ياسين سعيد نعمان: بيت القصيد في الحال العربي الراهن

الكاتب : الصلاحي   المشاهدات : 426   الردود : 2    ‏2003-11-21
      مشاركة رقم : 1    ‏2003-11-21
  1. الصلاحي

    الصلاحي مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2001-07-20
    المشاركات:
    16,868
    الإعجاب :
    3
    ياسين سعيد نعمان: بيت القصيد في الحال العربي الراهن هو تضاؤل مساحة الحرية التي ليست ماتقدمه الاجهزة من تنازلات تتفق مع حاجتها الى تنفيس الاحتقانات، والمشترك أمل بتجاوز الخلافات الجانبية



    نص حوار الدكتور مع صحيفة 26 سبتمبر، التي تطرق فيه الى الوضع السياسي اليمني والعربي، ومنها المبادرة اليمنية، واللقاء المشترك، وحوار الحزب الاشتراكي مع المؤتمر الذي طالب أن لاينظر اليه وكانه نوع من تسديد فواتير، بالاضافة الى مااثير حول اراءه بشأن الديمقراطية مؤخرا:

    * عودة الدكتور ياسين الى الوطن كانت محل ارتياح معظم الفعاليات والاحزاب السياسية، وهي تعكس الاحترام والمكانة التي تحظون بها في الوسط السياسي والاجتماعي الوطني.. ماذا يمكن القول عن اسهامكم السياسي المستقبلي في هذا المنحى؟



    - مشاعر الناس وعواطفهم تركت في النفس أثراً عميقاً أينما حللنا في ربوع الوطن وجدنا الاحترام والحب والمشاعر الدافئة، مايمكن استخلاصه من هذا هو ان هناك تناسقاً وانسجاماً قيمياً يتشكل خارج الخرائط السياسية ويضغط عليها بحقيقة أن السياسة التي تتحرك خارج قيم المجتمع والمتمثلة في الحب والتسامح والتعاون والحوار على قاعدة المسؤولية المشتركة تجاه بناء الوطن وحمايته إنما تضع نفسها في مواجهة مع حاجة الناس الى الاستقرار والتنمية والتقدم، فهي تراكم شروطها بتوظيف قيم دخيلة مثل العنف والكراهية والتعالي واحتكار"الحقيقة".. ولسنا بحاجة الى القول ان هذا التناسق والانسجام القيمي يعد المخزون الاجتماعي الذي تحتاجه السياسة في مساراتها المعقدة ..أقول ذلك لأن أنبل الافكار وأعظمها هي التي تنبثق من حاجة الناس، أي من هذا المخزون وتجلياته التي لايصعب على السياسة الرشيدة أن تكتشفها وتتعامل معها باعتبارها مصدر البرامج على كافة الاصعدة.. بالنسبة لي هناك أولويات الاستقرار بعد هذه السنوات الطويلة من الغياب عن الوطن وقد يطول هذا الموضوع ويأخذ مداه من واقع مايرتبه تنظيم حياة الاسرة من واجبات كثيرة.

    * دون شك انكم بعد عودتكم إلتقيتم بفخامة الاخ الرئيس علي عبدالله صالح ..ماهي أهم الهموم والقضايا الوطنية التي تناولتموها مع فخامته؟
    - نعم إلتقيت بفخامة الاخ الرئيس، وكعادته على الصعيد الانساني كان الاخ والصديق، وكل اللقاءات التي تمت في مناسبات مختلفة كانت جميعها تقريباً بعيداً عن هموم السياسة، بطبيعته يضفي عليها البعد الانساني، وطبيعي أن تكون كذلك، فمن ناحية هناك آليات سياسية قد استقرت بمناقشة القضايا والهموم الوطنية، ومن ناحية أخرى معروف أن لكل مقامٍ مقال، وصاحب المقام هو الذي يحدد طبيعة المقال،والاخ الرئيس ارادها ان تكون ذات مسحة انسانية من منطلق ان هذا الجانب هو العنصر الحاسم في إعادة بناء أوعية السياسة.

