أيتها المدينة الرائعة .... أنا أرعي أغنامي حولك ( حكاية حقيقية)

الكاتب : الملاك الطائر   المشاهدات : 601   الردود : 2    ‏2001-08-03
      مشاركة رقم : 1    ‏2001-08-03
  1. الملاك الطائر

    الملاك الطائر عضو

    التسجيل :
    ‏2001-07-07
    المشاركات:
    4
    الإعجاب :
    0
    ( أيتها المدينة الرائعة .... أنا راعي الأغنام حولك )

    ( هذه قصة ومأساة قصة ... هي حقيقية ومؤلمة ، لأم رائعة حرمت من أطفالها بالقوة ، وأبعد الأطفال عن قلب أمهم ، فتفجرت عيونها بالدموع ، وظلت ساهرة ليلها تنتظر عودة صغارها إليه !
    ومقالي هذا ... محاولة يائسة ، ورسالة مشفقة ، إرسلها لها ، لعل شيئا من جراحها يندمل ، أو لعل شيئا من دموعها يكفكف ، هذه رسالة من راعي للأغنام - كما صورته - وبين مدينة الأحزان الشامخة )


    كراع للغنم أنا واقف على هضاب مجاورة لتلك المدينة .
    مدينة رائعة ، جميلة ، فاتنة ، ساحرة ، لكنها يتيمة بين المدن ، وحيدة بين القرى والهجر ، بعيدة عن صخب الناس ، مدينة مهجورة قابعة خلف تلال وهضاب السوسن، سورها العظيم لا زال معظمه شامخا معاندا الزمن ، ليثبت للجميع أنها صاحبة الكبرياء ، الذي لا يقبل الشفقة ، وصخور هنا وهناك ، قد تبعثرت حول بقايا أجزاء سور ، وبصمات أولاد القرية ونساء القرية لا تزال صارخة بأن هناك بقايا للذكريات ، لا زالت تجول في البلدة .

    كراع لوحدي بين غنيماتي ، وغنيماتي حولي ، أسرح بهن وأجول بين واحات الزهر ، وأنهارالخلد المتدفق من الجليد المتلبد على قمم الجبال .
    كراع بين غنمه لا أحد ينظر إليه بوقار أو اهتمام ، لكنه مستمتع بصحبة الطبيعة ، وبصحبة غنيماته القليلة السارحة في مرج الزهور .
    يطوف بين الهضاب والتلال ... في خطوات هادئة وسكينة رائعة ، يتجول ومزوده المرقع على كتفه، وعصاه بيمينه ، يشير بها على غنمه ، يسوقها نحو جدول قد أخترق ذلك الجبل الأشم ، جدول يتدفق بالمياه الباردة المنعشة ، يتلقط منه رشفات قبل أن ينسكب على الأرض ويسيح فيها ليقطع الدروب نحو الأعشاب والحشائش التي تلف سور المدينة .

    النسور الجبلية تحلق فوق ، في السماء ، فوق الراعي ، مكونة دائرة ، وكأنها أصبحت قرص يدور فوق الأغنام .

    النسيم عليل ، والهواء لطيف ، ورائحة الزهور ، رائعة ، في ذلك المكان ، لا يوجد إلا ذلك الراعي الفقير الذي لا يهتم به أحد ولا ُيلقى له أهتمام ، لأنه فقير ومسكين !

    لكنه ... رحيم ، جدا رحيم ، يضم في قلبه أجمل معاني الرأفة والشفقة ، إنه ليحمل الحمل الرضيع اليتيم ، ليكون له الأم والأب بعد موت أمه ، إنه رقيق وحساس ، ولا يحب أن يكون جبارا ، ويكره الظلم وينبذه وينابذه ، ولذلك هو منبوذ من الناس .

    الراعي .. يترك غنيماته ترعى في أمان في مرج قريب من أسوار المدينة الجميلة الرائعة ، ويقترب من تلك الهضبة المطلة على المدينة ، وينفس الصعداء ، وينظر بنظرة مشفقة ومحبة ودافئة للمدينة ، ويقول :

    أيتها ... المدينة أتمنى لو كان أمري مطاع .
    أتمنى لو كنت مدينتي وكنت أنا ملكا عليك .
    أتمنى لو كنت قرية بستانية جميلة وأنا قائد جيش لجب .
    لحاصرتك بكل قوة ، ولقذفت أسوارك بالورود ، ولقصفت أبوابك بالرجاء ... نعم بالرجاء !

