التوسل ........

الكاتب : الامير الضالعي   المشاهدات : 703   الردود : 0    ‏2001-07-29
حالة الموضوع:
مغلق
      مشاركة رقم : 1    ‏2001-07-29
  1. الامير الضالعي

    الامير الضالعي عضو نشيط

    التسجيل :
    ‏2001-07-02
    المشاركات:
    410
    الإعجاب :
    0
    بسم الله الرحمن الرحيم

    معنى التوسل لغة وشرعاً

    التوسل لغة :

    قال الجوهري في صحاحه : (( الوسيلة : ما يتقرب به إلى الغير . والجمع : الوسيل والوسائل والتوسل واحد وسل فلان إلى ربه وسيلة وتوسل إليه بوسيلة أي تقرب إليه بعمل )) .

    وفي القاموس : (( الوسيلة والواسلة : المنزلة عند الملك ، والدرجة والقربة ووسل إلى الله توسيلاً : عمل عملاً تقرب به إلى الله كتوسل . والواسل : الواجب والراغب إلى الله تعالى )) .

    وفي المصباح : (( وسلت إلى العمل . أسل من باب وعد رغبت وتقربت ومنه اشتقاق الوسيلة . وهي ما يتقرب به إلى الشيء . والجمع : الوسائل . والوسيل : قيل جمع وسيلة ، وقيل لغة فيها ، وتوسل إلى ربه بوسيلة : تقرب إليه بعمل )) . وكل ما تقدم في معنى الوسيلة ، قال سائر علماء اللغة وهذا ما اتفق عليه الجميع .

    التوسل شرعاً :

    هو التقرب إلى الله تعالى بطاعته وعبادته واتباع أنبيائه ورسله وبكل عمل يحبه الله ويرضاه . قال ابن عباس رضي الله عنهما : إن الوسيلة هي القربة وقال قتادة في تفسير القربة أي تقربوا إلى طاعة بطاعته والعمل بما يرضيه .

    وهكذا … فإن كل ما أمر به الشرع من الواجبات والمستحبات فهو توسل شرعي ووسيلة شرعية .

    قال الله تعالى في سورة المائدة الآية / 35 / :

    ( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة وجاهدا في سبيله لعلكم تفلحون )

    وقال جل وعلا في سورة الإسراء :

    ( قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلاً / 56/ أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان محذوراً )/57/

    يتضح مما تقدم أن التوسل لغة وشرعاً … لا يخرج عن معنى التقرب أو ما يؤول من القربى إلى الله تعالى بما يرضاه من الأعمال الصالحة .

    وإنك لترى يا أخي المسلم أن آية المائدة … يحض الله فيها عباده على أن يبتغوا إليه الوسيلة أي التقرب إليه بالإيمان والتقوى والجهاد في سبيله ولهم الفلاح أي الجنة والجنة ولا شك أقصى غايات الفلاح والنجاح .

    وإنك لترى أيضاً في سورة الإسراء الآيتين 56 و 57 أن الله تعالى يلفت أنظار المؤمنين إلى أن عمل المشركين بالتزلف إلى الله بأشخاص المخلوقين لا يفيدهم شيئاً لأنهم لا يملكون كشف الضر عنهم ولا تحويله فدعاؤهم بالذوات أو التوسل بهم … لا يقدم ولا يؤخر ولا يوصلهم إلى مبتغاهم لأنهم أخطأوا الطريق إلى الله .

    إن هاتين الآيتين في سورة الإسراء : نزلتا في نفر من العرب كانوا يعبدون نفراً من الجن فأسلم الجنيون … أما الإنس الذين كانوا يعبدونهم فلم يشعروا بإسلامهم … فأخبرهم الله بوحيه المنزل على عبده ورسوله محمد r :

    ( قل ادعوا الذين زعمتم من دونه لا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجعون رحمته ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان محذوراً )

