في الذكرى ال37 للإستقلال... محمد سالم باسندوه يتذكر

الكاتب : Time   المشاهدات : 730   الردود : 3    ‏2003-11-29
      مشاركة رقم : 1    ‏2003-11-29
  1. Time

    Time مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2003-07-14
    المشاركات:
    18,532
    الإعجاب :
    1
    اللقب الاضافي:
    نجم المجلس اليمني 2004
    [color=FF0000]محمد سالم باسندوه يتذكر:
    اتجهنا للكفاح المسلح بعد أن خاب رهاننا على حزب العمال
    1 من 3
    [/color]


    حوار ـ محمد الغباري

    [color=990000]احتفل اليمن في نوفمبر الماضي بمرور 37 عاماً على استقلال جنوب البلاد من الاستعمار البريطاني الا ان الصراع الذي رافق الكفاح المسلح بين طرفي النضال الوطني: الجبهة القومية التي تحولت فيما بعد إلى الحزب الاشتراكي، والطرف الاخر جبهة التحرير التي اعفيت من المشاركة في حكومة الاستقلال عام 1967م وتوزع اعضاؤها وكوادرها على مختلف الاطر ـ والتنظيمات السياسية.
    وعلى مدى أربعين عاماً ظل محمد سالم باسندوه وزير خارجية اليمن الأسبق واحداً من الشخصيات السياسية التى شاركت فى معظم الأحداث التي عرفتها البلاد اذ كان أحد المساهمين فى حرب تحرير الجنوب المحتل وكان من أول ضحايا الصراع السياسي الذي شهده الشطر الجنوبي بين رفاق السلاح في الجبهة القومية التى تسلمت السلطة من الحكومة البريطانيه وجبهة التحرير التى أستبعدت من جميع المواقع و دخل الطرفان في حرب أهليه افضت الى نزوح معظم قادة الاخيرة الى الشمال.
    ومثلما كان فاعلاً ونشطاً في الجنوب فانه لعب دوراً اساسياً في الشمال حيث تبوأ عددا من المناصب الرسمية وعاصر مختلف الرؤساء فكان وزيراً و دبلوماسياً وكاتباً اقام علاقه واسعه على المستويين العربي و الدولى ...[/color]


    [color=FF0000] ـ ما هي أسباب خروجك من عدن؟ ومتى كان ذلك؟ [/color]

    [color=0000FF]ـ أظنك تقصد نزوحي إبان مرحلة النضال ضد الوجود البريطاني الاستعماري في الجنوب إلى الشمال من وطني اليمن.
    في الحقيقة كان نزوحنا من عدن إلى تعز في أوائل شهر أكتوبر عام 1965م بمحض إرادتنا، وليس بناء على قرار من سلطات الاحتلال البريطاني بنفينا وإبعادنا.. إذ كنا قد توصلنا حينها إلى اقتناع راسخ بأن الكفاح السياسي والنقابي والسلمي وحده غير كاف لإجبار بريطانيا على الجلاء من الجنوب اليمني، وعلى التسليم بحق شعبنا في التحرر الوطني الكامل، وتقرير المصير، خاصة بعدما كان قد تأكد لنا أن (حكومة حزب العمال تحاول الالتفاف على أحد أهم بنود القرارات التي كانت قد صدرت عن الأمم المتحدة في- عامي 64 ـ 1963) وهو البند الذي نص على (دعوة بريطانيا إلى سحب كافة قواعدها العسكرية من المنطقة قبل استقلالها)، وقتها أعلن وزير المستعمرات في الحكومة العمالية التي كانت قد تشكلت في خريف عام 1964م التزامه بتطبيق تلك القرارات الدولية- نصاً وروحاً.. وحيال ذلك، كان أمامنا واحد من خيارين أن نبقى في عدن لمواصلة النضال السلمي، وبالتالي يخسر تنظيمنا المزيد من التأييد الجماهيري فيما كانت (الجبهة القومية لتحرير جنوب اليمن المحتل) قد أصبحت تحظى بشعبية كبيرة جراء تفردها، منذ تأسيسها في شهر أكتوبر عام 1963م بتدشين وقيادة الكفاح المسلح المنتظم، أو أن ننزح إلى تعز للانضمام إلى حركة المقاومة المسلحة حتى يسترد تنظيمنا ما فقد من شعبيته، ويستعيد ما كان له من مكانة على الصعيد الجماهيري برغم ما يتعين علينا تجشمه من المشاق والمعاناة.
    فاخترنا الرحيل إلى تعز للمشاركة في الكفاح المسلح مع الاستمرار في ممارسة دورنا في النضال السياسي من الخارج، وأيضاً في الداخل عبر من تبقى في عدن من زملائنا.
    [/color]

    [color=FF0000] ـ لماذا تأخرتم في إنتهاج أسلوب العمل المسلح حتى 1965م؟ [/color]

