فقه الحديث " ذم التشدد في العبادة"

الكاتب : وليد العُمري   المشاهدات : 1,056   الردود : 1    ‏2001-08-03
      مشاركة رقم : 1    ‏2001-08-03
  1. وليد العُمري

    وليد العُمري عضو

    التسجيل :
    ‏2001-07-29
    المشاركات:
    101
    الإعجاب :
    0
    @ نص الحديث

    عن عائشة – رضي الله عنها - : أن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - دَخلَ عَلَيْهَا، وعندها امرأة.
    قال : من هذه ؟
    قالت : فُلاَنَة – تَذْكُرُ مِنْ صَلاَتِهَا- !
    قال : (( مَه !! عَلَيْكُمْ بِمَا تُطِيْقُوْنَ، فَوَاللهِ لاَ يَمَل اللهُ حَتَى تَمَلُّوْا، وكان أحبُ الدِّين إِليه: مَا دَاوَمَ عَلَيْهِ صَاحِبُهُ )) ( ).

    @ ألفاظ الحديث :

    # مه : كلـمةٌ بُنِـيت علـى السكون، وهو اسم سُمِّي به الفعل، معناه اكْفُفْ، أو اسكت ! لأَنه زجرٌ، فإِن وصَلْتَ نوَّنت قلتَ: مَهٍ مَهْ، وكذلك: صَهْ، فإِن وصلت قلت صَهٍ صَه" ( ).
    # المل، والملال: استثقال الشيء، ونفور النفس عنه بعد محبته.

    @شرح الحديث( ):

