لحظات مع حديث المصطفى (2)

الكاتب : وليد العُمري   المشاهدات : 686   الردود : 2    ‏2001-07-30
حالة الموضوع:
مغلق
      مشاركة رقم : 1    ‏2001-07-30
  1. وليد العُمري

    وليد العُمري عضو

    التسجيل :
    ‏2001-07-29
    المشاركات:
    101
    الإعجاب :
    0
    بسم الله الرحمن الرحيم

    وبه أستعين

    مع وافر الشكر والتقدير لإخواني الذين قرأوا مشاركتي السابقة ، وأخص بالذكر من وقعوا لي بالشكر فلهم مني جزيل الشكر، وأسأل الله تعالى شأنه أن يوفقنا جميعاً لصالح القول والعمل .

    والأن مع الحديث الثاني :

    @ نص الحديث

    عن أبي كبشة الأنماري أنه سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول:
    (( إنما الدنيا لأربعة نفر:
    عبدٌ رزقه الله مالاً، وَعِلْمَاً؛ فهو يتقي فيه ربه، ويصل فيه رحمه، ويعلم لله فيه حقاً؛ فهذا بأفضل المنازل.
    وعبدٌ رزقه الله علماً، ولم يرزقه مالاً؛ فهو صادق النية، يقول: لو أن لي مالاً؛ لعملت بعمل فلان؛ فهو نيته، فأجرهما سواء.
    وعبدٌ رزقه الله مالاً، ولم يرزقه علماً؛ فهو يخبط في ماله بغير علمٍ، لا يتقي فيه ربه، ولا يصل فيه رحمه، ولا يعلم لله فيه حقاً؛ فهذا بأخبث المنازل .
    وعبدٌ لم يرزقه الله مالاً، ولا علماً؛ فهو يقول: لو أن لي مالاً؛ لعملت فيه بعمل فلان؛ فهو نيته، فَوِزْرُهُمَا سواء(1)

    @ راوي الحديث

    قيل: اسمه سعيد بن عمرو، وقيل: عمرو بن سعيد وقيل: عمر بن سعد، و قيل: عامر، روى عن النبي- صلى الله عليه وسلم -، وعن كبار أصحابه، شهد مع النبي - صلى الله عليه وسلم - غزوة تبوك.ونسبته إلى أنمار(2).

    @ ألفاظ الحديث

    - الدُّنيا : مُشتقة من الدنو؛ إما لقربها من الآخرة، أو لنزول منزلتها ومكانتها عن الآخرة.
    - نفر : ما بين الثلاثة والعشرة.
    -يخبط : يقال : خبط البعير الأرض بيده؛ ضَرَبَها، ومنه قيل : خبط عشواء، وهي الناقة التي في بصرها ضعفٌ، تخبط إذا مشت لا تتوقى شيئاً، والخُبَاط : كالجنون، والمراد هنا: أي أفسده، وأتلفه.
    -الوزر : أي الإثم.
    @ شرح الحديث(3)

    -إنما الدنيا لأربعة نفر : أي إنما حال أهلها حال هؤلاء الأربعة.
    -عبدٌٍ : بالرفع، على أنه خبر مبتدأ محذوف، وبالجر على أنه بدل مما قبله.
    -رزقه الله مالاً : والتعبير بأنه رزق من الله؛ يفيد أنه من حِلٍّ .
    -وَعِلْمَاً : أي شرعياً، نافعاً، وليس المراد بالعلم الشرعي: معرفة الأحكام الشرعية فقط؛ بل المراد هنا بالأصالة : العلم بالله تعالى، وخشيته؛ ولذا قال تعالى : ( إنما يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبَادِهِ العُلَمَاءُ ) .
    -فهو يتقي فيه ربه : أي في الإنفاق من المال، والعلم.
    -ويصل فيه رحمه : أي يصل أقاربه بالمال، والعلم.
    -ويعلم لله فيه حقاً : من صدقة، وإعانة ملهوف، وإقراء، وإفتاء، وتدريس؛ فهو :
    -بأفضل المنازل : أي بأفضل الدرجات عند الله تعالى.
    -وعبد رزقه الله عِلْمَاً : أي شرعيا نافعاً، ولم يرزقه مالاً، ينفق منه في الأعمال الصالحة، يقول فيما بينه وبين الله :
    -يا ليت لي مثل مال فلان: لَيْتَ: كلمة تَمَنٍّ، وهي حرف ينصب الاسم، ويرفع الخبر، والتمني هنا على سبيل الغِبْطَة .
    -فأعمل بعمله : أي مثل عمله.
    -فهو بنيته أي يؤجر على حسبها. فتارك العمل إذا كان يريد عمله إرادة جازمة؛ كان كفاعله .
    -فأجرهما سواء : قال المناوي:" أي فأجر علم هذا، أو مال هذا سواء، في المقدار.
    أو فأجر عقد عزمه على أنه لو كان له من المال ما ينفق منه في الخير، وأجر من له مال ينفق منه فيه سواء.
    لأنه لو كان يملكه لفعل، وعلى هذا فيكون أجر العلم زيادة له".
    -ولم يؤته علماً : أي علماً نافعاً، وهو العلم بالله تعالى، وإن كان عنده من علم غيره.
    -يخْبِطُ في ماله : أي يصرفه في شهوات نفسه، بغير علم، بل بمقتضى هوى نفسه، قال القاري:" أي بغير استعمال عِلْمٍ بأن يمسك تارة حِرْصَاً، وحباً للدنيا، وينفق أخرى للسمعة، والرياء، والفخر، والخيلاء"، والجملة حالية، أو استئناف بيان.
    -لا يتقي فيه ربه : أي في وجوه صرفه.
    -ولا يصل فيه رحمه : أي لقلة رحمته، وعدم حلمه، وكثرة حرصه، وبخله.
    -ولا يعلم لله فيه حقاً : أي بنوع من الحقوق المتعلقة بالله، وبعباده.
    -فهو بأخبث المنازل : أي أخسها، وأحقرها.
    -لعملت فيه بعمل فلان : أي من أهل الشر.
    -فهو بنيته : أي فهو مجزي بنيته.