    [color=0000FF]ـ بداية دعني أوضح لك بأن (حزب الشعب الاشتراكي) لم يكن قد مر على تأسيسه حينها سوى ثلاث سنوات وثلاثة أشهر، إذ كان قد تأسس في 23 يوليو عام 1962م، وقام بدور بارز مع بعض القوى الوطنية الأخرى، في مختلف الأحداث والفعاليات السياسية على مدى الأعوام التالية، بالإضافة إلى مهامه ومسئولياته الأساسية الممثلة في قيادة الحركة العمالية في عدن بالتنسيق والتعاون مع النقابات القطاعية والمهنية المنضوية تحت لوائه، فمع احتدام المواجهة مع سلطات الاحتلال البريطانية، وتفاعل الأحداث، وتسارع التطورات السياسية على الساحة الوطنية في ذلك الوقت، ومع تعاظم الشعور بوجود حاجة ماسة إلى تنظيم وطني متفرغ للعمل السياسي، بادرت قيادة (المؤتمر العمالي) إلى إنشاء (حزب الشعب الاشتراكي) بالتعاون مع نفر من قادة وأعضاء (مؤتمر الخريجين) الذي كان يرأسه حسين علي الحبيشي، وتم تشكيل قيادة لهذا الحزب من بعض قادة (المؤتمر العمالي)، وعدد من قادة وأعضاء (مؤتمر الخريجين)، ومن عناصر وطنية مستقلة، من مواليد الجنوب ومواليد الشمال، إلا أن الأخيرين كانوا يشكلون أقلية.
    طبعاً لم يحتج الحزب إلى أعوام طوال من أجل إثبات وجوده، ذلك لأنه قام مستنداً إلى قاعدة عريضة كانت تتمثل في الطبقة العاملة في عدن بشكل أساسي.. وكانت هذه الطبقة تضم في قيادتها وقواعدها مواطنين من مواليد كل اليمن- جنوباَ وشمالاً، وليس من مواليد عدن فقط، ومن ثم كانت وحدة اليمن تتجسد بالفعل في هذه الطبقة خصوصاً، وفي سكان عدن عموماً.
    وبناء على ذلك كان من الطبيعي أن تكون العلاقة بين الحزب وبين (المؤتمر العمالي) علاقة عضوية.
    [/color]


    [color=FF0000]ـ ماذا تقصد؟ [/color]

    ـ [color=0000FF]عند ظهور الحزب إلى حيز الوجود كان (المؤتمر العمالي) قد أقام شبكة علاقات واسعة مع عدد من الاتحادات العمالية- القطرية والدولية- في الوطن العربي خصوصاً، وفي العالم عموماً.. وكان في مقدمة تلك الاتحادات الدولية: (اتحاد العمال العرب) في القاهرة، و(الاتحاد الكونفدرالي العالمي للنقابات الحرة) في بروكسل، و(الاتحاد الفيدرالي لنقابات العالم) في براغ بينما كان في مقدمة الاتحادات غير العربية: (مؤتمر النقابات البريطانية) المعروف بارتباطه ب(حزب العمال).. وعليه، فقد ساعدت هذه العلاقة في قيام روابط بين (المؤتمر العمالي)، وبين نظيره البريطاني وبالتالي بين بعض قادته وبين بعض أعضاء مجلس العموم من (حزب العمال) المعارض.. فأخذ هذا البعض من نواب العمال المعارضين يولي مواقف ورؤى ووجهات نظر (المؤتمر العمالي) اهتمامه، وينتقد سياسات حكومة المحافظين تجاه الجنوب، وتصرفات وممارسات الإدارة البريطانية في عدن، وذلك في سياق دور (حزب العمال) كحزب معارض..
    ومع مرور الوقت صعدت المعارضة العمالية في البرلمان من مواقفها ضد (حزب المحافظين الحاكم) فيما يتعلق بما يجري في المنطقة لدرجة ساور معها قيادة (المؤتمر العمالي)، وأيضاً قيادة (حزب الشعب الاشتراكي) من بعد الاعتقاد بأن (حزب العمال) إذا ما وصل إلى سدة الحكم سوف ينتهج سياسات مغايرة، وسيكون أكثر استعداداً لتفهم عدالة قضية شعبنا، والتخلي عن الحكام التقليديين المستوزرين المتعاونين مع سلطات الاحتلال في المنطقة، فظل البعض في قيادة الحزب يراهن على إمكانية إحراز استقلالنا الوطني التام بالوسائل السلمية، دون حاجة إلى انتهاج أسلوب الكفاح المسلح نظراً لما قد يجره على الجنوب من دمار وخراب، ومن مآس وأهوال، متى آلت السلطة في بريطانيا إلى (حزب العمال) في الانتخابات البرلمانية المقبلة بعد ثلاث سنوات أو أقل، طبعاً كان قد عزز خيار الاستمرار في الكفاح السلمي- سياسياً ونقابياً- لدى هذا البعض من الزملاء ما كان قد حدث من جراء حادث قنبلة مطار عدن يوم 10 ديسمبر عام 1963م.[/color]


    [color=FF0000]ـ لكن.. هل كان بإمكانكم من قبل الاشتراك في الكفاح المسلح؟ [/color]

    [color=0000FF]ـ نعم اذ حدث بعد مرور شهور على قيام ثورة السادس والعشرين من سبتمبر عام 1962م، أن بادر بعض الأخوة من قادتها إلى توحيد صفوف القوى السياسية الوطنية، والعناصر القبلية الجنوبية الموجودة في شمال اليمن في إطار جبهة موحدة من أجل الاضطلاع بإشعال مقاومة مسلحة منظمة ضد الوجود الاستعماري في الجنوب، وعقدت في صنعاء عدة اجتماعات لهذا الغرض شارك فيها الاخ سعيد محمد الحكيمي- ممثل (المؤتمر العمالي) و(حزب الشعب الاشتراكي) في شمال الوطن حينها.. لكن المؤتمر والحزب كانا لا يزالان يريان أن الوقت مبكر، وأن ظروفهما لا تسمح لهما بالمشاركة في أي عمل مسلح بحكم وجودهما في عدن..
    غير أن موقفهما هذا لم يحل دون إندماج الآخرين في تنظيم جبهوي أطلق عليه اسم (جبهة التحرير)، إلا أن هذه الجبهة لم تتمكن من القيام بأي عمل مركز فيما ظلت قيادة (فرع حركة القوميين العرب) تسعى إلى إنشاء كيان تنظيمي جديد مع عدد من المنظمات والعناصر الوطنية الأخرى حتى نجحت في تأسيس (الجبهة القومية لتحرير جنوب اليمن المحتل)، وفي تلقي الدعم من مصر عبر مخابراتها العامة باعتبارها الجهة المسئولة عن العلاقة مع حركات التحرير الوطنية المناهضة للاستعمار في الوطن العربي، ودول العالم الثالث.. ومع ذلك، حرص الأخوة: فيصل عبداللطيف الشعبي وعلي احمد ناصر السلامي، وطه احمد مقبل على الالتقاء مع ممثلين من قيادة الحزب بهدف إشراكه في حركة المقاومة المسلحة.. وبالفعل عقد أكثر من اجتماع في عدن بينهم وبين قيادة الحزب التي مثلها كل من عبدالله الأصنج - رئيس الحزب/ أمين عام (المؤتمر العمالي..) ومحمد سالم علي - نائب رئيس الحزب حينها- الذي حضر أحد هذه الاجتماعات، وأنا.. لكن قيادة الحزب لم تكن موافقة بعد.. وعليه، اقتصر ردنا على ما كانوا يطرحونه علينا من أنهم يرغبون في إشتراك الحزب معهم، على الإعراب عن شكرنا لمبادرتهم، وعن تمنياتنا لهم بالنجاح والتوفيق مع التأكيد لهم بأننا سوف نلحق بهم متى قررنا انتهاج طريق الكفاح المسلح.
    [/color]

