، وابن عباس مع عائشة ... لامحل لسردها .
    ح ـ تشهية المريض : ـ
    دخل صلى الله عليه وسلم على رجل يعوده فقال : هلي تشتهي شيئا ؟ تشتهي كعكا ؟ قال نعم فطلبه له ...( ابن ماجه ) .
    ط ـ طلب العواد الدعاء من المريض :
    " إذا دخلت على مريض فمره فليدع لك فإن دعاءه كدعاء الملائكة ولاشك أن طلب الدعاء منه يشعره بالراحة النفسية من حسن نظرة الناس إليه وأن مرضه كفر عنه كثيرا من ذنوبه وجعله يعيد النظر فيما سلف من أمره .
    ي ـ تذكير المريض بعد عافيته بالوفاء بما عهد الله عليه :
    ومما روي فى ذلك حوار جري بينه صلى الله عليه وسلم وبين الصحابي ( خؤات ) بعد أن عوفي من مرضه ، حيث قال له النبي صلى الله عليه وسلم صح الجسم يا خوات ، فإجابه وجسمك يارسول الله ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم فف الله بما وعدته ، فقال خوات : ما وعدت الله شيئا ، قال : بلي ، ما من عبد يمرض إلا وعد الله خيرا فف الله بما وعدته .
    لمحات فى فقه الطبيب وأدبه وهي لتنوية والتمثيل لا للاستيعاب فله مجال آخر . ومن ذلك يتبين ما للطب من منزلة فى الشريعة وما له من موقع فى فقهها وآدابها ... ولا أجد للختام أروع من كلمة مأثورة عن الإمام الشافعي عن التواؤم بين علاج الأبدان ، وعلاج الاديان بإصلاح النفوس وحل مشكلات الحياة حيث يقول : لاتسكن فى بلد ليس فيه فقيه، وطبيب .
    المراجع
    (1 ) معالم القريه لابن الاخوة 165 ـ 166
    (2 ) الهداية 1/126
    (3 ) الهداية 1/206
    (4 ) ابن مفلح : الفروع ، 2/53 .
    (5 ) النووي : المجموع ، شرح المهذب ، 2/315 .
    (6 ) ابن قدامه المغني ، 5/400 ابن حزم المحلي ، 8/196 . الدردير الشرح الصغير 4/75 .
    ( 7 ) الهداية 2/194 و 3/179 مجمع الضمانات 47 ـ 48 وفيه تفصيلات طريفة .
    (8 ) المغني 4/315 وهناك كتاب مطبوع باسم ( مقاييس الجراحات ) فيه مزيج بين الرياضيات والطب كوسيلة لتحقيق عدالة التنفيذ .
    المغني 5/398 ، ابن رشد : بداية المجتهد ، 2/349 ، البدائع 7/305 ، الشرح الصغير 4/47 ، الحطاب 6/321 ، نهاية المحتاج 8/2 .
    ( 9 ) غذاء الألباب 2/21 ـ 23
    (10 ) لابن تيمية كلام دقيق فى التداوي بالمحرم ومناقشته من زعم تعين الدواء فى بعض المحرمات . مجموعة فتاوي ابن تيمية 4/272 = 276 .
    ( 11 ) غذاء الألباب شرح منطوقة الآداب للسفاريني 2/20 حاشية ابن عابدين 6/370 .
    (12) يشير صاحب معالم القربه فى الحسبة " فى معرض الحض على تعليم الطب بقوله هو من فروض الكفاية ولا قائم به من المسلمين ، وكم من بلد ليس فيه طبيب الا من اهل الذمه ولايجوز قبلو شهادتهم فيما يتعلق بالأطباء من أحكام الطب ... ( ص 166 ) .
    (13) التاج السبكي : معيد النعم ومبيد النقم ، ( ص 133 )
    (14 ) معالم القربه 159 ـ 169 نهاية الرتبة 89 ـ 102 وغيرهما ... يرجع إلى كتاب علم آداب الطب للدكتور شوكت الشطي طبع جامعة دمشق " وكتاب الطب العربي " للدكتور أمين اسعد خيرالله المطبعة الاميركانية ـ بيروت
     
  6.   مشاركة رقم : 4    ‏2001-08-07
  7. د/جمال باصهي

    د/جمال باصهي مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2001-07-20
    المشاركات:
    157
    الإعجاب :
    0
    الإجراءات الطبية الحديثة وحكمها في ضوء قواعد الفقه الإسلامي