    * خلال فترة تواجدكم خارج الوطن كنتم حاضرين من خلال كتاباتكم في الصحف عن الكثير من القضايا والهموم الوطنية.. كيف وجدتم الواقع عند عودتكم للوطن .. وهل ماوجدتموه يجعلكم تعيدون النظر في طروحاتكم لبعض القضايا؟
    - نادراً مارصدت الواقع المادي في كتاباتي الاَّ بالقدر الذي يتطلبه تقييم الفكرة واسنادها بالحجة.. فالفكرة كانت دائماً هدفاً لهذه الكتابات.. تحدثت عن أهمية إغلاق ملفات الصراع عن الديمقراطية، عن فقه التكفير، عن التطرف والعنف، عن الحكم المحلي، عن كتابة التاريخ وغيرها من القضايا التي تؤسس لفكرة بناء الدولة الوطنية الحديثة، وعن الخصخصة والايديولوجيا، وعن جدلية العلاقة بين الوطني والمحلي في بناء الدولة.. الخ، عندما أراجع ماكتبته أجد احياناً إنني أقف على "يمين" ماكتبه الكثيرون.. ربما لأنني بطبيعتي لا أميل الى الاسراف في إسقاط روح المعارض المتحفز للتغيير على المعنى الذي تستهدفه العبارة أو الكلمة لأحافظ على الموضوعية قدر الامكان.. وعندما كتبت في يوم من الايام في معرض تقييم الانتخابات النيابية الأخيرة وقلت ان علينا ان نفتش عن "الماسة" وسط كومة القش، وأن لانحرق القش لنصل الى "الماسة"، هاجمني البعض من زاوية انني أُجمِّل "القبيح" فيما الحقيقة هي انني أرى الشيء وأرى ضده فيه، أرى القبيح وأرى فيه شيئاً جميلاً، لابد أن يكون فيه شيئاً جميلاً في مكان ما.. علينا أن نبحث عنه مهما كان صغيراً، فلا يمكن أن يكون الفعل الانساني كله كما يمليه علينا شعورنا من واقع المكان الذي نكون فيه أي قبيحاً بحكم هذا الموقع، وإلا أسلمنا حياتنا الى دورة جديدة من دورات العنف.. في كتاباتي أخشى الاحباط، لأن المعادل الموضوعي للاحباط هو التطرف و العنف.. لكنني أكره المساومة على حساب التقييم الموضوعي للفكرة، فالمساومة هي الأخرى تفعيل انتهازي للعوامل المنتجة للاحباط عبر السكوت عن الأخطاء والنواقص.. وكلا الحالتين: الاحباط والمساومة هما اخطر ماينتجه "الفكر" حينما يتعين عليه ان يراكم موقفاً ماتجاه قضية من قضايا الحياة.


    * كنتم دائماً تكررون أنكم ستعودون إلى الوطن متى ماتشاءون.. لكن عودتكم تزامنت بعد صدور قرار العفو الرئاسي وهو وماسبقته من قرارات لايعنيكم.. الى أي مدى يمكن اعتبار عودتكم مرتبطة بالمناخ السياسي الجديد الذي أدى اليه هذا القرار؟
    - كنت أرى دائماً ان الأصل هو ان يكون الانسان في وطنه والاستثناء هو أن يبقى خارج الوطن، وان الظروف التي تحتم على الانسان ان يبقى خارج وطنه هي ظروف عارضة، وعلى اطراف المعادلة المنتجة لهذه الظروف أن لا يسرفوا في تعقيد هذه الظروف، ولذلك كنت اقول ان العودة الى الوطن مسألة يقررها الانسان وفقاً لظروفه وتقديراته ، وهي لاترتبط بأي شروط سواءً منه أو عليه.
    وكنت في نفس الوقت أرفض ان يتحول قرار العفو الى أداة لتفريغ الانسان من الحلم بوطن سعيد، أو تفريغه من الهم الوطني بالتعامل معه وكأنَّه بلا قضية، أو النظر الى العفو وكأنه نوع من كسر الارادات ولذلك فقد تحدثنا كثيراً عن أهمية ان يتصالح الوطن مع نفسه، ولاشك ان ذلك أخذ وقتاً طويلاً كي يعاد إنتاج معادله الموضوعي في صورة المناخ السياسي الذي أعطى للعملية بعدها الذي عبر عنه الاخ الرئيس بذلك الموقف الذي جعل اليمن كبيراً في نظر الجميع.