    [color=FF0000]ـ فما الذي حملكم بعدئذ على الاقتناع بالمشاركة في الكفاح المسلح؟ [/color]

    [color=0000FF]ـ كما قلت لك من قبل.. لقد كانت العلاقة بين الحزب وبين عدد من قادة ونواب (حزب العمال البريطاني) المعارض تتعزز باستمرار، إذ جاء إلى عدن في النصف الثاني من عام 1962م نائبان عماليان: جورج طومسون - أصبح بعدئذ وزيراً للدولة في وزراة الخارجية - أثناء الفترة التي تقلد فيها حقيبتها جورج براون - ثم ممثلاً لبلاده في (الاتحاد الأوربي)، وبوب إداوارد، وحضر مهرجاناً جماهيرياً نظمه الحزب والمؤتمر في الساحة المواجهة لـ (فندق الهلال) بالتواهي، حيث القيا كلمتين عبرا فيهما عن تضامنهما مع الحزب والمؤتمر، وعن تأييدهما لكفاح شعبنا من أجل الاستقلال والتحرر..
    ثم ما لبث ان جاء بعدئذ في زيارة عمل إلى عدن عام 1963م دينيس هيلي - بصفته عضواً في حكومة الظل التي تمثل عادة الحزب المعارض - أصبح بعدئذ وزيراً للدفاع في الحكومة العمالية التي شكلها السير هارولد ويلسون.. وأثناء وجوده في عدن حرص على القيام بزيارة خاطفة لمقر الحزب في كريتر دون سابق إخطار أو موعد مسبق، لكنه لم يلتق مع أي مسئول في الحزب، فاكتفى بالسلام على من كل في المقر من الموظفين..
    وبعد مرور أسبوعين على وقوع حادث قنبلة مطار عدن في العاشر من ديسمبر عام 1963م عرجت على لندن في طريق عودتي من نيويورك حيث مثلت الحزب أمام اللجنة الرابعة- لجنة الوصاية- في الدورة السنوية الثامنة عشر للجمعية العامة للأمم المتحدة، واصطحبت معي ثلاثة من نواب (حزب العمال) هم: ديك تافرن، ولوخلين، وأورام إلى عدن.. إذ كانوا قد قبلوا الدعوة التي قدمتها لهم بأسم الحزب من أجل الوقوف على الأوضاع السيئة في المنطقة، وعلى أحوال المعتقلين من قادة وأعضاء الحزب و(المؤتمر العمالي)، وغيرهم من العناصر الوطنية.. وكنت قد حصلت على (أمان) ـ (ُّكِّلَُ منفس) ـ من وكيل وزارة المستعمرات البرلماني حينها - جوليان إيمري- بزيارة عدن ومغادرتها معهم بواسطة أحد نواب (حزب المحافظين) الحاكم- وليم ييتس- الذي دعوته هو الآخر على أن يقوم بزيارة عدن في وقت لاحق حسب طلبه..
    وخلال زيارتهم لعدن التقى أولئك النواب العماليون الثلاثة مع نفر من الأخوة من قادة الحزب و(المؤتمر العمالي) الذين كانوا معتقلين في سجون نائية في ما كان يسمى (محميات عدن الغريبة)، ومع جمع من أمهات، وأخوات وزوجات المعتقلين اللواتي كن معتصمات في (مسجد العسقلاني) احتجاجاً على احتجاز أقاربهن، وكنت بصحبتهم في هذا اللقاء، كما حرصوا على الاجتماع مع المندوب السامي البريطاني حينها- السير كينيدي تريفا *** - الذي طالبوه بإطلاق سراح كل المعتقلين، وإلغاء حالة الطوارئ، وقالوا له أنهم سيثيرون الموضوع في مجلس العموم عند عودتهم إلى لندن.. وقبل أن يغادروا عدن، ذهبت مع أحدهم: ديك تافرن للقاء المندوب السامي حيث وجدنا عنده السلطان صالح بن حسين العوذلي - وزير الأمن الداخلي في (حكومة الاتحاد الفدرالي للجنوب العربي)..
    وفي هذا اللقاء، أصر السير تريفا سيكس على إتهام الحزب بأنه وراء عملية قنبلة مطار عدن فيما أتهمني مستشاره السياسي: لوري هوبسن بأنني خططت وشاركت في الإعداد لهذه العملية قبل سفري إلى الأمم المتحدة، كما راح يكشف عن أصابته في إحدى ساقيه، وإحدى عينيه في نفس الحادث.. فحاولت جاهداً نفي هذه التهمة عن الحزب، وعن نفسي، ولكن دون جدوى.. وفيما كنت منشغلاً بالحديث معهما، دعيت للرد على مكالمة هاتفية من محمود محمد صديق - عضو الهيئة العليا للحزب - الذي أخبرني بأن رئيس إدارة الهجرة والحوازات حينها، الضابط الكبير سابقاً في بوليس عدن: محمد خان- برفض إعطائي تأشيرة خروج رغم إطلاعه على جواز سفري.. وللتو أخبرت المندوب السامي بالأمر..
    فقال (أنها مسألة إجرائية لا تستدعي القلق، وليس هناك أي خطر عليك إذا ما تأخرت عن السفر): عندئذ أنبرى النائب البرلماني العمالي - تافرن- للرد عليه مشدداً على وجوب السماح لي بالمغادرة معه ومع زميليه الأخرين، ومهدداً بأنهم لن يبرحوا عدن ما لم أكن برفقتهم، إذ أدرك بأن هناك نية لاستبقائي في عدن حتى يتم اعتقالي بعد سفرهم منها.. وبعد أخذ ورد، كلف السير تريفا *** مستشاره السياسي: لوري هوبسن بأن يتصل هاتفياً بمدير إدارة الجوازات والهجرة لإبلاغه بالاذن لي بالسفر مع ذلك الوفد البرلماني.. فأفلت بجلدي من الاعتقال..
    [/color]

