إعادة تشكيل النظام الدولي .. المشهد كما ترسمه ريشة بن لادن

الكاتب : الهيال   المشاهدات : 452   الردود : 0    ‏2003-11-28
      مشاركة رقم : 1    ‏2003-11-28
  1. الهيال

    الهيال مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2002-11-14
    المشاركات:
    2,260
    الإعجاب :
    0
    بسم الله الرحمن الرحيم







    إعادة تشكيل النظام الدولي .. المشهد كما ترسمه ريشة بن لادن









    توطئة


    كان من المفترض نشر هذا المقال مساء السبت الماضي لكن عملية (غرب الرياض ) اقتضت مني إيقاف النشر، والنظر والتأمل في الحدث وآثاره. واعتقدت في البداية أن المقال ربما يكون خارج السياق بالنظر إلى سخونة الأوضاع والتوتر الحاصل في المنطقة.

    لكن بعد تكبير الصورة والنظر إليها من جميع الزوايا قررت إعادة طرح المقال ببساطة لأنه يتحدث عما يجري ولكن بشكل كلي وليس بشكل تفصيلي .

    ولا مجال للحديث عن الحدث بنفسه من حيث التفاصيل لأنها معروفة مسبقا، وخلاصتها أن هذا هدف ضربه المجاهدون بعد رصد وتحري لمدة طويلة وهذه من أبجديات العمل الاستخباري الجهادي فضربه لا شك سيشكل نكاية في العدو الأمريكي وتابعه السلولي، وقابل ذلك إعلام كذاب ومفضوح وضحل صور القضية على أنها ضرب وقتل للمسلمين. هذه خلاصة القصة فلا نطيل الحديث عنها.

    رب يسر وأعن :

    بعد نشر المقال السابق عن النظام الدولي الجديد أرسل لي الدكتور روفن باز الباحث في المركز إياه في هرتسليا ( والذي نسيت اسمه الان ) أرسل نسخة فيها قراءة للمقال أو ترجمة بتصرف للمقال طلبا لرأيي فيها، وأذكر أنني ارسلت له بعض الاعتراضات منها وصفه لنا ( بجنون العظمة ) أو بعبارة أدق استشهاده بمقولة أحد الباحثين اليهود يصفنا بأننا نعاني من جنون العظمة. فقلت له: هذا لو كنا أمة ليس لنا تاريخ فيحق لكم وصفنا بجنون العظمة، لكن أنت ومعك كل اليهود تعرفون جيدا التاريخ ومعنى كوننا أمة الإسلام، ملكنا مشارق الأرض ومغاربها في فترة من التاريخ، وما يصنعه بن لادن ورجاله ليس سوى إعادة للمجد القديم المفقود على يد عملائكم بدءا من الشريف حسين وعبدالعزيز، وانتهاءا بأبنائهم الحاليين وأحفادهم. فلا مجال لوصفنا بجنون العظمة بعد أن كانت لغتنا العربية هي لغة العلم والثقافة في العالم كله .

    الشاهد من هذا أن الدكتور روفن باز ذكر أنه يعتقد أن تنظيم القاعدة ربما يمتلك مشروعا للجهاد، لكنه لا يمتلك مشروعا سياسيا قابلا للتطبيق في المشرق الإسلامي . ورددت عليه بأن استراتيجيي تنظيم القاعدة يملكون بدون شك مشروعا سياسيا واضحا ومحدد المعالم، وسيأتي الوقت الذي يتحدثون فيه عن مشروعهم، لأن الوقت لم يحن في تلك الفترة للحديث عن أي مشروع سياسي طالما أن المعركة مازالت مشتعلة وفي بداياتها مع أمريكا، والتي تحولت بفضل الله وبفضل حماقة بوش وعصابته إلى صراع حضارات ومواجهة تأريخية شاملة، وبعد أن غرق الثور الأمريكي في الوحل العراقي وصار يتخبط هناك، مع دعم وشماته من بقية العالم الغربي بأمريكا التي خرجت عن الإجماع الغربي، وركبت رأسها ودخلت الفخ العراقي ثم تورطت فيه الآن.

    هذه الحقيقة دفعت أحد أخبث مفكريهم وأكثرهم ذكاءا وهو هنري كيسنجر إلى اعتبار أن هزيمة أمريكا في العراق هزيمة للعالم الغربي كله وليس أمريكا فقط، وقد صدق الملعون، وكلمته قالها بعد أن ارتفعت أصوات الشامتين من الأوربيين بقولهم للأمريكان ألم نقل لكم ونحذركم ؟! فأراد بدوره أن يحذرهم بأن مصيرهم هم أيضا مرتبط بأمريكا. وهزيمة أمريكا هزيمة للمشروع الاستعماري الغربي كله في المنطقة التي تفيض لبنا وعسلا حسب تعبيرات قساوستهم قديما وحديثا.