    * بصفتكم من القيادات البارزة في الحزب الاشتراكي اليمني.. هل عودة الكثيرين من القيادات الاخرى معكم ستسهم في إعادة ترتيب أوضاع الحزب الاشتراكي لاسيما وأنه في الفترة الماضية برزت تباينات جعلته يتوزع في مواقفه الى عدة أجنحة؟
    - الاصل هو ان الذين كانوا في الحزب الاشتراكي وهو في السلطة ان يعملوا من خلاله وهو خارج السلطة وذلك في حالة استمرارهم كنشطاء في الحياة السياسية لكن هذه القاعدة ربما لاتستوعب الظروف الخاصة لكل انسان لاسيما وان السلطة حتى اليوم لم تتخلص من نظرتها إلى الحزب "كخصم" وليس كمعارض.. المسألة في تقديري تبدأ من النقطة التي تنهي فيها السلطة "الخصومة" وتتعامل مع الحزب الاشتراكي كمعارض وليس "كخصم" وهذا بطبيعة الحال سيجعل عودة الناس الى الحزب تبدو كمسألة طبيعية خالية من أي شعور بالتحدي أو المجازفة، هذه واحدة من القضايا التي تتبادر الى الذهن حينما يدور الحديث عن المناخ السياسي الذي خلقه قرار العفو العام، بعد ذلك تصبح المسألة رهن تقديرات الناس أنفسهم لاسيما وأن العمل الحزبي قد انفتح على معطيات سياسية تجعل مسألة الانتماء الى الاحزاب خياراً مرتبطاً بمدى استعداد الانسان على تحمل نتائج خياراته.
    وشخصياً آمل ان يساهم الاخوة في تعزيز وضع الحزب الاشتراكي ليلعب دوره في الحياة السياسية لأنني أعتقد ان تطوير أوضاع هذا الحزب ستنعكس إيجابياً على مجمل الأوضاع السياسية في البلد.

    * ماذا عن رؤيتكم لمسار الحياة السياسية في ابعادها الديمقراطية والاقتصادية في ظل معطيات الاوضاع الاقليمية والدولية الراهنة؟
    - لعله من المفيد ان نتحدث عن هامش الحرية في الحياة السياسية والفكرية ليصبح الحديث عن الديمقراطية وكأنه اشتقاق عضوي لفرع من فروع الحرية التي فطر الله الناس عليها.
    وحتى لايبدو الحديث عن الديمقراطية وكأنه مجرد لغو لايقيم وزناً لمضمونها المستند على طائفة من القيم التي تفسر المعنى العميق لتكريم الانسان كما ورد في القران الكريم "ولقد كرمنا بنى آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلاً" صدق الله العظيم، فإنه لابد من النظر إليها باعتبارها أداة لممارسة الحرية، وبهذا المعنى فإنها بقدر ماتجسد الحرية التي يتمتع بها المجتمع فإنها تجسد أيضاً المسؤولية الملقاة عليه في خيارات ممارسة الحرية، والمجتمع الذي يتمتع بحرية كافية في اختياراته السياسية والفكرية لابد ان تنشأ لديه الحاجة على نحو موضوعي الى أدوات وآليات مناسبة لممارسة هذه الحرية.. فالديمقراطية لم تكن تشمل العبيد عند الاغريق.. الديمقراطية قاعدتها الحرية، بمعنى ان الحرية هي الشرط الموضوعي لانتاج الديمقراطية، أي الأداة التي تمارس بواسطتها الحرية، ولذلك يصعب في الواقع العملي ان نتحدث عن مجتمع حر يفقد الوسيلة في ممارسة حريته، بينما نجد اليوم الكثير من المجتمعات تتحدث عن الديمقراطية وهي بلاحرية، ولأن الحرية قيمة من غير الممكن التعبير عنها الا بما يجسد صفتها المطلقة في الشكل والمضمون، فإنها بهذا المعنى تغدو المعيار الأوحد لدرجة إستعداد أي مجتمع للتحول نحو الديمقراطية، فنقول مجتمع ديمقراطي بمعنى مجتمع حر.
    هذه العلاقة الجدلية تعني فيما تعنيه ان الدولة في مجتمعاتنا العربية مازالت في الطور الاول من "العقد الاجتماعي" الذي تنازل الناس بموجبه عن حريتهم (أو الجزء الأكبر منها) لصالح الدولة المنظمة لحياتهم ومصالحهم، ولم تغادر هذا الطور بذرائع مختلفة، بل ان كل زمن يأتي يحمل معه من الاسباب مايجعل مساحة الحرية تضيق لتملأ بالأجهزة حتى صار من الصعب زحزحة هذه الاجهزة عن "مكاسبها" التي حققتها عبر السنين وصارت الحرية التي نتحدث عنها في مجتمعاتنا هي ماتقدمه هذه الاجهزة من تنازلات أو مرونة بمقادير تتفق مع حاجتها الى تنفيس الاحتقانات، وهي المساحة التي يملؤها التطرف وحراس الجمود وفتاوى التكفير، وفي وضع كهذا لانستطيع ان نتحدث عن أي درجة من الحساسية تجاه التغيرات العالمية من شأنها ان تجعل التفاعل مع مايدور في العالم مسألة ضروية.
    البلدان التي تفقد الحرية السياسية والفكرية تفقد الحساسية تجاه مايدور حولها لأن نخب الحكم هي التي تتولى هذا "التفاعل" نيابة عنها ولذلك لانستغرب انه حينما يدور الحديث عن منطقتنا العربية وعلاقتها بمايسود العالم من تغيرات غالباً مايكون التدخل المباشر حاضراً وكأن شعوب هذه المنطقة قد عجزت عن اصلاح حالها الذي بات من وجهة نظرهم -أي دعاة التدخل- يشكل خطراً على أمن واستقرار العالم.
    إن بيت القصيد في الحال العربي هو تضاؤل مساحة الحرية التي تصر الدول على احتجازها كرهينة مقابل ضمان الطاعة،وهو الوضع الذي يهيء المناخ للتطرف ليلعب دور الاحتياطي النشط للسيطرة على المساحة التي تفرج عنها الدول بدوافع مختلفة... هذا التناوب هو منتج الاستبداد الذي إذا ضربته في التراجع الذي أصاب القوى النشطة سياسياً وفكرياً على صعيد المنطقة كلها فإن النتيجة هي فتح الابواب للتدخل وليس للتفاعل الحضاري المنشود.