    [color=FF0000]ـ وماذا فعل هؤلاء النواب بعد عودتهم؟ [/color]

    [color=0000FF]ـ بعد عودتهم إلى لندن أثاروا قضية المعتقلين في مجلس العموم، وطالبوا بإطلاق سراحهم،و انهاء حالة الطوارئ التي كانت مفروضة منذ حادث قنبلة مطار عدن، كما وجهوا انتقادات شديدة لممارسات الإدارة الاستعمارية، ولسياسات حكومة المحافظين حيال المنطقة، ودعوا إلى الانفتاح على القيادات الوطنية الفاعلة والمؤثرة.. كماحرص النائب ديك تافرن على نشر أكثر من مقالة في إحدى الصحف البريطانية سلط فيها الضوء على ما شاهده هو وزميلاه في عدن أثناء زيارتهم لها، وعلى سوء الأوضاع، والإجراءات التعسفية التي تمارسها السلطة البريطانية ضد القوى الوطنية، والحركة النقابية، كما أنتقد سياسات وزارة المستعمرات ومخططاتها الرامية إلى دعم عناصر لا تحظى بتأييد شعبي..
    وكان هذا النائب شريكا حينها في مكتب محاماه كبير مع دينجل فوت - شقيق اللورد كارادون الذي كان قد عمل في فلسطين حين كانت تحت الانتداب البريطاني، ثم حاكما لقبرص قبل استقلالها، ثم مندوبا دائماً لبلاده لدى الأمم المتحدة- من عام 1965م، حتى تقاعده من الخدمة في أواخر الستينيات، وكان هو صاحب القرار 242 الذي صدر عن مجلس الأمن الدولي عقب العدوان الإسرائيلي الغادر على مصر وسوريا، والأردن في الخامس من شهر يونيو عام 1967م، والذي آثار الكثير من الجدل بسبب إغفال هذا الدبلوماسي البريطاني الشهير استخدام (ال التعريف) عند صياغته لأهم بند من بنود ذلك القرار، وهو البند الذي ينص على وجوب انسحاب إسرائيل من الأراضي العربية التي إحتلتها، إذ اكتفى ب(أراضي عربية) بدلاً من (الأراضي العربية) خلافاً للنص باللغة الفرنسية الذي تضمن (ال التعريف)..
    كما أن كلا من دينجل فوت ،واللورد كاردان هماأيضاً شقيقان لمايكل فوت الذي تعرفت عليه هو الآخر بعدئذ حين كان وزيراً للعمل أثناء زيارتي للندن بدعوة منه بصفتي وزيراً للعمل والشئون الاجتماعية والشباب في حكومة الشطر الشمالي سابقاً- (الجمهورية العربية اليمنية)- في يونيو عام 1974م، ثم ما لبث أن أصبح زعيماً لـ (حزب العمال) لفترة قصيرة من الوقت، إلا أنه لم يصل إلى رئاسة الحكومة.. وكان هؤلاء الأشقاء الثلاثة يعتبرون - مثلهم مثل الأخوة هكسلي من الأسر التي اشتهرت بالنبوغ في بريطانيا.
    [/color]


    [color=FF0000]ـ في عام 1964م ذهبت مع عبدالله الأصنج إلى لندن.. ماذا كان الهدف؟ [/color]

    [color=990000][color=0000FF]ـ ذهبنا -الأخ الأصنج وأنا- في شهر يونيو عامئذ إلى لندن لمعارضة مؤتمر كان يعقد فيها بين وفدين من وزراء (الاتحاد الفيدرالي للجنوب العربي)، و(حكومة عدن) وبين وفد من وزارة المستعمرات برئاسة وزير المستعمرات- دنكان سانزر- بحضور المندوب السامي البريطاني في عدن وبعض مساعديه، فنظم النائبان العماليان المعارضان جورج طومسون، وبوب إدوارد لقاء في إحدى قاعات مجلس العموم لنا مع عدد من زملائهما، وألقى رئيس الحزب كلمة في هذا اللقاء شرح فيها موقف الحزب من ذلك المؤتمر، وآخر المستجدات في المنطقة، كما رد على أسئلة بعض أولئك النواب.. وقد حضر معنا هذا اللقاء أيضاً الأخوان عبد القوي مكاوي، وعمر عبدالعزيز شهاب عضوا (مجلس عدن التشريعي) حينها اللذان كانا قد حضرا إلى لندن لمعارضة ذلك المؤتمر.
    ولعله كان من الطبيعي أن يسهم كل ذلك التعاطف والتعاون، والتفهم لعدالة قضية شعبنا، ولرؤى ومواقف الحزب، و(المؤتمر العالمي) من جانب عدد من قادة ونواب (حزب العمال) المعارض، في تعزيز تصور البعض من أعضاء قيادتهما ـ الحزب و(المؤتمر العمالي) ـ بإمكانية تحقيق الاستقلال الوطني الكامل في حالة تسلم (حزب العمال) زمام الحكم في بريطانيا، وترسيخ الاعتقاد لديهم بأن سياسات ومواقف هذا الحزب من قضايا الشعوب الرازحة تحت نير الاستعمار البريطاني تختلف عن سياسات ومواقف (حزب المحافظين) الذي كان يتولى الحكم حينها، سيما وأن الأول يعتبر بموجب المفاهيم والمعايير الغربية حزباً ليبرالياً فيما يمثل الأخير القوى اليمينية المتشددة والامبريالية.[/color]
    [/color]