    فإن هؤلاء الذين يزعم المشركون أنهم يقربونهم إلى الله زلفى هم أنفسهم يخبر الله عنهم أنهم يتسابقون ويتنافسون فيما بينهم بالتقرب إلى الله تعالى بالطاعات والأعمال الصالحة ويرجون رحمته ويخشون عذابه أن ينالهم ويشفقون منه فكيف يا أيها المشركون تدعونهم لكشف الضر عنكم وتوسطونهم .. ؟ فما الذي تؤملون منهم وهم على أشد ما يكونون حاجة إلى الله تعالى . فالذي لا يملك شيئاً .. لا يعطي شيئاً . وما مثلكم في هذا العمل الذي تصنعون .. إلا كمثل مريض ذهب إلى الطبيب لكي يتطبب عنده فرأى طبيبه مريضاً يتطبب عند كبير الأطباء مثلا أو عند أي طبيب آخر .. أفلا يدفعه واقع طبيبه لأن يتطبب عند من وجد طبيبه عنده .؟! فلو أن في طبيبه نفعاً لنفع نفسه .. وما احتاج إلى طبيب سواه .

    إذا قال هؤلاء الذين تدعونهم يرجون رحمة الله ويخشون عذابه ويتسارعون في مرضاة الله تعالى ويتقربون إليه بأعمالهم الصالحة المرضية فلماذا لا تصنعون كما صنعوا لتبلغوا عند الله الذي بلغوا .. لأن التوسل بالعبد الصالح من غير متابعة له في الأعمال الصالحة لا يجوز أن يكون وسيلة .

    ثم فكروا قليلاً وانظروا .. هل هؤلاء الذين توسطونهم ..!! يوسطون أحداً إلى الله في توسلاتهم ؟ أم جعلوا أعمالهم الصالحة وسيلة إليه تعالى ..؟ لا شك أن الجواب : بل جعلوا أعمالهم الصالحة وسيلة وقربة يتقربون بها إلى الله تعالى . فما بالكم لا تقتدون بهم ..؟ ولم لا تفعلون ما يفعلون . . ما دمتم بهم وبصلاحهم تثقون ..؟ أمن جهة تثقون بهم وبصلاحهم ومنزلتهم عند الله .. ومن جهة أخرى تخالفون هديهم ومنهجهم ..؟! هذا أمر يوحي بأنكم غير صادقين في محبتكم لهم ولستم واثقين من صلاحهم ولو كنتم صادقين بذلك لجعلتموهم قدوتكم الصالحة وأسوتكم الحسنة واتخذتم سبيلهم إلى الله سبيلاً لكم منهجهم منهجاً لكم .

    هذا ما قررته الآيات السابقة في هذا الموضوع … ومن أحسن من الله قيلا ؟



    أقسام التوسل

    التوسل إطلاقاً يدخل معناه : كل توسل شرعياً كان أو بدعياً . فلأجل التفريق بينهما يجب أن نعلم أقسام التوسل حتى يكون لدينا ميزان نزن به الأشياء فنعرف غثها سمينها فإذا عرفنا ما هو التوسل الشرعي وما هو التوسل الغير شرعي وذلك بمعرفة الأدلة عندها نستطيع أن نأخذ لأنفسنا ما يحلو ونكون بعدها مسؤولين عما أخذنا .. إن الله كان خيراً فخير أو شراً فشر ( فمن يعمل مثقال ذرة خير يره ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره ) (1)

    ينقسم التوسل من حيث هو إلى قسمين :

    1 - : توسل مشروع .

    2 - : توسل ممنوع



    الكلام على التوسل المشروع

    تعريفه -: التوسل المشروع هو كل ندبنا الله تعالى إليه في كتابه وحثنا عليه ووضحه لنا رسوله الأمين r أي ما كان موافقاً لما شرع الله من التقرب إليه بالطاعات والأعمال الصالحة التي يحبها الله ويرضاها ولا يحب ولا يرضى إلا الذي أمر به :

    1 - : توسل المؤمن إلى الله تعالى : بذاته العلية ، وبأسمائه الحسنى ، وبصفاته العلى .

    2 - : توسل المؤمن إلى الله تعالى بأعماله الصالحة .

    3 - : توسل المؤمن إلى الله تعالى بدعاء أخيه المؤمن له .


    -------------------------------

    (1) الزلزلة : 7 ، 8 .

    التوسل إلى الله تعالى

    بذاته العلية .. وأسمائه الحسنى .. وصفاته العلى

    والأمثلة الدالة على ذلك

    تعريفه : هو أن تقدم بين يدي دعائك إلى ربك تعالى تمجيداً له وتعظيماً وحمداً وتقديساً في ذاته العلى . ثم تدعو بما بد لك … ليكون هذا الحمد والتمجيد والتعظيم والتقديس للرب تعالى وسيلة إليه سبحانه لأن يتقبل دعاءك ويجيبك إلى ما دعوت وتنال مطلوبك .