    ولتضرعت تحت أسوار المدينة ، تضرع الفقير الذليل ، المشفق الخائف الوجل .
    الذي يقول : يا أيتها المدينة الطيبة ... لا تقسي على نفسك !
    أيتها المدينة هل فهمتي شعوري ؟
    سمعت صوتك أيتها المدينة ... صوت بريء جدا ، لكنه مرعوب ، خائف ، قلق ، وبريء !
    هذه هي أطلالك ... وبقايا سورك ، وآثار أهلك ، وأولادك ، هذه لعب أطفال أراها من بعيد ، هذه أواني وكؤوس أهلك لا تزال موجودة وإن كانت مبعثرة .
    هذا أريجك أيتها المدينة الطيبة ... يلفك برائحته الزكية ، وهذي هي المروج تطوق خصرك الممشوق بأنواع الزهور والورود الناضرة .

    ارجوك أتضرع إليك لا تتركيني وحيدا ، كما فعل الناس ، لا تجيبيني بصمتك المجنون ، لا تسكتي ، لا اريد أن أسمع صدى صوتي أنا !

    ارجوك أتضرع إليك لا تقسوى على نفسك ، لا تجرحيها ، لا تحمليها فوق طاقتها ، ارجوك لا تعيني المارد الشيطاني على نفسك ، أمنحيها الثقة ، فأنت لا زلت بكبريائك وأنفتك ، تقاومين عواتي الدهر ، وتصاريف الليالي والأيام .
    أمنحي الناس الرحمة ، أنظري للناس كأطفال ، وأنت أم الجميع ، والأم تغفر الزلات ، أنت مدينة وسور للجميع ، ارجوك ثم ارجوك ، لا تعذبي نفسك ، ولا تقتليها بالعزلة والاكتئاب ، ارجوك إن كان لي مثقال محبة عندك .

    أيتها المدينة الشيهة الرائعة ... أنا من البشر ، من دون سائر البشر عندك ، وأقف أمام أسوارك الشامخة ، أقبل يديك ، وألثم أبوابك ، وأحتضن مروجك الخضراء .

    أكفكف دموعك ، أجمع ألعاب أطفالك ، سوف أحتفظ بها دائما في مزودي ، حتى إذا رجعوا إليك أحتضنهم وأقبل أكفهم الصغيرة ، وألثم جبينهم المشرق البريء .

    وكأني أرى وأتنبأ من وراء أستار الغيب ... أرى تلك الأرجوحة التعيسة والمدمرة ، التي وقفت عليها الغربان ، قد عادت كما كانت ، وأرى أطفالك حولها يلعبون ، وعليها يتأرجحون ، نعم ... إني أراهم هناك ، وأراك وأنت بشموخك وجمالك وروعتك واقفة من بعيد كالشمس الفاتنة ، قد احتضنت أولادك بأشعتك الذهبية الدافئة .

    أرى أطفالك ... حولك يهتفون : أمي ... أمي ... حبيبتي ... غاليتي ... أمي .

    أيتها المدينة ... أقبل قدميك ، لأني أحمل في قلبي كل معاني ورحمة الأم التي فقدت أطفالها ، أيتها المدينة ، أنا لوحدي أقف بجوارك ، لأنه ليس لي مأوى غيرك .

    أيتها المدينة العجيبة الحزينة ... كفكفي دموعك ، وأطوي ألمك في سجل النسيان ، فلعل الجرح أن يندمل ، ولعل الحزن أن يغادر قلبك المفجوع .

    أستحلفكن بالله يا زهور المرج ، ويا ورود الهضاب ، إلا أن سكبتن عطوركن لهذا المدينة الخالدة .

    أستحلفك بالله يا زهرة الوالدي ... أنت أيتها الزهرة الصغيرة ، ضمي إليك تلك المدينة الحزينة بكل قوة ، فإني عاجز أمام دموعها ، وكبريائيها العجيب .

    إنها لا تريد أن تبكي أمامي ، لا تريد أن تستجديني ، لا تريد أن أمنحها الأهتمام ، لكني أنا المعذب ، أرى تجاعيد وجهها بادي على أسوارها ، أرى شلالات دموعها قد أغرقتني بالأحزان ، أراها تحتبس أنينها خشية الشامتين !

    الله لك يا مدينتي البائسة ... أنا لوحدي بجوارك ، لكن ماذا أفعل وأنت لا تزالين مغلقة أبوابك العظيمة أمامي ، ماذا أفعل ومثلي يعجز عن تسلق أسوارك الشامخة في السماء !