    [color=FF0000]ـ لكن.. كيف توصلتم بعدئذ إلى اقتناع حاسم بوجوب المشاركة في الكفاح المسلح؟ [/color]

    [color=0000FF]ـ توصلنا إلى هذا الاقتناع حين تبين لنا مع مرور الوقت بأن المراهنة على وصول (حزب العمال) إلى سدة الحكم كانت مراهنة خاطئة، إذ ما لبث هذا الحزب أن فاز في الانتخابات البرلمانية التي أجريت في بريطانيا في خريف عام 1964م على (حزب المحافظين) وقام زعيمه هارولد ويلسون بتشكيل حكومة جديدة من أعضاء حزبه الفائز، فتولى أنطوني جرينوود حقيبة وزارة المستعمرات فيها خلفاً لوزيرها السابق المحافظ دنكس ساندز الذي كان قد تزوج من ابنة أشهر زعماء بريطانيا، وأبرز رؤساء وزرائها في القرن العشرين ونستون تشرشل إلا أنه افترق عنها فيما بعد.
    وقبيل غروب ذلك العام، قام وزير المستعمرات العمالي الجديد بزيارة قصيرة إلى عدن حيث أطلق الدعوة إلى عقد مؤتمر في لندن يوم 3 مارس عام 1965م لـ (فريق عمل) ـ Working Group)) ـ يضم ممثلين عن كل من (المجلس الأعلى للاتحاد الفيدرالي للجنوب العربي)، و(حكومة مستعمرة عدن) و(حزب الشعب الاشتراكي)، و(رابطة أبناء الجنوب العربي) إلى جانب ممثلين عن (وزارة المستعمرات) برئاسته بحيث يقوم هذا الفريق بالتحضير لـ (مؤتمر دستوري) (itutional Conferenceََُُّّ) يعقد بعدئذ من أجل استكمال اللمسات الأخيرة للاستقلال.
    وجاءت زيارته هذه لعدن فيما لم تكن قد مرت سوى فترة قصيرة على تعيين ريتشارد ترنبول ـ المندوب السامي السابق في تانجنيقا ـ قبل أن تضم جزيرة (زنجبار) عام 1964م ليصبح اسمها تانزانيا ـ مندوباً سامياً في عدن خلفاً لكينيدي تريفا سكي الذي كان أول من حمل هذا اللقب من بين الولاة الذين تعاقبوا على عدن بعد أن عمل في الجنوب لعقود، ومع اقتراب المؤتمر المقترح من موعده المقرر، أخذت الأطراف المحلية الأربعة المدعوة لحضوره تفصح عن مواقفها منه، إذ أعلنت ثلاثة منها عن رفضها الاشتراك في (فريق العمل)، وحضور اجتماعاته.. فمن ناحيته إشترط (المجلس الأعلى للاتحاد الفيدرالي) وجوب حضور ممثلين عن (محميات عدن الشرقية) - (السلطنة القعيطية)، و(السلطنة الكثيرية)، و(سلطنة المهرة) المؤتمر المقترح، نظراً لأن هذه السلطنات الثلاث كانت غير منضمة إلى ذلك الكيان الاتحادي الفيدرالي..
    وفي نفس الوقت رفض (حزب الشعب الاشتراكي) تلبية دعوة وزير المستعمرات «ما لم يكن هناك تأكيد مسبق بأن ذلك المؤتمر سوف يكرس لبحث القضايا الجوهرية والأساسية بالتفصيل وفقاً لجدول أعمال محدد يتم الاعلان عنه سلفاً مع ضررة وجود ضمانة كافية تمكن التنظيمات الوطنية من إقناع الرأي العام بأن المؤتمر المقترح عقده لن يكون بمثابة لعبة أخرى من اللعب السياسية» كما صرح بذلك رئيس الحزب أمين عام (المؤتمر العمالي) عبدالله الأصنج - لوسائل الإعلام يوم 19 فبراير عام 1965م فيما أعلن في اليوم التالي ناطق باسم (رابطة أبناء الجنوب العربي) بأن «حزبه يشترط للمشاركة ألا يكون المؤتمر بين سيد ومسود، أنه يؤيد فكرة إقامة دولة وحدوية في الجنوب».
    وخلافاً لهذه الأطراف الثلاثة، فقد أبدت (حكومة عدن) التي كان يرأسها زين عبده باهارون موافقتها على المشاركة في (فريق العمل)، وعلى حضور المؤتمر المزمع عقده في الموعد المحدد له بالرغم من مطالبة بعض أعضاء (مجلس عدن التشريعي) لها بأن تطلب تأجيل موعد انعقاد ذلك المؤتمر إلى وقت لاحق حتى تقوم بالتشاور والتنسيق مع بقية القوى الوطنية حول السياسة التي يتعين انتهاجها، والمواقف التي يتوجب اتخاذها خلال أية محادثات تعقد مع الحكومة البريطانية.. وحيال إصرارها على المشاركة والحضور قام المناضل هاشم عمر اسماعيل بتقديم استقالته من عضوية المجلس تعبيراً عن احتجاجه على موقف (حكومة عدن)، ثم ما لبث في عدن بعض الوقت حتى نزح إلى تعز حيث انضم إلى (الجبهة القومية) التي كانت تنفرد بقيادة الكفاح المسلح، إذ كان قد سبق له أن ساهم في عام 1958م مع عدد من العناصر الوطنية في تنفيذ بعض العمليات الفدائية في عدن ريثما تمكنت أجهزة الأمن والاستخبارات البريطانية من إكتشاف ثلاثة منهم، وقامت باعتقالهم..
    وكان هؤلاء الثلاثة ..صالح عبدالرزاق الشعيبي الذي بقى وراء قضبان (سجن عدن المركزي)، ثم وراء قضبان (سجن المنصورة) منذئذ وحتى إعلان الاستقلال حين أطلق سراحه، والمناضل محمد عوض العولقي الذي بقى رهن الاعتقال لفترة من الوقت، والمناضل الدكتور عبدالحافظ ثابت نعمان الذي اعتقل لأشهر ريثما افرج عنه بسبب صغر سنه.. وكان هناك تنسيق بين هذه المجموعة وبين الأخ المناضل الكبير محمد عبده نعمان الذي كان قد أُبعد من عدن من شمال الوطن عام 1956م لدوره البارز في نشر الوعي الوطني، وفي الدعوة إلى وحدة اليمن، وفي مسيرة النضال في شطري الوطن، وكان على رأس مؤسسي (الجبهة الوطنية المتحدة ) وأمينها العام المهم لم يعقد ذلك المؤتمر المقترح في موعده كما كان يريد وزير المستعمرات الذي لم يجد بداً من صرف النظر عنه الى حين..
    [/color]

