تقرير ''التنمية الانسانية 2003'': العرب يحتاجون إلى ''صحوة معرفية''

الكاتب : arab   المشاهدات : 428   الردود : 1    ‏2003-11-09
      مشاركة رقم : 1    ‏2003-11-09
  1. arab

    arab عضو نشيط

    التسجيل :
    ‏2002-03-27
    المشاركات:
    359
    الإعجاب :
    0
    جاء في تقرير للأمم المتحدة ان الحرب التي تقودها الولايات المتحدة ضد الارهاب أعطت حكاما عربا مبررات اضافية للحد من الحريات السياسية في بلادهم.
    وجاء في تقرير للأمم المتحدة عن التنمية البشرية العربية لعام 2003 "قد تكون من أخطر عواقب الحرب على الارهاب إعطاء النظم الحاكمة في بعض الدول العربية مبررا زائفا للحد من الحريات من خلال تعريف فضفاض للارهاب".
    ويغطي التقرير نحو 270 مليون عربي وأشرفت عليه في عمان ريما خلف الهنيدي مساعدة الأمين العام للامم المتحدة والمدير الاقليمي للمكتب الاقليمي للدول العربية التابع لبرنامج الامم المتحدة للتنمية.
    وقالت الهنيدي التي قادت 40 من المثقفين العرب شاركوا في وضع التقرير لوكالة رويترز ان الدراسة التي وقعت في 200 صفحة تبحث التحديات التي تواجه العرب والذين يخشون ذوبانا متزايدا في الثقافة العالمية.
    وقالت الهنيدي "الحقيقة ليس أمام الثقافة العربية خيار إلا التفاعل... لا يمكن ان تنغلق على نفسها وتعيش في الماضي وعلى الثقافة الموروثة".
    وأشار التقرير الى الرقابة الآخذة في الاتساع من تقييد الدخول الى الانترنت الى تقييد نشر مواد ينظر اليها على انها تشجع "الارهاب".
    وذكر التقرير ان بعض الحكومات العربية تستغل الصراع العربي الاسرائيلي والتوترات بسبب حرب العراق لتقييد الحريات المدنية والمعارضة في الداخل باسم "التعبئة" ضد العدو.
    كما عانت المنظمات غير الحكومية من قيود قانونية وعملية عام 2003 في الوقت الذي تراجع فيه ترقية دور المرأة في بعض الدول وتقدم قليلا في دول دول اخرى.
    وشكل الاحتلال الاميركي للعراق تحديا للعراقيين بعد سنوات من الحكم الشمولي لاستعادة ثروتهم وتشكيل ادارة حكيمة ضرورية لاعادة بناء بلادهم. وتفادى التقرير إصدار أي أحكام على أهداف ما بعد الحرب لكنه اشار الى ان العرب يتصورون الحرب على انها محاولة "لإعادة تشكيل المنطقة من قبل قوى أجنبية تعمل على تحقيق مصالحها".
    وزادت الموجة المعادية للعرب في الغرب والتي نشرتها وسائل الاعلام على نطاق واسع من الشعور بالسخط العام في المنطقة. وتوترت العلاقات بين العرب والغرب منذ الهجمات التي تعرضت لها الولايات المتحدة في 11 ايلول / سبتمبر عام 2001 وتعرض العرب الى حملات لتشويه السمعة. وقالت الهنيدي ان ذلك عكس في الكثير من الحالات جهلا وتحرشا غير مبرر.
    واشار التقرير الى تعرض العرب والمسلمين في الولايات المتحدة الى تفرقة عرقية وقال ان الانخفاض المفاجيء في عدد الطلاب العرب في الولايات المتحدة يعطل فرص "الحصول على المعرفة". وقالت الهنيدي انه على العرب ألا يغلقوا الباب في وجه العالم الخارجي والحوار الثقافي.
    وطالب التقرير بنقد بعض نظريات جماعات اسلامية ينظر اليها على انها تعوق التحديث والسعي "لنهضة عربية". وتحدث عن "التواطؤ بين نظم استبدادية وبعض علماء الدين المحافظين" الذين يفسرون الاسلام بطريقة تتناسب مع سياساتهم.