    * هناك من يرى أن عودتكم ستؤثر على المعادلة السياسية عموماً ولاحزاب المعارضة في صيغة اللقاء المشترك بصفة خاصة.. مامدى صحة مثل هذا التصور.. وماهي نظرتكم لمثل هذه التجربة في العمل السياسي الديمقراطي؟
    - لن أجيب على الشق الاول من السؤال، فرحم الله امرءاً عرف قدر نفسه.
    وماأنا إلاَّ من غزية إن غوت غويت وان ترشد غزية أرشد
    ثم إنني قد جربت السياسة ولدى جيلنا مخزون من التحفز لمستقبل تكون ناصيته بيد الشباب وهم أكثر قدرة على الانطلاق بخياراتهم نحو هذا المستقبل.. المهم ان يفسح لهم الطريق بعيداً عن عقد الماضي، على جيلنا وماقبله ان يكفوا عن إعادة انتاج أنفسهم بأحلام منكسرة حتى لا تجد الأجيال القادمة نفسها محاصرة بهموم لادخل لهم في انتاجها.
    اما فيما يخص رؤيتي لصيغة اللقاء المشترك فأنا لم أعش التجربة حتى أحكم عليها، لكنني أعتقد إن ما أفرزه الواقع السياسي المتحرك من ضرورات جعلت احزاب المعارضة تتمسك بخيار المعارضة الايجابية باتجاه دعم التوجه الديمقراطي والتمسك به بمعنى ان الظرف السياسي وفر لها قدراً من الحرية للإتفاق حول ماهو مشترك في كفاحها من اجل تعزيز الخيار الديمقراطي، ونفس الظرف السياسي الذي وفر لها هذا القدر من الحرية أشاع عندها الخوف من تقلص فرص نمو هذا الخيار، هذا الدور المزدوج للظرف السياسي لايعني أكثر من أن التفاؤل والخوف يتعايشان لأن قواعد اللعبة وما يحيط بها من ظرف موضوعي تحتاج الى رعاية الجميع، وأنا أرى أن احزاب المعارضة إرتفعت الى مستوى المسؤولية في لحظة تاريخية معينة حينما كان عليها ان تتجاوز خلافاتها وتغادر متاريسها القديمة وتحسم أولوياتها بتغليب الدفاع عن التوجه الديمقراطي على غيره من لعب السياسة.. وتجارب احزاب المعارضة في الكثير من البلاد العربية أوقعتها في شرك البحث عن معارك جانبية ألهتها عن معركتها الحقيقية وهي الانتصار للخيار الديمقراطي وخوض معارك الحرية على قاعدة الحوار الايجابي وتوظيف "المشترك" توظيفاً إيجابياً لصالح الاهداف الوطنية الكبرى في هذه التجارب للأسف تبتلع المعارك الثانوية التي يفرضها الواقع السياسي المعقد ومخزون الصراع وموروث الخلاف الايديولوجي، تبتلع "المشترك" في كفاحها من أجل الحاضر والمستقبل ولا تكشف حجم الخديعة إلا عندما يضعها التاريخ امام تحديات من النوع الذي يقرر مستقبل الحياة "برمتها" ولكن يكون الأوان قد فات.. في اليمن يبدو ان الجميع قد تعلم من التجارب فقرروا البحث عن "المشترك" في صيغته التي تقدم الدليل على ان السياسي المؤمن بمشروعه لايفقد الحيلة حينما يتعين عليه ان يعيش التفاؤل والخوف، المهم ان لايقحم "المشترك" في معارك الخوف على غير ادراك بحقيقة ان تضاؤل مساحته، اي الخوف في المعادلة انما هو رهن بقدرة التفاؤل على انتاج معطياته على الارض بحساب دقيق لموازين اللعبة .. وعندما ينظر للمسألة من هذه الزاوية فلاشك ان هذا يجعل التجربة السياسية اليمنية برمتها في موقع مثير للاعجاب في زمن تنتكس فيه التجارب الاخرى التي تواصل التواري في مأزقها القديم.