    ما أريد قوله أن مشروع تنظيم القاعدة السياسي لا يستطيع مثل الدكتور روفن باز ولا غيره من الباحثين الغربيين فهمه؛ لأنه ببساطة مشروع يختلف في الرؤى والخلفيات عن كل الفكر السياسي العلماني الرأسمالي بجذور مسيحية يهودية. فهو مشروع إسلامي ديني ينطلق من الأسس والعقائد الإسلامية والتي يعني حضورها إلغاء كل أشكال العلمانية والليبرالية التي يدور في فلكها هؤلاء العلوج.

    ولذا لن يكون هذا المشروع قائما أبدا وفق تصوراتهم أو تقعيداتهم للمشروعات السياسية؛ لأنه لا يعترف بأي أسس تقوم عليها أي مشاريع سياسية غربية في العالم، بل يقوم المشروع الإسلامي السياسي لتنظيم القاعدة على مبدأ نقض كل ماهو موجود حاليا من أسس تحكم العالم أو بعبارة أبسط، يقوم المشروع السياسي لتنظيم القاعدة على أساس تدمير ونسف النظام الدولي الحالي والذي يعني تدميره بالضرورة قيام المشروع السياسي الإسلامي.

    إذاً المشروع السياسي لتنظيم القاعدة هو نفسه مشروع تدمير النظام الدولي القائم حاليا. والذي بدأ يتهاوى حاليا بفضل الله ثم بفضل هؤلاء الثلة من الرجال العظماء من أمثال أسامة بن لادن وأيمن الظواهري وأبو غيث وسيف العدل ويوسف العييري وغيرهم كثير لا مجال لحصرهم في هذا المقال.

    وهذا يعني أن المقال سيركز على قراءة الواقع الحالي ومستقبل النظام الدولي الحالي ونحن نشهد حالات يتهاوى هذا المشروع فيها بكل سرور في العراق.

    كنت قد بشرت في المقال السابق بأن أمريكا ستتورط في العراق وأن مكر الله بها ورحمته بالمجاهدين ساقها إلى المستنقع العراقي، ولم نكن نتصور ماذا سيحدث بالتفصيل، ولم نكن نتوقع أن ينتصر صدام لكن في الوقت نفسه لم نتوقع إطلاقا أن ينهار نظام صدام بمثل تلك السرعة، بل لم نكن نريد أن نفكر مجرد تفكير في سقوط بغداد في يد مغول العصر، لما في ذلك من الصدمة التاريخية والوجدانية لنا عرباً ومسلمين . فكنا نتوقع أن يصمد صدام ويناوشهم مدة من الوقت حتى يأتي الفرج على يد تنظيم القاعدة. لكن هذا السيناريو لم يحدث بل حدث ما كنا نخشاه، وسقطت بغداد في أيديهم، وقد أصابني الوجوم والأسى ربما لأنني وكل مسلم غير مستعد تحت أي ظرف أن أتخيل الأعلام الأمريكية ترفرف فوق قصر الحكم في بغداد.

    بعض مفكري القاعدة الاستراتيجيين عندما أرسلت لهم مقال يا لثارات العراق قالوا لي: لا تعول كثيرا على مقاومة صدام، فلن يصمد، وإنما التعويل على المقاومة التي ستلي ذلك . فكان كلامهم صوابا، وكانت افتراضاتي خاطئة.

    الحاصل أنه كان واردا أن نتصور أن تطول حرب العراق، وتصمد بغداد بضعة أشهر، وكان واردا أن نتصور حصول ضربة أخرى للقاعدة خلال الحرب مع العراق فتربك الوضع، أو قبلها فتؤدي إلى إلغاء مشروع الإحتلال بكامله، أو بعدها مباشرة فتؤدي إلى هروب المحتلين قبل أن يهربوا على ايدي العراقيين.

    لكن الله أراد أمرا آخرا.

    أراد الله أن ينهار النظام العراقي وينهار معه ذلك الاعتقاد بأنه صمد أمام الاحتلال.

    وأراد الله أن تمر كل فترة الحرب دون حوادث تذكر من قبل القاعدة.

    واراد الله أن يمعن خونة آل سلول بعد أحداث الرياض في التعاون مع أعداء الأمة في قمع الجهاد والمجاهدين.

