درس جديد للحكام العرب ( عبد الباري عطوان )

الكاتب : arab   المشاهدات : 408   الردود : 0    ‏2003-11-24
      مشاركة رقم : 1    ‏2003-11-24
  1. arab

    arab عضو نشيط

    التسجيل :
    ‏2002-03-27
    المشاركات:
    359
    الإعجاب :
    0
    قدمت المعارضة الديمقراطية في جورجيا درساً بليغاً لشعوب العالم الثالث واحزابه وسياسييه، عندما اجبرت الرئيس ادوارد شيفاردنادزه علي الاستقالة، والتنازل عن الحكم، دون اراقة نقطة دم واحدة، أو نهب مؤسسة عامة او خاصة واحدة.
    ويسجل للمؤسستين، الامنية والعسكرية، انحيازها الكامل للشعب، ووقوفهما علي الحياد، رغم نداءات الرئيس واستغاثاته المتكررة بالتدخل، فالزعماء يأتون ويذهبون في الدول الديمقراطية، اما الشعب فهو الباقي، وهو المصدر الوحيد للسلطات.
    هذه الثورات الشعبية ستصل حتماً الي المنطقة العربية، فقد بلغ الظلم مداه، وتوحشت الانظمة الديكتاتورية، وتغولت في نهب الثروات، ومصادرة الحريات العامة والخاصة، وتغييب القضاء العادل المستقل، واحتكار الوظائف والاعمال.
    والمأمول ان تكون هذه الثورات سلمية، ولكنها لن تكون كذلك، وللأسف الشديد، ليس لان الشعوب العربية متعطشة للدماء، ولكن لان الانظمة لا تقيم وزناً لهذه الشعوب، وتفضل التعامل معها بالحديد والنار، والمؤسستان الامنية والعسكرية جاهزتان دائماً لـ تأديب الشعب لمصلحة الفساد والديكتاتورية.
    وما يرجح خيار العنف، ويجعله الاكثر حتمية، ان الانظمة العربية في معظمها تقاوم الاصلاح، وترفض التجاوب مع نداءات القوي الديمقراطية، التي تطالب به، وحتي اذا تجاوبت، فانه تجاوب محدود، يقتصر علي اصلاحات تجميلية سطحية، وبهدف كسب الوقت، وامتصاص نقمة تعتقد الانظمة انها طارئة أو عابرة.
    المنطقة العربية دخل عليها اكثر من أربعة آلاف مليار دولار عوائد نفطية في السنوات العشرين الماضية فقط، ومع ذلك ما زالت الاكثر تخلفاً في العالم بأسره، فالخدمات الصحية شـــــبه معدومة، والتعليمــــية منـــهارة، والبني التحتية متآكلة، والتنمية لا مكان لها في قاموس الحكومات، والفساد هو القاسم المشترك في معظم الدول، ملكية كانت او جمهورية.
    مئات المليارات من الدولارات جري انفاقها علي شراء اسلحة، وطائرات حديثة، وعندما تعرضت دول للعدوان الاسرائيلي، توارت هذه الاسلحة والطائرات خجلاً، اما عندما اجتاحت القوات العراقية الكويت فكان لابد من الاستعانة بالقوات الامريكية.
    دولة مثل المملكة العربية السعودية وصل متوسط الدخل السنوي للمواطن فيها حوالي ثمانية وعشرين الف دولار، انخفض حالياً الي اقل من سبعة الاف دولار في افضل التقديرات، بينما وصلت ديون الدولة الي مئتين وخمسين مليار دولار، ووصلت معدلات البطالة الي حوالي ثلاثين في المئة، وعندما تحاول مجموعة من المواطنين الاحتجاج تقابل بالقمع والاعتقالات والاتهامات بالخروج عن طاعة اولي الامر، وتواجه بتطبيق حد الحرابة اي القتل بحد السيف لانهم من المفسدين في الارض.