    * الفتوى التكفيرية التي صدرت بحقكم.. في أي سياق يمكن فهمها؟
    - أنا لم اتحدث عن هذا الموضوع حتى الآن لأنني أربأ أن أضع إيماني موضع فحص كالذي يستهدفه منتجو هذه الغوغائية .. لكنني احتفظ بحقي في الحديث إلى الوقت المناسب.
    اما الآن فيمكن التفريق بين التطرف.. كفكر، والتدليس والتلفيق كأخلاق.. التطرف فكر يقيم حجته بناءً على مرجعيات معينة والخلاف معه يدخل في باب الاجتهاد أو الخلاف الفكري، وغالباً مايكون الخلاف حول قضية معينة يتصدى فيها "المتطرف" لرأي او منهج لايتفق مع مرجعيته فيلجأ الى تكفير صاحب الرأي، أي أنه لابد ان يكون هناك اختلاف حول رأي صريح صدر من احد واعترض عليه الآخر، الحالة المثارة هي نوع من التدليس والتلفيق وهي تدخل في باب الاخلاق وليس لها علاقة بالفكر لامن قريب ولامن بعيد لأنها لاتستند على خلاف في الرأي صدر من أحد واعترض عليه الآخر، هي في الحقيقة صناعة كيدية وفرية جاءت من خارج الفكر لتوظف توظيفاً سياسياً، مثل هذه الحالة لايجوز ان تعامل معاملة الفكر، حتى لوكان متطرفاً، لأن طابعها اخلاقي بحت، فما الذي يمكن قوله في زمن ينسب اليك مالم تقله اوتنطق به اوتكتبه اوتحاجج به بأية صيغة من الصيغ، مثل هذه الاخلاق تضع الفكر في مصيدة التفتيش في الضمير، قد يكون هذا صورة للتطرف لكنه اكثر تدميراً لقيم الانسان لانه تجاوز حدود الجدل الفكري الى صناعة المكيدة.
    ويبقى السؤال: لماذا تفتعل هذه المعركة، ومن وراءها وماهي دوافعها؟.. الله ورسوله اعلم.