    الإجراءات الطبية الحديثة
    وحكمها في ضوء قواعد الفقه الإسلامي
    الدكتور/ أحمد شرف الدين
    الكويت
    بعد أن أصبح الطب، بفضل التقدم العلمي، أكثر فاعلية وطموحا وفي نفس الوقت أكثر قوة وخطورة ،فإنه يتعين بيان الحدود التي يجوز فيها شرعا استخدام الاكتشافات الحديثة للعلوم الطبية والبيولوجية. ومن المفيد، بل من الضروري، قبل الخوض في بيان حكم الشرع في التطبيقات الحديثة للطب والجراحة، أن نبرز القواعد العامة. التي تحكم مزاولة أعمال الطب والجراحة على جسم الإنسان وجثته، فهي تضع بعض القيود على هذه الأعمال حتى
    لا تخرج عن الهدف الأسمى الذي أبيحت من أجله.
    المبحث الأول
    القواعد الكلية في المجال الطبي والجراحي
    (قواعد الطب الإسلامي)
    رأينا انه من المناسب، في محاولة منا لاستخلاص أكبر فائدة من القواعد الكلية، أن نوزعها بين ثلاث طوائف:
    الطائفة الأولى: قواعد التصرف في الحق في سلامة الحياة والجسد:
    (1 م) من أهم هذه القواعد ما يأتي:
    أ- حق الله وحق العبد في نفس وجسم هذا الأخير يوكلان لمن هو منسوب إليه ثبوتاً وإسقاطا. (1)
    ب- لا يجوز لأحد أن يتصرف في حق غيره بلا إذنه. (2)
    جـ- قتل الإنسان أو قطع عضو من أعضاء لا يحتمل الإباحة بغير حق. (3)
    د- إسقاط الإنسان له، فيما اجتمع فيه حقه وحق الله، مشروط بعدم إسقاط حق الله (4)
    هـ- يقدم ما كان فيه حق الله وحق العبد على ما كان فيه حق الله وحده. (5)
    و- حقوق الله مبنية على التسهيل، في حين أن حقوق الآدمي مبنية على التشديد في حالة الضرورة. (6)
    الطائفة الثانية: قواعد المفاضلة بين المصالح والمفاسد:
    ( 2 ) يمكن استخلاص هذه القواعد من مصادر الشريعة الإسلامية التي وردت بها نصوص صريحة للترجيح بين المصالح، من هذا قوله تعالى (أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير) (2/ 61) (7)، وهو صريح في ترجيح المصلحة الأعلى على المصلحة الأدنى (8) ويمكن لنا أن نستخرج من هذا الأصل القواعد الآتية:
    1 ـ ارتكاب أخف الضررين دفعا لأعظمهما:
    أ- عند المفاضلة بين المصالح المجتمعة في عمل واجب إن أمكن تحصيل المصالح جميعا كان بها فان تعذر ذلك
    حصلنا الأصلح فالأصلح والأفضل فالأفضل ، فالواجب تحصيل أعلى المصلحتين (9)، فإذا تعذر المفاضلة بينهما، للتساوي بينهما فإنه يرخص في الاختيار في التقديم والتأخير بينهما (10).
    ب- عند المفاضلة بين المفاسد المجتمعة في عمل معين، الواجب درء الجميع فان تعذر ذلك درأنا الأفسد فالأفسد، فالواجب دفع أعظم المفسدتين (11)، فإن تساوت فيباح التوقف أو التخيير (12).
    جـ - إذا اجتمعت المصالح والمفاسد في عمل معين، فان أمكن تحصيل المصالح ودرء المفاسد جميعا فعلنا، وان
    تعذر التحصيل والدرء معا، وكانت المفسدة أعظم من المصلحة أو تساويا درأنا المفسدة وفوتنا المصلحة لأن درء المفاسد أولى من جلب المنافع (13 )أما إذا كانت المصلحة أعظم من المفسدة التي تقابلها فتقدم المصلحة (4ا) وتطبيقا لذلك أبيح التشريح العلمي والمرضى والجنائي (14).
    د- يتحمل الضرر الخاص لدفع الضرر العام (15).
    2- الضرورات تبيح المحظورات (16):
    أ- يجب أن تكون المصلحة التي تقتضيها الضرورة أعظم من مفسدة المحظور.
    ب- تقدر الضرورة بقدرها (17).
    جـ - الضرر لا يزال بمثله (18).
    د- الحاجة تنزل منزلة الضرورة سواء كانت الحاجة عامة أو خاصة(19).
    الطائفة الثالثة: قواعد مزاولة العمل الطبي أو الجراحي:
    (3) تتعلق هذه القواعد إما بحق الطبيب أو الجراح في ممارسة عمله أو بكيفية مزاولة هذا العمل ومسئوليته عنه.
    أولا: حق التطبيب والجراحة:
    ا- إذا أوجب الشارع شيئا تضمن ذلك إيجاب ما يتوقف عليه. (20)
    2- التطبيب واجب كما أن التداوي واجب. (21)
    3- لا تنقلب الرخصة التي أنشأها الشرع للطبيب أو الجراح بممارسة عمله على أجسام الناس إلى حق إلا برضاء المريض.
    ويستثني من ذلك حالات الاستعجال والضرورة. (22)
    ثانيا: أصول العلاج:
    يراعى في اختيار العلاج ما يأتي من القواعد:-
    1- أهداف العلاج (23) : ـ
    ا- حفظ الصحة الموجودة.
    2- رد الصحة المفقودة بقدر الإمكان.
    3- إزالة العلة أو تقليلها بقدر الإمكان.
    4- تحمل أدنى المفسدتين لإزالة أعظمهما.
    5- تفويت أدني المصلحتين لتحصيل أعظمهما.
    ب- حدود العلاج:
    1- يجب ألا يستهدف الطبيب من عمله مجرد إزالة العلة دون النظر إلى عواقبه فالواجب إزالة العلة على وجه يأمن حدوث علة أعظم وأصعب منها، فان لم يأمن ذلك أبقى العلة الأصلية كما هي (34) .
    2- إذا كانت العلة لا يمكن علاجها امتنع الطبيب عن العلاج (25). ولكن للطبيب الحاذق أن يعمل قدرته على التخيل للاستعانة على المرض بكل معين (26)، وله أن يجرب الدواء بما لا يضر أثره، ولكن ليس له أن يجربه بما تخاف عاقبته (27)
    جـ - طرق العلاج:
    1- العلاج بالأسهل فالأسهل، فلا ينتقل من الدواء البسيط المعتاد إلى الدواء المركب إلا إذا فات أثر الأول (28).
    2- الجمع بين علاج البدن وعلاج الروح (29)، فقد يكون اعتلال البدن بسبب اعتلال النفس، وقد يكون تقوية النفس أعظم أثرا في الشفاء من الأدوية المعتادة.
    3- لكي يكون الطبيب حكيماً يجب، فضلا عن توافر المهارة لديه، أن يكون لديه القدرة على أن يكسب المريض القوة على تحمل الألم ومواجهة العلة والصبر على احتمال العجز، وهو الذي يقنع المريض بحكمة المرض مع تحمله ومواساته.
    ثالثا: مسئولية الطبيب أو الجراح :
    ا- الجواز الشرعي ينافي الضمان، فإذا فعل الطبيب ما يجوز له فلا يسأل عن الضرر الحادث ولو كان سببا له. (30).
    2- لا يتقيد عمل الطبيب بشرط السلامة (31) ولا يطلب منه إلا القيام بالمعتاد من العناية ولا يسأل إلا عن تقصيره فيها.(32)
    3- الرضا بالشيء رضا بما يتولد عنه، (33) فلا يسأل الطبيب مدنيا عن الضرر الذي يصيب المريض الذي اختار علاجا
    معينا أو رضى به متى كان الطبيب قد راعى أصول مهنة الطب في عمله. (34)
    (4) وهكذا فان الصياغة المرنة للقواعد الكلية السابق بيانها تترك المجال أمام أصحاب الفطرة السليمة ليلتمسوا في أطرها العامة موضعا عند الحكم على ما هو مستحدث من أعمال الطب والجراحة على ضوء المصالح والمفاسد المترتبة عليها، والتي يقتضي تميزها عن غيرها حكماً فريداً وإذا كان الأمر كذلك فلنحاول استخلاص أحكام بعض الأعمال المستحدثة للطب والجراحة.
    المبحث الثاني
    استقطاع الأعضاء البشرية بغرض الزرع
    (5) إذا كان من الجائز شرعا أن يتدخل الطبيب في جسم المريض تحقيقاً لمصلحة معتبرة عند هذا الأخير، وقد يصل الأمر إلي قطع جزء من جسمه إنقاذا لحياته (35) فهل يجوز شرعا للطبيب أن يعمل مبضعه في جسم إنسان حي سليم، أو في جثته تحقيقا لمصلحة علاجية لإنسان آخر مريض؟ تلك هي حالة استقطاع عضو من جسم إنسان أو جثته (ونسميه المعطي) بغرض زرعه في جسم إنسان آخر مريض (نسميه المتلقي) يقتضي علاجه القيام بمثل هذا العمل.
    لا صعوبة بالنسبة للشق الثاني من هذا العمل، وهو زرع العضو في جسم المريض المتلقي، فهو يدخل في عداد الأعمال الطبية أو الجراحة المباحة بإذن الشرع وبإذن المريض إذا توافرت شروط الإباحة (36)، ولكن الصعوبة كلها تكمن في الشق الأول من العملية، ألا وهو استقطاع العضو من إنسان سليم غير مريض، فكيف يباح شرعاً مثل هذا العمل الذي لا تقتضيه ضرورة صحية عند الإنسان المستقطع من جسمه العضو؟ فإن قيل إن ذلك العمل لا يباح إلا في حالة الضرورة فإن مؤدي ذلك أنه يطلب من الطبيب أن يجمع مصالح شخصين في إطار واحد لكي يقيم الموازنة بينهما بارتكاب أخف الضررين. ولكن السؤال الذي يعرض هنا هو مثل هذه الموازنة بين قيم إنسانية متعارضة"هل هو أمر مسموح به في مصادر الشريعة الأصلية، وهل يوجد في الإطارات الفقهية التي يعرفها الفقه التقليدي وسيلة يمكن بها بلورة هذه الموازنة؟
    (6) فيما عدا النصوص القرآنية الخاصة بالانتفاع بلبن المرضعات (37) لا يوجد، على حد علمنا، نص صريح ومباشر في القرآن أو السنة يعالج مسألة استقطاع الأعضاء البشرية بغرض زرعها في حالة الضرورة (38). فإذا توجهنا بعد ذلك
    إلى القواعد الفقهية، لوجدنا أنها تتطلب منا أن نراعي ثلاثة أمور:
    الأول: ديني يتصل بمدى جواز الانتفاع بأجزاء الآدمي حيا أو ميتا، والثاني: فقهي، وان شئت قل قانوني، يتعلق بالوسيلة الفنية التي يمكن بها تجسيد أو بلورة هذا الانتفاع، أما الأمر الثالث فهو يتعلق بالمفاضلة بين المصالح المتزاحمة. فإذا شرعنا قي تطبيق القواعد الفقهية، مع مراعاة الأمور الثلاثة السابقة على الاستخدامات الحديثة للأعضاء البشرية، كما طبقها بعض الفقهاء من قبل على بعض أجزاء الآدمي، لوجدنا أن المجال يتسع لاختلاف الرأي في مدى شرعية استقطاع الأعضاء بغرض الزرع، ويتعين علينا حينئذ الترجيح بين أدلة الإباحة وأدلة التحريم.
    المطلب الأول
    (الإطار الفقهي للمشكلة)
    (التعاقد على أجزاء الآدمي)
    (7) لا يحل لإنسان الانتفاع بشيء مملوك لإنسان آخر إلا من خلال أحد الإطارات الشرعية التي حدد الفقهاء شروط صحتها. ومن بين هذه الإطارات العقود مكان الصدارة. ويشترط لصحة العقد، بصفة عامة، أن يكون محله قابلاً للتعاقد شرعاً وهو لا يكون كذلك، عند الفقهاء، إلا إذا كان ما لا متقوماً يجوز الانتفاع به وكان مملوكا للعاقد (39). فإذا وقع العقد على شيء لم يستوف هذه الشروط فلا أثر في نقل الملك أو الانتفاع (40). وهنا يثو ر التساؤل عما إذا كان يجوز شرعاً التعاقد الذي محله جزء من أجزاء الإنسان؟ لقد تعرض الفقهاء لمثل هذه المسالة بخصوص التعاقد على لبن الآدميات، واختلفوا في مدى جوازه، وكان خلافهم هذا متفرعا على اختلافهم في استيفاء محل التعاقد لشروط صحته . فلنحاول هنا أن نبرز الأمور التي قد تمنع الانتفاع بأجزاء الآدمي من خلال تعرضنا لمدى انطباق أهم شروط محل التعاقد عليها (1). وأحب أن انوه هنا إلى أن القيام بهذه المحاولة اقتضى منا التعامل مع تفصيلات كثيرة احتوتها كتب الفقه الإسلامي الأصيلة.
    لذلك رأيت من المناسب هنا، مراعاة لحجم البحث. أن أختصرها بقدر الإمكان بحيث أخلص إلى الأصول الأساسية التي ترتكز عليها هذا التفصيلات، حتى يمكننا بعد ذلك التساؤل عما إذا كانت مقتضيات هذه الأصول تظل قائمة في حالات الاضطرار إلى الانتفاع بأجزاء الآدمي.
    أولا: حكم الانتفاع بأجزاء الآدمي في حالة السعة (الاختيار):-
    لا يجوز التصرف في شيء إلا إذا كان مالا، كما لا يحل الانتفاع به إلا إذا كان طاهراً.
    1- هل جسم الإنسان من الأموال؟:
    (8) لا يصح، من الناحية الفقهية، أن يكون الشيء محلا للتعاقد إلا إذا كان مالا متقوما يجوز الانتفاع به في حالة السعة أي في غير حالات الاضطرار الاستثنائية، وللفقهاء تعريفات متعددة للمال المتقوم تدور كلها حول ذلك الشيء الذي يحل الانتفاع به وقت السعة، ويقع تحت الحيازة ويتموله الناس بأن تكون له قيمة في السوق يضمنها متلفه (42) ونحن إذا طبقنا مقاييس اعتبار الشيء مالا متقوما على جسم الإنسان في مجموعة لوجدنا أنها لا تنطبق عليه. لذلك ذهب الفقهاء إلى أن الإنسان، حيا أو ميتا، لا يمكن أن يكون محلا ممكنا ومشروعا للمعاملات (43).
    فالإنسان ليس مالا (44) لا في الشرع ولا في الطبع ولا في العقل، فالشرع يأبى أن يعامل الإنسان، الذي كرمه الله ، معاملة الأموال(). والشيء لا يعتبر مالا، في الطبع أو في العرف، إلا إذا كانت له قيمة في الأسواق (46)، ومن الواضح أن هذا لا يصدق في حق الإنسان (74) كما أن اعتبار الإنسان مالاً فيلف العقل لأن اعتبار الشيء مالاً يقتضي أن يكون هذا الشيء خارج الإنسان في حين أن جسم الإنسان ليس شيئا خارجاً عنه (48).
    وإذا كان مبدأ عدم تقوم الإنسان بالمال يصدق في حق الإنسان في مجموعة جسمه وحياته وجثته، فهل يصد ق ذلك
    أيضا في حق أجزائه بعد انفصالها عن جسده أو جثته (49)؟ من المفيد أن نبرز هنا الاتجاه الذي يسود المذهب الحنفي والذي قوامه أن أطراف الإنسان تعتبر من قبيل الأموال بالنسبة لصاحبها (50). ومعنى الأطراف هنا ينسحب، فيما يبدو، على كل عضو أو جزء في جسم الإنسان بصفته المنفردة أي منعزلا عن باقي الأعضاء التي لا يجوز أن يرد التصرف على مجموعها. ولذلك فإنه يجوز للإنسان عند الحنفية أن يتصرف في جزء من جسمه لغاية مشروعة. كأن يضحي بجزء من جسمه لإنقاذ حياته (51) فهو كالمال خلق وقاية للنفس (52).
    وهكذا يتضح مما سبق أن جسم الإنسان وجثته لا يعد مالا عند جمهور الفقهاء (53) في حين أن الحنفية يعتبرون ما ينفصل من الجسم أو الجثة من قبيل الأموال.
    والسؤال الآن هل يحل شرعا الانتفاع بالجزء المنفصل؟.
    2- هل أجزاء الآدمي طاهرة؟
    9- يشترط في محل العقد أن يكون طاهرا منتفعا به في الطبع وفي الشرع (54). وإذا كان لا يجوز بيع الشيء الطاهر الذي لا منفعة فيه (55)، فإنه لا يجوز أيضا أن تكون النجاسات أو بصفة عامة المحرمات محلا للعقود (56) وهنا أيضا يثور التساؤل عما إذا كانت أجزاء الآدمي طاهرة أم أنها من المحرمات التي لا يحل الانتفاع بها في حالة السعة والاختيار.
    بالنسبة للجزء المنفصل من الجسم الحي لم يتفق فقهاء المذاهب على طهارته وجواز الانتفاع به ، ولهم في ذلك تفصيلات وأقوال كثيرة تعمدنا ألا نعرض منها هنا إلا ما يفيدنا في استخلاص الأصول. والراجح في هذه الأقوال أية على فرض أن الجزء المنفصل يعد طاهرا فانه لا يجوز مع ذلك الانتفاع به احتراما له من الابتذال فالانتفاع به يتعارض مع كرامة الإنسان وحرمته في الشرع (57) والأمر كذلك بالنسبة لأجزاء الجثة التي يتعين دفن ما انفصل منها فهذا ما تقتضيه حرمة الموتى (58).
    ولكن إذا كان الأصل الذي يقضي بعدم جواز الانتفاع بأجزاء الآدمي يرجع إلى أنها من المحرمات، فان هذا الأصل لا يمنع الإنسان الذي انفصلت من جسده أن ينتفع بها كدواء إذا كان لا يوجد شيء آخر يقوم مقامها في التداوي، ذلك أن هناك أصلا آخر يقضى بإباحة التداوي بالمحرمات إذا كان لا يوجد في الأشياء المباحة ما يقوم مقامها (59). فإذا تعين الشيء المحرم دواء وحيدا للمريض فإنه يحل الانتفاع به (60). فالحرمة ساقطة، كما يقول ابن عابدين، عند الاستشفاء (61)، كما أن مصلحة العافية والسلامة أكمل من " مصلحة اجتناب المحرمات (61) وهذه قاعدة من القواعد الكلية في المجال الطبي والجراحي. وإذن ففي حالة الضرورة يجوز للإنسان أن ينتفع بجزء من أجزائه للتداوي بشرط أن تكون المصلحة في ذلك أعظم من ترك الجزء في مكانه (63).
    ولكن هل يجوز لإنسان أن يتداوى بأجزاء إنسان غيره إذا لم يوجد شيء آخر يقوم مقامها ؟
    هذه مسألة لا تتعلق بمدى جواز الانتفاع بأجزاء الآدمي في حالات الاضطرار سنبحثها فيما بعد، ويكفينا هنا أن نلاحظ أن الرأي الغالب في الفقه يرى حرمة ذلك إما لكرامة الإنسان وإما مخافة هلاك الإنسان المأخوذ منه الجزء.
    (10) إلى هنا نستطيع أن نقول إن المقدمات التي يرتكز عليها الفقه التقليدي تقضي بأن الجزء المنفصل، وان كان يظل منتفعا به في طبيعته، خاصة إذا حافظنا على حياة خلاياه، فإنه يمتنع في الشرع نقل الانتفاع به إلى إنسان آخر. لانه يفترض أن ذلك لا يتم الا بوسيلة تتعارض مع كرامة الإنسان، وهي من الوسائل التي يعرفها الفقهاء للتعامل في الأموال. فكان العقبة من انتفاع إنسان بجزء من جسم إنسان آخر إنما هي عقبة فنية ترتبت على التحليل الفقهي التقليدي الذي لا يعرف إلا الأدوات (العقود) التي يتعامل فيها في الأموال (64) ولكن إذا كان الفقه الإسلامي فقها عمليا يحرص على إشباع حاجات الناس المشروعة فيجب ألا تقف صعوبة اختيار وسيلة الانتفاع بأجزاء الآدمي حجر عثرة أمام ضيق حاجات إنسانية تتفق مع المقاصد العامة للشرع، خاصة إذا كان هذا الانتفاع في ذاته ، ومجرؤا على وسيلته لا يتعارض مع الكرامة الإنسانية. ولقد تغلب بعض الفقهاء التقليديين على هذه الصعوبة وهم بصد د بحث الانتفاع بلبن الآدميات.
    3- التعاقد على لبن الآدميات:
    (11) اتفق الفقهاء على أن لبن الآدميات، باعتباره جزءا منفصلا عن جسم آدمي يمكن الانتفاع به في الشرع لورود آيات بينات في هذا المعنى ، (65) ولا العرف لأنه مخصص بطبيعته للخروج من جسم المرأة لينتفع به غيرها (66) غير أن الفقهاء اختلفوا، بعد ذلك، في تحديد العقود التي يمكن أن يتعلق محلها بلبن الآدميات ويرجع اختلافهم هذا إلى عدم اتفاقهم على تحديد طبيعة اللبن، وإلى ما إذا كانت إجازة الشرع للانتفاع به هي إجازة مطلقة أم إجازة مقيدة بالضرورة. ونحن إذ نعرض هنا للنتائج التي توصل إليها الفقهاء، في هذه المسائل، إنما نقصد من ناحية التأكيد على أن مسألة الانتفاع بأجزاء الآدمي، فيما لم يرد به نص شرعي، إنما هي مسألة اجتهادية يختلف فيها الرأي بحسب الاعتبارات، وهذه هي الناحية الأخرى التي تتنازع هذه المسألة إضافة إلى مبررات تغليب اعتبار على آخر.
    (12) اتفق الفقهاء على أنه يجوز الانتفاع بلبن الآدميات عن طريق وسيلة عقدية تسمى إجارة الظئر ومعناها أن المرأة تستطيع أن تلزم نفسها بإرضاع طفل لا تلتزم شرعاً بإرضاعه مقابل أجر( 67).
    ولقد روعي في إجازة هذا العقد أن تنفيذه لا يؤثر في السلامة الجسدية للمرأة لأن لبنها مخصص بطبيعته للخروج من جسدها كما أنه متجدد شأنه في ذلك شأن النشاط العضلي في عقد إجارة الآدمي (عقد العمل) (68) واختلف الفقهاء في تحديد ما ترد عليه إجارة الظئر، فقال البعض إنه يرد على اللبن ذاته (69)، حين ذهب البعض الآخر إلى أن العقد يرد على خدمات المرأة، أي على منافعها وليس على ذات اللبن (70). ولن نقف عند التفصيلات التي أوردها الفقهاء لتكييف العقد الذي يرد على اللبن، هل هو بيع أم إيجار، ولتحديد ما إذا كان من الأموال أم لا، إن ما يهمنا أن نبرز هنا نتيجة في منتهى الأهمية ألا وهي أن لبن المرأة باعتباره جزءا من آدمي، وإن كان لا يعد، عند الحنفية. محلا ممكنا وشروعا للعقد أصلا، إلا أنهم أجازوا عقد الرضاعة كاستثناء، أي استحسان تبرره ضرورة المحافظة على حياة الطفل.
    فكان مبدأ عدم جواز التصرف في أجزاء الآدمي، الذي يقوم على قضية كرامة الإنسان، يحتمل استثناء إذا وجدت ضرورة تبرره عند آدمي آخر وكأن هذه القضية ليست قضية مطلقة. وهذه الضرورة يجب أن تؤخذ بعين الاعتبار متى
    كانت المصلحة المترتبة على رعايتها تعلو، في سلم القيم، أي اعتبارات أخرى ولو كانت اعتبارات فقهية بأركان العقود.
    إن الشرع ذاته أذن بالتعاقد على اللبن يرجح المصلحة التي تترتب عليه على قضية كرامة الإنسان وإذن فالمسألة التي تستحق النظر هي مسألة الترجيح بين المصالح المتزاحمة في موضوع الانتفاع بلبن الآدميات بصفة خاصة وبأجزاء الآدمى بصفة عامة.
    وإذا كانت الضرورة تجعل من القيمة التي يحفظها مبدأ كرامة الإنسان قيمة مرجوحة أمام قيمة المصلحة المترتبة على الانتفاع بأجزائه، فهل تبرر الضرورة أيضا الضرر الذي يمكن أن يعود على الإنسان من استقطاع أجزاء من جسمه لمصلحة شخص آخر؟
    ثانيا: حكم الانتفاع بأجزاء الآدمي في حالات الاضطرار
    (13) حين أباح الشارع الحكيم أكل المحرمات في حالات الاضطرار(71) فإنه يكون بذلك قد أباح العلاج بها، فضرورة الغذاء كضرورة العلاج تبيح المحظورات (72) لان الهلاك أو التلف الذي يمكن أن يعود على الإنسان من عدم التغذي يمكن أن يصيبه من عدم التداوي (73). والأصل في أجزاء الآدمي حرمتها على بني جنسه (74). وإذا كان الفقهاء لا يتعرضون عادة للانتفاع بأجزاء الآدمي في حالات الاضطرار إلا بصفتها غذاء، فان تحليلهم الفقهي لأحكام هذه الحالات يسرى، بطريق القياس، على استعمال هذه الأجزاء كوسيلة للعلاج. وإذا كانت الضرورة تبيح، في رأي بعض الفقهاء التداوي بالمحرم إذا لم يوجد غيره من المباحات يقوم مقامه، فان السؤال الذي يعرض هنا هل تبرر حالة الضرورة استقطاع أجزاء من جسم الإنسان أو جثته كوسيلة لعلاج إنسان آخر؟.
    (14) ذهب غالبية الفقهاء (75) إلى أن الضرورة لا تبرر انتفاع الإنسان بأجزاء آدمي غيره ولو كان ميتا ويتجسد 7 سبب هذا الحكم عند بعضهم في كرامة بني آدم وخشية الهلاك أو التلف الذي يصيب الإنسان الحي منه، في حين يري البعض الآخر أن هذا السبب تعبدي لا تدرك عته. وإذن فتحريم أجزاء من بني آدم تحريم مثقل لا يباح حتى لضرورة (7.
    وعلى العكس من ذلك، يجيز الشافعية للمضطر أن ينتفع بأجزاء الآدمي المهدر أو المعصوم الدم وفقا للتفصيل
    ا لآتي:-
    فيجوز للمضطر أن يستعمل جسم إنسان مهدور الدم كالحربي والزاني المحصن أو جثته في الغذاء (77)، أما بالنسبة للمعصوم فإن كان ميتا فيجوز للمضطر أن ينتفع بجثته كغذاء إن لم يجد غيره لأن حرمة الحي أكد من حرمه الميت (78) أو لأن المفسدة في أكل لحم ميتة الإنسان أقل من المفسدة في فوات حياة إنسان (79) 0
    أما إذا كان المعصوم حيا فيجوز للمضطر، عند الشافعية، أن يقطع جزءا من جسمه كغذاء، وكذلك لا يجوز لمعصوم الدم نفسه أن يقطع جزءاً من نفسه ليقدمه للمضطر( 80)، لأن الضرر لا يزال يمثله (81). ولكن يجوز للمضطر، عند الشافعية، أن يقطع جزءا من جسمه ليأكله إن لم يجد غيره،. لانه إحياء للنفس بإتلاف عضو فجاز وهذا من باب استبقاء الكل لزوال الجزء (82). ومؤدى هذا الحكم الأخير أنه يجوز استقطاع جزء من جسم شخص تحقيقا لمصلحته هو، كما لو استقطع جزء من جلده لترقيع جرح في جسمه.
    ويشترط لإباحة الانتفاع بأجزاء الآدمي الميت، في حالة الضرورة، ألا يجد المضطر غيره، وأن يكون المضطر معصوم الدم، غير دامي أو معاهدا إذا كانت الميتة لمسلم، وأن يكون الضرر المترتب على عدم الانتفاع أعظم من الضرر المترتب على عدم مراعاة المحظور، أي أن تكون المصلحة في الاستقطاع أعظم من المفسدة التي اقتضت حظره.
    (15) وهكذا فإن الضرورة، في أكثر المذاهب توسعا في إباحة الانتفاع بأجزاء الآدمي المعصوم، لا تبيح هذا الانتفاع إذا حدث الاستقطاع من جسم إنسان حي، والعلة في ذلك تتمثل إما في شرفه وكرامته أو في أن الاستقطاع بفصي
    إلى الهلاك أو التلف، والضرر لا يزال يمثله.
    والسؤال الذي يعرض على الفور هو هل ينقلب الخطر إلى إباحة في حالة الضرورة إذا كان الهدف من الاستقطاع
    لا يتعارض مع الكرامة الإنسانية وكانت المصلحة المترتبة عليه أعظم من ضرره؟ الإجابة على هذا السؤال تضع الحد الحاسم في الترجيح بين أدلة الإباحة وأدلة التحريم.
    " المطلب الثاني "
    الترجيح بين أدلة الإباحة وأدلة التحريم
    (16) رأينا أن العقبات التي قد تحول دون الانتفاع بأجزاء آدمي لدى آدمي آخر تتركز حول فكرتين، الأولى الكرامة الإنسانية أي حرمة الإنسان وشرفه حيا وميتا ، والثانية الضرر الذي يعود على الإنسان المنقول منه الانتفاع بجزء من أجزائه.
    ونحن نعتقد أن المناط في الحكم على هذه العقبات أو في كيفية تذليلها إنما يرجع فيه إلى قاعدة التدرج بين المصالح والمفاسد التي طبقها بعض الفقهاء في حالة الاضطرار إلى الانتفاع بأجزاء الميت. وهذه القاعدة، التي هي صدى لمبدأ عام هو تحصيل أعظم المصلحتين أو درء أعظم المفسدتين، يجب أن ينطبق أيضا عند التزاحم بين قيم الأحياء ومصالحهم.
    ولقد رأينا تطبيقا واضحا لهذا التدرج سمح الشارع بالأخذ بمقتضاه في مجال الانتفاع بلبن الآدميات. وبناء عليه
    فإنه يلزمنا الآن أن نثبت أنه يجوز شرعاً الانتفاع بأجزاء الآدمي، حياً أو ميتاً، لعلاج آدمي آخر متى كان هذا الانتفاع نتيجة ضرورية، وبالتالي شرعية للتدرج بين المصالح. ولن نقف هنا عند العقبة الفقهية المتمثلة في عدم استيفاء أجزاء الآدمي لشروط محل العقود على الأموال، لأن هذا إقحام لأمر في غير مجاله، فنحن هنا لسنا بصدد الانتفاع بالأموال (83). ولن نستبقي من تحليلات الفقهاء، في هذا الصدد، إلا قضية كرامة الإنسان لنرى كيف يمكن تخطي العقبة المبنية على هذه القضية، في حين يثبت أن هذا الانتفاع يدخل بالنظر إلى ظروفه الضرورية وهدفه النبيل في إطار الكرامة الإنسانية التي لا تتعلق بإنسان واحد بقدر ما تتعلق بالنوع الإنساني.
    وإذن لا يتبقى لنا إلا أن نثبت أن استخدام أجزاء الآدمي، حيا أو ميتا لعلاج غيره من الناس لا يتعارض في الشرع مع كرامته، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى أن نبين الشروط التي يترتب على إجماعها زوال المانع من الانتفاع بها وهو مخافة الهلاك أو الضرر.
    أولا: إذن الشرع وأذن المعطى في إباحة استقطاع الأعضاء البشرية:
    (17) تطبيقا للقواعد التي تحكم حق الله وحق العبد في جسم هذا الأخير في حالات الاضطرار، فان الشرع يأذن بنقل جزء من جسم المعطي إلى جسم المريض المتلقي إذا كانت المصلحة المترتبة على ذلك أعظم من المحافظة على حق الله تعالى في جسم المعطى. ولكن المشكلة تكمن في كيفية تعيين إنسان محدد ليدخل حقه في التكامل الجسدي في ميزان الترجيح بين المصالح.
    لا خلاف بين أهل العلم كما يقول القرطبي (84) في وجوب رد مهجة المسلم عند خوف الهلاك أو التلف بالشيء اليسير الذي لا مضرة فيه على صاحبه. وهذا الواجب يقع في ذمة الجماعة فرض كفاية.
    فإذا لم يكن هناك إلا شخص واحد بيده إخراج المضطر من حالته كان إنقاذه فرض عين على هذا الشخص، ويقع على الجماعة أو على الشخص المعين إثم عدم إنقاذ المضطر وعليهم الضمان (85) فالشرع يطلب من الإنسان التضحية ببعض من حقوقه لإنقاذ المضطر إذا كان ذلك لا يعود عليه بضرر أعظم من الضرر العائد على المضطر. ولقد. رأى الشرع أن إنقاذ نفس واحدة يعد بمثابة إحياء للناس جميعا وقوله تعالى (أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض، فكأنما قتل الناس جميعاً ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً ) (5/ 32) (86) يفيد أن من يقوم بإنقاذ الإنسان إنما يحفظ مصلحة اجتماعية (87)
    وتطبيقا لذلك فإنه إذا كان إعطاء الإنسان عضوا من أعضاء لإنسان آخر مريض يترتب عليه إنقاذه من الهلاك،
    دون أن يترتب على ذلك هلاك المعطي، فإنه يعد عملا مميزا للتضامن الإنساني (88) ومعبرا عن معاني الرحمة والمودة، ومن ثم متفقا مع الكرامة الإنسانية وجديرا في النهاية بإجازة الشرع.
    (18) على أن تضحية الإنسان ببعض حقوقه إنقاذا للمريض المضطر لا تكون جائزة شرعا إذا أدت إلى هلاك المعطي أو فقدانه لوظيفة تشريحية في جسمه فقوله تعالى (ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة) (2 /195) (89) يفيد أن لك للتضحية المأذون بها حدودا يجب أن يتقيد بها. فإذا تقيد استقطاع العضو من الإنسان بهذه القيود التي سنعرض لها فيما بعد، أمكن قبولها في ميزان الضرورة في اختيار أهون الضررين أو ترجيح أعلى المصلحتين بشرط أن يرضى هذا الإنسان بدخول مصلحته في هذا الميزان، لانه لا يمكن إجبار الإنسان، قضاء، على التبرع بأحد أعضاء لإنقاذ إنسان واحد ولو كان مثل هذا الإنقاذ يقع واجبا، ديانة، في ذمة الأمة جميعا. فهذا الواجب لا يقع على إنسان معين، قضاء، الا برضاه.
    (19) فإذا قابلنا بين المصالح التي يتضمنها حق كل من المعطي والمتلقي في سلامة الحياة والجسد ووضعناهما في ميزان القيم ووجدنا أن كفة استقطاع عضو من جسم المعطي أو جثته لزرعه في جسم المتلقي ترجح كفة مصلحة المعطي
    في عدم المساس بجسده لانه يجنب المتلقي ضرراً أعظم من الضرر المترتب على هذا المساس، بحيث تكون المصلحة النهائية للعملية حماية مصلحة اجتماعية جديرة بالحماية، فإن هذه العملية تكون جائزة شرعا. على أن مثل هذه الموازنة تقتضي، لضبط مصلحتها النهائية، تقدم العلوم الطبية والجراحية في السيطرة على ظاهرة رفض جسم الإنسان للأعضاء الأجنبية عنه، وإلا ما هي المصلحة في المخاطرة بعمل في سبيل هدف موهوم؟ لذلك فإنه بالنسبة لعمليات زرع الأعضاء التي لم يثبت نجاحها لا يجوز الاستقطاع من الجسم أو الجثة إذا كان مساساً بحرمتها بدون مبرر شرعي.
    (20) أما بالنسبة للاستقطاع من الجثة، حيث تتنازع مصالح الأحياء مع مصالح الموتى أو أهلهم، فإن إباحته تستند إلى نفس القواعد التي تبرر تشريح الجثث، بل إن من بين الأغراض التي تبرر شرعية التشريح الاستفادة "من أجزاء الجثة في إنقاذ حياة إنسان أو صحته (90) ،ولقد رأينا قواعد الترجيح بين المصالح والمفاسد تجعل من التشريح أمرا مباحا لأن مصلحة المحافظة على حياة إنسان أو صحته أعظم من الناحية الاجتماعية، من المفسدة المترتبة علي، المساس بالجثة (91).
    وهكذا فإنه في حالة الضرورة، حيث يتعين استقطاع جزء من الجثة علاجاً وحيداً للمريض، تعلو مصلحة هذا الأخير على المصلحة التي يحفظها مبدأ حرمة الموتى، ويجوز من ثم استقطاع هذا الجزء من الجثة لزرعه في جسم المريض إذا توافرت عدة شروط حين تصبح المصلحة المترتبة على العملية مصلحة اجتماعية جديرة بالرعاية (92). لذلك أجاز متأخرو الشافعية استخدام عظام الموتى في جبر عظم الحي المنكسر إذا لم يمكن جبره بغيره (93).
    والواقع أن مبدأ حرمة الموتى إنما يقصد به حماية ما تمثله من قيم معنوية لدى الأهل، ويكفي لتأكيد احترام هذه
    القيم أن يأذن الميت قبل موته بالاستقطاع أو يأذن به الأهل بعد موته.
    (21) أما بالنسبة للمريض المتلقي للعضو، فإنه يجوز شرعا زرع مثل هذا العضو في جسمه رعاية لمصلحته في سلامة نفسه وجسمه. فإن قيل إن أعضاء الإنسان من المحرمات لكرامته، قلنا: أنه يجوز التداوي بالمحرم في حالة الضرورة إبقاء للحياة وحفظاً للصحة تماماً كما يجوز التغذي بالمحرمات في حالات الاضطرار. فالشرع ذاته أجاز ترك الواجب وفعل المحرم لوجود اضطرار مرضى (94).
    كما أنه رفع عن المريض الحرج أيا كان مصدره (95)، الأمر الذي يسمح بالتداوي بالمحرمات. وإذا كان حكم الاضطرار في الإباحة حكما عاما يسري على جميع المحرمات فإنه يسرى أيضا على الانتفاع بأجزاء الآدمي لان الحكم الشرعي العام أو المطلق لا يجوز تخصيصه أو تقييده بدون نص مخصص أو مقيد، ولا يوجد نص خاص يمنع التداوي بأجزاء الإنسان، حياً أو ميتاً، عند الضرورة. والواقع أننا متى وجدنا في ظروف تتحقق فيها الضرورة، وجب إعمال أحد مقوماتها المتمثل في تحصيل أعلى المصلحتين أو دفع أعظم المفسدتين، فإذا توقف علاج المريض على زرع أحد الأعضاء في جسمه، فلا شك أن مصلحة العافة تعلو على مصلحة اجتناب المحرمات.
    (22) واستنادا إلى الاعتبارات المشار إليها فيما سبق صدر العديد من الفتاوى من جهات رسمية من أفراد متخصصين تجيز في مجموعها نقل الأعضاء من أجسام الأحياء (96) أو من الجئث (97) إلى المرضى إذا تعين علاجاً ضرورية للمرض. وذلك مقيد برضاء ذوى الشأن وبعدم حصول ضرر فاحش لمن نقل منه العضو. وكل هذه الفتاوى تستند في التحليل الأخير على قواعد الضرورة حين تتزاحم عدة مصالح وحين يترتب على العمل الضروري مصالح تقابلها مفاسد، وهي قواعد تقتضي بإباحة هذا العمل إذا كانت المصلحة فيه أعظم من المفسدة المترتبة عليها. على أن مثل هذه القواعد لا يسمح بتطبيقها في مسألة الانتفاع بأجزاء الآدمي إلا إذا توافرت عدة شروط ننتقل الآن لمعالجتها.
    ثانيا: شروط إباحة استقطاع الأعضاء للزرع:
    (23) لما كان استقطاع العضو من المعطي لزرعه في جسم المتلقي، وهو عمل مركب، يتعلق بحقوقه إضافة إلى حق الله تعالى فإنه يلزم، مراعاة لهذه الحقوق توافر عدة شروط ترجع إلى الرضاء والباعث عليه ومدى التضحية المرضي عنها. وإذا كان زرع العضو في جسم المتلقي يدخل في عداد الأعمال الطبية والجراحية فإن إباحته تتقيد بذات الشروط التي تتقيد بها هذه الأعمال بصفة عامة ومنها رضاء المريض. أما بالنسبة لاستقطاع العضو من المعطي فانه يلزم توافر عدة شروط يرجع بضعها إلى حق الله تعالي وبعضها الآخر إلى حق المعطي . وتتركز هذه الشروط الأخيرة حول رضاء المعطي الذي يجب أن يكون صادرا عن إرادة حرة (98 ) وممن هو أهل له بأن يكون بالغا عاقلا وان يصدر من المعطي وهو على بينه من أمره . وتعتقد الآمر باستقطاع عضو من أحدهم لزرعه في جسم . أشقائه أو شقيقاته .
    يتبقى بعد ذلك الشروط التي ترجع إلى الله تعالي في جسم المعطي والمتلقي وحياتها والتي يترتب على اجتماعها توافر حالة الضرورة ( 99 ) ويمكن تجميع هذه الشروط تحت طائفتين تندرج تحت أحدهما الشروط التي تقتضيها الكرامة الإنسانية في حين تنطوي تحت الطائفة الأخرى الشروط التي تقتضيها الموازنة بين المصالح المتزاحمة (100 ) .
    أ- شروط تقتضيها الكرامة الإنسانية:
    (24 ) لا يدخل استقطاع الأعضاء للزرع في جسم مريض في إطار الكرامة الإنسانية إلا إذا استهدف به غاية علاجية مجردة عن الاعتبارات المالية.
    أ- الغاية العلاجية لاستقطاع العضو وزرعه:
    يشترط لإباحة الاستقطاع من جسم المعطي أن يستهدف به رعاية المصلحة الصحية للمريض المتلقي وأن يكون ضروريا لذلك. ولكن هذه المصلحة لا تبرر مثل هذا الاستقطاع إلا إذا تم بقدر ما تقتضيه ضرورة المحافظة على حياة المريض أو قيام جسم بوظائفه الضرورية، ولما كانت الضرورة تقدر بقدرها وكان الضرر لا يزال يمثله فيجب أن تكون المصلحة المترتبة على استقطاع العضو لزرعه في جسم المريض أعظم من المفسدة المترتبة على ذلك عند المعطي.
    ب- امتناع المقابل المالي للاستقطاع:
    إذا كانت الضرورة تبرر رعاية المصلحة العلاجية للمريض عن طريق استقطاع العضو وزرعه، إلا أن ذلك لا يباح إلا بقدر الضرورة التي أوجبته دون زيادة، بحيث لا يخرج هذا العمل عن إطار الكرامة الإنسانية. ومما يتعارض مع هذه الكرامة أن يعلق المعطي رضاه بالاستقطاع من جسمه أو جثته على قبضه الثمن، وإلا فإن أجزاء الإنسان لا يمكن بيعها أو شراؤها ، (101) والشرع ذاته لم يقم بالتقدير المالي لأعضاء الجسم إلا في حالة الاعتداء عليها، وتقتضينا الدقة أن نقول أن الدية لا تقابل الأعضاء ولكنها عوض عن الحق الأصلي للمجني عليه وهو القصاص (102). وإذا كان لا يجوز للمعطي أن يعلق تبرعه على قبضه ثمن العضو المستقطع، فلا مانع شرعا من أن يوضع نظام عام يمكن بمقتضاه مساعدة المعطى ماليا عما يفوته من منافع بسبب الاستقطاع.
    2- شروط تقتضيها الموازنة بين المصالح والمفاسد:
    (25) لا يقبل دخول مصالح كل من المعطي والمتلقي في ميزان الضرورة إلا في حدود معينة تضمن للعملية نتيجة ترقى بها إلى مستوى المصلحة الاجتماعية:-
    أ- قيود تقتضيها مصلحة المعطى:
    يجب ألا يترتب على الاستقطاع ضرر فاحش بالمعطى. وبناء عليه لا يجوز مطلقا استقطاع عضو إذا ترتب عليه
    موت المعطي كالقلب مثلا، فالشرع، وقد أقام مبدأ التساوي بين بني آدم معصومي الدم (1021)، لا يسمح أن يقتل أحدهم لإحياء آخر ( 104).
    وإذا وإذا كان يجوز استقطاع الأنسجة أو المواد المتجددة، كالجلد والدم، لأنه لا يحرم المعطي من وظائفها فهي بالفرض متجددة، فإنه لا يجوز استقطاع عضو من الأعضاء المنفردة في الجسم لانه يحرم المعطي من وظيفته التشريحية، وهنا تظهر أهمية الجثة كمصدر لهذه الأعضاء. أما بالنسبة للأعضاء المزدوجة، كالكلى مثلا، فإنه يشترط لإباحة استقطاع إحداها إضافة إلى تناسب المخاطر التي يتعرض لها المعطي مع المزايا التي تعود على المتلقي، أن يكون العضو المتبقي قادرا على القيام بالوظيفة التشريحية للعضو المستقطع. أما إذا كان استقطاع أحد العضوين يؤثر في هذه الوظيفة، بالرغم من وجود العضو الآخر قي جسم المعطي، فلا يباح الاستقطاع (104) والأساس في ذلك أن حماية الشرع للجسم لا تتعلق بأعضاء في ذاتها ولكن باعتبارها محلا للمنافع (105). إذن فحين يرضى المعطى باستقطاع أحد أعضاء المزدوجة فإن ذلك مقيد ببقاء منافعه التي قصد الشارع حمايتها.
    ويجب اتخاذ الاحتياطات الطبية اللازمة لدى المعطى حتى يكون هامش الخطر الذي يتعرض له ضعيفاً جداً.
    ولامانع شرعا من فرض التزام في بيت المال بتغطية المخاطر غير المتوقعة التي يتعرض لها المعطي.
    ب- قيود تقتضيها مصلحة المتلقي:
    يجب أن تكون المصلحة المترتبة على الزرع لدى المتلقي جدية وراجحة ،وهي وتكون جدية إذا ثبت من جانب أن الزرع يعد وسيلة ضرورية لعلاجه (106) ومن جانب آخر أنه منتج للغاية المرجوة على سبيل الظن الغالب (107). وهذا الجانب الأخير. يجعل المصلحة راجحة إذا كانت مخاطر الزرع لدى المتلقي أقل من الضرر المترتب على التطور التلقائي للمرض المراد علاجه، كما يجب أن تكون مزايا الزرع أعظم من مخاطره عند المتلقي، وذلك، كله لتطبيق القاعدة ترجيح المصلحة إذا كانت أعظم من المفسدة التي تقابلها.
    جـ - قيود تقصيها المقارنة بين مصالح المعطي ومصالح المتلقي:
    (26) تختلف طبيعة هذه القيود بحسب ما إذا كان الاستقطاع من جسم إنسان حي أو من الجثة.
    (1) القيود العامة:-
    بعد أن يواجه الطبيب مصلحة كل من المعطى والمتلقي على انفراد فإنه يدخله في إطار واحد هو إطار الضرورة، ليقيم الموازنة بينهما على أساس اجتماعي وليس على أساس شخصي، لأن العمل الضروري لا يباح الا بمقدار ما يترتب عليه من منفعة اجتماعية، وهذا يقتضي أن تكون المصلحة التي يحفظها العمل الضروري أعظم من المفسدة التي دعت إلى خطرة شرعا. وتطبيقا لذلك لا يباح الاستقطاع إلا إذا استهدف به علاج مرض أعظم ضررا من الضرر الذي يعود على المعطى من بناء الاستقطاع وبحيث ترقى نتيجة العملية إلى مستوى يجعل منها مصلحة اجتماعية محترمة تبرر التضحية ببعض حقوق المعطى.
    ويلاحظ أخيرا، أن نتيجة المقارنة بين المزايا والمخاطر المترتبة على استقطاع الأعضاء لزرعها، يتوقف على مدى
    الطب في مسألة السيطرة على ظاهرة رفض جسم المريض للأعضاء الأجنبية عنه، فقبل التوصل إلى حل لهذه الظاهرة تكون المخاطر راجحة، أما بعد السيطرة عليها فإن المزايا ترجح على المخاطر. وبقدر التقدم الطبي بارتكاب أخف الضررين الاستقطاع لإنقاذ المتلقي من الهلاك. ولقد كانت خشية الهلاك الذي يمكن أن يصيب المعطي من الاستقطاع، إضافة إلى الهدف الموهوم في زراعة عضو في جسم يلفظه ويطرده، من بين الأسباب التي كانت يمكن أن وتدعو الفقه التقليدي إلي رفض هذا العمل ، أما وقد قيدت تضحية المعطى بالقيود السابق بيانها وتحول الهدف من موهوم إلى مضمون أو في الأقل مظنون في العصر الحديث مع تقدم الطب والجراحة فيجب أن يتغير الحكم لأنه لا ينكر تغير الإحكام بتغير الزمان (108) ولانه حيثما توجد المصلحة فشرع الله (109).
    (2) التحقق من الموت:
    21) يخضع الاستقطاع من الجثة لذات القيود التي تقتضيها المقارنة بين المصالح السابق عرضها. وإن كان يراعى، نظرا إلى ، أن الاستقطاع لا يخشى منه الهلاك أو الضرر بالنسبة للمعطى فهو بالفرض قد مات (110)، إن ترجيح كفة مصلحة المتلقي لن يواجه صعوبات مثل تلك التي تعرض في حالة الاستقطاع من جسم إنسان حي على أن ترجيح مصلحة المتلقي، باعتباره إنسانا حيا، على المصالح التي تتعلق بالجثة يفترض أن الاستقطاع سيتم من جثة إنسان ثبت موته. وإذن لا يجوز الاستقطاع من الجثة قبل التحقق من حدوث الموت.
    وأستطيع أن أزعم أنني راجعت معظم الآيات القرآنية إن لم يكن كلها، التي ورد بها ذكر كلمة الموت ومشتقاتها، ولم أجد فيها تعريفاً صريحاً للموت، وإن كان يمكن لنا باجتهادنا الشخصي، استخلاص معنى الموت الحقيقي الذي عناه القرآن الكريم في بعض آياته، وسنشير إلى هذا المعنى لتلك الآيات عند دراسة الإنعاش الصناعي، وبطبيعة الحال لم يتعرض الفقهاء التقليديون لتعريف الموت من الناحية الطبية، فهذا ليس من اختصاصهم، وان كانوا قد حاولوا تعريفه من الناحية التصويرية (111) ومن ناحية علاماته (112) ومن ناحية آثاره في مجال الحقوق والديون (113) وبطبيعة الحال لا يمكن التعويل على هذه التعريفات لأنها لا تضع معيارا علميا للموت ينبع من داخل الجسم، هذا فضلاً عن أن جانبا من الأفكار التي بنى عليها بعض الفقهاء استنتاجاتهم قد تخطاها التطور العلمي. فهذا ابن حزم (114) يقول إلا يختلف اثنان من أهل الشريعة وغيرهم في أنه ليس إلا حي أو ميت ولا سبيل إلى قسم ثالث...) فى حين أن الطب الحديث أثبت وجود طائفة ثالثة بين الأحياء والأموات حيث يكون الإنسان قد مات طبيا بموت مخه مع بقاء بعض أجزاء جسمه حية بمساعدة أجهزة الإنعاش الصناعي التي تكفل استمرار قيام بعض الأعضاء الأساسية للحياة، كالقلب والرئتين، بوظائفها. وهنا يثار التساؤل عن مدى شرعية استقطاع أعضاء من جسم من يوجد في هذه الطائفة الثالثة؟ تقتضيي الإجابة على هذا السؤال معرفة مراحل الموت أو أنواعه ومعيار الموت الحقيقي للإنسان الذي استقر عليه الطب الحديث.
    (28) يتنوع الموت إلى ثلاثة أنواع يمثل كل نوع منها مرحلة من مراحل الموت، (115)، ففي الأحوال العادية يحدث الموت الإكلينيكي، في مرحلة أولى حيث يتوقف القلب والرئتان عن العمل، وفي مرحلة ثانية تموت خلايا المخ بعد بضع
    دقائق، من توقف دخول الدم المحمل بالأكسيجين للمخ، وبعد حدوث هاتين المرحلتين تظل الخلايا لمدة تختلف من عضو لآخر، وفي نهايتها تموت هذه الخلايا فيحدث ما يسمى بالموت الخلوي ،وهذه هي المرحلة الثالثة للموت. ويستنتج من هذا أنه من الممكن أن يتوقف قلب إنسان عن العمل ولكن خلاياه، أعني خلايا القلب تظل حية، ولذلك فإن موت هذا الإنسان ليس إلا موتا ظاهريا لا يمنع من إعادة القلب إلى عمله الطبيعي عن طريق استخدام أجهزة الإنعاش الصناعي. أما إذا مات المخ، بعد بضع دقائق من توقف القلب والرئتين، عن العمل فلا أمل، بحسب قدرة بني آدم وعلمهم، في إعادة الحياة إلى المخ وبالتالي الإنسان في مجموعه. لذلك استقر الطب الحديث على أن موت خلايا المخ الذي يؤدي إلى توقف المراكز العصبية العليا عن عملها هو معيار موت الإنسان موتا حقيقيا (116) ورغم حدوث الموت الحقيقي للإنسان فإن خلايا بعض أعضاء جسمه تظل حية لحين تدخل الموت الخلوي، ومن الممكن المحافظة على حياة هذه الأعضاء بتزويدها بالدم المحمل بالأكسجين وغيره أن من ضروريات الحياة عن طريق أجهزة الإنعاش الصناعي، وبهذا يمكن الاستفادة منها، ليس عند صاحبها فهو قد مات بموت المخ، ولكن عند غيره من الأحياء، وهكذا فإنه يكفي للتأكد من موت المعطى التحقق من موت جميع خلايا مخه ومن التوقف التلقائي للوظائف الأساسية للحياة، ولكن يمكن لأجهزة الإنعاش الصناعي أن تكفل بعد ذلك بقاء بعض خلايا جسمه حية. ولذلك فإن الاستقطاع الذي استوفى شروطه الأخرى، من إنسان تعدت حالته مرحلة موت المخ يكون جائزا شرعا، ولا يعد استقطاع القلب منه مثلا قتلا له.
    على، أن الطب الحديث الذي أحرز تقدما ملموساً في مسائل نقل الأعضاء البشرية ومن بينها كفالة حياة خلايا الجسم بعد، موت المخ عن طريق أجهزة الإنعاش الصناعي أثار مشاكل شرعية على مستوى آخر، تتعلق بالحدود التي يجوز فيها إطالة الحياة عند إنسان على وشك الموت فلنعالج هذه المسألة إذن.
    " المبحث الثالث "
    الحدود الشرعية للإنعاش الصناعي
    (29) نعتقد أن الحكم الشرعي للأعمال المستحدثة في مجال الطب والجراحة، فيما لو لم يرد نص شرعي صريح، يبحث عنه في ضوء الأهداف العامة للشرع، وبصفة خاصة حفظ النفس والعرض والعقل ، وقواعده العامة خاصة قاعدة تحصيل أعلى المصلحتين واعظم المفسدتين، ونحن نقدم هنا الإنعاش الصناعي كنموذج للأعمال الطبية التي يمكن أن يتأرجح حكمها بين الإباحة والتحريم بحسب ما إذا كان الهدف "منها حفظ حياة قائمة أو أطإلة موت ثابت. ولقد أثار الإنعاشالصناعي مشكلة دينية تتعلق بالقدرة على إعادة الحياة للموتى، فلقد قيل بأن هناك أشخاصا ماتوا وأعيدت لهم الحياة بوسائل طبية، وهو الأمر الذي يتعارض من الحقيقة العقائدية التي تقضي بأنه ليس في مقدور البشر إعادة الحياة لمن مات إلا إذا كان ذلك بمعجزة أنزلها الله بسلطان من عنده ولحكمة يراها، وحتى يتبين لنا وجه الحقيقة فيما شاع حول الإنعاشالصناعي فإنه يلزم تحديد صالة الإنسان الذي تستخدم عنده من حيث الحياة أو الموت.
    المطب الأول "
    ا لإنعاش الصناعي إطالة للحياة
    (30) لا تستغرق المدة بين توقف القلب والرئتين عن العمل (الموت الإكلينيكي) وبين موت المخ أكثر من بضع دقائق قليلة، وفي هذه المدة القصيرة يعد الإنسان فيها بين الأحياء (113) ويتعين من ثم إنقاذه، حتى لا تموت خلايا مخه.
    إذن فالغرض من استخدام أجهزة الإنعاش الصناعي في هذه الحالة هو إطالة حياة المريض، ولا يعد ذلك من قبيل
    إعادة الحياة إليه لأنه ما زال حيا في حكم الشرع حتى ولو كانت بعض مقومات حياته قد توقفت عن العمل التلقائي. فمن قربت نفسه من الزهوق ،له من الحرمة ما للإحياء منها بحيث يستحق من يتسبب في إزالة ما تبقى له من الحياة العقاب (118) ،مؤدى ذلك أنه إذا نفذ الطبيب التزامه الشرعي أو القانوني أو التعاقدي بتركيب أجهزة الإنعاش الصناعي لمريض، فلا يجوز له، قبل موت مخه، أن يفصل هذه الأجهزة والإتسبب في موت المريض موتا حقيقيا لا رجعة فيه (119) ولا يشفع للطبيب في فعلته هذه وجود أناس آخرين في نفس حالة المريض، في حاجة إلى أجهزة الإنعاش الصناعي لأن مبدأ التساوي بين الناس، معصومي الدم، يمنع التضحية بحياة إنسان لإنقاذ حياة أخرى(120)، كما أن الضرر لا يزال بمثله، والدليل على تساوي الناس في نظر الشرع، لافرق بين حياة أحدهم وحياة آخر(ا 12) أنه أوجب جزاء لا يختلف في نوعه أو مقداره (القصاص أو الدية) باختلاف المعتدى عليه، لان هذا الجزاء يقوم على ما لكل إنسان من حق في سلامة حياته وبدنه، وهو حق يستوي فيه الناس جميعا (122) وفي الحديث النبوي الشريف " " المسلمون تتكافأ دماؤهم، (109).
    (31) عن، أن مبدأ المساواة هذا بين حقوق الناس في الحياة، وإن كان يمنع الطبيب من حرمان إنسان من الأجهزة التي ركبت فعلا على جسمه ليضعها على جسم إنسان آخر في نفس حالة الإنسان الأولى، فإن الطبيب يجد نفسه في موقف لا يحسد عليه إذا وجد أمامه أكثر من إنسان في النزع الأخير وهو لا يملك إلا جهازا واحداً أو أجهزة بعدد قليل لا يكفيهم، فهنا إذا تساوت المصالح فإن الطبيب مخول، طبقا للقواعد الكلية، بالتخير في التقديم ،التأخير بشرط أن يقوم اختياره على معايير موضوعية واعتبارات اجتماعية تتصل بمدى نفع الشخص للمجتمع وبمدى إمكان إنقاذ حياته، وليس على اعتبارات شخصية تعتمد على المال أو النسب أو السلطة ذلك أنه إذا كانت المزايا التي يخولها الحق في الحياة بالنسبة للإنسان لا تختلف من إنسان لآخر، فإنها تختلف مع ذلك في منفعتها للجماعة (123). فالمصالح هنا متساوية على المستوى الفردي ولكنها متفاوتة على المستوى الاجتماعي والواجب، طبقا للقاعدة الكلية، تحصيل أعلى المصلحتين. ومن المناسب ألا يوكل الاختيار المشار إليه إلى فرد واحد بل ينبغي أن يتخذ القرار بواسطة فريق طبي.
    " المطلب الثاني "
    " الإنعاش الصناعي إطالة للموت "
    (32) في مراكز الرعاية المركزة، حيث لا تكفي الأعداد المتوفرة من هذه الأجهزة باحتياجات المرضى، يقف الأطباء "في حيرة بين حالتين: حالة تحتكر الجهاز لا لسبب إلا لتأجيل إعلان الموت، وحالة في حاجة إلى الجهاز لإنقاذ
    حياتها ولا تجده " ويهمنا هنا أن نبين من جهة أن الحياة الصناعية التي يحياها المريض، الذي ماتت خلايا مخه ليست إحياء للموتى، ومن جهة أخرى أن إيقاف أجهزة الإنعاش الصناعي في هذه الحالة، يعد أمرا جائزا في الشرع والقانون.
    أولا: هل الإنعاش الصناعي إحياء للموتى؟
    (33) سبق أن بينا أن إعادة القلب والرئتين إلى عملهما، وقبل حدوث موت المخ، لا يعد إعادة الحياة للموتى. (فذلك لا يعد من قبيل العودة للحياة بعد الموت استيقاظ الإنسان من الغيبوبة العميقة (120) حيث يتوقف المخ عن عمله رغم أن خلاياه مازالت حية. أما إذا ماتت خلايا المخ فإن صاحبه يفقد كل الصفات التي تتميز بها الحياة الإنسانية الطبيعية ويعد في حكم الموتى طبيا وشرعياً، وليس في مقدور بشر، بعد ذلك، أن يعيد الحياة الطبيعية إليه. وإذا كانت أجهزة الإنعاش الصناعي لا تكفل في هذه الحالة الأخيرة إلا الحياة الصناعية لبعض خلايا الجسم فلا يصح القول بأنها تعيد الحياة إلى الموتى.
    ونظراً إلى أن مثل هذا القول يتعارض مع الأسس التي تقوم عليها الأحكام العقائدية في الشرع فلقد ذهب البعض ( 126) إلى أن الموت الحقيقي، الذي لا رجعة إلى الحياة من بعده، لا يتحقق بتوقف أجهزة الجسم عن عملها، لكن بموتها وتحللها إلى عناصرها الأولية. وفي اعتقادي أن الموت الحقيقي للإنسان يتحقق في وقت يسبق تحلل جسمه إلى التراب كما أنه ليس في مقدور بني آدم حتى في هذه الحالة إعادة الحياة للموتى. بيان ذلك أن الموت الحقيقي، بحسب ما استقر عليه الطب الحديث، يتحقق بموت المخ والتوقف التلقائي لأجهزة الجسم التي تقوم بالوظائف الأساسية للحياة (المراكز العصبية العليا والقلب والرئتين) وهو أمر يسبق بمدة قصيرة تحلل الجسم إلى عناصره الأولى. والقول بأن الموت الحقيقي للإنسان يتجسد في تحلل خلاياه إلى عناصره الأولى هو قول يخالف الواقع لانه أمكن حفظ الجثث من التحلل، على مدى ألوف السنين عن طريق التحنيط مع أن صاحب الجثة قد مات موتا حقيقيا، ويمكن أن يستفاد حدوث الموت الحقيقي للإنسان قبل تحلل جسمه إلى عناصره الأولي من قوله تعالي : (أيعدكم أنكم إذا متم وكنتم ترابا وعظاما أنكم مخرجون) (23/ 35) (27 1). فالعطف الوارد في الآية الكريمة يفيد المغايرة أو على الأقل يفيد أن تحلل الجسم إلى التراب ما هو إلا نتيجة للموت الذي حدث من قبل