    [color=FF0000]ـ ثم ماذا حدث بعدئذ؟ [/color]

    [color=0000FF]ـ لم يتخل جرينوود عن خطته الهادفة إلى عقد مؤتمر (فريق عمل)، وإنما ظل يتحين الوقت المناسب لإحيائها من جديد.. وفي 23 يوليو من العام نفسه 1965م قدم فجأة إلى عدن في زيارة ثانية لها.. وفور وصوله كلف دار المندوبية السامية بالاتصال هاتفياً مع رئيس الحزب أمين عام المؤتمر العمالي لنقل رغبته في الاجتماع مع وفد من الحزب.. وفي الساعة الثامنة من صباح اليوم التالي التقيناه- رئيس الحزب وأنا- في مقر إقامته دار المندوب السامي الكائن على التل المطل على مدخل ميناء النواهي، فاستهل حديثه بالقول: «لقد حرصت على أن التقي معكم أولاً قبل أن التقي مع أي طرف آخر حتى أعرف ما إذا كان حزبكم مستعداً للمشاركة في (فريق عمل) يجتمع في لندن من أجل التباحث حول مستقبل الجنوب.. وإذا كان لديكم أية شروط حتى أبدي رأيي فيها.. وفي ضوء ما نتوصل إليه، سألتقي مع ممثلين عن كل من (المجلس الأعلى للاتحاد الفيدرالي)، و(حكومة عدن)، و(رابطة أبناء الجنوب العربي)، كما سأقوم بالاتصال مع حكام (محميات عدن الشرقية) ـ سلطنات القعيطي، والكثيري، والمهرة ـ من أجل إقناعهم بالمشاركة وحضور (مؤتمر فريق العمل) الذي اعتزم عقده في اقرب وقت ممكن.. كما راح يؤكد على اهتمامه بمشاركة وحضور الحزب.
    كان ردنا عليه، كما قال له الأصنج «إن (حزب الشعب الاشتراكي) يطالب بتنفيذ كافة القرارات التي صدرت عن الأمم المتحدة نصاً وروحاً، فإذا ما التزمت الحكومة البريطانية بتطبيق هذه القرارات كاملة، وأعلنت مسبقاً تعهدها بذلك، فليس لدى الحزب أي مانع من المشاركة في أي فريق عمل، وحضور أي مؤتمر طالما كان سيناقش الآليات والترتيبات اللازمة لتنفيذ تلك القرارات».. وكانت قرارات الأمم المتحدة تنص ـ ضمن ما كانت تنص عليه ـ على وجوب قيام سلطة الاحتلال ـ أي حكومة المملكة المتحدة ـ بإجلاء قواعدها العسكرية من الجنوب قبل إعلان الاستقلال..
    [/color]


    [color=FF0000]ـ وماذا كان رده؟ [/color]