    وأراد الله أن ينكشف ضعاف النفوس الذين ربما تعاطفوا مع المجاهدين أو لزموا الحياد ولم يتكلموا فيهم فقط لأن

    التيار العام كان متعاطفا معهم، فلما جاء التمحيص وكشفت المواجهة عن ساقها، قلبوا ظهر المجن ومجّدوا ما يفعله المنافقون في وجه الجهاد بحجة الأمن والامان، وبحجة الحفاظ على وحدة ( الوطن ) ! وهم أنفسهم كانوا قبل سنوات ممن يتحدث باسم ( الإسلام العالمي ) الذي لا يعترف بالحدود! ثم أولغ كثير منهم ألسنتهم في أعراض المجاهدين ونالوا منها بما لم ينل العلمانيون والليبراليون، بل وتفوق بعضهم في تفسيق المجاهدين وذمهم والقدح فيهم حتى على الأمريكيين، بل إن الأمريكيين لو حاولوا التحدث بشناعة عن المجاهدين لما استطاعوا أبدا التفوق على هؤلاء الخطباء المرتزقين باسم الدين..

    وأراد الله أن تستحكم المسألة وتضيق جدا، جدا، فالعراق ينهار وابن سلول يزج بالآلاف المؤلفة من المجاهدين في السجون، ويلغي عقيدة الولاء والبراء من المناهج، ويحارب كل معنى من معاني الرجولة والفروسية في الأمة. حتى أصبح مجرد التعاطف مع المجاهدين جريمة. وأمريكا ترفع البيرق على قصر الرشيد وتقول أنا ربكم الأعلى.

    أراد الله كل ذلك . ولا راد لقضائه سبحانه . وهو الحكيم العليم.

    أراد الله ذلك لحكم، منها أن يميز الخبيث من الطيب، وينكشف الذي في قلبه مرض، قبل ان تنقلب الموازين ويغنم اهل الخير ثم يقول المنافق الذي كان نفاقه مستورا يا ليتني كنت معهم فأفوز فوزا عظيما.

    وأمام هذا الاستحكام والإغلاق وإسفاف الحكام في الخيانة بدرجة امتياز، وأمام هذا الحصار النفسي الرهيب الذي بدا فيه المجاهدون وكانهم مخربون متعطشون للدماء بلا معنى. وأمام هذه الكبرياء والجبروت للأمريكان في العراق. كان لا بد للانحناء قليلا حتى تمر العاصفة ويتم تجاوز الصدمة..

    لينتهي عندها مكر أمريكا وتقف مزهوة منتشية بانتصارها السهل في العراق، ويبدأ مكر الجبار الذي فطر السموات والأرض.

    وإذا بالنفوس تتغير والجهاد ينطلق من مثلث صغير لم يدر بخلد أحد أن يكون محرقة دائمة للأمريكان، نعم محرقة دائمة والله.

    رغم كل ما حصل، انطلق الجهاد انطلاقة لم تخطر ببال أحد، ولم تمض اشهر حتى أصبحت المشاركة في حرب الأمريكان الآن في هذا المثلث السني الصغير عملية في غاية المتعة وصار المجاهدون "يكشتون" كشتات يذبحون بها عددا من العلوج مثلما يكشت الشباب للبر من أجل ( متعة الصيد ) ! .

    الشاهد ان الله أراد للاحدث ان تسير هكذا لنبدأ نحن بالتأمل والتساؤل !

    لماذا تتكبر أمريكا، ثم يظهر لها مارد الجهاد في العراق ؟

    ولماذا يضيق الخطب على المجاهدين في بلاد الحرمين ؟

    وينكشف المنافقون ! ؟

    كل هذا في ظننا توطئة ربانية للمرحلة القادمة التي يقول فيها القائل:

    ما للمنازل أصبحت لا أهلها*** أهلي ولا جيرانها جيراني.

    المرحلة التي يعاد فيها الترتيب كله , المرحلة التي يقول بعدها المسلمون الآن نغزو ولا نغزى.

    والله لو بذلنا كل حيل الدهاة وأهل المكر والخديعة من أجل أن نجر أمريكا وعبيدها ليصبحوا في وضع يقلب الدنيا عليهم لما استطعنا لكنه مكر الله، والله خير الماكرين.

    ولا تنسوا أن أمريكا دخلت العراق ليس بتحدي المسلمين فحسب بل بتحد للعالم كله. ودخلت وهي مراهنة أنها ستكسب كسبا تاريخيا، وتستقر لها الأمور ويقدم لها الشعب العراقي الشكر الجزيل ويستمتع باستعمارها له. وظنت أمريكا أنها بهذا الرهان ستتخلص من ورطة مخالفة دول العالم، وستقول لهم: ألم أقل لكم أني أعلم غيب السموات والأرض واعلم منكم بالعراق وحقيقته.

    وحين سقطت بغداد ذلك السقوط الدراماتيكي، ظن الكثير ان الرهان الأمريكي نجح، وأن أمريكا ستبصق على فرنسا وألمانيا وغيرها من الدول التي رفضت الموافقة على فعل الامريكان. لكنه مكر الله الذي كان استدراجا رهيبا حتى وقعوا في الفخ والمحرقة الدائمة، وهم ينظرون فلا هم الذين يستطعيون البقاء في هذه المحرقة وليس لديهم المخرج الذي يستطيعون منه الهروب، فيشمت بهم العالم كله شر شماته وتنهار هيبتهم .