    قولي لي ولا تعذبيني : كيف أقدم لك التعازي والمواساة ، وأنت صامتة كصمت الجبال المحيطة بك من كل مكان ...؟

    أيها النسر المحلق ، خذني معك كي أحلق وأطير في السماء أتجاوز الحدود ، وكل السدود ، أرى بهاء وروعة المدينة ، أرى أسوارها العظيمة .

    أيها النسر المحلق ... أحملني بكل طهارة ، وأنزلني في قلب المدينة ، بين أضلاعها التي تأن من وطئة الأسى ومرارة الحرمان ، أريد أن أضع أذني على قلبها الخافق ، كي يخفق قلبي له ، أحملني أيها النسر في الأعالي ، فوق ، فوق ، وضعني تحت أجنحتها ، فأنا محرم مثلها وأحتاج إلى عطفها ، أيها النسر أحملني فوق أقصى ما تستطيع ، ثم أنزلني بكل سكينة ، كي أضم بأجنحتي بقايا كبرياء مدينتي الحلوة الحزينة .

    أقسم لك أيتها المدينة .. أنني أسمع صراخك دون أن تنطقين ، إني أسمع صراخ داخلي ، وفي ذاتي ينبض في شرايين قلبي !

    أيتها المدينة ... أحبك حبا تجاوز الحدود ، وتخطى الأسوار ، أرتمي عند أقدامك ، عند أسوارك ، ألثم بقايا شموخك وكبريائك ، أحبك أكثر مما تتخيلين ... حبا لم ولن يعرفه البشر ... أحبك .

    آنستي أيتها الرائعة ... هل قصة غرامنا لم يكتب لها القدر أن تنمو؟!

    كزهرة يتيمة وجدت في صحراء قاسية ، فجرحت كبرياء الزهرة الرقيقة ، فتلاشت كما يتلاشى الندى عن خد زهرة البنفسج .

    سيدتي أيتها الغادة الفاتنة ... أصابعي قلقة مضطربة وهي تبحث بين أقلامي وأحباري وأوراقي ... بين حروفي ، بين كلماتي ، بين أنفاسي ، كأنها كانت تتمنى لو أن كل حرف من حروفها أمنية فأحققها لك !

    لالالا ... يكفيني من كل حروفي المبعثرة أربعة حروف فقط ، لأربعة أبناء رائعين لأم رائعة ، لترجع الفراخ إلى عشها الدافء تحت جناح أم رؤوم رحوم ، تحت جناج أم لم تعرف في الليلها إلا السهر ، تراقب النجوم وتصيح وتصرخ بلا صوت ولكن في أعماق ضلوعها : أينكم يا أحبتي يا أفراخي يا صغاري ، أينكم أطفالي المساكين .

    أيتها المدينة الشامخة ... أنا راعي فقير ومعدم ، وهل مثلي يمكن أن يواسي جراحك الغائرة ، ويوقف سيل دموعك الجارية ؟!

    ولكني سأبذل من أجلك قلمي وحروفي وروحي ، كلماتي وهج ملتهب ينبض به قلبي ، كبركان متفجر ، ليسطر مأساة ، ودموع ، وآلام، وآهات ، رسمت لوحة الدموع بكل تفنن .

    سيدتي أيتها المدينة الرائعة ... ليس بعد ظلام الليل الحالك إلا بزوغ الفجر وطلوع جبين الشمس ذات الأشعة الذهبية الرائعة ، التي سوف تشتت الغيوم السوداء عن أسوارك ، عندها فقط :

    أذكرني ... أذكري أن هناك راع فقير مر من هنا ، وتألم من أجلك ، وبكي من أجل أشراق فجرك .

    تذكرني ... وتذكري أنني وقف طويلا عند أسوارك أستجدي العطف ، الذي حرمت منه طويلا ، ولكني لا أريد إلا أن أخرج من العدم ، من بين أضلاعي عطفا لك أنت ، فقد آثرتك على نفسي .