    واشار التقرير ايضا الى ان الجماعات الاسلامية التي تعمل في السر وتدعو للعنف آخذة في الصعود في غياب "قنوات سلمية وسياسية فعالة للتعامل مع المظالم الموجودة في العالم العربي".
    وطالب التقرير "بتحرير الدين من الأغراض السياسية وتحرير المؤسسات الدينية من السلطات السياسية والحكومات والحركات الدينية المتطرفة". ودعا عدد كبير من المثقفين العرب الذين كتبوا التقرير الى الاعتراف بحق "الاجتهاد" وحق الاختلاف في الاسلام.
    التعليم
    وجاء في التقرير انه رغم التوسع الكمي في التعليم في البلدان العربية منذ منتصف القرن الحادي والعشرين، فإن الوضع العام للتعليم "لا يزال متواضعا مقارنة بمنجزات دول اخرى حتى في بلدان العالم النامي، وبالتأكيد مقارنة بحاجات التنمية الانسانية. فلا يزال التوسع الكمي في التعليم منقوصا بسبب ارتفاع معدلات الامية، خاصة في بعض البلدان العربية الاقل تطورا وبين الاناث، مع استمرار حرمان بعض الاولاد حقهم في التعليم الاساسي، وتدني نسب الالتحاق بالمراحل الاعلى من التعليم النظامي مقارنة بالدول المتقدمة، وتناقص الانفاق على التعليم خاصة منذ عام .1985
    واخطر مشكلات التعليم في البلدان العربية تتمثل في تردي نوعيته، مما يقوض احد الأهداف الاساسية للتنمية الانسانية، وهو تحسين نوعية الحياة للبشر واثراء القدرة للمجتمعات، ويطرح ذلك تحديات خطيرة في وجه المكونات الرئيسية للنظام التربوي التي تؤثر في نوعية التربية. وتضم هذه المكونات السياسات التعليمية والمدرسين وشروط عمل المربين والمناهج الدراسية ومنهجيات التعليم".
    ويرى احد المساهمين في التقرير عبد العزيز المقالح انه "لا يزال في استطاعة اي متطرف متعصب ان يعمل على تهييج عشرات الآلاف من الاميين ضد اي مستنير، وان يستثير الامية الواضحة والكامنة لتغدو سداً في وجه كل مشروع لتحديث التعليم والثقافة".
    وتعتبر وسائل الاعلام من اهم آليات نشر المعرفة. ولكن لا يزال الاعلام العربي، ووسائط النفاذ اليه وبنيته التحتية ومضمونه، "يعاني الكثير بشكل عام، مما يجعله دون مستوى تحدي بناء مجتمع المعرفة. اذ ينخفض عدد الصحف في البلدان العربية الى اقل من 53 لكل الف شخص مقارنة لـ 285 صحيفة لكل الف شخص في الدول المتقدمة، و"الصحافة في اغلب البلدان العربية محكومة ببيئة تتسم بالتقييد الشديد لحرية الصحافة والتعبير عن الرأي. وتكشف الممارسات الفعلية في العديد من البلدان العربية انتهاكات مستمرة لهذه الحرية سواء باغلاق الصحف او ضبطها ومصادرتها او تعطيلها".
    غير ان العامين الماضيين شهدا حركة ملموسة في الحياة الاعلامية العربية. ورغم استمرار هيمنة الاعلام الرسمي ذي الرأي الواحد على الساحة الاعلامية، انعكاسا لهيمنة الرأي السياسي الواحد، دخلت وسائل الاعلام العربية مرحلة جديدة تتميز بعنصر المنافسة لصحف ووسائل اعلام تمتعت لحقب طويلة باحتكار القارئ والمشاهد العربي، و"اصبحت قنوات عربية خاصة قادرة على منافسة اعتى المؤسسات التلفزيونية العالمية في السبق على الخبر والصورة، وعلى بث روح جديدة في الشاشات العربية". ومن اهم مزايا هذه الحركة الاعلامية انها تعتمد اللغة العربية وتخاطب بالتالي الشريحة الاوسع من المواطنين العرب.