    وكل ناظر بمنظار تاريخي عميق يكاد يدرك أن المشهد الآن هو مشهد الفريسة في الهدف، فالأمريكان في حالة من الحرج تاريخيا جعلتهم وكأنهم "ريم على القاع بين البان والعلم" في مرمى ضربات المجاهدين .

    فالأمريكان وقعوا في فخ صنعته يد الله بأيدي المجاهدين، فهم الان مثل الذي يمشى علي خيط رفيع لو ضربته ضربة معلّم سقط فيها سقطة مدوية , وإذا سقط الأمريكان تساقطت بعدهم لبنات النظام الدولي..

    والسؤال هو كيف وقعت أمريكا في هذا الوضع الحرج بحيث سيؤدي ضربهم لتفكك النظام الدولي ؟

    القضية كلها في خطأين تاريخين، الخطأ الأول المواجهة العالمية مع الاسلام تحت مسمى الارهاب، والخطأ الثاني دخول العراق.

    فأمريكا تصرفت في ردها على عملية سبتمبر تصرف الانتقام ضدالاسلام كله، وجرعليها هذا التصرف ما جر من ويلات ومشاكل، وعاش المجتمع الاميركي حالة ذعرمستمر، وتغيرت طريقة حياته كلها وتغير نظامه وقانونه وتجارته واقتصاده.

    ورفض هذا الوضع كثير من الأمريكان. لكن الإرهاب الفكري والسياسي على طريقة المكارثية منعهم من التصريح برفضهم؛ حتى لا يصَنفوا داعمين لابن لادن، فبقوا صامتين على حنق مثل صمت القرشيين على الصحيفة الظالمة في مقاطعة بين هاشم ثم بلغ الغرور ببوش وفريقه مبلغه، فارتكب الخطأ الثاني بمخالفة دول الغرب في غزو العراق.

    وقبل وخلال الحرب على العراق صنعت أمريكا مكارثية أخرى باعتبار من يرفض الحرب على العراق مدافعا عن صدام حسين، حتى احتقن المجتمع الامريكي، واصبح يعيش حياة مصطنعة وشعارات تمثيلية. وأصبح الامريكان بين رعبين، رعب القاعدة الذي صبحهم ومساهم، ومكارثية الحكومة.

    ثم بدأت الحلقات ترتخي باندلاع الجهاد في العراق وبدأ الجمهور الأمريكي يتجرأ، لكن الزخم العام لا زال زخما مكارثيا ولا زال المجتمع الامريكي يعيش التمثيلية الكبيرة بتضخيم مزاعم الوطنية الكاذبة والمصطنعة. وهم مازالوا يتبعون أمر بوش وما أمر بوش برشيد.

    الحاصل أن هناك أربع حقائق ظهرت بعد كل ما حدث وهي :

    الحقيقة الأولى :

    أن انهيار نظام صدام ذلك الانهيار الدرامي كان نعمة على الأمة، لأنه بيّن أن المواجهة لم تكن لتحصل بالحسابات البشرية العادية. أعني أن الناس ظنو ان الجيش العراقي سيصمد، ويقع الامريكان في حرج ثم ينهزم الجيش وينتهي الحرج، حتى لو طال الصمود، ويكون الفخر للجيش وصدام، لكن مثل ما قال العلامة الشيخ يوسف العييري رحمه الله، أراد الله ان ينهار صدام انهيارا مذلا حتى لا يتعلق احد بصدام ولا البعثية وحتى لو قدر لصدام ان يخرج مرة اخرى لن يخرج إلا براية دينية.

    المهم انه لو صمد النظام العراقي لتعاملت امريكا مع القضية تعاملا طبعييا واخذت حذرها في احتلال اكثر تدريجية للعراق، لكن انهيارالنظام ادى لتحملها مسؤولية البلد كله، حتى تقع في الفخ الكبير، ثم اتخذت أكثر القرارات حماقة في تاريخ الحروب مثل قرار حل الجيش وكل المؤسسات العسكرية والمدنية. ومن تكامل التقدير الالهي ان اصبح المثلث السني من حظ الامريكان والنصف الشيعي من حظ الانجليز حتى يكون المتورط الأكبر هم الامريكان.