    * ماذا عن صحة مايتردد بشأن العلاقة بين مختلف الاحزاب والتنظيمات السياسية وفي الصدارة المؤتمر الشعبي العام والحزب الاشتراكي اليمني؟ وهل هناك حوار بين الحزب الاشتراكي والمؤتمر الشعبي؟ اذا كان ذلك صحيحاً فإلى اين وصل هذا الحوار؟
    - سأبدأ من الشق الثاني للسؤال بشأن الحوار بين المؤتمر الشعبي والحزب الاشتراكي، مايمكن قوله في هذا الصدد هو ان هناك قيادة لكل من الحزبين تستطيع ان تجد عندها الجواب الشافي والكافي.. والحقيقة ان المسؤول ليس بأعلم من السائل، ومسألة كهذه إذا ماتمت لابد ان تكون قد سبقت اليكم انتم الصحفيين الكل ينتظرونها بفارغ الصبر.
    وشخصياً أرى ان الطبيعي هو ان يكون هناك حوار دائم ومنتظم لان ذلك يتفق مع سنن الكون حينما يتعلق الامر بما ارتضاه الناس من صيغ لادارة شؤون حياتهم، لايجوز ان تتفق على ادارة شؤون حياتنا بالديمقراطية ونمنع الحوار.. القاعدة في مثل هذه الحالة هي ان ينتظم الحوار بين أطراف الحياة السياسية، لا تستقيم الحياة الديمقراطية مع إغلاق باب الحوار لان الجميع شركاء في المسؤولية.. المؤتمر الشعبي في وضعه الحالي كحزب حاكم تقع عليه مسؤولية فتح باب الحوار.
    قد يقول البعض ان هناك مؤسسات دولة دستورية تغني عن حوار الاحزاب.. هذا القول هو من باب سد الذرائع، لان الحوار السياسي يبحث فيما هو استراتيجي، وهو يساعد المؤسسات الدستورية على إستشراف آفاق أرحب للقضايا المعروضة عليها لأنها مالم تدعم بموقف سياسي وبرؤى تعكس الوفاق الوطني فإنها تتحول الى أجهزة بيروقراطية تتضاءل مع المدى أمام حجم القضايا الكبرى التي تواجه الوطن.
    إنّ هناك من القضايا الهامة مايجعل الحوار بين الاحزاب ضرورة ملحة، فالحوار لاينعش الذاكرة بالقضايا الاستراتيجية فحسب، ولكنه يدفع بها الى صدارة الاولويات في برامج الدولة بهيئاتها الرسمية والشعبية بإعتبار هذه البرامج خلاصة الجهد الجمعي للعقل اليمني.
    أمّا فيما يخص العلاقة بين الاحزاب والتنظيمات السياسية فلا أجد مايبرر الحديث عن "الصدارة" التي حواها سؤالكم سوى تصحيح العلاقة بين المؤتمر والحزب الاشتراكي والخروج من نفق الخصومة التي اقتحمت العلاقة التاريخية بينهما كشركاء في صناعة منجز الوحدة العظيم، الحياة تطرح أمام الجميع مهام جديدة، ولا أدري لماذا يثار موضوع الحوار بين المؤتمر الشعبي والحزب الاشتراكي وكأنه تسديد فواتير معلقة على جميع شركاء الحياة السياسية دفع ثمنها.. المسألة ليست على هذا النحو ويجب ألا تكون كذلك.