    واذا كانت بعض الدول العربية قد قطعت شوطا لا بأس به بالنسبة الى وسائط الاتصال الاحدث، فإن السمة العامة تظل محصورة في المؤشرات الادنى على المستوى العالمي. اذ لا يصل عدد خطوط الهاتف في الدول العربية الى خمس نظيره في الدول المتقدمة. ووجود اقل من 18 كومبيوتر لكل الف شخص في المنطقة، مقارنة بالمتوسط العالمي وهو 78.3 كومبيوتر لكل الف شخص، واقتصار عدد مستخدمي الانترنت على 1.6 في المئة فقط من سكان الوطن العربي بالكاد يعتبر نقطة انطلاق لاستخدام المعلوماتية كأداة لنشر المعرفة.
    ارقام مخيفة
    وكذلك لا تزال حركة الترجمة في البلدان العربية تتسم بالركود والفوضى. فكان متوسط الكتب المترجمة لكل مليون من السكان في العالم العربي في السنوات الاولى من الثمانينات 4.4 كتب (اي اقل من كتاب واحد في السنة لكل مليون نسمة)، بينما بلغ 519 كتابا في المجر و920 كتابا في اسبانيا لكل مليون نسمة.
    وتدل المعلومات المقدمة في التقرير على ركود في عدد من مجالات انتاج المعرفة وبخاصة في مجال نشاط البحث العلمي. فالى شح الانتاج فيه، يشكو البحث العلمي في العالم العربي من ضعف في مجالات البحث الاساسي، وشبه غياب في الحقول المتقدمة مثل ثقافة المعلومات والبيولوجيا الجزئية. ويعاني البحث العلمي في البلدان العربية انخفاض الانفاق عليه (اذ ان انفاق الدولة في الوقت الراهن على البحث والتطوير لا يتجاوز اثنين في المئة من اجمال الدخل المحلي، ويدفع غالبه كرواتب). كما يعاني غياب الدعم المؤسسي له، وعدم توافر البيئة المؤاتية لتنمية العلم وتشجيعه، اضافة الى انخفاض اعداد المؤهلين للعمل فيه. فلا يزيد عدد العلماء والمهندسين العاملين بالبحث والتطوير في البلدان العربية على 371 لكل مليون نسمة. وهو اقل بكثير من المعدل العالمي البالغ 979 لكل مليون نسمة. وبوجه عام تقل نسبة الملتحقين بفروع العلوم في التعليم العالي في جميع البلدان العربية، مقارنة ببلدان ناهضة في ميدان المعرفة مثل كوريا، وان تميز الاردن، يليه الجزائر، بين البلدان العربية في هذا المضمار.
    اما الانتاج العلمي في الانسانيات والعلوم الاجتماعية فيخضع في العالم العربي الى قيود كثيرة. فحرية التعبير الفكري محورية لانتاجه اكثر مما هي مطروحة في العلوم الطبيعية او التقانية، وذلك بحكم طبيعة الموضوع، لا بحكم طبيعة الفكر او صاحبه. وتتدخل السياسة والقوانين المتصلة بها، بصورة مباشرة او بقنوات غير مرئية، في رسم الخطوط الحمر للبحث العلمي في هذا المجال.