    الحقيقة الثانية :

    أن المقاومة اشتدت بطريقة خيالية حتى تحولت الآن إلى ثقافة على الأقل في المثلث السني، فضرب الامريكان يعتبر في صلب الوجدان، وصارت المقاومة قضية يتسابق عليها الناس ويحمون المقاومين، فالبيئة صارت تحمي المقاومة الى درجة ان صدام يتحرك بما يشبه الحرية، وبريمر والمجلس الانتقالي يعيشون حياة أخطر من حياة صدام، بل ويُقتلون مثل ما قتلت عقيلة الهاشمي والحكيم وكاد يقتل اخرون.

    المهم أن المقاومة صارت في الوجدان، وصارت فخرا ووسام شرف، وعدم المساهمة في المقاومة مباشرة يعني على الأقل دعمها وحمايتها، وتوفير الملجأ لأبنائها وتوفير الدعم اللوجستي للمقاتلين، حتى اصبح المجتمع عمليا شبه مغلق ضد المحتل. وضرب فندق الرشيد الذي نزل فيه ولفويتز دليل على أنها مقاومة مدعومة داخليا، لأن الاختراق الحاصل والوصول إلى عمق مجمع القيادة القيادة الأمريكية له دلالاته الكبرى في تبيان حقيقة الدعم الشعبي السني للمقاومة.

    ولا ننسى بالطبع أن جهود تنظيم القاعدة في تحويل العراق إلى مسرح عمليات ضد الأمريكان قد آتت أكلها وظهرت العمليات النوعية التي لا يشك أحد أنها إما من تنفيذ القاعدة أو أنها تحمل ملامح الاستراتيجيا القاعدية في توجيه الضربات للوجود الأمريكي والدولي في العراق.

    فأصبح الأمريكيون بين فكي كماشة المجاهدين العراقيين المحليين، والمجاهدين الدوليين من أعضاء تنظيم القاعدة. ويالها من خيبة للأمريكان ما بعدها خيبة أخزاهم الله .

    وقد اعترف بعض العسكريين الأمريكيين بمشاعر ممزوجة بالأسى والمهانة بأن القيادة الأمريكية ارتكبت أفدح الأخطاء حينما جعلت القوات الأمريكية في وضع يشبه وضع البط في برميل تصلهم طلقات المجاهدين فتقتل منهم ولا يستطيعون التصرف حيال هذا الوضع.

    الحقيقة الثالثة :

    هي ان امريكا دخلت العراق معاندة للعالم على طريقة النظام العالمي الذي صنعته، ومراهنة على نجاح مجازفتها بحيث انها تستطيع ان تحافظ على هذا النظام العالمي من خلال نجاح هذه المجازفة، بحيث تحتل العراق بجدارة وتسيطر عليه، ويفرح الشعب العراقي بالاحتلال، فتعود امريكا لاوربا وبقية دول العالم وتقول: الم اقل لكم أني أعلم منكم ؟ ولم تضع أمريكا ما يسمى بـ(الخطة ب) لأنها ضمنت النصر والتمكين في العراق. لكن الذي حصل هو العكس الورطة بعينها وبأسوأ صورها..

    والآن الامريكان مثلهم كمثل الذي (بلع الموس ) فإذا حاول إخراجه قص بلعومه وإذا ادخله قص معدته. وأمام هذه الورطة الحقيقة أصبحت الادارة الامريكية ادارة تبريرات بعدما بدأت مشروعها في احتلال العراق، ووقعت في الورطة ثم اعترفت أخيرا بأن الحرب لم تنته !! فصارت تبحث عن الذرائع والتبريرات، وبعدما تبين للعالم أن غزوها العراق كان حماقة كبرى صارت إدارة بوش تقول تبريرا للوضع : بالعكس لقد نجحنا ونقلنا المعركة لارض الارهابيين !! وهذا افضل من أن يأتوا إلى أرضنا يقاتلوننا!!

    فعلق احد البريطانيين بقوله إن هذه حماقة كبرى ! وإلا متى كان العراق ارضا للارهابيين سوى بعد الحرب ؟

    الحقيقة الرابعة :

    الحقيقة الرابعة والتي هي أم الحقائق هي ضربة سبتمبر المباركة، تلك الضربة التي أصابت بؤرة التوازن الهش بين الاسلام والعلمانية الراسمالية العالمية، فكشفت حقيقة التفاهم الكاذب وخلقت حالة الاستقطاب والاحتقان الهائلة، وبينت أن تبادل المصالح والتجارة لا يكفي لإخفاء المستور من البرزخ الكبير بين الثقافات ولا ينفع لمنع الصدام الحتمي بين الحضارات.

    ولذلك لا يمكن ان يُنظر لمسألة دخول امريكا للعراق مسالة مستقلة بل يجب أن ينظر إليها ضمن تسلسل الحقائق الأربع لنخرج باستنتاج خطير هو أن أمريكا التي تمثل نفس قيادة تنظيم النظام العالمي نفسها تمشي على الحبل الممدود وعلى وشك السقوط في أي لحظة !