    (128) ويؤيد بأني قولنا أن الموت الحقيقي للإنسان في نظر الشرع إنما يتجسد في موت الجهاز الذي يعتمد عليه عمل المراكز العصبية العليا في التنسيق بين وظائف أجهزة الجسم، أن القرآن الكريم يعبر عن جملة الوجود الجسدي للإنسان
    بالإشارة إلى هذه المراكز، ونجد هذا في قوله تعالى"وإذا أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم " (129) والمقصود بالظهور في الآية الكريمة العمود الفقري لهيكل الإنسان الذي هو قوام بنيته ومركز النخاع الشوكي الذي يتحكم في حياة الإنسان بتوجيه من المخ (130).
    (34) فإذ مات الإنسان موتا حقيقيا، بموت خلايا مخه، فإن القول بإعادة الحياة إليه عن طريق الإنعاش الصناعي، فضلاً عن أنه يخالف الواقع لأنه لا يعيد خلايا المخ إلى الحياة، يخالف الحقيقة العقائدية التي تقضي بأن الإحياء والاماته إنما هي من الأفعال التي لا يشارك أحد فيها الله تعالى (131) (أنا نحن خفي الموتى) ( 36/12) (32 1).
    ومن المنكرات أن يدعي العبد لنفسه ما هو من اختصاص الله تعالى ( 133 ) الذي يستطيع هو وحده أن يميت الإنسان، ويعيده للحياة ليس فقط في الآخرة (134) ولكن أيضا في هذه الحياة الدنيا ذاتها (ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم) (243/2) (135). فحقيقة منح الحياة وسلبها وإعادتها هي سنه كونية خفية لا يملك الإنسان منها شيئا (136): (ولا يملكون موتا ولا حياة ولا نشورا) (25/3) (137)، إلا ما أذن الله تعالى (138)، كما أن إعادة الحياة للموتى تعتبر خارقة، كخارقة الحياة الأولى،وهي بيد الله وحده الإ ما أذن الله (139)، كمعجزة تثبت وجوده (140). فإذا قضى الله، بحكمته، بموت إنسان، فليس في مقدور أحد أن يؤخر قضاءه. (ولن يؤخر الله نفساً إذا جاء أجلها) (63 / ا ا) (141). ولن يستطيع أحد من الخلق أن يمنع قضاء الله ويعيد الحياة لمن أماته: (فادرؤوا عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين (3/ 168) (142).
    إذا كان من المستحيل بالنسبة لبني آدم إعادة الحياة لمن ماتت خلايا مخه (إن أجل الله إذا جاء لا يؤخر لو كنتم تعلمون) 71/4) (143) فهنا يحق لنا أن نتساءل عن فائدة تركيب أجهزة الإنعاش الصناعي على جثته، وبالتالي عن مدي، شرعية إيقاف عمل هذه الأجهزة.
    ثانيا : هل إيقاف أجهزة الإنعاش الصناعي جائز شرعا ؟ : ـ
    (35) إذا كان الشارع قد أباح العمل الطبي والجراحي لأنه يحفظ مصالح راجحة اجتماعية تتمثل في المحافظة على الحياة وصيانة الصحة، فإن علة الإباحة تزول متى زالت الحياة التي تتوفر لها صفات الحياة الإنسانية، ويتعين من ثم التوقف في العمل. وهذا الأمر يصدق على العمل الطي المتمثل في الإنعاش الصناعي لإنسان ثبت موت مخه رغم تمتعه بحياة صناعية. وبينما يعتبر علم الطب أن مثل هذا الإنسان قد مات فان الفقه ، والقانون لا يعتبران إنسانا ما قد مات طالما قلبه ينبض، ويلزم لاعتباره ميتا اتخاذ إجراءات معينة كتحرير شهادة الوفاة بعد توقف قلبه عن النبض تلقائيا. وإذا كان الفقه والقانون يبدوان هكذا متخلفين عن ركب الإمكانيات الحديثة للطب فإن ذلك يرجع إلى تمسكهـا بحماية حقوق الإنسان إلى أبعد مدى في مواجهة هذه الإمكانات التي لا تخلو، على الرغم من مزاياها التي لا تنكر، من مضار.
    إن الصعوبة الشرعية والقانونية تكمن فيما إذا كان الفرد الذي توقف مخه عن العمل بصفة نهائية لموت خلاياه يمكن
    اعتباره شخصا مكلفا بالأحكام الشرعية حين يقف الفقه والقانون بجواره لحمايته، أو أنه لا يعدو أن يكون مجموعة من الأعضاء والخلايا المجردة من كل إرادة إنسانية والتي لا عمل لها في جسم صاحبها ولاتحظي من ثم بحماية الفقه والقانون. ولعله مما يساعد على تذليل هذه الصعوبة ويؤدي إلى وضوح الرؤية أن نفصل، بالنسبة للميئوس من حياته، بين الحياة العضوية والحياة الإنسانية، وهذه الأخيرة هي التي تجعل الحياة الأولى نافعة للإنسان والمجتمع، فإذا انتهت الحياة الإنسانية تلقائيا فهل يكون من الجائز في الشرع والقانون إنهاء الحياة العضوية؟
    تتضمن الحدود الشرعية والقانونية للإنعاش الصناعي من ناحية الكشف عن حكم إيقافه بالنسبة لمن تجردت حياته
    عن 3 صفاتها الإنسانية ومن ناحية أخرى وضع قيود تمنع من حرمان المريض مما تبقى له من حياة إنسانية.
    1- حكم إيقاف أجهزة الإنعاش الصناعي:
    (36) إذا استحال عودة الوظائف الأساسية للحياة تلقائيا بعد توقفها بسبب توقف عمل المركز العصبية العليا بعد موت المخ، فهل يتمتع من وصلت حالته إلى هذا المستوى بحياة إنسانية جديرة بالحماية؟
    حكم الحياة الإنسانية أي مقوماتها التي تميزها عن غيرها، هو الإدراك والشعور والقدرة على الاتصال بالعالم الخارجي والتعامل معه (144). ولا شك أن من مات مخه (145)، لا يستطيع أن يتحكم في تعاملة مع العالم الخارجي، وتزول من ثم حياته الإنسانية ويصبح في حكم الأموات. ولما كان الإنعاش الصناعي لا يعيد للحياة الإنسانية مقوماتها، الإدراك والشعور والقدرة على الاتصال بالعالم الخارجي، بعد أن ماتت خلايا المخ للإنسان، فلا يعد إيقاف عملهـا حرمانا له من حياة إنسانية بعد أن فقدها من قبل، والمفروض أن لا يعد فعله هذا أيضا جريمة قتل في حكم الشرع والقانون لأن هذه الجريمة لا تقع إلا في محل هو حي بحسب تعبير الفقهاء (126) أو في عبارة أخرى لأن جريمة القتل تفترض وجود حياة إنسانية طبيعية. فإذا ثبت أن الاعتداء وقع على إنسان ميت فإن فاعله لا يعد قاتلا، ولا يعاقب، بعقوبات الاعتداء على الحياة (147) كذلك فإن الطبيب، الذي اقتنع بأنه يتعامل مع جثة، مطالب بالا ينسى، في كفاحه ضد الموت، الاحترام الواجب للموت، فإذا كان الإنسان قد فقد علاقاته مع العالم الخارجي فأي قيمة لحياة لم تعد موجودة. أن احترام الموت واحترام حياة الأقارب وحرمة الطب ذاته هي أمور تقضى الانحناء أمام ما هو قائم فعلا (ما أصاب من مصيية في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم) (57/22) (148) فإذا ترك الطبيب أجهزة الإنعاش الصناعي تعمل على جثة المريض ، بعد ذلك فإنه لا يفعل أكثر من إطالة الحياة العضوية بطريقة صناعية قد هجرتها إلى غير رجعة، الحياة الأنسانية( 149 ) أو إطالة احتضاره، وهذا ضرب من العبث طالما أنه لا فائدة لأحد، يجب أن يتنزه عنه الطب ويتعين من ثم فصل أجهزة الإنعاش عن الجثة لاستخدامها عند الأحياء، فهذا هو ما يقضى به القانون، الإنساني الذي يعطي الأولوية. لصالح الأحياء (150). ومن المفترض أن المريض الذي فقد حياته الإنسانية، ما كان ليريد أن يكون طريقه إلى الموت مطربا مليئاً بالعقبات (151). لذلك فمن حق الأسرة أن تطلب إلى الطبيب إيقاف أجهزة الإنعاش الصناعي، كما أن من حق الطبيب أن يوقف عملها وهذا ما يمليه عليه واجبه الإنساني. ويجب ألا ننسى أن للطبيب، بصفة خاصة إذا كان يعمل كل من مرفق عام دوراً اجتماعيا يقوم به إلى جوار دوره في إنقاذ المرضى.
    (37) إذا كان لا صعوبة في القول بأن إيقاف أجهزة الإنعاش الصناعي يعد قتلا، إذا تم قبل موت مخ المريض وأنه على العكس لا يعد قتلا إذا كان تركيب هذه الأجهزة قد تم بعد موت مخ المريض فحياته هنا كانت غير متحققة، فإن الصعوبة الحقيقية توجد في حالة ما إذا كانت هذه الأجهزة قد علقت على المريض قبل موت مخه، فحياته هنا كانت متحققة، وأوقفت عن العمل بعد ثبوت موت مخه. فالمريض في هذه الحالة وان كان قد فقد الحياة في رأي الطب إلا أنه ما زال يتمتع بها في نظر الفقه والقانون طالما لم تتخذ الإجراءات الرسمية لإعلان وفاته (152) 0
    إن واجب الطبيب في مفهوم الفقه والقانون، يكمن في المحافظة على الحياة أو ما تبقى منهـا وليس في إطفاء شعلة
    الحياة التي تظل جذوتها قائمة، في نظريهما، لحين إعلان الوفاة رسمياً فإذا كان الطبيب قد تدخل قبل موت المريض، لإنقاذه كالتزام وقع في ذمته بحكم الشرع أو القانون أو العقد، فلا يجوز له أن يتحلل من التزامه هذا بإرادته المنفردة لمجرد اقتناعه بحدوث الموت الذي لا رجعة فيه. فتشبث الفقه والقانون بحماية الحياة الإنسانية أدى
    بهما إلى عدم التسليم بالموت إلا باتخاذ إجراءات رسمية تلي ثبوت الموت الحقيقي عند الطبيب، وإذا كان لموقف
    الفقه والقانون هذا آثاره الحميدة في حماية الحياة الإنسانية، حتى في الأحوال التي يشك في وجودها، فأنه يرتب
    أثاراً إنسانية وهي الآلام النفسية لدى الأقارب، وأخرى اقتصادية وهي تعطيل الأجهزة القليلة العدد فيما لا طائل
    منه، يجب وضع حد لها تنتهي عنده بنهاية الحياة الإنسانية لذلك فإن التوفيق بين حماية حق الإنسان في الحياة وبين حقوق الآخرين ومنهم أسرة المريض والمجتمع، يقتضي وضع نظام تراعى في أركانه تغليب مصلحة الأحياء.
    2- الضمانات الواجب توافرها في قرار إيقاف الحياة الصناعية:
    (38) لا شك في أن هناك مصالح متعددة يمكن أن تتأثر بإيقاف أجهزة الإنعاش الصناعي القليلة العدد، فهناك مصلحة المريض المعلقة عليه هذه الأجهزة في المحافظة على حياته أو على مابقي منها ومصلحة غيره من المرضى الأحياء الذين تقتضي المحافظة على حياتهم تركيب هذه الأجهزة على أجسامهم. ولقد سبق أن رأينا كيفية حل التنازع بين هذه المصالح إذا كان المريض لم يفقد اتصاله بالعالم الخارجي. أما إذا فقد المريض وعيه إلى غير رجعه بموت خلايا مخه فهنا تجتمع في عمل واحد وهو إيقاف الإنعاش الصناعي، مصالح، ومفاسد، مصالح غيره من، المرضى الأحياء ومفسدة حرمان المريض من حياة عضوية صناعية مجردة من كل معني إنساني، وبالتالي حرمان أهله من الأمل في عودته لحالته الطبيعية، ونحن نعلم أنه إذا تعذر تحصيل المصالح ودرء المفاسد جميعا فإنه يجب، طبقا للقواعد الكلية، تقديم المصلحة إن كانت أعظم من المفسدة، ولا شك أن مصلحة إنقاذ الأحياء أعظم من مفسدة حرمان مريض من مجرد حياته العضوية الصناعية، كما أن مصلحة الأحياء في المحافظة على حياتهم الطبيعية أو لى من مصلحة مريض في المحافظة على حياته الصناعية.
    (139) ونظرا لخطورة مركز القائم على ترجيح كفتي ميزان المقارنة بين المصالح فإننا نقترح هنا نظاما لا فيلف الشرع والقانون ويبعد كل شبهة عن قرار إيقاف أجهزة الإنعاش الصناعي عن مريض ثبت طببا موته موتا طبيعيا وحقيقيا بموت. خلايا مخه.
    ويتلخص هذا النظام في أن الطبيب لا يجوز له أن يقنع برأيه الفردي بعدم إمكان عودة المريض للحياة الطبيعية، بل يعهد "مثل هذا الأمر على فريق طبي متخصص. فإذا ثبت لدى هذا الفريق أنه لا أمل في عودة الحياة الطبيعية للمريض، فإنه يستأذن جهة رسمية في إيقاف أجهزة الإنعاش الصناعي وهذه الجهة الرسمية لن توافق على تنفيذ قرار إيقاف هذه الأجهزة إلا بعد اتخاذ إجراء لإعلان الوفاة كتحرير محضر أو شهادة الوفاة وموافقة الأسرة على هذا الإيقاف فإذا أوقف الطبيب أجهزة الإنعاش تنفيذا للقرار المصدق عليه المستوفى لشروطه فإن هذا الإجراء يكون سليما من الناحية الشرعية والقانونية ولا يؤاخذ عليه الطبيب.
    كان هذا مجرد اقتراح، قد يكون صائبا وقد لا يكون، استهدفت به التوفيق بين المصالح المتزاحمة في هذا المجال، ورعاية منا لمصالح الأحياء دون إهدار للمصالح التي تتعلق بالمريض المركبة عليه أجهزة الإنعاش .
    (40) ونود في النهاية أن نقول إن صراع الإنسان ضد الموت يجب ألا ينسيه الحقيقة الازكية وهي أن هذه الحياة الدنيا إنما هي دار عبور، وهي لا بد إلى فناء ولا يبقى إلا وجه ربك ذي الجلال والإكرام: (بل تؤثرون الحياة الدنيا، والآخرة خير وأبقى) (87/16) ولو أدرك الإنسان عن عمق واستنارة هذه الحقيقية لاقتنع بأن للعلم وبالتالي الطب، حدوداً يجب ألا يتعداها، ولتبين أن الأولى، عند اليأس من الحياة أن يكون نافعاً للناس حتى في مماته، وأن هذه وسيلة لخلوده في الآخرة- وليعلم من سلك سبيل الطب أن لله سننه في خلقه " وفي موتهم: (والله خلقكم من تراب ثم من نطفة ثم جعلكم أزواجاً وما تحمل من أنثى ولا تضع الا بعلمه وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره إلا في كتاب إن ذلك على الله يسير) (35/ 11) (154).
    ا لخاتمة "
    (41 ) لقد كان للاكتشافات العلمية في مجال الطب والجراحة وقع القنابل في عالم تسوده المبإديء التقليدية التي ترى أن. حرمة النفس والجسم والجثة هي أحد الأركان الأساسية للنظام الشرعي والقانون السائد. هذه الأكتشافات ، التي لو تركت بدون ضابط فإنها ستؤدي إلى تغيير الأعراف والأفكار بل الأخلاق، يجب أن يتسلح الفقهاء لمواجهتها بحكمها الشرعي حتى لا تتعدى حدودها فتصطدم بسنة الله (ولن تجد لسنة الله تبديلا) (48 /23) ،"(ه ه ا) إن الفقه مطالب بالبحث عن أحكام مستحدثات الطب في الشريعة حتى لا نكون تابعين حتى في هذه الأحكام.
    وإذا كان يطلب من الفقه والقانون أن يراعيا الامكانيات الحديثة للطب والبيولوجيا في وضع احكامها، فإن ذلك
    مقيد بعدم التعارض مع كليات الشريعة وبقدر ماتحفظه هذه الامكانيات من مصالح جديرة بالرعاية، والا فإن للاكتشافات. الحديثة للعلوم البيولوجية والطبية استعمالات لا فائدة منها بل إنها قد تكون مضرة. أن قواعد الشريعة على سعتها وترحيبها بكل تقدم علمي لمصلحة البشرية لا يمكن أن ترضخ للامكانيات الحديثة للعلوم، لان الشرع يحيط بعلمه وبأحكامه ، كل شيء، في حين أن العلم لا يمكن ان يتسع لاراك عواقب اكتشافاته (يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولايحيطون بشىء من علمه إلا بما شاء وسع كرسيه السموات والأرض) (2/ 255) (156).
    وإزاء طرقات العلم، المفيده منها والضارة، على أبواب الفقه والقانون فإن الفقيه يجد نفسه أمام طريقين متقابلين الأول طريق اليقين طريق الله الخالق العالم بمن خلقه، والثاني طريق العلم والتجارب وهو طريق لا يتسم بالثبات أو باليقين. وليس معنى اختيار الفقيه للطريق الأول أنه يرفض سلوك الطريق الثاني، ولكن معناه أنه لا يأخذ من العلم مايحفظ مصالح راجحة في الشرع، فحيث توجد المصلحة فثم شرع الله إنما يجب على الفقيه، وهو بصدد بيان الحدود الشرعية لمكتسبات العلوم ألا يقيد نفسه باجتهادات فقهية تقليدية صدرت في عصر لم يكن يعي بعد الكنوز التي اكشفها العقل البشري في العصر الحديث.
    فلكل حدث جديد فقه جديد يستند إلى أصول الشريعة ذاتها الواردة في القرآن والسنة، فالأحكام الفقهية، التي هي مجرد اجتهادات وتفسيرات لما أجمل في القرآن والسنة تتغير بتغير الزمان ولا يبقى ثابتا الا أصول الشريعة الواردة في القرآن والسنة. لذلك فإن المعيار الذي استندنا إليه في البحث عن الحكم الشرعي للانجازات الطبية الحديثة هو مدى "اتفاق هذه الإنجازات مع كليات وأصول الشريعة، بينما يقتصر دور، الفروع والاجتهادات الفقهية على تحديد الاطار الشرعي الذي يجب ان تبحث فيه المسألة.
    (42) ومن المهم أن أبرز هنا أحد الدروس المستفادة من هذا البحث إلا وهو انه لما كان الحكم الفقهي يجب أن يبنى على معلومات علمية صحيحة، فمن الضروري أن تتضافر جهود علمائنا المتخصصين في العلوم الكونية والشرعية
    للكشف عن حكم الشرع في دقائق العلم الحديث.
    وأحب أن أشير أخيرا، إلى أن أهمية البحث عن الحكم الشرعي للإنجازات الحديثة للطب لا تقتصر على نطاق العلوم الشرعية، ولكنها تتعدى ذلك إلى مجال علوم القانون الوضعي، ففي كل مرة يثبت فيها حكم الإباحة لعمل من الأعمال الطبية أو الجراحية ، إذا استوفى عدة شروط، فان الطبيب الذي يمارسه إنما يستعمل حقا له، ولا يجوز بعد ذلك مساءلته عنه.
    وتظهر أهمية هذه النتيجة في القوانين الوضعية التي تجعل من الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع الوضعي،فما تعتبر حقا في الشريعة يجب أن يعتبره التشريع أيضا حقا
     