    تذكري ... أنني ممرت من هنا ، ووقفت هناك .
     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2001-08-03
  3. المتمرد

    المتمرد جمال عيدروس عشال (رحمه الله) مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2000-10-13
    المشاركات:
    6,577
    الإعجاب :
    0
    اللقب الاضافي:
    توفى يوم الأربعاء 5 يناير 2005
    نغمات موسيقية قلبية خطتها انامل تعرف معنى( المعاناه ) وتقدرها..
    وكأنها عزفت لنا مقطع موسيقي يرثي حال مدينة كانت عامرة منضجة بالسكان عامرة شوارعها مزينتة بافضل الاشجار ..اشجار النخيل على يمينها وعلى يسارها. ويكسوا ازقتها الورود تحت السحاب التي حجبة الشمس من ان تحرق هذه الورود وتذبلها.
    وبداء الكاتب يسرد قصة هذه المدينة وكيف انها عادة كقرية خاوية على عروشها. واصفاً لنا كيف ان العواصف جارت على هذه المدينة واودت بها الى الخوى. إلا ان المدينة لازالت في كبيريائها. لأنها كانت مدينة عظيمة ويجب ان تبقى كذلك.
    محاولا ان يعيد هذه المدينة الى سابق عصرها وفي قمة ازدهارها.
    وجميل ان تكون المحاولات بشتى الطرق فهو تارة يتمنى ان يكون يقود جيش لجب ليفرض سطوته .لا ليكون قائد جبار ولكن ليعيد المدينة الى وضعها الطبيعي.
    وتارة اخرى يتوسل لهذه المدينة ويترجاها ويتوسل الى كل نبتة ان تعيد سحر هذه المدينة.

    وهذا يدل على حرص الراعي على إعادة المدينة الى عصر الازدهار.

    ويبدوا ان هذه المدينة لشدة هول مافقدتة من عومل استمرارها الاساسية لتبقى مدينة مزدهره تقاوم جميع عوامل التعرية. إلا ان العناصر الرئيسية وكأنها كانت الماء..والنور.

    ونحن نعلم مامدى شدة حاجة كل مدينة لهذين العنصرين. فهما يعتبران اساس حياة اي مدينة لتكون مزدهرة ومقاومة في عصر مليء بالجوارف.

    وهنا كم اغبط هذه المدينة ولا احسدها والغبطة هيى ان يتمنى المرء ما عند الثاني دون زوال ما يتمناة من عند الذي غبِطة.
    نعم فأنا اعرف مدن بمثل هذه الحالة تماما لا تقل عنها شأنا في العظمة او في ما ألم بها من عواصف. إلا انه لا يوجد راعي ليحاول إعادة هذه المدينة.

    وبما ان هذه المدينة عظيمة كما وصفها الكاتب فلابد للعظيم ان يتجاوز المحنة..بأي وسيلة كانت.هيى مجرد ان تفكر في انها تريد ان تجاوز المحنة فستتجاوزها مهما كان الجرح كبير وهما كان الألم غرير. والجميل ان هناك من يريد ان ينتشل هذه المدينة مما اصابها وألم بها.

    وكم تملىء قلبي الثقة ان عوامل الحياة الاساسية لهذه المدينة ستعود((الماء والنور))

    فيا ايتها المدينة الشامخة انفضي عنك كل الذي يعتريك فأن غدا لناظرة قريب. ((وان الدعاء ليصرع القدر))

    شكرا لك اخي ملاك الطائر.
     
  4.   مشاركة رقم : 3    ‏2001-08-05
  5. الملاك الطائر

    الملاك الطائر عضو

    التسجيل :
    ‏2001-07-07
    المشاركات:
    4
    الإعجاب :
    0
    تمرد في كل شيء وعلى كل شيء ونحو كل شيء .

    أخي الحبيب الغالي المتمرد :

    دائما أراك تقف خلفي تسندني ، تجبر بخاطري ، تفهمني ، تراعيني ، كل مقالاتي التي يقال عنها رائعة ، هي كلها ناقصة لا تكتمل إلا بتعليقك .

    مقالاتي كعروس ، وتعقيبك هو تاجها وصولجانها ، هي دمعة وأنت منديلها المزخرف ، هي قرص نجم وأنت ضياؤها .

    رائع رائع يا أستاذي الفاضل ... المتمرد .

    أخي لقد قرأت المدينة الحزينة تعقيبك ، وقد وجدت فيه من المعاني ما لم تتصورها ، بل إن الراعي نفسه صاحب الحروف والكلمات ، لم يحط بالا بلمساتكم السحرية وبإثاراتكم الوجيهة .

    إن كان مقالي نغمات مسيقية فتعقيبك صدى هذه المسيقى وظلها ومستظلها ، ومنها وإليها وفيها وبها ولها .


    سلمت يداك يا أخي .
     

مشاركة هذه الصفحة