    وأين ؟!

    في أهم وأكثر المناطق حساسية واضطرابا في العالم. ولذا فإن الورطة الامريكية في هذه البقعة بالذات تصنع نتيجة مزدوجة حيث تصيب النظام الدولي في أعلاه وفي أسفله. في أعلاه ستطرد امريكا من العراق مهانة، ليس من العراق وحده مثلما حصل في فيتنام والصومال بل ستطرد من قيادة النظام الدولي ؛ لأن طردها من العراق يعني خسارة مخزية للرهان بعد أن طنطنت سنين على سيادة الامم المتحدة . وفي اسفل النظام الدولي سيكون طرد الامريكان بمثابة شاحن للقناعة في أذهان العرب والمسلمين أن بإمكانهم مثلما طردوا السيد المتغطرس، أن يطردوا عبيده، بل إن ذلك من باب أولى، لأن العبيد مجرد عبيد، إذا طرد سيدهم فلن يجدوا ملتجأ، وستسري روح التمرد على الانظمة الكرتونية التي اعتمدت اعتمادا رئيسيا على النظام الدولي القائم حاليا .

    فهل سيتحرك الغرب من غير امريكا لنجدتهم ؟

    أبدا لأن طرد الأمريكان سيكون بمثابة الرادع لكل من يحدث نفسه من دول الغرب بنجدة الخونة والمنافقين . وبذلك تتعرض ميكانيكية النظام الدولي للشلل , هذه الميكانيكية التي ضمنت النظام القُطري العربي العميل، وضمنت هيمنة الغرب وعبودية العرب، وضمنت ان تتربع امريكا فوق الجميع .

    وما ان تنشل هذه الميكانيكية حتى يبدأ تشكل نظام دولي جديد تفرضه هذه الروح الجديدة، روح احتقار الحدود والجنسيات والانظمة الكرتونية المصطنعة.

    فالعراقي الذي طرد امريكا من بلاده لن يكون عاجزا هذه المرة عن أن يطرد بن صباح ولا أن يجتاح الاردن، فلن يوقفه شيء عن الانتقام على أقل تقدير ممن ساعدوا على استباحة دمه كل هذه السنين. والروح التي ستسري عند الاردنيين لن تكون روح الدفاع عن الاردن بل ستكون روح الترحيب بالمجاهدين الابطال والمتمردين على الملك الخائن .

    نعم ستنهار روح الولاء للدول القطرية، وقل مثل هذا في بلاد الحرمين وكل مكان من الشرق الأوسط .

    وقد كنت أفكر وأنا أسوق هذا السيناريو الحتمي أعني خروج الأمريكان مهزومين من العراق، كنت أقول إن كل هذا ممكن أن يحصل بسبب حماقة الأمريكان في دخول العراق فقط.. فماذا سيحصل يا ترى لو اهتزت الارض بهزات اخرى على مستوى أعلى النظام العالمي وعلى اسفله ؟؟

    قد يسأل سائل عن ماذا نتحدث ؟

    فنقول لطالما تحدثت بعض دوائر المجاهدين عن ضربة أخرى لامريكا وقبل ان تحصل حرب العراق توقعنا ان تكون هي التي تحطم النظام العالمي الحالي، لكن الله شاء امرا اخر.

    والآن إن وقعت مثل هذه الضربة، فستكون والفريسة في أفضل مواقعها للاقتناص، ويكون القناص قد احسن في الانتظار حتى تكون الفريسة في مكان مستشرف في الجبل فتهوي متردية حين يصيبها الرامي .

    وإذا ما جاءت الضربة في مثل هذه الظروف فإن المجتمع الامريكي سيفقد ذاته كلها .

    ولا يغرنكم هذا الكيان الكرتوني فهو كيان قصير المدى تاريخيا، ضحل حضاريا، يعيش تمثيلية كبرى إسمها الوطنية الأميركية، يمارس فيها فيها كل أمريكي التمثيل على الأمريكي الاخر، حتى اضطر الكثير من الأمريكان ان يعيشوا حياة قاسية أمنيا وسياسيا بسبب هذه التمثيلية .

    فاذا جاءت الضربة الثانية بعد كل هذا الاحتقان في المجتمع ضد الحماقة في العراق، والحماقة في مواجهة المسلمين، سينتفض الصامتون في المجتمع الامريكي ضد المتسلطين من اليمين المتطرف واليهود وتجار السلاح والرأسماليين الكبار، وسوف تعجز القنوات المصطنعة عن ترشيد الخلاف واحتوائه وتتفكك امريكا داخليا. وهذا أمر تتحدث عنه دوائر الجهاديين، وممن بحثه بإطناب المفكر الاستراتيجي الشيخ العلامة يوسف العييري رحمه الله، فإن حصل فقطعا سيعجل بانهيار النظام العالمي من جهة القمة.