    غير ان المجتمعات العربية تزخر بابداع ادبي وفني متميز. وربما يكمن السبب الرئيسي لهذه المفارقة في اختلاف جوهري لشروط الابداع في البحث والتطوير. ففي الوقت الذي يستحيل فيه حصول عالم عربي على جائزة نوبل في الفيزياء مثلا من دون دعم مؤسسي ومادي ومجتمعي، يمكن كاتبا روائيا عربيا الحصول على جائزة نوبل في الآداب، رغم غياب مثل هذا الدعم. لكن الانتاج الادبي بخاصة يعاني تحديات رئيسية اهمها قلة عدد القراء، بسبب ارتفاع معدلات الامية في بعض البلدان العربية، وضعف القوى الشرائية للقارئ العربي. وينعكس هذا جليا في اعداد الكتب المنتجة في العالم العربي حيث لم يتجاوز هذا العدد 1.1 في المئة من الانتاج العالمي، رغم ان العرب يشكلون نحو 5 في المئة من سكان العالم. كما ان انتاج الكتب الادبية والفنية لم يتجاوز 1945 كتابا عام ،1996 مما يمثل 0.8 في المئة فقط من الانتاج العالمي، وهو اقل مما انتجته دولة مثل تركيا التي لا يتعدى سكانها ربع سكان البلدان العربية. وبشكل عام، يتسم انتاج الكتب في البلدان العربية بغزارة في المجال الديني، وشح نسبي في المجالات الاخرى. وتمثل الكتب الدينية نحو 17 في المئة من عدد الكتب الصادرة في البلدان العربية، بينما لا تتجاوز هذه النسبة اكثر من 5 في المئة من الكتب الصادرة في مناطق العالم الاخرى.
    ان تجربة البلدان العربية في نقل الثقافة والمعرفة وتوطينهما، لم تحقق النهضة التقانية المرجوة، كما انها لم تحقق عائدا استثماريا مجزيا. فاستيراد الثقافة لم يؤد الى توطينها، ناهيك بتطويرها او توليدها. ورغم ان البلدان العربية استثمرت اكثر من 2200 مليار دولار بين عامي 1980 و1997 في بناء المصانع والبنية التحتية بشكل اساسي، فإن معدل الناتج المحلي الاجمالي للفرد قد انخفض بالفعل خلال تلك الفترة. فهذه الاستثمارات لم تؤد الى انتقال حقيقي للتقانة، لأن ما جرى نقله هو وسائل الانتاج لا التقانة ذاتها.
    ومن اهم الاسباب التي ادت الى هذا، عدم وجود نظم فعالة للابتكار ولانتاج المعرفة في البلدان العربية، وغياب سياسات رشيدة تضمن تأهيل القيم والاطر المؤسسية الداعمة لمجتمع المعرفة. وعمق هذه المشكلة الاعتقاد الخاطئ بإمكان بناء مجتمع المعرفة من خلال استيراد نتائج العلم من دون الاستثمار في انتاج المعرفة محليا، والركون في تكوين الكوادر العلمية على التعاون مع الجامعات ومراكز البحث في البلدان المتقدمة معرفيا، من دون ايجاد التقاليد العلمية المؤدية الى اكتساب المعرفة عربيا.
    الثقافة المجتمعية والدين
    وفي السياق المجتمعي المؤثر في اكتساب المعرفة في البلدان العربية، يؤكد التقرير ان "المعرفة لا تنمو في فراغ، بل في مجتمع محدد ذي سياق ثقافي وتاريخي خاص، وعلى العرب ان يستعيدوا تراثهم الثقافي والفكري، وان يؤسسوا ويبنوا على هذا الارث الذي استطاع، في ذروة ازدهار الفكر العربي في اوائل القرن الخامس عشر، ان يستجمع ويصهر عددا غفيرا من شتى مواطن القوة الثقافية والفكرية في التاريخ. وعلاوة على ذلك فقد كان للعلوم الفكرية العربية دور ريادي لا يضاهى في وضع الطرائق المنهجية. وكان من ابرزها: تعزيز النزعة العقلانية في التفكير الديني، وسن منهج عقلاني جديد في التحليل الرياضي، وتأسيس التجريب كنمط من انماط اقامة البرهان في البحث".