    إن أعلى أنواع التوسل إلى الله تعالى وأقربها إجابة : التوسل إليه عز وجل بذاته العلية وأسمائه الحسنى وصفاته العلى . لأنه تمجيد وتقديس وثناء على الله تعالى وهو كما أثنى على نفسه والقرآن والسنة مكتظة صفحهما بالأمثلة على الحض على التوسلات إليه تعالى . ولأجل توضيح ذلك .. نضع صوراً عديدة من هذه الأمثلة … ولتكون أيضاً بمثابة الأدلة على صحة التوسل الذي ندعو إليه المسلمين دون سواه ونعتبره منهجاً صحيحاً ومسلكاً مثالياً للتوسل الشرعي أمر الله تعالى به ووضحه وبينه رسول الله r .

    (( الأمثلة الدالة على التوسل إليه تعالى بذاته وأسمائه وصفاته

    من القرآن الكريم ))

    إن الله تعالى دلنا دلالات واضحة وصريحة في كتابه العزيز على التوسل إليه والآيات في توضيح ذلك كثيرة … إنما نقتطف لك يا أخي المسلم بعضاً منها على سبيل المثال وهي في نفس الوقت دليل قاطع من كتابه تعالى على توضيح مراده من كيفية التوسل إليه سبحانه ليكون سبباً يحبه الله ويرضاه لاستجابة الدعاء .



    الدليل الأول

    قال الله تعالى :

    ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه سيجزون

    ما كانوا يعملون (180)

    الأعراف 180

    هذا أمر من الله تعالى لعباده يحضهم فيه على أن يدعوه تعالى بأسمائه الحسنى ليكون دعاؤهم إليه إلى الاستجابة أقرب . أما الذين يلحدون في أسمائه أي يشركون بها فذروهم إليه فهو سيعاقبهم على ما كانوا يشركون بأسمائه . وأصل الإلحاد في اللغة : العدول عن القصد ، والميل والجور والانحراف .

    هذا ما يدعو الله عباده المؤمنين إليه من التوسل إليه بأسمائه الحسنى .

    قال أبو يوسف عن أبي حنيفة : لا ينبغي لأحد أن يدعو الله إلا به . والدعاء المأذون فيه : المأمور به : ما استفيد من قوله تعالى : ( ولله الأسماع الحسنى فادعوه بها ) وقال رحمه الله : وكذا لا يصلي أحدٌ على أحدٍ إلا على النبي r وكره قوله بحق رسلك وأنبيائك وأوليائك أو بحق البيت لأنه لا حق للخلق على الخالق تعالى وذكر العلائي في التنوير عن ( التتار خانية ) أن أبا حنيفة قال : لا ينبغي لأحد أن يدعو الله إلا به وفي جميع متون الحنفية : إن قول الداعي المتوسل بحق الأنبياء والأولياء وبحق البيت الحرام مكروه كراهة تحريم وهي كالحرام في العقوبة بالنار عند محمد اهـ ملخصاً .

    وهكذا فإن المنكر لذلك النقل جاهل بمذهب أبي حنيفة رحمه الله . وقوله تعالى ( وذروا الذين يلحدون في أسمائه سيجزون ما كانوا يعملون ) فيه تهديد ووعيد من الله تعالى ، لمن ينحرفون عن دعاء الله بأسمائه الحسنى ويدعون غيره . ويأمر تعالى بمقاطعة الذين يلحدون بأسمائه عند التأكيد من عنادهم الباطل وعدم انقيادهم للحق فإن الله أعد لهم ما يستحقون من العذاب والنكال والعياذ بالله تعالى :

    إن ما تقدم من قوله تعالى : ( ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها … ) أمر منه سبحانه بأن نتوسل إليه بأسمائه الحسنى في جملة التوسلات المشروعة كما يكون دعاؤنا إليه أقرب للإجابة ولا شك في أن ما يصح في الأسماء يصح كذلك في الصفات لأن الأسماء مشتقة من الصفات غالباً … ولا يعقل أن تكون أسماء وصفات لغير ذلت . إذا .. فيكون المتكلم القائل : ( ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها … ) هو ذات الله تبارك وتعالى وتقدس .