    # المرأة المذكورة قيل هي : الحولاء بنت تويت بن حبيب – رضي الله عنها-.
    # مَــهْ : قال الحافظ:" وهذا الزجر يحتمل أن يكون لعائشة؛ والمراد نهيها عن مدح المرأة بما ذَكَرَت، ويحتمل أن يكون المراد النهي عن ذلك الفعل".
    # عليكم : عَبَّرَ بـ ( عليكم ) مع أن المخاطب النساء؛ طَلَبَاً لتعميم الحكم؛ فغلبت الذكور على الإناث، قاله الحافظ.
    # من الأعمال : أي كافة الأعمال الشرعية؛ لعموم لفظه.
    # بما تطيقون : أي اشتغلوا من الأعمال؛ بما تستطيعون المداومة عليه، فمنطوقه: يقتضي الأمر بالاقتصار على ما يطاق من العبادة، ومفهومه: يقتضي النهي عن تكلف ما لا يطاق.
    # فوالله : فيه جواز الحلف، ولو بغير استحلاف، وقد يستحب إذا كان في تفخيم أمر من أمور الدِّين، أو حث عليه، أو تنفير من محذور.
    # لا يمل الله حتى تملوا : قال البيضاوي:" الملل : فتورٌ يَعْرِضُ للنفس من كثرة مزاولة شيءٍ؛ فيورث الكلال في الفعل، والإعراض عنه .
    وقد اتفق على نفي الملل عن الله تبارك وتعالى، واختلف في معنى الحديث :
    1- فقيل: إنّ حتى بمعنى ( إذا )؛ والتقدير : إن الله لا يمل؛ إذا مللتم؛ فاللهَ تعالى لا يَمَلُّ أبداً مَلِلْتم، أولم تَمَلُّوا، ومنه قولهم في البليغ: لا ينقطع؛ حتى ينقطع خصومه؛ أي لا ينقطع ؛ لأنه لو انقطع حين ينقطعون لم يكن له عليهم مزية.
    2- وقيل إن ( حتى ) بمعنى ( الواو )؛ فيكون التقدير: لا يمل، وتملون؛ فنفى عنه الملل، وأثبته لهم.
    3- وقيل حتى بمعنى ( حين ).
    4- وقيل: معناه : إنّ الله لا يَطّرحُكم حتى تتركوا العمل، وتزهَدوا في الرغبة إليه، فَسَمَّى الفعلين مَللاً، وكلاهما ليسا بِملَلٍ؛ كعادة العرب في وضع الفعل موضع الفعل؛ إذا وافق معناه، نحو قولهم: ثم أضْحَوْا لَعِبَ الدَّهْرُ بهمْ، وكذاكَ الدَّهْر يُودِي بالرِّجال؛ فجعل إهلاكه إياهم؛ لَعِباً.
    وقيل معناه : أن الله لا يقطع عنكم فَضْله؛ حتى تَمَلُّوا سُؤالَه، فَسَمَّى فِعْلَ الله مَلَلاً على طريق الازدواج في الكلام؛ كقوله تعالى:  وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا  ،فسمى القصاص: سيئة، وليس هو كذلك، وكقوله: فَمَنْ اعْتَدَ ى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوْا عَلَيْهِ ؛ وهذا بابٌ واسع في العربية، كثير في القرآن.
    قال ابن عبد البر:" قوله: ( لا يمل ) لفظ مخرج على مثال لفظ، ومعلوم أن الله عز وجل لا يمل سواء مل الناس، أو لم يملوا، ولا يدخله ملال في شيء من الأشياء – جل وتعالى علواً كبيراً – وإنما جاء لفظ هذا الحديث على المعروف من لغة العرب؛ بأنهم كانوا إذا وضعوا لفظاً بإزاء لفظٍ، وقبالته جواباً له، وجزاء ذكروه بمثل لفظه، وإن كان مخالفا له في معناه".
    قال الحافظ : وهذا أليق، وأجرى على القواعد، وأنه من باب المقابلة اللفظية، ويؤيده ما وقع في بعض طرق حديث عائشة بلفظ : (( اكلفوا من العمل ما تطيقون؛ فإن الله لا يمل من الثواب، حتى تملوا من العمل )) ( )؛ لكن في سنده موسى بن عبيدة وهو ضعيف .
    # أحب : فيه إثبات صفة المحبة لله تعالى على الوجه الذي يليق بجلاله، ومحبته غير محبة خلقه؛ كما أن إرادته لا تشابه إرادة خلقه، وهكذا سائر صفاته؛ كما قال تعالى: ليس كمثله شيء وهو السميع البصير  .
    # أحب الدِّين : أي أكثر الأعمال التي يحبها الله تعالى، وأكثرها ثواباً؛ أدومها.
    # إليه : أي إلى رسول الله ، في رواية:( إلى الله)، وليس بين الروايتين تخالف؛ لأن ما كان أحب إلى الله؛ كان أحب إلى رسوله.

    @ مسائل الحديث

    # المسألة الأولى : كراهية قيام جميع الليل:

    قال الحافظ:" وقد أخذ بذلك جماعة من الأئمة؛ فقالوا : يُكْرَه صلاة جميع الليل.

    # المسألة الثانية : وجه تفضيل العمل المُداوم عليه ولو كان قليلاً :

    قال النووي:" بدوام القليل تستمر الطاعة بالذكر، والمراقبة، والإخلاص، والإقبال على الله، بخلاف الكثير الشاق ،حتى ينمو القليل الدائم، بحيث يزيد على الكثير المنقطع أضعافاً كثيرة".
    وقال ابن الجوزي:" إنما أحب الدائم لمعنيين:
    - أحدهما: أن التارك للعمل بعد الدخول فيه كالمعرض بعد الوصل؛ فهو متعرض للذم؛ ولهذا : ورد الوعيد في حق من حفظ آية ثم نسيها( )، وإن كان قبل حفظها لا يتعين عليه.
    - ثانيهما: أن مداوم الخير ملازم للخدمة ليس من لازم الباب في كل يوم كمن لازم يوماً كاملاً ثم انقطع.