    @ مسائل الحديث

    - المسألة الأولى : مراتب الأعمال من جهة الهم :
    ينبغي أن يُعلم أن هذا الحديث مبينٌ معناه في قوله - صلى الله عليه وسلم - :
    (( إن الله كتب الحسنات والسيئات، ثم بيَّن ذلك، فمن هم بحسنة فلم يعملها؛ كتبها الله له عنده حسنة كاملة؛ فإن هو هم بها وعملها؛ كتبها الله له عنده عشر حسنات، إلى سبعمائة ضعف، إلى أضعاف كثيرة، ومن هم بسيئة، فلم يعملها؛ كتبها الله له عنده حسنة كاملة؛ فإن هو هم بها فعملها؛ كتبها الله له سيئة واحدة)) (4) .

    - فالأعمال من جهة الهم على مراتب:

    1. من هم بعمل الحسنة، وكان صادقاً في همه؛ فلم يعملها لمانع؛ كتبت له حسنة تامة.
    قال الطوفي:" إنما كتبت الحسنة بمجرد الإرادة لأن إرادة الخير سبب إلى العمل، وإرادة الخير خير؛ لآن إرادة الخير من عمل القلب".(5)

    2. من هم بحسنة فلم يعملها، مع توفر أسباب العمل، فقد اختُلِف في حكمه :
    قال ابن حبان:(من هم):أراد به إذا عزم؛ فسمى العزم هماً؛ لأن العزم نهاية الهم، والعرب في لغتها تطلق اسم البداءة على النهاية، واسم النهاية على البداءة؛ لأن الهم لا يُكْتَب على المرء؛ لأنه خاطر لا حكم له.
    ويحتمل أن يكون الله يكتب لمن هم بالحسنة: الحسنة، وإن لم يعزم عليها… وكتبته ما هَمَّ به من الحسنات، ولما يعملها فضلٌ، وكتبته ما همَّ به من السيئات، ولما يعملها – لو كتبها؛ لكان عدلاً، وفضله قد سبق عدله؛ كما أن رحمته سبقت غضبه؛ فمن فضله ورحمته ما لم يكتب على صبيان المسلمين ما يعملون من سيئة قبل البلوغ، وكتب لهم ما يعملونه من حسنة؛ كذلك هذا ولا فرق".
    وقال الحافظ في الفتح:" ظاهر الحديث حصول الحسنة بمجرد الترك سواء كان ذلك لمانع أم لا، ويتجه أن يقال يتفاوت عظم الحسنة بحسب المانع، فإن كان خارجيا، مع بقاء قصد الذي هم بفعل الحسنة؛ فهي عظيمة القدر، ولا سيما إن قارنها ندم على تفويتها، واستمرت النية على فعلها عند القدرة، وان كان الترك من الذي هَمَّ من قِبَلِ نفسه؛ فهي دون ذلك؛ إلا أن قارنها قصد الإعراض عنها جملة، والرغبة عن فعلها….؛ فهذا يترجح عدم إثابته على ما خطر له من العمل" (6).