  8.   مشاركة رقم : 5    ‏2001-08-15
  9. د/جمال باصهي

    د/جمال باصهي مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2001-07-20
    المشاركات:
    157
    الإعجاب :
    0
    موقف الإسلام من الاستنساخ

    موقف الإسلام من الاستنساخ

    كان الإعلان عن نجاح تجربة استنساخ النعجة التي أطلق عليها اسم " دوللي " صدى بعيد في جميع أرجاء العالم على مختلف المستويات العلمية والدينية والشعبية ، وكان هذا في الواقع حدثا خطيرا مثيرا للجدل والنقاش وللعديد من التساؤلات في أوساط الخبراء والعامة على حد سوء ولا يزال كثير من المهتمين بمتابعة هذا الحدث يتساءلون عن ماهية وحقيقة الاستنساخ وكيف يحدث؟ وما هي الفوائد التي يمكن أن تعود على البشر من نتائج البحث العلمي في هذا المجال ؟ وهل سيقدم العلماء على مغامرة البحوث المؤدية إلى استنساخ البشر ؟ وما مدى إمكان تحقيق ذلك في المستقبل القريب أو البعيد؟ وما موقف العلماء والخبراء لاسيما علماء الدين والقانون ورجال الحكم والسياسة في هذا الصدد ؟ وما هي الآثار المتوقعة في مختلف جوانب الحياة الإنسانية ؟ وهل سيفلت الزمام من يد الإنسان بفعل الإنسان نفسه ؟

    هذه التساؤلات وغيرها تنم عن مشاعر القلق والخوف من الغيب المجهول بسبب تطور البحث العلمي ونجاحه في استنساخ النعجة المذكورة ،لأن المتبادر إلى الذهن بداهة أن الإنسان يمارس البحثي العلمي في شتى المجالات سعيا وراء الوصول إلى نتائج تسخر لخدمة الإنسان ، وتحسين مستوى معيشته ، وأسلوب حياته ، وهذا أمر مفروغ منه وغير قابل للجدل ، فجميع الاكتشافات والاختراعات في مجالات الزراعة والصناعة والطب والعلاج وغيرها تؤكد ذلك

    ومن هنا نجد أن اتجاه الإنسان إلى البحث العلمي كان ولا يزال يستهدف خدمة الإنسان وهذا هو المسار الطبيعي لتطور العلم ، وتقدم البحوث العلمية ، والتواصل إلى التقنيات الحديثة المتقدمة التي حولت العالم إلى قرية صغيرة على حد التعبير الشائع المعروف . فإذا حاول الإنسان أن ينحرف عن هذا المسار الطبيعي ليمارس أبحاثا تكون نتائجها شرا ووبالا على جميع البشر فتلك هي الطامة الكبرى ، ولعلها إذن تكون بداية النهاية ، ونذير الفناء المرور لسكان الأرض قاطبة

    الإسلام يشجع البحث العلمي

    كلنا نعرف أن الإسلام يحترم العقل ويدعو إلى العلم والمعرفة ، ويشجع البحث العلمي في شتى المجالات ، في إطار مقاييس وضوابط تضمن الحفاظ على القيم السامية والمبادئ النبيلة التي تليق بكرامة الإنسان ، وتاريخ الحضارة الإسلامية حافل بالرواد العظام من العلماء والباحثين والمفكرين الذين أسهموا بقسط وافر في تطور الحضارة الإنسانية ، وكانت إنجازاتهم هي القاعدة العريضة الراسخة التي قامت عليها البحوث العلمية الحديثة في الشرق والغرب

    فالإسلام إذن يرعى العلم ويكرم العلماء تقديرا للدور العظيم الذي يقومون به -عن طريق العلم - لخدمة الإنسانية وتقدم الحياة . والنصوص الواردة في هذا الصدد من القران الكريم والسنة المطهرة كثيرة معروفة ومنها ( شهد الله أنه لا اله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قائما بالقسط لا اله إلا هو العزيز الحكيم ) ( أل عمران 18 ) فقد جعل الله العلماء مع الملائكة ، وفي حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم " فضل العالم على العابد كفضلى على أدناكم ، والعلم المقصود هنا هو العلم الذي يسخر لصالح البشر ، لان الله سبحانه وتعالى أراد الإنسان فقط أن يكون هو المستخلف في هذه الأرض لعمارتها وإسعاد البشر جميعا ، وتحقيق ذلك يكون عن طريق العلم الذي يقدر عظمة الله سبحانه وتعالى ، ويسير طبقا للقوانين والنواميس التي أرادها الله سبحانه وتعالى ، فهو العلم القائم على الإيمان الراسخ والعقيدة الصحيحة والأخلاق الفاضلة ويستهدف نفع البشرية

    إن الله سبحانه وتعالى خلق الإنسان ، ثم سواه ونفخ فيه من روحه ، ثم خلق الجنس الآخر وهو المرأة ، ثم أراد لهذا النظام - نظام الزواج - أن يكون بطريقة التناسل ، وهو الطريق الطبيعي " ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون " ( الروم 21) وقد أدى انحراف الناس ، وبعدهم عن هذا النظام إلى انحلال الاجتماعي ، وكثرة القتل ، والسفاح ، وتفشي الأمراض الفتاكة ، ومن هنا كان على خبراء البحث العلمي من المسلمين وعلماء الدين الإسلامي عقيدة وشريعة ونظاما شاملا لمختلف شؤون حياة البشر أن يكون لهم موقف واضح من نتائج البحث العلمي الذي توصل إلى استنساخ النعجة " دوللي " والآثار المترتبة عليه ، والتطورات المتوقعة في المستقبل القريب والبعيد ، وذلك من منطلق الحرص على أن يظل البحث العلمي ماضيا في مساره الطبيعي الذي أشرنا إليه ، ومسخرا لخدمة البشر ، ومحافظا على المبادئ السامية والقيم الرفيعة التي أقرها الإسلام والأديان السماوية الأخرى

    أهداف العلم السليم

    لا تعارض إذن بين الإسلام والعلم السليم الذي يستكشف أسرار الكون وأسرار الحياة ، ويجعلها ننظر إلى الكون ونقول ما أبدع صنع الله الذي أتقن كل شيء ، فالعلم السليم يدعو للإيمان ، والعالم الحقيقي إنسان مؤمن يدرك عظمة الله وقدرته من وراء أبحاثه العلمية والمشكلة ليست في العلم ذاته وإنما في الأخلاقيات والضوابط التي تحكم البحث العلمي واستخدام نتائجه وإنجازاته ، والاستنساخ يتعارض مع سنن الله في الخلق والتناسل ، حيث يؤدي إلى الإخلال بالعلاقة بين الرجل والمرأة ، ويلغي دور الأسرة لأن هذا المستنسخ ليس له أب أو أم ولا يشعر بالانتماء لأسرة ، كما أن الاستنساخ يلغي غريزة الأبوة والأمومة وفيه خلط الأنساب ، وفيه طفل ينسب إلى أمه فقط وليس إلى أبيه ، وبذلك يفتح باب الفوضى الاجتماعية على مصراعيه ، ويؤدي إلى أوضاع لا تنفع معها النظم والقوانين القائمة في العالم المعاصر ، وهذا يتعارض مع الشرائع السماوية والقوانين والنظم الوضعية ، مع أهداف العلم السليم الذي يجب أن يستخدم لخير البشرية وإسعاد الإنسان ودعم الإيمان

    ندوات علمية

    ولقد كان رد الفعل المبدئي لإعلان خبر الاستنساخ النعجة دوللي التي حظيت بتغطية إعلامية ربما لم يحض بها حيوان آخر من قبل - أن بادرت بعض الهيئات المعنية بعقد ندوات علمية في القاهرة والكويت وقطر والدار البيضاء وجدة في الفترة من مارس إلى يوليو 1997 م واشترك فيها عدد من الخبراء البارزين في مجال الطب والهندسة الوراثية والاجتماع والشريعة الإسلامية وغيرها ودارت مناقشات مستفيضة حول بعض جوانب القضية بصفة عاجلة لمحاولة التعرف على الآثار المتوقعة من احتمال الإقدام على ممارسة الاستنساخ بالنسبة للإنسان ، وما يمكن أن تنطوي عليه من أخطار جسيمة ، مما دعا بعض الدول الغربية إلى منع التجارب البشرية أو تجميدها سنوات حتى تتم الدراسات المطلوبة ، ويتم وضع الضوابط الشرعية والقانونية والأخلاقية الكفيلة بمنع حدوث أي تطورات أو استخدامات تصطدم بالمقررات الدينية والنظم الثابتة للحياة،وأوضحت تلك الندوات أن من بين الآثار الخطيرة المتوقعة نتيجة استنساخ البشر - العدوان على ذاتية الفرد ومميزاته وخصوصياته وخلخلة الهيكل الاجتماعي المستقر ، ونسف أسس الأنساب والقرابات وصلات الأرحام والكيان الأسري المتعارف عليه في الشريعة الإسلامية والأديان السماوية الأخرى ، والذي يعتبر أساسا سليما لتكوين المجتمع ، وتحديد العلاقات بين أفراده ،وما يترتب على ذلك من حقوق وواجبات وفقا للأحكام الشرعية المقررة بالنسبة للقرابات ، والزواج ، والمواريث ، والمسؤولية والجزاء ، والشؤون المدنية والجنائية ، بالإضافة إلى طائفة من الأحكام العقائدية الافتراضية التي لا نهاية لها

    فوضى مطلقة

    إذا أمكن تطبيق الاستنساخ عمليا علي الإنسان ، فإن النسخ التي تنشأ عن ذلك ستكون متشابهة تماما ، مما يؤدي إلى عدم إمكان تحديد الهوية الشخصية ، وضياع المسؤولية القانونية في مختلف المعاملات والممارسات ، وخاصة عن ارتكاب الجرائم ، وهذا يعني شيوع الفوضى المطلقة في الحياة البشرية كما أن الاستنساخ يؤدي إلى ضياع الأنساب ، وتفويض دعائم الأسرة التي تعتبر الوحدة الأساسية للكيان الاجتماعي . ومن ثم فإن استنساخ البشر يتعارض تماما مع أصول الشريعة الإسلامية وقواعدها المقررة للتناسل والتكاثر بطريق الزواج الشرعي المعروف بشروطه وحدوده ونظامه ، كما يتعارض مع النصوص المتعلقة بحفظ الأنساب، مثل قوله تعالى " أدعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله ( الأحزاب 5) وقوله " إن أمهاتهم إلا اللائي ولدنهم ( المجادلة 2) فالأسرة المتكاملة فيها أب وأم ونسل . والمسؤولية القانونية جنائية كانت أم غير جنائية تقع على الشخص الفاعل نفسه، وهو الذي يتحمل عاقبة أمره فحين تتشابه النسخ البشرية يتعذر تحديد المسؤولية ومعرفة صاحب الشأن وواضح أن هذا يتعارض مع النصوص الصريحة كما في قوله تعالى كل نفس بما كسبت رهينة " المدثر 38 قوله "ولا تزر وازرة وزر أخرى "الأنعام 164 بل بتعارض مع القوانين الوضعية أيضا

    كرامة الإنسان

    والاستنساخ يؤدي إلى امتهان كرامة الإنسان والى تشويه خلقه وصورته وقد كرم الله سبحانه وتعالى الإنسان وخلقه في احسن تقويم ولعد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا الإسراء 70 وقوله لقد خلقنا الإنسان في احسن تقويم ( التين 4 ) وقد اعتبر التشويه والتغيير في خلق الله من عمل الشيطان ، كما وصف القران ذلك على لسان الشيطان " إن يدعون من دونه إلا إناثا وإن يدعون إلا شيطانا مريدا ، لعنه الله وقال لاتخذن من عبادك نصيبا مفروضا ، ولأضلهم ولأمنيهم ولأمرنهم فليبتكن آذان الأنعام ولآمرنهم فليغيرن خلق الله ومن يتخذ الشيطان وليا من دون الله فقد خسر خسرانا مبينا

    سنن الله

    وتغيير خلق الله يعني تغيير المنهج والسلوك والنظام الاجتماعي المقرر وفقا لسنن لله ونواميسه في الخلق والحياة وحدوث مثل هذا التغيير يؤدي إلى فساد كبير

    ولقد حذر الله سبحانه الإنسان من تجاوز حدوده ، وبين أن الخلق بيد الله سبحانه وتعالى وحده ، وتحدى القران الكريم الناس في ذلك " يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له ،إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له ، وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه ، ضعف الطالب والمطلوب ( الحج 73) هذا خلق الله فأروني ماذا خلق الذين من دونه بل الظالمون في ضلال مبين لقمان :11

    ولقد حرص الإسلام على صيانة فطرة الإنسان سوية مستقيمة من خلال المحافظة على المقاصد الكلية الخمسة - التي ألا تستقيم الحياة بدونها - وهي حفظ النفس والعقل والدين والمال والنسل ، فإذا حدث إخلال بواحدة منها فسدت الحياة . وقضية استنساخ البشر فيها اعتداء على بعض هذه الكليات الأساسية الضرورية للمجتمع كما ذكرنا ، وتتعارض مع الأدلة العقلية والنقلية والمبادئ والقوانين والمقومات الأساسية في حياة الإنسان ، كما تتعارض مع سنن الله في الخلق ونظام الحياة القائم على تباين المخلوقات واختلافهم في الشكل واللون وكثير من الصفات والمميزات الدقيقة كقوله تعالى " من آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم " الروم 22 كما أن من سنن الله خلق الكون كله أزواجا بما في ذلك النبات والحيوان والإنسان كما قال تعالى " ولله خلقكم من تراب ثم من نطفة ثم جعلكم أزواجا " ( فاطر :11 ) وفي آية أخرى " وخلقناكم أزواجا " ( النبأ :8) وقال أيضا " ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون " ( الذريات49) ووجه الله أمره لنبيه نوح عليه السلام قائلا :" احمل فيها من كل زوجين اثنين " ( هود 40) ومحاولة إبطال قاعدة الزوجية في الكون والحياة تعتبر مخالفة لسنن الله وتؤدي إلى تدمير الحياة ، ومن سنن الله أن يجعل أساس بناء المجتمع الإنساني ، الأب والأم هما ركن الأسرة ، ويتم التناسل وتكاثر البشر من خلالهما بطريقة دقيقة محكمة تضمن المحافظة على استمرار الحياة الإنسانية وفق منطق الفطرة السليمة التي فطر الله الناس عليها