    وعلى هذا تكون هذه الآية من حيث الحض على التوسل بأسماء الله الحسنى شاملة أيضاً الحض على التوسل بالصفات العلى والذات العلية لأن هذا النوع من التوسل من أعلى أنواع التوسل المشروع وأقرب أسباب الإجابة لدعاء الداعي فجلت وعزت ذاته عن ذوات المخلوقين وتعالت أسماؤه وتنزهت عن أسماء المخلوقين وتقدست صفاته وتسامت عن صفات المخلوقين . ( ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ) .

    هذا الرب العظيم وهذا الإله المتعال هو الذي يدعو عباده إلى التوسل إليه وإلى التقرب إلى جنابه العزيز ويرشدنا في قرآنه الكريم إلى توسلات الأنبياء والرسل وكيف كانوا يتوسلون إليه لنتخذهم قدوتنا الصالحة وأسوتنا الحسنة وما هو جلت صفاته وتقدست أسماؤه يعطينا الأمثلة لتكون لنا حافزة على الاقتداء بأنبيائه ورسله والتأسي بهديهم . على هذا الصراط المستقيم .



    الدليل الثاني

    قال الله تعالى مخبراً عن عبده ونبيه ورسوله إبراهيم عليه الصلاة السلام كيف توسل إليه تعالى عندما أراد أن يتضرع إليه بالدعاء :

    ربنا إنك تعلم ما نخفي وما نعلن وما يخفى على الله شيء في الأرض ولا في السماء * الحمد الله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل وإسحاق ويعقوب إن ربي لسميع الدعاء * رب اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي ربنا وتقبل دعاء * ربنا اغفرلي ولوالدي وللمؤمنين يوم يقوم الحساب * سورة (( إبراهيم 38 - 41))



    هذا نموذج من نماذج عدة من توسلات أبي الأنبياء إبراهيم عليه الصلاة والسلام .

    أرأيت يا أخي كيف قدم بين يدي دعائه توسلاً إلى الله تعالى … بعلمه سبحانه الذي لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء من مكنونات صدور خلقه ولا معلناتها أنه سبحانه وتعالى المحمود في ذاته وأفعاله وصفاته وأنه الوهاب لكل نعمة . ومن ذلك أنه تعالى أنعم على عبده ورسوله إبراهيم رغم كبر سنه وعقم زوجته أن وهبه إسماعيل وإسحاق وإنه لسميع الدعاء خلقه أينما كانوا وبأية لغة دعوا وبأي قصد أو حاجة على اختلافها فإنه يسمع جميع الأدعية ويجيب كلاً على سؤله – متى شاء - .

    هكذا قدم إبراهيم بين يدي دعائه هذه التوسلات : بعلم الله ، ووهبه ، وحمده وسمعه هذه الصفات العلى التي جعلت عن صفات المخلوقين قدمها وسيلة ثم باشر بالدعاء لربه … ( رب اجعلني وقيم الصلاة ومن ذريتي ربنا وتقبل دعائي ربنا اغفر لي ولوالدي(1) وللمؤمنين يوم يقوم الحساب ) .

    فما دام إبراهيم عليه الصلاة والسلام يتوسل إلى الله تعالى بما علمه سبحانه أليس هذا حافزاً من الله تعالى إلى الاقتداء به ؟ إذا فلنشعر ولنسارع بالاقتداء والتأسي لنحظى من الله بالإجابة المبتغاة من الدعاء .



    الدليل الثالث

    وإليك يا أخي مثلاً آخر من توسلات إبراهيم صلوات الله وسلامه عليه عسى أن يكون لك دليلاً ونبراساً من الله بالإجابة تستضيء به .

    قال أفرءيتم مما كنتم تعبدون * أنتم وءآباؤكم الأقدمون * فإنهم عدو لي إلا رب العالمين * الذي خلقني فهو يهدين * والذي يطعمني ويسقين * وإذا مرضت فهو يشفين * والذي يميتني ثم يحيين * والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين * رب هب لي حكماً وألحقني بالصالحين * واجعل لي لسان صدق في الأخرين * واجعلني من ورثة جنة النعيم *

    الشعراء 75-85

    وهذا يا أخي دليل من سورة الشعراء / 26 / فإن الله سبحانه وتعالى يخبرنا عن عبده ورسوله إبراهيم عليه الصلاة والسلام كيف كان يجادل قومه المشركين ويدلهم على من تجب له العبادة وحده وهو الله تعالى لا شريك له ولا مثيل ولا ند .