    [color=0000FF]ـ أعرب لنا فوراً عن موافقة الحكومة البريطانية على تلك القرارات، وعن التزامها المطلق بتنفيذها، لكنه أردف يقول «فقط أريد منكم أن تتركوا لي الفرصة لبحث الأمر مع بقية الأطراف التي سأجتمع مع ممثلين عن بعضها، وسأتصل مع مسئولي بعضها الآخر خلال الساعات المقبلة حتى أقوم بإقناعها بما اتفقنا عليه.. ثم سألتقي معكم مرة أخرى في الساعة العاشرة مساء لأطلعكم على نتائج اجتماعاتي واتصالاتي مع الأطراف الأخرى، ولكن أرجو أن تكونوا جاهزين للمجيء فور الاتصال بكم هاتفياً لتأكيد الموعد.
    وقبيل الساعة العاشرة مساء تلقينا بالفعل من دار المندوب السامي مكالمة هاتفية بأن وزير المستعمرات في انتظارنا، وفور دخولنا عليه أخبرنا أنه نجح في إقناع الأطراف الأخرى بالموافقة على أن يتولى (مؤتمر فريق العمل) أثناء انعقاده في لندن بحث كيفية تنفيذ قرارات الأمم المتحدة، ووضع جدول زمني لذلك وفقاً لما نصت عليه تلك القرارات «لكني أود أن أوضح هنا بأن (حكومة عدن) الجديدة برئاسة عبدالقوي مكاوي، والتي كانت قد خلفت الحكومة السابقة برئاسة زين عبده باهارون، وكذلك (رابطة أبناء الجنوب العربي) كانتا تطالبان أيضاً بتنفيذ قرارات الأمم المتحدة.
    كان جرينوود قد أخبرنا في نهاية لقائنا الثاني معه بأن الدعوة لحضور المؤتمر المقترح سيتم إرسالها إلينا من قبل المندوب السامي في عدن قبل موعد بدء جلسات المؤتمر بوقت كاف فيما ظل يردد بأنه يعقد الأمل على اشتراك الحزب وحضوره.. وقبل رحيله من عدن إلى العاصمة البريطانية، أدلى لوسائل الإعلام ببيان يؤكد فيه موافقة حكومة بلاده على قرارات الأمم المتحدة جملة وتفصيلاً، وتعهدها بتنفيذها نصاً وروحا.
    فلم تكد تمضي بضعة أيام حتى تلقى الحزب ـ مثله مثل بقية الأطراف ـ الدعوة التي نصت على أن تمثيل الحزب يقتصر فقط على مندوب واحد، ومندوب مناوب، كما نصت الدعوة الموجهة ل(الرابطة) على نفس الشيء خلافاً لكل من (المجلس الأعلى للاتحاد الفيدرالي)، و(حكومة مستعمرة عدن) اللذين حظيا بتمثيل أكبر، إذ دعى أربعة مندوبين من (الاتحاد الفيدرالي)، وثلاثه مندوبين من (حكومة عدن)، ومندوب واحد لكل من (السلطنة القعيطية )، و(السلطنة الكثيرية)، و(سلطنة المهرة)..
    في طريقنا إلى لندن توقفنا في القاهرة ليومين التقينا خلالهما مع عزت سليمان نائب رئيس المخابرات العامة للشئون العربية المكلف بملف الجنوب اليمني المحتل، وأطلعناه على ما دار في محادثاتنا مع وزير المستعمرات البريطاني، كما أوضحنا له بأن لا ضرر من حضورنا المؤتمر بعد أن تعهد الوزير البريطاني بتطبيق قرارات الأمم المتحدة، بما فيها قرار سحب القواعد العسكرية قبل الاستقلال، وهي القرارات التي شارك وفد مصر لدى الأمم المتحدة في صياغتها والتصويت بالموافقة عليها..
    فأكد بدوره لنا أن موقفنا صائب، لكنه أعرب عن خشيته من أن يحاول البريطانيون الالتفاف على تلك القرارات بطريقة أو أخرى، فطمأناه إلى أننا لن نوافق على أي شيء من هذا القبيل، بل لن نتردد في الانسحاب من المؤتمر، والعمل على إفشاله في حالة نكوث الوزير البريطاني بما التزم به علنا في بيانه الذي أدلى به لمراسلي وكالات الأنباء، والصحفيين في عدن قبل مغادرته لها، وما تعهد به لنا في اجتماعاتنا معه.. وأكدنا له بأننا سنعود من لندن إلى القاهرة للاجتماع معه من جديد من أجل التنسيق حول ما سنقرر القيام به في ضوء ما سيسفر عنه المؤتمر المقرر عقده في لندن.. تم طرنا من القاهرة إلى العاصمة البريطانية.. وكان المكاوي قد مر هو الآخر بالقاهرة حيث التقى مع عزت سليمان..
    وصباح يوم 3 أغسطس افتتح وزير المستعمرات جرينوود.. بصفته رئيس الوفد البريطاني، المؤتمر الذي عقد جلساته في (قصر لانكستر) الذي كانت تعقد فيه عادة المؤتمرات بين الحكومة البريطانية وبين وفود من قيادات شعوب المستعمرات البريطانية السابقة. وكان مع الوزير جرينوود وفد من الوكيل الدائم في وزارته، وآخر من كبار موظفيها، بالإضافة إلى المندوب السامي في عدن- ترنبول فيما حضر عدد من المسئولين البريطانيين العاملين في المنطقة كمراقبين وتوالت الجلسات يومياً في الصباح وبعد الظهر..
    وفي إحدى الجلسات الصباحية حدث تراشق بالاتهامات بين أحد أعضاء وفد (حكومة عدن) وبين أحد أعضاء وفد (المجلس الأعلى للاتحاد الفيدرالي) حتى كاد الاثنان يدخلان في عراك بالأيدي لولا تدخل بعض الحاضرين.. ولدى احتدام الخلاف بين ممثلي بعض الأطراف المشاركة حول بعض القضايا، تقرر أن تجتمع الوفود فيما بينها حتى تتفق إذا أمكن، وتحسم خلافاتها.. فعقدنا اجتماعاً في نفس القاعة بعد انسحاب كافة البريطانيين منها، وأُختير لرئاسة هذا الاجتماع المثقف الكبير، والمؤرخ الشهير محمد عبدالقادر بامطرف الذي كان ضمن وفد (السلطنة القعيطية)، لكن لم يتم التوصل إلى أي اتفاق.. وكانت تلك هي المرة الأولى والوحيدة التي قابلت فيها ذلك الرجل الذي لا يعتبر من أعلام المثقفين والمؤرخين في اليمن وحسب، وإنما أيضاً في الوطن العربي..