    الرئيس حسني مبارك يسقط علي المنصة وهو يلقي خطابه في مجلس الشوري، ويخرج علينا وعاظ السلاطين ليؤكدوا ان الرجل سليم معافي، ويعاني من زكام بسيط، وسبب انهياره عائد الي تعاطية جرعات اضافية من المضاد الحيوي. ويذهب وزير الاعلام المزمن الي ما هو ابعد من ذلك في النفاق عندما يفتي بان الرئيس كان صائماً. ونسي الوزير نفسه انه قال ان الرئيس أخذ جرعات من المضادات الحيوية، فكيف يكون صائماً، وفي الوقت نفسه يتعاطي حبوباً وادوية.
    وأي زكام هذا الذي يعالج بجرعات قوية من المضادات الحيوية.. افيدونا افادكم الله!
    اما رئيس فلسطين فليس افضل حالاً، فتارة هو مريض جداً، وتارة اخري يسحب مسدسه ويهدد بقتل نفسه، بينما ينشغل الورثة في الصراع علي تقاسم المناصب والسلطات، وكأن شارون لا يقتل اطفالاً، ويدمر بيوتاً ويفرض واقعاً علي الارض ببناء السور العنصري.
    في سورية صراع بين حرس قديم وحرس جديد وغياب كامل للحريات والتنمية. وفي لبنان حرب ضروس بين رئيس الدولة ورئيس الوزراء. وفي الجزائر حرب اكثر ضراوة بين بوتفليقة وبن فليس. وفي المغرب هناك اجماع علي وجود فراغ في السلطة. وفي الاردن وزارة للشعب واخري موازية للبلاط.
    وامام هذه الاوضاع المتدهورة لا يوجد بديل آخر للعنف، وقد بدأ هذا العنف يطل برأسه بقوة في السعودية والمغرب، ويحصد ارواح عشرات الابرياء، وهناك من يقول بأنه زاحف نحو مصر ان آجلاً او عاجلاً.
    ويساهم تحالف السياسات الامريكية الاستفزازية مع الديكتاتوريات المحلية الفاسدة في ايجاد المناخ الملائم للعنف، فالاحتلال الامريكي للعراق، والدعم المطلق للارهاب الاسرائيلي في فلسطين اوجدا ظاهرة القنابل البشرية، والعمليات الاستشهادية، وهي ظاهرة امتدت الي استانبول وقبلها الرياض، وقطعاً ستتناسخ وتصل الي عواصم اخري.
    تنظيم القاعدة الذي هو أحد افرازات الديكتاتورية القمعية المحلية والاهانات الامريكية للعرب والمسلمين، بات مظلة، وايديولوجية تنضوي تحتها تنظيمات اسلامية صغيرة متطرفة تجد في العنف الدموي وسيلتها الوحيدة للتعبير عن احباطاتها ويأسها.
    قتل المدنيين عمل مدان، وجريمة لا يمكن تبريرها، ولكن من حقنا ان نسأل عما فعلته الانظمة لهؤلاء، هل حققت لهم حياة كريمة، وساوت بينهم امام القضاء وقطعت دابر الفساد، واوقفت التعذيب والاهانات في السجون والمعتقلات؟
    الرئيس شيفاردنادزه اضطر في نهاية المطاف للرضوخ لمطالب الشعب، تماماً مثل سوهارتو في اندونيسيا، وماركوس في الفيلبين، والشاه محمد رضا بهلوي في ايران، وتشاوتشيسكو في رومانيا، ولكن الدكتاتوريين العرب يعتقدون انهم مخلدون في السلطة، ويرفضون الاعتراف بان هناك شيئا اسمه الشعب، ومن هنا يأتي الخوف من حمامات الدماء.
    كم كانت متواضعة الطائرة الرئاسية التي امتطاها الرئيس الجورجي وهو هارب من البلاد الي غير رجعة، بالمقارنة مع الطائرات الخاصة لرجال الاعمال، ولا نقول الزعماء العرب، وكم كانت صاخبة احتفالات الجماهير بانتصارها التاريخي في اطاحته من السلطة بالوسائل الديمقراطية!
    تري كيف سيكون حال الزعماء العرب اصحاب الطائرات الخاصة الفخمة وغرف نومها الفارهة، ودورات مياهها المذهبة، وهل سيجدون الوقت لامتطائها والمغادرة بامان الي منافيهم المريحة، حيث اودعوا عشرات المليارات من الدولارات؟!
     

مشاركة هذه الصفحة