    اما الذي سيعجل بانهيار النظام العالمي من جهة النظام القطري او ما أسميناه اسفل النظام، فهو انهيار النظام السلولي العريق.. العريق في الخيانة..

    وهو أمر أجزم بحدوثه فهناك ثلاثة عوامل ستساهم بانهياره؛ حركة الاصلاح والخلاف الداخلي وضربات الصعاليك أو بسلسلة اغتيالات لأعضاء الاسرة، أو بحركة شعبية هائلة. وكل واحد من هذه العوامل يحتاج كتابة مقال كامل عنه.

    ولا بأس من الإشارة في عجالة لأثر كل عامل رغم أن كل واحد منها يكفي لوحده لانهيار هذه النظام، لأن النخر الذي أصاب أسس هذا النظام قد بلغ منتهاه وهذا النظام قد انكشف بشكل مريع للناس أجمعين وظهرت نتيجة خيانته وتآمره على الله ورسوله ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله.

    فحركة الإصلاح وحدها قامت بدور هائل في كشف حقيقة هذا النظام وأبانت مدى إجرامه وفساده في حق الأمة، واستطاع شخص واحد مبارك أن يفضح كل مكامن الفساد والخلل في هذا النظام، حتى صارت الناس تسمع للحركة وتتبنى طرحها في مقاومة الفساد. وما قمع النظام الشرس للحركات السلمية التي دعا إليها الدكتور سعد الفقيه سوى دليل على حجم الهشاشة والذعر والخوف الذي أصاب أطراف هذا النظام . وهو دليل على ان النظام يحفر قبره بيده لأن الجماهير إذا انكشفت لها الحقائق لا يمكن وقف هديرها إذا هدرت، وهي قد بدأت تهدر تردد مقولات (إذا الشعب يوما أراد الحياة).

    أما الخلاف الداخلي فهو أظهر وأبين من أن أتحدث عنه وإلا ما معنى أن يبقى هذا الملك الذي فقد القدرة على الحكم حاكما كل هذه المدة سوى لأنه مازال صمام الأمان الذي يوقف الاحتراب الداخلي بينهم. وكل نفس ذائقة الموت.

    أما ضربات الصعاليك. فعملية شرق الرياض والعملية الأخيرة في غرب الرياض كافية لتبين لال سلول أن أبا عبدالله قد أعد لهم ولأسيادهم الأمريكان ما يشل أركانهم ويهز عروشهم القائمة على الظلم والنفاق، وربما ظن بعض السفهاء أن المعارك الهامشية التي خاضها هذا النظام ضد تنظيم القاعدة بدعم من أمريكا سوف تفت في عضد المجاهدين أو سوف توقف موجهم الهادر الذي سيكتسح كل شيء يمر فوقه، أقول ربما ظن بعض السفهاء أن آل سلول استطاعوا تقليم أظافر المجاهدين فنقول لهم على رسلكم فأظافر المجاهدين من حديد. ولم تروا شيئا بعد.

    والحرب التي يشنها زبانية آل سلول ضد المجاهدين إنما هي عليهم وإنما يستزيدون في إدانة أنفسهم وفي تعجيل القتل لهم، فالخطة التي أعدها أبو عبدالله لبلاد الحرمين أكبر مما يتخيلون وهي أعقد من قدرتهم على تصورها، ولن يستطيعوا بإذن الله وقفها، وهي أعمال ستزلزل كيانهم وتجعل تدبيرهم تدميرا لهم وترد كل سهم وجهوه على المجاهدين في نحورهم. خصوصا وأنهم قد دخلوا معركة كسر عظم مع المجاهدين فسيرون من المصاب بهشاشة العظام ومن الذي عظمه من حديد قد تغذى بسورة التوبة والأنفال.

    الحاصل أن عوامل انهيار هذا النظام السلولي بادية للعيان وهذه نتيجة النفاق والخيانة لله ورسوله والعمالة للكافرين سبعين سنة. والله المستعان على ما يصفون.

    أعود فأقول أن انهيارالنظام السلولي سيفقد الامريكان والغرب أهم قاعدة لهم في المنطقة، وسيكون مضاعفا لسرعة انهيار النظام العالمي، لان آل سلول من أهم ركائز القطرية وأهم قاعدة للغرب في المنطقة، ونظامهم هو بؤرة تماسك النظام الدولي في المنطقة، ولم يمر على التاريخ ان سُخّر الاسلام لخدمة أعداء الاسلام مثلما فعل آل سلول، ولم يمر على التاريخ أن صار الاسلام أداة في حماية نظام الكفر مثلما حصل من قبل آل سلول .