    ولست أبالغ إذا قلت بأنه كان سينال من الشهرة لو كان هاجر إلى مصر نفس ما ناله الأديب اليمني الكبير علي احمد باكثير منذ هجرته إليها لكن لئن لم يحظ في حياته بما يستحقه من التكريم، فإن من واجب الدولة أن تخلد ذكره، وأن تكرمه بعد رحيله بإطلاق أسمه على أي شارع أو على أي مؤسسة ثقافيةً كبرى، وبنشر كل ما لم ينشر من تراثه بعد أن نشر كتابه (الجامع) كاقل تقدير.. المهم انتهى هذا اللقاء بالخلافات.. فاستأنف المؤتمر جلساته حتى يوم 8 أغسطس.. وفي جلسة بعد ظهر هذا اليوم تطرقت المناقشات إلى بند (سحب القواعد العسكرية البريطانية من الجنوب قبل الاستقلال) كما نصت على ذلك قرارات الأمم المتحدة، فإذا بالوزير البريطاني يصر على رفض تنفيذ هذا البند قبل الاستقلال، وراح يبرر إصراره بالقول أن مصير هذه القواعد ينبغي أن يتقرر من خلال التفاوض بين الحكومة البريطانية وبين حكومة الجنوب عقب الاستقلال، إذ من غير المستبعد أن يتفقا على إبرام عقد تقوم بموجبه الأخيرة بالسماح ببقاء القوات البريطانية في أراضيها مقابل قيام الأولى بدفع إيجار سنوي».. وعلى الرغم من رفض كل من المكاوي والأصنج لرأيه، فقد ظل الوزير البريطاني متمسكاً به، ومصراً عليه فيما كان يبدو بوضوح أن الوكيل الدائم بوزارة المستعمرات حينها -جا لزورتي- هو الذي كان يشير ويضغط على جرينوود بذلك..
    كنت أتابع النقاش الدائر حول مصير القواعد العسكرية من مقعدي خلف رئيس الحزب حتى بلغ مني الاستياء مبلغه من جراء إصرار الوزير البريطاني على التمسك برأيه وموقفه، فأخذت أتحفز للكلام لولا علمي بأن ليس من حقي طلب الكلمة طالما كان مندوب الحزب موجوداً في القاعة.. فاتفقت مع عبدالله الأصنج الذي أحس بتحرقي للمشاركة في الرد على وزير المستعمرات على إتاحة الفرصة لي، فغادر بدوره القاعة حتى أستطيع تبوء مقعده بصفتي المناوب له.. ولفوري رفعت يدي طالباً الحديث، لكن الوزير جرينوود رئيس الجلسة، أو بالأحرى رئيس المؤتمر ظل يتحاشى الالتفات إلي لدرجة أحسست معها كما لو أنه لا يريد أن يعطيني حق الكلام، إذ مضى يدعو آخرين للحديث ـ الواحد تلو الآخر ـ حتى من رفعوا أيديهم بعدي فلما نفد صبري من طول الانتظار، رحت أدق الطاولة التي أمامي بقلم عدة دقات خفيفة من أجل تنبيهه إلى أنني أود الإدلاء بدلوي في النقاش حتى التفت إلي، وقال: «سوف أسمح لك بالكلام حين يأتي دورك»، ثم ما لبث بضع دقائق حتى أعطاني الكلمة..
    فقلت له:«لقد وافقنا على حضور هذا المؤتمر لأنك تعهدت لنا حين التقينا معك في عدن، كما أكدت ذلك قبيل مغادرتك لعدن في البيان الذي أدليت به لوسائل الإعلام بأنك والحكومة البريطانية موافقان على تنفيذ كافة قرارات الأمم المتحدة، ملتزمان بتطبيقها، لكن ها نحن نرى الآن بأنك تنكث بذلك التعهد، إذ تصر على التنصل من إجلاء القواعد العسكرية من أراضي بلادنا قبل الاستقلال، كما نصت على ذلك تلك القرارات بوضوح وعليه فإن حزبنا غير مستعد للتضحية بسمعته، ورصيده الوطني، ومكانته، ذلك لأن الموافقة على رأيكم تعرضنا للاتهام بخيانة شعبنا..
    وعلى أية حال فإن المسئولية عن فشل هذا المؤتمر تقع عليكم إذا ما أصررتم على رفض سحب قواعدكم العسكرية من أراضي بلادنا قبل استقلالها.. أخيراً، دعني أصدقك القول بأننا فقدنا الثقة في مصداقيتكم.... الخ».
    [/color]

    نقلا عن البيان الأماراتية
     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2003-11-30
  3. عبدالرشيدالفقيه

    عبدالرشيدالفقيه مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2002-12-01
    المشاركات:
    3,577
    الإعجاب :
    0
    دائماً أكثر من رائع وأكثر من متميز عمنا تايم .. لك جزيل الشكر..
     
  4.   مشاركة رقم : 3    ‏2003-11-30
  5. أبو لقمان

    أبو لقمان مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2001-06-11
    المشاركات:
    5,204
    الإعجاب :
    3
    شكرا .. تايم على هذه المعلومات القيمة ..
    وننتظر الأجزاء الأخرى ...
    وننتظر مذكرات باسندوة بفارغ الصبر .. فقد أثبت هذا الرجل عندما تولى وزارة الخارجية إبان حرب الإنفصال أنه كان أكثر من كفؤ لذلك المنصب .. ولست أدري لماذا لم يختر مرة أخرى

    تحياتي
     
  6.   مشاركة رقم : 4    ‏2003-12-01
  7. نقار الخشب

    نقار الخشب قلم ماسي

    التسجيل :
    ‏2002-12-04
    المشاركات:
    17,755
    الإعجاب :
    4
    [​IMG]
     

مشاركة هذه الصفحة