    وإن هذه الآلهة التي يعبدونها هم وآباؤهم الأقدمون من قبلهم ليست آلهة ولا تستحق شيئاً من العبادة . فما أحد يستحق أن يعبد إلا رب العالمين وحده لا شريك له . ثم شرع يصف لهم هذا الإله العظيم بصفات لا تشبه أي صفة من صفات خلقه فقال : ( الذي خلقني فهو يهدين والذي يطعمني ويسقيني وإذا مرضت فهو يشفيني والذي يميتني ثم يحييني والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين ) .

    إنه r قد وصف لهم جانباً من صفات هذا الرب الجليل الذي خلق الخلق جميعاً والذي يهدي قلوب عباده إلى الحق وينعم عليهم . فما من نعمة في الأرض ولا في السماء إلا وهو مسديها إليهم . فهو الذي يطعم ويسقي وإذا مرض عبده فهو الذي يشفيه من مرضه ويعافيه ، وهو الذي يميته ويحييه ويبعث من في القبور . وهو الذي – من حلمه وكرمه وعفوه – يجعل عباده طامعين في مغفرته وعفوه .

    --------------------------

    (1) قلت : كان هذا الدعاء قبل أن يتبرأ من أبيه لما تبين له عداوته لله عز وجل .

    هذه الصفات الجليلة العلى هل يتصف بها آلهتهم ، أم هي صماء بكماء لا تعي ولا تسمع ولا تبصر ؟ إن إبراهيم عليه الصلاة والسلام … هكذا كان لا يعرف قومه بصفات هذا الرب الجليل ، ويلفت أنظارهم إلى أن الذين يعبدونهم من الأصنام والآلهة إنما هي عبادة باطلة إذ لا يستحق العبادة إلا الذي خلق وهدى وأطعم وسقى وأمرض وشفى وأمات وأحيا كل ذلك قاله إبراهيم بصيغة المتكلم ليثبت لقومه الكافرين بالله تعالى أنهم على ضلال وإنه على الهدى والحق ويدعوهم إلى هذا الهدى وإلى هذا الحق وإلى الإيمان بهذا الرب العظيم الجليل المتعال والاعتراف بهذه الصفات العلى والإيمان بها . وحرضهم على التوبة إليه تعالى مما فرط منهم . فقال : (والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين ) . وكأنه يلفت أنظارهم إلى أن الله تعالى كما أنه يغفر له ويطمع بذلك يوم القيامة فكذلك إنهم إن آمنوا واتقوا فإن الله تعالى يغفر لهم ما قد سلف والإسلام يجب ما قبله .

    إن هذه الصفات العلى لله تعالى التي وضحها إبراهيم في توسله بها جعلها واسطة لقبول دعائه … فبعد أن قدم هذه التوسلات المشروعة شرع عليه الصلاة والسلام داعياً إلى الله تعالى: ( رب هب لي حكماً وألحقني بالصالحين وأجعل لي لسان صدق في الآخرين واجعلني من ورثة جنة النعيم ) .

    أرأيت يا أخي المسلم كيف إن إبراهيم عليه السلام قدم بين يدي دعائه توسلاً إليه تعالى ليكون سبباً في الإجابة لأن يهبه الحكم وأن يجعله من الصالحين في الدنيا والآخرة وأن يجعل له ذكراً جميلاً يقتدى به إلى الخير فتحبه كل ملة وتتولاه وأن يجعله من الذين يرثون الفردوس ويستقرون في جنات النعيم بما أسلفوا في الحياة الدنيا من العمل الصالح لوجهه تعالى .

    أرأيت يا أخي كيف يتوسل أبو الأنبياء إلى ربه …؟ من علمه ذلك ؟ أشيء اخترعه من عند نفسه أم علمه إياه العليم الخبير ؟ إنه والأنبياء والرسل عامة ما ينطقون عن الهوى بل الوحي يوحى إليهم من لدن عزيز حكيم . ولماذا أخبرنا الله بتوسلات إبراهيم عليه السلام … أليس إلا لنتبع ما فعل من حق وهدى وخير ولنقتفى أثره ونترسم خطاه …؟ أجل .. هو كذلك … فلنبدأ جميعاً بذلك طائعين لله فيما هدى ومتبعين أبا الأنبياء فيما اهتدى .