    بعد هذا البيان والعرض الموجز لبعض جوانب هذا الموضوع المثير يمكننا أن نتخلص إلى نتيجة واضحة مؤكدة وهي أن محاولة استنساخ البشر ليست في مصلحة البشر وفقا لموقف الإسلام والأديان الأخرى ، ووفقا للمقاييس والمبادئ المتعارف عليها في العالم المعاصر ، وان محاولة الإقدام عليها يفتح بابا واسعا لاحتمالات المستقبل المجهول قد يصعب أو يستحيل فيما بعد إغلاقه . وإذا كان هناك من يرى احتمال الانتفاع بنتائج البحث العلمي الاستنساخ أجزاء معينة تستخدم في الطب والعلاج بزرع الأعضاء وعلاج العقم ونحو ذلك ، فليس لدينا وسائل مؤكدة تضمن التحكم في خط السير والسيطرة على محاولات العلماء في تطوير بحوثهم العلمية ، وحماسهم الشديد للكشف عن المزيد من الجديد - سواء كان نافعا أم ضارا - ومن ثم فان الخير كل الخير ألا يقدم الإنسان على مثل هذه المغامرة الخطيرة التي تنذر بعواقب وخيمة قد تكون بداية النهاية لحياة الإنسان على هذه الأرض

    مجلة صحتك اليوم للأستاذ محمد تقي الدين قنديل
     
  10.   مشاركة رقم : 6    ‏2001-08-15
  11. د/جمال باصهي

    د/جمال باصهي مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2001-07-20
    المشاركات:
    157
    الإعجاب :
    0
    فتاوى طبية

    فتاوى طبية
    فتوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والافتاء في المملكة العربية السعودية رقم ( 12086 )وتاريخ 20/6/1409هـ حول عدم تنفيذ إجراءات الإنعاش في حالات مرضية محددة
    الحمد لله والصلاة والسلام على من لانبي بعده :

    فقد أطلعت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والافتاء على ماورد إلى سماحة الرئيس العام مــن

    المستفتى / مدير فرع الشئون الدينية بالشمالية الغربية عن طريق / مدير إدارة الشئون الدينية للقوات المسلحة

    والسؤال إلى اللجنةمن إدارة البحوث العلمية والافتاء برقم ( 1508) وتاريخ 28/3/1409 هـ وقد سأل المستفتى سؤالا هذا نصه

    " ورد إلينا شرح ضابط التوعية الإسلامية بمستشفى القوات المسلحة بالشمالية الغربية بتاريخ 13/3/1409 هـ . المبني على خطاب نائب رئيس الأطباء بمستشفى القوات المسلحة الشمالية الغربية المؤرخ في 12/3/1409هـ والذي يطلب فيه فتوى حول عدم تنفيذ إجراءات الإنعاش في النقاط والأحوال التي ورد ذكرها في دليل سياسة العمل والإجراءات المرفقة نأمل من فضيلتكم التكرم باتخاذ ماترونه لإصدار فتوى بجوار هذه النقاط من عدمها وإشعارنا ليتم على ضوء ذلك العمل بموجبه في مستشفى القوات المسلحة بالمنطقة الشمالية الغربية هذا والله يحفظكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .."

    هذا والحالات التي وردت في دليل سياسة العمل ولإجراءات هي التالية :

    أولا : إذا وصل المريض متوفى .

    ثانيا : إذا كان ملف المريض مختوما بعلامة عدم عمل إجراءات الإنعاش بناء على رفض المريض أو وكيله في حال عدم صلاحية المريض للإنعاش .

    ثالثا : إذا قرر ثلاثة أطباء أن من غير المناسب إنعاش المريض عندما يكون من الواضح أنه يعاني من مرض مستعصى غير قابل للعلاج وأن الموت محقق .

    رابعا : إذا كان المريض في حالة عجز أكيد أو جسميا أو كليهما وفى حالة خمول ذهني مع مرض مزمن مثل السكتة الدماغية المسببه للعجز أو مرض السرطان في مرحلة متقدمة أو مرض القلب والرئتين المزمن الشديد أو أمراض الهزال وتكرار توقف القلب والرئتين .

    خامسا : إذا وجد لدى المريض دليل على الإصابة بتلف في الدماغ مستعصى على العلاج عقب تعرضه لتوقف القلب والرئتين لأول مرة .

    سادسا : إذا كان إنعاش القلب والرئتين غير مجد وغير ملائم لوضع معين حسب رأي الأطباء الحاضرين فإن رأى المريض الذاتي لا يهم والأطباء غير ملزمين بإجراء إنعاش القلب والرئتين ولايحق لذوي المريض طلب هذا النوع من العلاج إذا كان غير مجد .

    ومن دراسة اللجنة للاستفتاء أجابت بما يلي :

    أولا : إذا وصل المريض إلى المستشفى وهو متوفي فلا حاجة لاستعمال جهاز الإنعاش .

    ثانيا : إذا كانت حالة المريض غير صالحة للإنعاش بتقرير ثلاثة من الأطباء المختصين الثقات فلاحاجة أيضا لاستعمال جهاز الإنعاش .

    ثالثا : إذا كان مرض المريض مستعصيا غير قابل للعلاج وأن الموت محقق بشهادة ثلاثة من الأطباء

    رابعا : إذا كان المريض في حالة عجز أو في حالة خمول ذهني مع مرض مزمن أو مرض السرطان في مرحلة متقدمة أو مرض القلب والرئتين المزمن مع تكرار توقف القلب والرئتين وقرر ثلاثة من الأطباء المختصين الثقات ذلك فلاحاجة لاستعمال جهاز الانعاش .

    خامسا : إذا وجد لدى المريض دليل على الإصابة بتلف في الدماغ مستعصى على العلاج بتقرير ثلاثة من الأطباء المختصين الثقات فلا حاجة أيضا لاستعمال جهاز الانعاش لعدم الفائدة في ذلك .

    سادسا : إذا كان إنعاش القلب والرئتين غير مجد وغير ملائم لوضع معين حسب رأي ثلاثة من الأطباء المختصين الثقات فلاحاجة لاستعمال آلات الإنعاش ولا يلتفت إلى رأي أولياء المريض في وضع آلات الإنعاش أو رفعها لكون ذلك ليس من اختصاصهم .

    وبالله التوفيق ..وصلى الله على نبينا محد وآله وصحبه وسلم .



    فتوى برقم 3201 وتاريخ 1/9/1400
    السؤال : هل يجوز للرجل أن يأخذ زوجته إلى طبيب مسلم أو كافر ليعالجها ويكشف عنها حتى يرى فرجها مع العلم أن بعض الناس يذهبون ببناتهم إلى الأطباء ليكشف عنهن ويعطي لهن شهادة البكارة ويفعلون ذلك إذا قرب موعد الزواج .

    الجواب : إذا تيسر الكشف على المرأة وعلاجها عند طبيبة مسلمة لم يجز أن يكشف عليها ويعالجها طبيب ولو كان مسلما . وإذا لم يتيسر ذلك واضطرت للعلاج جاز أن ذلك واضطرت للعلاج جاز أن يكشف عليها طبيب مسلم بحضور زوجها أو محرم لها . خشية الفتنة أو وقوع مالا تحمد عقباه فإن لم يتيسر المسلم فطبيب كافر بالشرط المتقدم . وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم .

    الجنة الدئمة للبحوث العلمية والافتاء

    من الفتوى رقم 1542



    سؤال : نشاهد ونقرأ في بعض الصحف العربية عن عمليات يقوم بها بعض الأطباء في أوروبا يتحول بها الذكر إلى أنثى والأنثى إلى ذكر فهل ذلك صحيح ، ألا يعتبر ذلك تدخلا في شؤون الخالق الذي انفرد بالخلق والتصوير وما رأى الإسلام في ذلك ؟

    الجواب : لا يقدر أحد من المخلوقين أن يحول الذكر إلى أنثى ولا أنثى إلى ذكر وليس ذلك من شؤونهم ولا في حدود طاقتهم مهما بلغوا من العلم بالمادة ومعرفة خواصها . إنما ذلك إلى الله وحده قال تعالى : " لله ملك السموات والأرض يخلق ما يشاء يهب لمن يشاء إناثا ويهب لمن يشاء الذكور أو يزوجهم ذكرانا وإناثا ويجعل من يشاء عقيما إنه عليم قدير .

    فأخبر سبحانه في صدر الآية بأنه وحده هو الذي يملك ذلك ويختص به . وختم الآية ببيان أصل ذلك الاختصاص وهو كمال علمه وقدرته ولكن قد يشتبه أمر المولود فلايدري أذكر هو أم أنثى وقد يظهر في بادئ الأمر أنثى وهو في الحقيقة ذكر أو بالعكس . ويزول الإشكال في الغالب وتبدو الحقيقة واضحة عند البلوغ فيعمل له الأطباء عملية جراحية تتناسب مع واقعه من ذكورة أو أنوثة وقد لا يحتاج إلى شق ولا جراحة فما يقوم به الأطباء في هذه الأحوال إنما هو كشف عن واقع حال المولود بما يجرونه من عمليات جراحية لا تحويل الذكر إلى أنثى ولا الأنثى إلى ذكر وبهذا يعرف أنهم لم يتدخلوا فيما هو من شأن الله إنما كشفوا للناس عما هو من خلق الله .

    والله أعلم .

    اللجنة الدائــمة للبحوث العلمية والإفتاء


    مفهوم الوفاة الدماغية من منظور إسلامي

    قبل أن نتحدث عن مفهوم الوفاة الدماغية علينا أولا أن نتحدث عن مفهوم الموت ( الوفاة ) ورغم أن الناس يعرفون الموت والحياة بالتجربة والمشاهدة إلا أن تعريف الموت مثل تعريف الحياة تكتنفه كثير من الصعوبات في بعض الأحيان فالكائن الحي يتنفس ويتغذى وينمو ويتكاثر ، وربما يتحرك إلا أن الفيروسات خارج الخلايا التي تستعمرها لا تنمو ولا تتكاثر ولا تتغذى بل تتبلور مثلما يتبلور الجماد في بعض أشكاله وأنواعه

    والفيروسات تختلف عن كل الكائنات الحية من البكتريا إلى الإنسان في أنها لا تحتوي إلا على أحد الحامضين النووين ( دن أ ) أو ( رن أ ) بينما كل خلية حية أو بكتيريا تحتوي على الحامضين النوويين دنا ورنا كليهما

    وفي جسم الكائن الحي المتعدد الخلايا مثل الإنسان أو الحيوان أو النبات ، تموت ملايين الملايين من الخلايا كل يوم بل كل لحظة ويخلق الله بدلا منها ملايين أخرى دون أن يموت الكائن الحي بأكمله

    مفهوم الموت في الحضارات الإنسانية

    تتفق جميع الحضارات الإنسانية بما فيها الفرعونية المصرية القديمة ، والبابلية، والآشورية والصينية ،والهندية ،واليونانية، والأديان السماوية الثلاثة : اليهودية ،والنصرانية ،ولإسلام ، في أن الموت هو مفارقة الروح للجسد . ثم تخلف الحضارات والأديان بعد ذلك اختلافات شتى في هذه الروح .. وهل تعود إلى هذا الجسد أم تعود إلى جسد أخر كما تختلف في كيفية خروجها وخلوصها من هذا البدن ويعتقد البوذيون والهنادكة والشنتو على سبيل المثال أن الروح تظل حبيسة في الجسد وبالذات في الجمجمة عند الموت وأنها لا تنطلق إلا بعد حرق الجثة وانفجار الجمجمة ولذا تراهم يحرقون جثث موتاهم كما شاهدنا ذلك في احتفالات وفاة أنديرا غاندي رئيسة وزراء الهند ، ثم ابنها راجيف غاندي الذي تولى الوزارة بعدها بعد لاعتداء عليه وقتله من قبل أحد المتطرفين

    ثم أن الهنادكة والبوذيين يعتقدون بتناسخ الأرواح ، وأن الروح الشريرة تعاد في جسد **** مثل الكلب والخنزير ،وتظل في تلك الدورات حتى تتطهر وأن الروح الصالحة الخيرة تظل تنتقل في الأجساد الخيرة حتى تصل مرحلة النرفانا وهي السعادة الأبدية المطلقة في الروح المتصلة بالأبد والأزل كما يزعمون

    الموت في الإسلام

    أما في الإسلام فان مفهوم الموت هو خروج الروح من الجسد بواسطة ملك من الملائكة يسمى عزرائيل وهو ملك الموت ، قال الله تعالى ( قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم ثم إلى ربكم ترجعون ) السجدة 11 ويساعده كوكبة من الملائكة يقومون بنزع النفوس نزعا من الظالمين قال تعالى ( ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت والملائكة باسطو أيديهم اخرجوا أنفسكم ) الأنعام 93 قال تعالى ( إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم ) النساء 97 أما الطيبون فتتولاهم ملائكة الرحمة وتبشرهم برضوان من الله ومغفرة وسلام منه ورحمة . قال الله تعالى ( الذين تتوفاهم الملائكة طيبين يقولون سلام عليكم ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون ) وقال تعالى ( يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية فادخلي في عبادي وادخلي جنتي ) الفجر 27-30.

    ويأتي الإسناد في بعض الآيات مباشرة لله تعالى ، حيث الفاعل على الحقيقة هو الله سبحانه وتعالى حيث يقول ( الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى اجل مسمى أن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون ) الزمر 42 وبين الموت والنوم شبه واتصال قال الإمام على بن أبي طالب كرم الله وجهه ورضي عنه : " الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا وإذا انتبهوا ابصروا وعرفوا ما كانوا فيه من غفلة قال تعالى " لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد ) ق 22

    ولا نريد الخوض في دراسة الصلة والفرق بين الموت والنوم لان لهذا الموضوع مجال آخر من البحث وان كان كلاهما يعبر عن مرحلة معينة من الغياب عن الوعي والإدراك الظاهر

    وقد وردت أحاديث كثيرة عن النبي صلى الله عليه وسلم توضح كيفية إخراج الملائكة لروح المؤمن ، وما في ذلك من تيسير ، حتى تسيل مثل الماء من فم السقاء وإخراج روح الكافر والمنافق وما في ذلك من تنكيل حتى تخرج كما يخرج السفود المبلل من كومة من الصوف

    والموت عند المسلمين كافة هو انتقال الروح من الجسد إلى ما أعد لها من نعيم أو عذاب والروح مخلوقة مربوبة خلقها الله سبحانه وتعالى كما خلق سائر الكائنات ، ثم هي بعد ذلك خالدة والمقصود بموتها مفارقتها الجسد قال الإمام ابن القيم في كتاب الروح والصواب أن يقال أن موت النفوس هو مفارقتها لأجسادها وخروجها منها فإن أريد بموتها هذا القدر فهي ذائقة الموت ، وإن أريد أنها تعدم وتضمحل وتصير عدما محضا فهي لا تموت بهذا الاعتبار .

    وذكر الإمام الغزالي في كتابه إحياء علوم الدين أن الموت تغير حال فقط ، وأن الروح باقية بعد مفارقة الجسد إما معذبة وإما منعمة ، ومعنى مفارقتها للجسد انقطاع تصرفها عنه بخروج الجسد عن طاعتها ، فإن لأعضاء آلات للروح ..والموت عبارة عن استعصاء الأعضاء كلها ) وانتهى إلى القول ( لا يمكن كشف الغطاء ) عن كنه الموت ، إذ لا يعرف الموت من لا يعرف الحياة. وقال الشيخ الدكتور بكر أبوزيد ، رئيس مجمع الفقه الإسلامي في بحثه القيم عن هذا الموضوع : ( إن حقيقة الوفاة هي مفارقة الروح البدن ، وإن حقيقة المفارقة هي خلوص الأعضاء كلها عن الروح ، من حيث لا يبقى جهاز من أجهزة البدن فيه صفة حياتية ) .