    وفي هذا الاطار، جاء في التقرير ان "علاقة الدين بالمعرفة وانتاجها ترتبط ارتباطا عضويا بالمفهوم الذي يتحدد عن ماهية الدين وموقفه الشامل من الدنيا. وفي النصوص الدينية الاسلامية نتبين حالة من التوازن المنشود بين الدين والدنيا... من الوجهة التاريخية، فإن الاسلام والحضارة التي انبثقت منه شددا على ضرورة الاهتمام بالعالم المادي والعلوم، وشجعا على المعرفة في كل نواحي الحياة، بما فيها اللغة والادب والفكر والعلوم الطبيعية والرياضية. وتتمثل النزعة الغالبة في الحضارة العربية الاسلامية في الحرص على طلب الدنيا وعلومها وعلى تشجيع المعرفة والعلوم بشتى اشكالها. لكن تطور العالم العربي المعاصر والمشكلات القومية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية التي طرأت منذ سنوات الاستقلال، خلفت آثارا عميقة في جملة الاوضاع المعرفية والعقلية والثقافية في البلدان العربية. وكان الدين والتصورات والغائيات المرتبطة به احد الوجوه الاساسية التي تأثرت بهذا التطور، فقد افضى تحالف بعض انظمة الحكم القهرية مع فئة من علماء الدين الاسلامي المحافظين الى تأويلات للاسلام، خادمة للحكم ولكن مناوئة للتنمية الانسانية، خاصة في ما يتصل بحرية الفكر والاجتهاد ومساءلة الناس للحكم ومشاركة النساء في الحياة العامة.
    كما ان التضييق على العمل السياسي في كثرة من البلدان العربية قد دفع بتيارات ذات صبغة اسلامية تحت الارض، وألجأ بعض تيارات سياسية الى التسربل بالاسلام. وفي غياب مسارات سياسية سلمية، ولكن فعالة، لدفع المظالم القائمة في الواقع العربي على الصعد القطرية والاقليمية والعالمية، اندفعت بعض الجماعات السياسية المتشحة بالدين الى التمسك بتأويلات متشددة واعتماد العنف وسيلة للفعل السياسي، والنفخ في نيران العداء للقوى السياسية المناهضة في البلدان العربية و"للأغيار" على حد سواء، بتهمة العداء للاسلام ذاته. وقد افضى ذلك الى ارتفاع وتيرة الصراع والصدام مع المجتمع والدولة و"الاغيار"، وبلغت حالة "التقابل" و"المواجهة" مع الغرب على وجه الخصوص اشدها غداة احداث 11 ايلول .2001 وفي هذا السياق، تعرض الدين الاسلامي نفسه لموجة قاسية من التعريض والتحريض والتشهير والنقد تنم عن جهل عميق في كثير من الاحيان وافتراء صريح في احيان اخرى.
    ويقول احمد كمال ابو المجد ان "خلود الاسلام" لا يعني جمود شريعته وانما يعني قدرتها على التجدد والابداع لملاقاة حركة الحياة وتغير اشكالها، واصالة المسلمين وتميزهم لا تعنيان عزلتهم عن سائر الناس وانغلاقهم على انفسهم في حوزة مغلقة يحيط بها سور غير ذي باب. وانما تعني الاتصال بالناس والعيش معهم وامدادهم - خلال ذلك - بالقيم العليا والمبادئ الكبرى التي تقوم عليها عقيدة الاسلام وشريعته وبناؤه الاخلاقي".
    اللغة والانفتاح
    الى ذلك "تواجه اللغة العربية، على ابواب مجتمع المعرفة والمستقبل تحديات قاسية وازمة حقيقية تنظيرا وتعليما ونحوا ومعجما واستخداما وتوثيقا وابداعا ونقدا... تنطوي علاقة اللغة العربية بنقل المعرفة واستيعابها على قضايا عدة تتقدمها قضيتان محوريتان شديدتا الترابط هما: تعريب التعليم الجامعي وتعليم اللغة العربية... وذلك ان اللغة هي رابطة العقد في منظومة المعرفة الانسانية. الا ان تعزيز منظومة المعرفة يتطلب ايضا ان تتوازى جهود التعريب مع زيادة الجهد المبذول في تدريس اللغات الاجنبية للجميع".