    وهكذا تكتمل الحلقات يبدأها الرجل المبارك بضربة سبتمبر، ثم يتصاعد الاستقطاب، ثم يتهورالامريكان ويدخلون العراق معاندين لحلفائهم في النظام الدولي، ثم يتورطون ويكابرون ثم يهربون مهزومين مشموتا فيهم فيندفع العراقيون والعرب والمسلمين ضد انظمتهم، وفي نفس الوقت يضرب صاحب العصا ضربته الثانية فيجهز على ما تبقى من امريكا، وتنهار بؤرة تماسك النظام الدولي في المنطقة نظام ال سلول، وتنهار دول أشباه الرجال والخصيان والمترفين في المنطقة، ويعاد تشكل النظام الدولي بالكامل على اساس خطة صاحب العصا المنصور بالله أبو عبدالله أسامة بن لادن بارك الله فيه وفي عمره..

    وتبّا للمهزومين وتبّا لقصار النفس، وتبّا للمخذلين للذين يفكرون في دائرة أمريكا، والذين رهنوا أنفسهم للمنافقين من آل سلول وبقية حكام المنطقة .

    إن المنطقة على أبواب تغيير شامل، وإن رياح التغيير الجذري مقبلة، والمخذول هو من لم يستطع بعد أن يرى مصارع الكافرين والمنافقين، والأحمق هو من لا يتعظ بـ ( ساء صباح المنذرين )، وإن هذه الإرهاصات يعقلها كل من له قلب وألقى السمع وهو شهيد، والمجرم في حق الله ورسوله من لا يزال يعتقد أن هؤلاء المنافقين يمكن أن يصنعوا مجدا للاسلام أو يرفعوا عنه ظلما وهم أظلم الناس له.

    وإن من أول ارهاصات التغيير الشامل في النظام الدولي حلول الفوضى. والفوضى نتيجة حتمية لكل هذا الخداع واستمراء الناس وركونهم إلى الذين ظلموا وسكوتهم على الباطل كل هذه السنين، ورضاهم بالفجار وفخرهم بهم وتركهم الجهاد والقعود عنه.

    إن هذه الأمة التعيسة التي عاشت حياة الخنوع طويلا لن تستيقظ سوى بحدوث هزة عميقة تهزها في أصل وجدانها، لكن هذه الهزة فور حدوث الانهيار ودخول المنطقة في فوضى ستختصر المدى التاريخي الذي تحتاجه الأمة لتفيق مرة ثانية على المجد. ولابد دون الشهد من إبر النحل.

    وأختم بعبارة كتبها أحد الفضلاء حين توقع مثل هذه الهزة فقال :

    (( تلوح في الأفق القريب بوادر فتن سوداء مدلهمة ينظر إليها المؤمن متشحاً بثوب الوقاية من درنها وأوساخها قد اغتم واهتم من تخايلها أمامه تقول للأمة : صبحتكم مسيتكم..

    نعم هي فتن كانت نتيجة أكثر من طبيعية لتراكمات الذل والهزيمة والسلبية والإتكالية والتي فعلت فعلها في المجتمعات المسلمة. وهي فتن ولدت من رحم مجتمعات تشكلت بناء على صيغة مخابراتية أمنية، همها الأكبر حماية الحكام وعروشهم. مما عكس أذواقاً وأعرافاً وأخلاقاً تلبست الاستكانة والتخلف والوضاعة.. ومن هنا أصبح التغيير مستحيلاً إلا بقرون من الغسيل الفكري والحضاري .

    وحسبك أن تعلم أن حركة التاريخ وسننه لا تسير بهذه الطريقة مهما توهم الكثير ذلك بل إن هذه الهزة التي ستشكل واقعنا القريب هي من سيقوم بذلك بنفض مجتمعاتنا نفضاً عنيفاً من القاعدة إلى القمة، ومن الطرف إلى الطرف تزيل معها عوامل التحكم القميئة، المرسخة للذل والخلود إلى الأرض، وكل ذلك بثمن باهظ. بل وباهظ جداً يأخذ أشكالاً مروعة فربما يعطش أقوام ويموتون عطشاً، وقد يجوع أقوام ويموتون جوعاً وربما يزول الأمن ويكثر الهرج ويتسلط قطاع الطريق والمجرمون. لكن ذلك كله ضريبة حمم طوفان الهزة، ومن بعدها يعلم الناس كم كانوا يصلون بنار جوع الكرامة، وعطش الرفعة، وفقد أمن الفكر. عندها لا يمكن أن يتخيلوا عودتهم لعهودهم السوداء. ومن هنا كانت هذه الهزة الكبرى اختصارا واختزالاً وطفرة فعالة وفعالة جداً.. )) .


    منقول للكاتب:
    لويس عطية الله













    والله أكبر- ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ولكن المنافقين لايعلمون
     

مشاركة هذه الصفحة