    الدليل الرابع

    قوله تعالى حاكياً عن قوم شعيب عليه السلام :

    قال الملأ الذين استكبروا من قومه لنخرجنك يا شعيب والذين ءآمنوا معك من قريتنا أو لتعودن في ملتنا قال أو لو كنا كارهين * قد افترينا على الله كذباً إن عدنا في ملتكم بعد إذ أنجانا الله منها وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله ربنا وسع ربنا كل شيء علما على الله توكلنا ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين * الأعراف 88-89



    ضاق ذرعاً قوم شعيب بشعيب عليه الصلاة والسلام ويمن آمنوا معه مما يدعوهم من الإيمان بالله تعالى وتوحيده التوحيد الخالص فهذه دوه بالنفي من بلدهم … !! أو يعود في ملتهم ..! وهذا شأن (( المستكبرين )) من كل قوم عندما تقوم عليهم الأدلة الدامغة والحجج البالغة من أنبيائهم أو مصلحيهم … لا يستطيعون أن يردوا الدليل بالدليل والحجة بالحجة … فيلجأون إلى الصنف والجور والتهديد بالقتل والنفي من الأرض … وما إلى ذلك من العناد والمكابرة بالباطل .

    قال شعيب : كيف نعود في ملتكم بعد أن أنقذنا الله منها وذقنا حلاوة الإيمان ولذة اليقين وبرده ؟ أنعود إلى دين نحن ندعوكم إلى هجره ..!؟ إذاً قد افترينا على الله كذباً أن أوحى إلينا بأن ندعوكم إلى عبادته ، ولا يمكن أن نعود فيها إلا إذا شاء ربنا .

    علق شعيب عليه السلام عودته إلى ملتهم على مشيئة الله تعالى … وهذا تأدب بالغ من شعيب عليه الصلاة والسلام بأن رد المشيئة لله وجده مع علمه الأكيد بأن الله تعالى لن يشاء لهم العودة إلى الكفر بعد إذ هداهم إلى الإيمان وهو أعلم بما سيكون منهم بظهر الغيب .

    لجأ شعيب عليه السلام إلى الله بأن رد المشيئة إليه وهو يعلم من يستحق الهداية فيهديه ومن يستحق الضلالة فيضله وسع سبحانه وتعالى كل شيء علماً فالمشيئة صفة له تعالى ، والعلم صفة له تبارك وتقدس وقد توسل بهما إلى الله تعالى وتوكل على الله في تثبيته على الحق الذي بعثه به إلى قومه فبعد أن توسل بر المشيئة إليه وبعلمه الذي وسع كل شيء وبالتوكل عليه والتقرب بهذا التمجيد والتعظيم رفع الدعاء إليه تعالى : ( ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق ) أي لا يستطيع أحد أن يحول قلوبهم إلى الحق والإيمان والإسلام إلا هو تبارك وتعالى فإن قدر الله إيمانهم وعلم منهم ما سيختارون من الهدى … فهذا هو المطلوب . وإن كان يعلم منهم أنهم سيظلون في عنتهم وكبريائهم على الحق فدعا أن يحكم بينهم ( ربنا افتح علينا بيننا وبين قومنا بالحق ) أي افتح علينا بالنصر عليهم وانتقم لنا منهم وعاملهم بما يستحقون ( وأنت خير الفاتحين ) ، أي وأنت خير من ينصر عباده المؤمنين ، على من كفر بك واستكبر عن عبادتك .

    وهكذا … فإنك ترى يا أخي المسلم كيف أن شعيباً عليه الصلاة والسلام لم يدع الله إلا بعد أن توسل إليه تعالى بصفاته العُلى وخمته بها كذلك بقوله : ( وأنت خير الفاتحين ) فاستجاب الله دعاء نبيه ورسوله شعيب عليه الصلاة والسلام بعد أن ظل قومه على ما هم عليه من الكفر… فأخبر سبحانه بقوله :

    ( وقال الملأ الذين كفروا من قومه لئن اتبعتم شعيباً إنكم إذا لخاسرون /90/فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين /90/.