    ولم تشكل الثقافة العربية في تجربتها التاريخية نظاما ثقافيا مغلقا. وانما عبرت دوما في المفاصل التاريخية الكبرى عن قدرة عظيمة على الانفتاح والنماء وتجاوز الذات. فتقبلت خبرات الامم الاخرى ودمجتها في معارفها ونظمها وحياتها، رغم سمة الاختلاف التباين التي تميزها عن تلك الامم وتجاربها.
    والخبرتان التاريخيتان الكبريان اللتان مرت بهما هذه الثقافة ترجع الاولى منهما الى عصر التدوين العلمي والالتقاء بالحضارة اليونانية وعلومها - بل وطلب هذه العلوم واستيرادها - وبخاصة في القرنين التاسع والعاشر. ثم كانت الخبرة الثانية الكبرى غداة التقاء العالم العربي الحديث بالمدنية الغربية والانفتاح على العلوم والآداب وجملة وجوه الثقافة العربية منذ مطالع القرن التاسع عشر.
    وكانت حصيلة ذلك تجددا وتجديدا في التراث الثقافي العربي المنحدر من الماضي، المشرع على المستقبل، الآخذ من اسباب الحداثة والتحديث بأقدار جليلة، وانتاجا غنيا في جميع قطاعات المعرفة والعلوم والفنون والآداب والتقنيات. ويقول فارتان غريغوريان انه "لم يكتف العباسيون بالترجمة، ولكن جمعوا المعرفة واضافوا اليها... بحيث كانت هذه الحقبة الاسلامية بحق، بوتقة للثقافات والاديان والتعلم والمعرفة، حقبة انشأت حضارات عظيمة واثرت على اخرى من افريقيا حتى الصين".
    بيد ان الثقافة العربية، مثلها في ذلك مثل غيرها من الثقافات، "تجد نفسها الآن، في مواجهة مشكلات الوحدة الثقافية الكونية وتعدد الثقافات والشخصيات الثقافية، ومشكلة الذات والآخر ومشكلة الشخصية الحضارية وما ماثل هذا كله من مصطلحات او مفاهيم تشي بالهواجس والمخاوف والاخطار التي تتقلب في نفوس ابنائها. فهواجس انقراض اللغة او الثقافة، او تضاؤل الهوية او تبددها، باتت هواجس شاخصة تفرض نفسها على الفكر العربي والثقافة العربية".
    ثقافة الاستبداد
    وجاء في التقرير ايضا ان البلدان العربية خضعت منذ عهود الاستقلال الى انظمة سياسية "وطنية" لم تستطع ان تتخلى عن نزعات الاستبداد والمتحدرة من عصور التاريخ القديمة والمتأخرة. فظل هامش الحريات محدودا في مواطن، او غائبا تماما في مواطن اخرى، مؤثرا بذلك في "اخلاق" الناس وقيمهم العملية. وساهم القمع والتهميش في قتل الرغبة في الانجاز والسعادة والانتماء، ومن هنا ساد الشعور باللامبالاة والاكتئاب السياسي، ومن ثم ابتعاد المواطنين عن المساهمة في احداث التغيير المنشود في الوطن.
    وفي السياق السياسي، تبدو المعوقات السياسية لاكتساب المعرفة اشد وطأة من معوقات البنية الاجتماعية والاقتصادية التي خلص التحليل الى انها كانت، بدورها، ابلغ تعويقا من اي سمات ثقافية. فالسلطة السياسية في البلدان العربية تعمل على تدعيم النمط المعرفي الذي ينسجم مع توجهاتها واهدافها، وهي بالضرورة تحارب الانماط المعرفية المعارضة. ويشكل عدم الاستقرار السياسي واحتدام الصراع والتنافس على المناصب، النابع من الافتقار الى قاعدة ثابتة ومقبولة للتداول السلمي على السلطة، اي للديموقراطية، عائقا اساسيا امام نمو المعرفة وتوطنها النهائي وترسخها في التربة العربية.