    @ فوائد الحديث :

    1- استدل به على أن الإيمان يطلق على الأعمال؛ لأن المراد بالدِّين هنا : الأعمال الصالحة.
    2- رحمة الله تعالى بعباده، وأنه لا يكلفهم من الأعمال ما لا يطيقونه.
    3- سعة رحمة الله تعالى، وعظيم ثوابه؛ حيث لا يكف سبحانه عن إثابة العباد، ما لم يتركوا العمل، بل إنه يثيبهم على النية الصالحة؛ كما في حديث : (( إنما الدنيا لأربعة نفر))؛ وقد سبق.
    4- المداومة على الأعمال الصالحة وإن قلت؛ محبوب لله تعالى.
    5- شفقة الرسول – صلى الله عليه وآله وسلم – على أمته، وخوفه من تكليفهم أنفسهم ما لا يطيقون، خوفاً من أن يُفرض عليهم ما لا يستطيعون القيام به؛ كما سبق معنا في حديث : (( ما نهيتكم عنه فاجتنبوه )).

    ــــــــــ

    ) أخرجه البخاري، باب أحب الدِّين إلى الله أدومه (رقم/43)، وقد ورد للحديث سبب آخر: فعن عائشة : أن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - كان يحتجر حَصِيْرَاً بالليل؛ فيصلي عليه، ويبسطه في النهار؛ فيجلس عليه، فجعل الناس، يصلون عليه بصلاته، حتى كثروا، فأقبل عليهم، فقال:" يا أيها الناس: عليكم من الأعمال بما تطيقون".وعن مسروق قال: سألت عائشة عن عمل رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - ؟ فقالت : كان يحب الدائم، قال: قلت : أي حين كان يصلي ؟ فقالت : كان إذا سمع الصارخ؛ قام فصلى، رواه البخاري، باب من نام ثم السحر (رقم/1081)، ومسلم، باب صلاة الليل وعدد ركعات النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - (رقم/741). قال في الفتح (3/17):" الصارخ: الديك، والصرخة: الصيحة الشديدة، وجرت العادة بان الديك يصيح عند نصف الليل غالباً، قاله محمد بن ناصر، قال بن التين: وهو موافق لقول ابن عباس: نصف الليل، أو قبله بقليل، أو بعده بقليل".
    2 ) لسان العرب (13/543).
    3 ) انظر التمهيد لابن عبد البر (1/192-197)، فتح الباري (1/101-102)، تنوير الحوالك (1/107)، شرح السيوطي (2/69)، فيض القدير (4/354)، شرح الزرقاني (1/342).
    4 ) أخرجه الطبري في تفسيره (29/125)، قال ابن كثير في تفسيره (4/437):"ورواه ابن أبي حاتم من طريق موسى بن عبيدة الربذي وهو ضعيف".
    5 ) هذا الباب مما قيل : لا يصح فيه شيء؛ فلا يدخلن عليك الشيطان بهذا؛ فيصرفك عن حفظ القرآن.
    قال في الفتح:" اختلف السلف في نسيان القرآن فمنهم من جعل ذلك من الكبائر، وأخرج أبو عبيد من طريق الضحاك بن مزاحم موقوفاً، قال :" ما من أحد تعلم القرآن، ثم نسيه إلا بذنب أحدثه؛ لأن الله يقول : ( وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ) ،ونسيان القرآن من أعظم المصائب"، واحتجوا أيضا بما أخرجه أبو داود والترمذي من حديث أنس مرفوعاً : (( عُرِضَت عَلَيَّ ذنوبُ أمتي فلم أر ذنباً أعظم من سورة من القرآن أوتيها رجلٌ ثم نسيها )) في إسناده ضعف، ".
     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2002-05-16
  3. أبو الفتوح

    أبو الفتوح مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2000-12-25
    المشاركات:
    7,833
    الإعجاب :
    31
    [moveup]عَلَيْكُمْ بِمَا تُطِيْقُوْنَ، فَوَاللهِ لاَ يَمَل اللهُ حَتَى تَمَلُّوْا، وكان أحبُ الدِّين إِليه: مَا دَاوَمَ عَلَيْهِ صَاحِبُهُ )) ( ). [/moveup]
     

مشاركة هذه الصفحة