    * الاحداث التي مرت وتمر بها المنطقة افرزت وضعاً أدّى الى ايصال العمل العربي المشترك ومنظومة عمله الى أزمة حقيقية .. ماهي استخلاصاتكم من المبادرات العربية والتي تأتي في مقدمتها مبادرة اليمن؟
    - لا أعتقد أن الاحداث التي تمر بها المنطقة هي السبب في إيصال العمل العربي المشترك الى الأزمة التي تفضلتم بذكرها.. الأزمة سابقة لهذه الأحداث ولو لم تكن كذلك لاستطاع العرب ان يمتصوا هذه الاحداث او يقللوا الخسائر الناجمة عنها، وربما جاز لنا القول انه ماكان لها ان تحدث على النحو الذي شاهدناه وعشناه.
    الاحداث في الحقيقة لها وجهان: داخلي وخارجي الداخلي هو المؤسس للحدث أما الخارجي فمجرد موظف للأسباب التي انتجت الحدث.
    لن أذهب بعيداً في تشخيص الوضع ولكنني سأكتفي بالقول ان المنطقة العربية هي الوحيدة من بين كل التجمعات الاقليمية والقارية التي لم تستطع ان تستفيد من الفرص التي قدمها لها التاريخ لتتخلص من معوقات النمو والتطور،بل راحت طوال العقود الماضية تعيد انتاج التخلف والتبعية بنفس الأدوات التي كان يمكن ان تصنع منها تقدمها وتطورها وكانت النتيجة انها خسرت هذه الادوات وخسرت معها الفرصة التاريخية ،ثم جاء من يقول لها إنكم مصدر إنتاج عدم الاستقرار في العالم.
    كل المبادرات، لا أدعي انني إطلعت عليها بكاملها، هي جهود تستشعر الخطر، لكنا نبحث عن المشكلة في المكان الذي لاينتج المشكلة، فالجامعة العربية ليست المكان الذي ينتج المشكلة، بالعكس هو المكان الذي يجسد المشكلة في مجموع عناصرها، فهل يمكن ان نعتبر السينما التي يعرض فيها الفلم انها هي بسبب نجاحه أو فشله أما إذا كان دراما اوهزلي، الفلم يصنع في مكان آخر، اما السينما فهي مجرد دار عرض لا أقل ولا أكثر، أقصى مايمكن ان تعمله هو تحسين ظروف العرض والمثل الألماني يقول: مشكلة اللحم لاتحل داخل المطبخ.
    التعاون العربي اليوم لم يعد مجرد رغبة ولكنه ضرورة تستلزم إصلاحات سياسية واقتصادية وبنيوية هائلة داخل المجتمعات العربية، ناهيك عن الارادة السياسية التي يمكن ان تعمل آلياتها في انتاج شروط التعاون والتكامل بما يوازن الاسباب لاعادة تسوية علاقات التعاون القطرية والاقليمية التي تتم خارج التعاون العربي في مجموعة.
    والمبادرة اليمنية تستهدف شيئاً من هذا القبيل ويمكن فهمها بروح تتفق ومكانة اليمن في انتاج الشرط السياسي التاريخي لاقامة هذا التجمع العربي عام 1945م، باعتبارها احد المؤسسين الاوائل، لكنها باعتبارها مبادرة رسمية حكومية ماكان لها الا ان تحوم حول المشكلة كغيرها من المبادرات الحكومية التي تتجنب الخوض فيما يعكر صفو العلاقات الرسمية والدبلوماسية ولذلك كان من الاولى ان يأخذ هذا الجهد عمقه الشعبي على نحو يجسد نقلة حقيقية لطبيعة التجمع العربي البديل ..المسألة في تقديري ليست مجرد تغيير عنوان مهما اضفنا له من مهام، فما لم يجسد الاصلاح هذا العمق الشعبي المعبر عن إصلاحات جوهرية في النظم السياسية وهو الذي تفتقر اليه اشكال التعاون العربي القائمة، فإن النتيجة ستكون واحدة لأن الجزءالرئيسي من نشاط هذا الجديد سيواصل عمله خارج الضرورة.
    ومع ذلك دعنا نقول ان هذه المحاولة لتعليق الجرس.
     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2003-11-21
  3. الصقر الجارح

    الصقر الجارح قلم فضي

    التسجيل :
    ‏2003-04-18
    المشاركات:
    2,647
    الإعجاب :
    1
    شكراً اخي الصلآحي لنقل هذا الحوار


    لك التحيه
     
  4.   مشاركة رقم : 3    ‏2003-11-21
  5. ibnalyemen

    ibnalyemen علي احمد بانافع مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2001-09-15
    المشاركات:
    20,906
    الإعجاب :
    702
    اخي ابو نبيل الدكتور ياسين من القلائل من اعضاء المكتب السياسي الذين لهم من الثقافة ورجاحة العقل واكن له احترام كونه لم يتاثر ولم يكن له دور في ما جرى قبل الوحدة وانا اعرفه شخصيا رجل متواضع وخلوق منذ كان رئيس لنادي التلال.
     

مشاركة هذه الصفحة