    ان تقييد الحريات في الوطن العربي، يطال المطبوعات والجمعيات والتجمعات العامة ووسائل الاعلام المسموعة والمرئية. وذاك ما يمنعها من القيام بأدوارها التواصلية والثقافية، واداء مهمتها في نشر المعرفة، وتنوير الرأي العام. وان سوء تطبيق القوانين يحولها في اغلب الاحيان قوانين شكلية لا تشجع الناس على الاحتكام اليها او الى القضاء. والتقييد الاخطر من ذلك هو ما الذي تقوم به السلطات الامنية، متجاوزة المؤسسات الدستورية والقوانين، متذرعة بمقتضيات الامن القومي الذي لا توضح معاييره، لمصادرة مطبوعات او منع اخرى من دخول البلد، ولمنع بيع بعض الكتب خلال المعارض وترويج نوعيات اخرى. ان كبح جماح الحريات بدعوى "المحافظة على الامن"، او عدم الاخلال بـ"النظام العام"، او بـ"الاخلاق" تحول دون الابداع والابتكار في بعض المجالات، ودون نشر ناتج الابداع عندما يبزغ رغم التضييق والقهر.
    ويجمع التقرير شمل خيوط تحليله لحال المعرفة ويقدم رؤية استراتيجية لاقامة مجتمع المعرفة في البلدان العربية تنتظم حول اركان خمسة: اطلاق حريات الرأي والتعبير والتنظيم وضمانها بالحكم الصالح، النشر الكامل للتعليم الراقي النوعية مع ايلاء عناية خاصة لطرفي المتصل التعليمي وللتعلم المستمر مدى الحياة، توطين العلم وبناء قدرة ذاتية في البحث والتطوير التقاني في جميع النشاطات المجتمعية، التحول الحثيث نحو نمط انتاج المعرفة في البنية الاجتماعية والاقتصادية العربية، تأسيس نموذج معرفي عربي عام واصيل ومنفتح ومستنير.
    وكل ذلك يعتمد على العودة الى صحيح الدين، والنهوض باللغة العربية، واستحضار اضاءة التراث المعرفي العربي، واثراء التنوع الثقافي داخل الامة ودعمه، والانفتاح على الثقافات الانسانية الاخرى من خلال حفز التعريب والترجمة الى اللغات الاخرى.
    ويخلص التقرير الى ان "المعرفة تكاد تكون الفريضة الغائبة في امة العرب الآن. ومن اراد العزة لأمة العرب في العصر الآتي، فليساهم مخلصا ومجتهدا، في اقامة مجتمع المعرفة في ربوع الوطن العربي كافة. فالدين والثقافة والتاريخ والفوز في المستقبل تحض على المعرفة. ولا تقوم دون المعرفة حائل الا بنى وضعية من صنع البشر، في الاجتماع والاقتصاد، وقبل كل شيء في السياسة. وخليق بالعرب اليوم ان يصلحوا هذه البنى كي تتبوأ امتهم المكانة التي تستحق في العالم ابان الفية المعرفة".
     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2003-11-10
  3. YemenHeart

    YemenHeart مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2001-08-04
    المشاركات:
    1,891
    الإعجاب :
    5
    "المعرفة لا تنمو في فراغ، بل في مجتمع محدد ذي سياق ثقافي وتاريخي خاص، وعلى العرب ان يستعيدوا تراثهم الثقافي والفكري، وان يؤسسوا ويبنوا على هذا الارث الذي استطاع، في ذروة ازدهار الفكر العربي في اوائل القرن الخامس عشر، ان يستجمع ويصهر عددا غفيرا من شتى مواطن القوة الثقافية والفكرية في التاريخ. وعلاوة على ذلك فقد كان للعلوم الفكرية العربية دور ريادي لا يضاهى في وضع الطرائق المنهجية. وكان من ابرزها: تعزيز النزعة العقلانية في التفكير الديني، وسن منهج عقلاني جديد في التحليل الرياضي، وتأسيس التجريب كنمط من انماط اقامة البرهان في البحث"

    جزيل الشكر لك على هذا التقرير المحزن ؛ في نفس الوقت يسلط الضوء على الحال العربي المثير للشفقه علميا

    تحياتي لك اخي عرب
     

مشاركة هذه الصفحة