    وقد ذكر الفقهاء علامات على الموت منها : ( انقطاع النفس ، واسترخاء القدمين ، وعدم انتصابهما ، وانفصام الكفين وميل الأنف وامتداد جلدة الوجه ، وانخساف الصدغيين ، وتقلص الخصيتين مع تدلي الجلدة ، وبرودة البدن ) وهذه العلامات جميعها ليست علامات مؤكدة على الموت ما عدا انقطاع النفس الذي ينبغي أن يستمر لفترة من الزمن ، وقد تنبه بعض الفقهاء إلى احتمالات الخطأ في تشخيص الوفاة : فقرر التريث في تشخيص الوفاة : قال الإمام النووي في روضة الطالبين (فإن شك بأن لا يكون به علة ، واحتمال أن يكون به سكتة ، أو ظهرت إمارات فزع أو غيره ،أخر ( أي تشخيص ) إلى اليقين بتغير الرائحة أو غيره )

    وقد ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم علامة هامة تحدث في كثير من الحالات عند الاحتضار وخروج الروح . عن أم سلمة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( إن الروح إذا قبض اتبعه البصر ) أخرجه مسلم . وعن شداد ابن أوس يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم أن قال ( إذا حضرتم موتاكم فأغمضوا البصر ، فإن البصر يتبع الروح ، وقولوا خيرا فإنه يؤمن على ما يقول أهل الميت ) . أخرجه احمد في مسنده

    علامات الموت عند الأطباء

    لاشك أن الروح أمر من أمور الغيب قال تعالى ( ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا ) الإسراء 85 . ولذا فإن دخول الروح إلى الجسد أو خروجها منه لا نستطيع أن نعرفه إلا بعلامات تدل عليه . وقد أخبرنا المصطفى صلى الله عليه وسلم عن دخول الروح إلى جسد الجنين في الحديث الذي رواه الشيخان ( البخاري ومسلم ) عن طريق عبد الله بن مسعود رضي الله عنه حيث قال : ( إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما . ثم يكون علقة مثل ذلك ثم يكون مضغة مثل ذلك ثم ينفخ فيه الروح ) وقد فهم جمهور الفقهاء والمحدثين أن ذلك يكون عند تمام المئة والعشرين يوما منذ التلقيح . وأما خروج الروح فلم يكن سوى الحديثين السابقين عن شخوص البصر عند قبض الروح أو ما يرونه من علامات

    وهذه العلامات قد تتعرض لخطأ نتيجة عدم المعرفة ..ولذا أوكلت الأمم جميعها تشخيص الموت إلى فئة مختصة تعرف علاماته وهي فئة الأطباء . قال تعالى ( فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون ) النحل 43

    ومع التقدم العلمي ومعرفة الدورة الدموية تبين أن الموت هو توقف لا رجعة فيه في هذه الدورة الدموية …وبما أن الدماغ لا يستطيع أن يبقى حيا سوى بضع دقائق ( أربع دقائق تقريبا ) عند انقطاع التروية الدموية ، فإن الدماغ هو أول الأعضاء تأثرا وموتا نتيجة توقف القلب عن النبض ، وتوقف الدم عن الجولان والجريان في الأوعية الدموية

    ولكي نزيد هذا مفهوم وضوحا فإن القلب يوقف في العمليات الجراحية التي تجرى للقلب (عمليات القلب المفتوح ) ولا يعني ذلك أن هذا الشخص قد مات ، رغم أن قلبه يوقف أثناء العملية الجراحية لمدة ساعتين أو أكثر والسبب هو أن ووظيفة القلب تقوم بها مضخة تضخ الدم من الوريد الأجوف السفلي والعلوي بعد أن يمر في جهاز يقوم بوظيفة الرئة ثم يعاد إلى الشريان الأورطي الذي بدوره يوزع الدم على بقية أعضاء الجسم . وفي هذه الحالات رغم أن القلب متوقف والتنفس متوقف إلا أن الشخص حي بكل تأكيد

    وذلك لان الدورة الدموية لم تتوقف ولو لعدة ثوان . والدماغ يتلقى التروية الدموية دون انقطاع …ووظيفة الرئتين تقوم بها آلة أخرى تأخذ ثاني أكسيد الكربون من الدم وتعطيه الأوكسجين

    وهذا المثال يوضح أن القلب رغم أهميته البالغة للإنسان إلا أنه يمكن الاستغناء عنه لمدة ساعتين أو ثلاث بواسطة آلة تقوم مقامه …وكذلك الرئتين .

    ويمكن كذلك استبدال هذا القلب التالف بقلب شخص آخر ( توفي دماغيا ) أو حتى بقلب حيوان آخر .. ولولا عمليات لارفض للجسم الغريب لامكن استخدام القلوب من الحيوانات لزرعها في الإنسان ، ولكن عمليات الرفض الشديدة تجعل هذه العملية محفوفة بالمخاطر ..وهناك تجارب متعددة على قلوب الحيوانات ( وبالذات الخنزير ) ومحاولة تغيير جهازها المناعي بتطعيمها جينات إنسانية..وسيتضح مدى نجاح أو فشل هذه التجارب في خلال السنوات القليلة القادمة

    إذا ينبغي أن ندرك أنه حتى في الحالات التي يعلن فيها أن الموت بسبب توقف القلب والدورة الدموية والتنفس إلا أن السبب الأول في الوفاة هو انقطاع التروية الدموية عن الدماغ . لذا إذا أمكن مواصلة التروية الدموية للدماغ حتى مع توقف القلب فان هذا الشخص يعتبر حيا، ولكن العكس غير صحيح ، أي إذا تهشم الدماغ وبالذات جذع الدماغ الذي فيه المراكز الحيوية ( اليقظة ، التنفس ، التحكم في الدورة الدموية ) ومات موتا لا رجعة فيها فإن الإنسان يعتبر رغم أن قلبه لا يزال ينبض بمساعدة العقاقير وبعض الأجهزة وتنفسه لا يزال مستمرا بواسطة المنفسة ( الآلة ) . وهذا هو بالضبط ما نعبر عنه بموت الدماغ

    موت الدماغ

    إن موت الدماغ هو موت الدماغ بما فيه من المراكز الحيوية والهامة جدا والواقعة في جذع الدماغ ، فإذا ماتت هذه المناطق فإن الإنسان يعتبر ميتا ، لأن تنفسه بواسطة الآلة المنفسة مهما استمر يعتبر لا قيمة له ولا يعطي الحياة للإنسان . وكذلك استمرار النبض من القلب بل وتدفق الدم من الشرايين والأوردة ( ما عدا الدماغ ) لا يعتبر علامة على الحياة طالما أن الدماغ قد توقفت حياته ودورته الدموية توقفا تاما لا رجعة فيه . وهذا يشبه تماما ما يحدث عندما تقوم الدولة بتنفيذ حكم الله في القصاص ، أو قتل المفسدين في الأرض من مهربي وتجار المخدرات . في هذه الحالة يضرب السياف العنق فتتوقف الدورة الدموية عن الدماغ ويموت الدماغ خلال دقائق معدودة ( ثلاث إلى أربع دقائق )بينما يبقى القلب يضخ لمدة خمس عشرة إلى عشرين دقيقة ..ويتحرك المذبوح ، وهو أمر نشاهده عند ذبح الدجاج أو الخروف ..ولكن هذه الحركة بذاتها ليست دليلا على الحياة ، طالما أن الدماغ قد مات

    والأمر ذاته يحدث في الشنق ..فعندما يشنق الإنسان تتوقف الدورة الدموية عن الدماغ بينما يستمر القلب في الضخ لعدة دقائق قد تبلغ ربع ساعة إلى ثلث ساعة ..وفي هذه الفترة لا شك أن الشخص يكون قد مات رغم أن قلبه لا يزال ينبض ، وذلك لان الدورة الدموية قد انقطعت عن الدماغ ، وقد مات الدماغ بالفعل

    أسباب موت الدماغ

    إن أهم أسباب موت الدماغ تتلخص في الآتي وأهمها حوادث المرور . وهذه الحوادث تمثل خمسين بالمائة من جميع حالات موت الدماغ في الدول الغربية ، وفي المملكة العربية السعودية تمثل حوادث المرور ستين بالمائة من جميع وفيات الدماغ.

    وتعتبر حوادث المرور في المملكة العربية السعودية ومنطقة الخليج صاحبه الرقم الأعلى في العالم وتبلغ عشرة أضعاف ماهو موجود في الولايات المتحدة وأوروبا بالنسبة مائة ألف من السكان ، وفي عام 1994 م وعام 1995 توفي في كل واحدة منهما اكثر من 3700 ( ثلاثة آلاف وسبعمائة ) شخص أغلبيتهم المطلقة كانت تحت سن الأربعين ( أكثر من خمسة وسبعين بالمائة من جميع الحالات ) كما تسبب حوادث المرور إصابات بالغة تؤدي إلى دخول خمسة وثلاثين ألف شخص المستشفيات في كل عام ..وهذه أرقام مرعبة جدا جدا، وتسبب الإعاقة وإضاعة أغلى وأثمن ثروة لدى الأمة وهي الشباب

    إن هذه الإصابات المروعة ينبغي أن تواجه بحزم ومعالجة جذرية لأسبابها وأهمها السرعة الجنوبية ، وعدم استخدام حزام الأمان والاستهتار وقطع الإشارات الضوئية ..الخ ولابد من عقوبات زاجرة رادعة حتى يمكن أن نخفض هذا النزيف في قدرات الأمة وفي شبابها وفي ثروتها

    نزف داخلي بالدماغ بمختلف أسبابه وهو يمثل حوالي عشرين بالمائة من جميع حالات موت الدماغ .

    أورام الدماغ والتهاب الدماغ ، وخراج الدماغ والسحايا …وتمثل حوالي عشرين بالمائة من حالات موت الدماغ

    نكرر القول بأن أهم سبب في موت الدماغ هو حوادث السيارات وللأسف فإن أغلبية المصابين هم من الشباب زهرة الأمة وأهم مصادر ثروتها

    تشخيص موت الدماغ

    يتم تشخيص موت الدماغ حسب الشروط الطبية المعتبرة وأهمها

    وجود شخص مغمى عليه إغماء كاملا

    لا يتنفس إلا بواسطة جهاز التنفس

    تشخيص سبب هذا الإغماء يوضح وجود إصابة أو مرض في جذع الدماغ أو في كل الدماغ

    عدم وجود أسباب تؤدي إلى الإغماء المؤقت مثل تعاطي العقاقير أو الكحول أو انخفاض شديد في درجة حرارة الجسم أو حالات سكر شديد أو انخفاض في سكر الدم أو غير ذلك من الأسباب الطبية المعروفة التي يمكن معالجتها

    ثبوت الفحوصات الطبية التي تدل على موت جدع الدماغ وتتمثل في

    عدم وجود الأفعال المنعكسة من جذع الدماغ .

    عدم وجود تنفس بعد إيقاف المنفسة لمدة عشر دقائق بشروط معينة ، منها

    استمرار دخول الأوكسيجين بواسطة أنبوب يدخل إلى القصبة الهوائية ، ومنها إلى الرئتين ،وارتفاع نسبة ثاني أكسيد الكربون في الدم إلى حد معين -أكثر من 50 مم من الزئبق في الشريان

    فحوصات تأكيدية : مثل رسم المخ الكهربائي وعدم وجود أي ذبذبة فيه ، أو عدم وجود دورة بالدماغ بعد تصوير شرايين الدماغ أو بفحص المواد المشعة

    عند وجود حالة يشتبه فيها موت الدماغ يتم إبلاغ المركز الوطني لزرع الأعضاء بالرياض والذي يقوم بإرسال مختصين في تشخيص موت الدماغ عند الحاجة إليهم

    يعاد الفحص من المختصين بعد مرور ست ساعات على الأقل بالنسبة للبالغين و24 ساعة للأطفال أقل من سنة و48 ساعة للأطفال أقل من شهر

    ماذا بعد تشخيص موت الدماغ

    إذا تم التشخيص والتأكد منه بواسطة الفريق الطبي المختص يتم إبلاغ أهل المصاب …ويحاول فريق المركز الوطني التفاهم مع الأهل في أن يأذنوا باستقطاع بعض الأعضاء الحيوية من متوفاهم لينقذوا بذلك مرضى أو شكوا على حافة الخطر أو أحدق بهم الموت.فإذا أذن الأهل بذلك يتم استقطاع الأعضاء الحيوية مثل القلب ، الكلى ، الكبد ، وتزرع كل واحدة منها في شخص معين يعاني من مرض خطير أدى إلى فشل وظيفة ذلك العضو.

    وقد استطاعت المملكة العربية السعودية أن تكون سباقة في هذا المجال حيث تم حتى نهاية عام 1995 م زرع 731 كلية من متوفين دماغيا كما تم زرع 64 قلبا و84 صماما قلبيا و94 كبد وثلاث حالات زرع بنكرياس وحالتين زرع رئة

    أما في حالة رفض الأهل الموافقة على التبرع فإن الأطباء يوقفون المنفسة وفي خلال دقائق معدودة يتوقف القلب ، وقد أفتى مجمع الفقه الإسلامي في دورته الثالثة المنعقدة في عمان بالأردن 1407 ه /1986 م أن الشخص يعتبر ميتا إذا تبينت فيه إحدى العلامتين التاليتين

    إذا توقف قلبه وتنفسه تماما ، وحكم الأطباء بأن هذا التوقف لا رجعة فيه

    إذا تعطلت جميع وظائف دماغه تعطلا نهائيا وحكم الأطباء الإختصاصيون الخبراء بأن هذا التعطل لا رجعة فيه ، واخذ دماغه في التحلل

    وفي هذه الحالة يسوغ رفع أجهزة الإنعاش المركبة على الشخص ، وإن كان بعض الأعضاء لا يزال يعمل آليا بفعل الأجهزة المركبة .

    وقد وافق المجمع الفقهي لرابطة العالم الإسلامي في دورته العاشرة المنعقدة بمكة المكرمة ( 1408 ) على رفع أجهزة الإنعاش وإيقافها متى تبين بالفحوصات الطبية المؤكدة من قبل المختصين بأن هذا الشخص قد مات دماغيا

    وبهذه الفتاوى ظهر عهد جديد في ميدان الطب . وهو تعريف موت الدماغ طبيا وبداية قبول هذا المفهوم شرعيا . ومن ثم انفتح باب زراعة الأعضاء من المتوفين دماغيا ، أمكن إنقاذ مئات المرضى الذين يعانون من فشل نهائي في أعضائهم الحيوية الهامة ، وبالتالي تم إنقاذهم بإذن الله تعالى ثم بفضل التقدم الطبي من موت محقق

    مجلة صحتك اليوم ، د.محمد على البار

    فتاوي شرعية طبية للصائمين

    من كتاب : مسائل من الصيام – لفضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين

    · النزيف الذي يحصل في الأسنان عند قلعها وكذلك رعاف الأنف لا يفسد الصوم بشرط أن يحترز الصائم من ابتلاعه ما أمكن، لأن خروج الدم بغير إرادة الصائم لا يعد مفطرا، ولايلزم من أصابه ذلك أن يقضي.

    · إذا احتقن الصائم بالإبر في عضله أو وريده يفسد صومه إذا كان المحلول المعطي محلولا مغذيا يستغني به عن الطعام والشراب، لأنه يكون بمعنى الطعام والشراب. إما إذا كانت المحاليل المعطاة بالإبر غير مغذية كالبنج وخلافه فإنها لا تفطر ولاتفسد الصوم.

    · العين والأذن والجلد والدبر جميع هذه الأعضاء والمواضع ليست منافذ للغذاء لذا فإن قطرة العين والأذن والتحاميل (اللبوس) جميعها لا تفسد الصوم، حتى لو وجد الصائم طعم القطرة في حلقه.

    · قطرة الأنف والبخور: تفسد الصوم إذا وصل جرم القطرة والبخور إلى المعدة، إما إذا لم يصل جرم القطرة أو البخور إلى المعدة فإنها لاتفطر، مثل روائح العطور وبخاخ ضيق التنفس.

    · غسيل الكلى في نهار رمضان يفسد الصوم لأن الدم في هذه الحالة يضاف إليه مواد غذائية ومواد أخرى، لذا فإنه يفطر.

    · التبرع بالدم من الصائم يفسد الصوم لأنه مثل الحجامة لذا فإنه يفطر، أما سحب كمية قليلة من الدم لتحليله فإنه لا يفسد الصوم ولا يفطر.

    · إذا سقطت الحامل وخرج منها دم: فإن كان الجنين الذي أسقط علقه أو مضغة لم يبين أنها ابتداء من خلق إنسان، فالدم ليس دم نفاس والصوم صحيح، أما إذا كان الجنين (السقط)قد تبين فيه خلق الإنسان فهو دم نفاس، ولا يجوز الصوم ولا الصلاة.

    · الحامل إذا كانت قوية نشيطة ولا يلحقها من الصوم مشقة تصوم أما إذا كانت ضعيفة ولا تتحمل الصوم فتفطر.

    · قضاء صوم المرضى وكبار السن: إذا أفاد طبيب مسلم ثقة ذو أمانة وخبرة في فنه بأن المريض لا يرجى شفاؤه من مرضه ولن يستطيع الصوم مستقبلا فإن عليه أن يفطر مسكينا عن كل يوم أفطره. أما إذا أفاد الطبيب بأن المريض يرجى أن يشفي ويستطيع الصوم لاحقا فإن على المريض إذا شفي أن يقضي الأيام التي أفطرها في مرضه.

    · إذا قاء الصائم: القيء المتعمد يفسد الصوم، أما القيء غير المتعمد فإنه لا يفسده، فإذا غلب القيء الصائم فعليه أن يدعه يخرج وصيامه صحيح مادام القيء ليس بفعل منه.
     

مشاركة هذه الصفحة