    3. من هم بسيئة فلم يعملها؛ لمانع خارجي منعه، مع عزمه على فعلها؛ فهذا تكتب عليه سيئة.
    قال القرطبي – في جامعه -:" في قوله تعالى: ولم يُصِّرُوْا عَلَى مَا فَعَلُوْا  :حُجَّةٌ واضحةٌ، ودلالة قاطعةٌ:.. أن الإنسان يؤاخذ بما وَطَّن عليه بضميره، وعزم عليه بقلبه من المعصية،وفي التنزيل: فَأَصْبَحَتْ كَالْصَرِيْمِ؛ فعوقبوا قبل فعلهم بعزمهم، وفي البخاري:(( إذا التقى المسلمان بسيفهما فالقاتل والمقتول في النار قالوا يارسول الله :‍ هذا القاتل؛ فما بال المقتول؟؟ قال: إنه كان حريصاً على قتل صاحبه)) (7)؛ فعلق الوعيد على الحرص وهو العزم وألغى إظهار السلاح وأنص من هذا ما خَرَّجَهُ الترمذي من حديث أبي كبشة الأنماري وصحَّحه مرفوعا: (( إنما الدنيا لأربعة نفر....)) الحديث، وهذا هو الذي عليه عامة السلف، وأهل العلم من الفقهاء، والمحدثين، والمتكلمين، ولا يلتفت إلى خلاف من زعم: أن ما يهم الإنسان به، وإن وطَّن عليه لا يؤاخذ به، ولا حجة له في قوله عليه السلام:(( من هم بسيئة فلم يعملها لم تكتب عليه فإن عملها كتبت سيئة واحدة ))؛ لأن معنى فلم يعملها: فلم يعزم على عملها؛ بدليل ما ذكرنا، ومعنى: فإن عملها؛ أي أظهرها، أو عزم عليها؛ بدليل ما وصفنا وبالله توفيقنا"(8).

    4. فإن ترك السيئة لله تعالى؛ كُتبت له حسنة : كما صرح به في الحديث .

    @ فوائد الحديث

    1. منزلة النية في الإسلام، وأن العبد يُجازى على قدر نيته في الأعمال الصالحة، والسيئة ، على ما بُيِّن.
    2. لا بد في النية الحسنة التي يُجازى عليها العبد في الآخرة؛ من الصدق فيها.
    3. المجازاة بالنية السيئة التي قد عَزَمَ عليها صاحبها، ولو لم تتحقق.
    4. سعة رحمة الله تبارك وتعالى.
    5. حسن تعليمه – صلى الله عليه وآله وسلم – لأصحابه ، واستعماله لأسلوب الحصر ، والتقسيم .

    الهوامش ________________________________________

    ) رواه أحمد (4/231) في قصة طويلة، ورواه الترمذي، باب ما جاء مثل الدنيا مثل أربعة نفر(رقم/2325 )، وقال:" هذا حديث حسن". صحيح".
    2 ) انظر التهذيب (12/341)، التقريب (1/668).
    3 ) انظر فيض القدير (3/299)، تحفة الأحوذي (6/507).
    4 ) أخرجه البخاري، في الرقاق، باب من هم بحسنة أو بسيئة (رقم/6126).
    5 ) التعيين في شرح الأربعين (ص/157).
    6 ) انظر صحيح ابن حبان، ذكر الإخبار بعدد الناس وأوصاف أعمالهم (رقم/6171)، فتح الباري (11/324)..
    7 ) هو في الصحيحين، البخاري، باب  وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما  ؛ فسماهم المؤمنين (رقم/31)، ومسلم، باب إذا تواجه المسلمان بسيفيهما(رقم/2888).
    8) الجامع لأحكام القرآن (4/215).
     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2001-07-30
  3. محمد عمر

    محمد عمر عضو فعّال

    التسجيل :
    ‏2001-05-07
    المشاركات:
    547
    الإعجاب :
    0
    جزاك الله خيرا ..

    أحسنت الاختيار ... وأحسنت الشرح ...

    استمر على هذا وفقك الله
     
  4.   مشاركة رقم : 3    ‏2001-07-30
  5. أبو لقمان

    أبو لقمان مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2001-06-11
    المشاركات:
    5,204
    الإعجاب :
    3
    أخي وليد السلام عليك ورحمة الله وبركاته .. أحسنت في إختيارك للحديث .. وأحسنت في تحليله وشرحه ولكن .. تأويلك للحديث التالي:

    عَنْ أبي العباس عبد اللَّه بن عباس بن عبد المطلب رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم فيما يروى عَنْ ربه تَبَارَك وَتَعَالَى قال: إن اللَّه تعالى كتب الحسنات والسيئات، ثم بين ذلك، فمن هم بحسنة فلم يعملها كتبها اللَّه تعالى عنده حسنة كاملة، وإن هم بها فعملها كتبها اللَّه عشر حسنات إِلَى سبعمائة ضعف إِلَى أضعاف كثيرة، وإن هم بسيئة فلم يعملها كتبها اللَّه عنده حسنة كاملة، وإن هم بها فعملها كتبها اللَّه سيئة واحدة> مُتَّفّقٌ عَلَيْهِ.‏

    لم يكن في محله فالحديث واضح .. ولا يسوغ التماثل بين من هم بعمل السيئة وبين من هم ثم عملها .. وهناك آيات قرآنية تطرقت لهذا الموضوع وهي قوله تعالى: ربنا لا تحملنا مالا طاقة لنا به .. وايضا هم سيدنا يوسف عليه السلام

    أما قولك لا حجة لمن استشهد بهذا الحديث .. فهذا لا يجب أن يقال من طالب علم .. إلا إذا عارضه حديث أقوى منه .. ولا يوجد

    والله من وراء القصد .. والسلام
     
حالة الموضوع:
مغلق

مشاركة هذه الصفحة