    فكان جزاؤهم جزاء وفاقاً فكما أنهم توعدوا شعيباً والذين آمنوا معه بالإجلاء عن بلدهم فإن الله تعالى أجلاهم جميعاً إلى حيث لا رجعة فاستأصلهم وأجلاهم إلى جهنم وبئس المصير .

    ولا بد للقارئ المستنير إلا أن يخاطب نفسه ويسأل : ما الفائدة من ذكر هذه الأخبار بعد أن مضى عليها آلاف السنين ؟ ولكنه سيجيب نفسه بنفسه : إن الله تعالى لا يذكر في قرآنه الكريم شيئاً عبثاً وحاشاه وسبحانه من ذلك إنما ذكر هذه القصة وما ألهم عبده ورسوله شعيباً من التوسل إليه بصفاته … حتى يعلم أمة محمد كيفية التقرب إليه عند الدعاء ليكون الدعاء مستجاباً … فقدم لهم هذه الصور من التوسلات بتمجيده ، وتعظيمه بأسمائه وصفاته والثناء عليه – وهو كما أثنى على - - حتى يعلمنا ويحضنا على أتباع أنبيائه خير خلقه فيما يتوسلون إليه حتى نعمل مثلما عملوا لنحصل على النتيجة التي نبغيها من الدعاء . وهي الاستجابة والحصول على المطلوب .

    فهل نحن إذا اتبعنا هذى الله وهدى أنبيائه خير … أم إذا اتبعنا خطوات الشيطان في الزيغ والضلال خير …؟!!

    لا … بل سنتبع ما أمرنا الله به وما هدانا إليه ( قل إن هدى الله هو الهدى ولئن اتبعت أهوائهم بعد الذي جاءك من العلم مالك من الله من ولي ولا نصير (121) ) البقرة .



    الدليل الخامس

    قوله تعالى :

    واختار موسى قومه سبعين رجلاً لميقاتنا فلما أخذتهم الرجفة قال رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي أتهلكنا بما فعل السفاء منا إن هي إلا فتنتك تضل بها من تشاء وتهدي من تشاء أنت ولينا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين * واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة وفي الآخرة إنا هدنآ إليك قال عذابي أصيب به من أشأء ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون * الأعراف 155-156



    ذهب موسى – بأمر ربه – مع سبعين رجلاً اختارهم من أخير قومه إلى ميقات كان وقته له ربه ليعتذروا إليه من عبادة بني إسرائيل العجل ويسألوه التوبة على من تركوا وراءهم من قومهم فسار بهم إلى طور سيناء ولما وصلوا قالوا لموسى عليه الصلاة السلام : اطلب لنا نسمع كلام ربنا .. فقال : أفعل . فلما دنا من الجبل وقع عليه عمود الغمام حتى تغشى الجبل كله ودنا موسى عليه الصلاة والسلام فدخل فيه وقال للقوم أدنو فدنوا حتى إذا دخلوا في الغمام وقعوا سجوداً .

    فلما فرغ إليه أمره وانكشف عن موسى الغمام أقبل إليهم فقالوا : ( لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتهم الصاعقة ) فماتوا جميعاً .

    فقام موسى عليه الصلاة والسلام يناشد ربه ويدعوه ويرغب ويقول : ( رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي أتهلكنا بما فعل السفهاء منا ) .

    فقوله : ( بما فعل السفهاء منا ) يعني به السفهاء الذين عبدوا العجل لأن هؤلاء السبعين الذين رافقوه لم يعبدوا العجل ولكنهم لم ينهوا الذين عبدوه كما قال ابن عباس وغيره : إنهم أخذتهم الرجفة لأنهم لم ينهوا قومهم عن عبادة العجل بينما الآية في سورة البقرة ( وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتكم الصاعقة (55)) والآية التي في سورة النساء ( أرنا الله جهرة فأخذتهم الصاعقة بظلمهم (153)) تفيدان أن الصعق كان لقوهم : ( أرنا الله جهرة) فأي السببين كان الصعق من أجله ؟ الجواب : إنه وقع لكلا السببين لأنه لا أعظم من عقوبة الموت في الدنيا ثم بعثهم الله تعالى استجابة لدعاء موسى عليه الصلاة والسلام : ( ثم بعثناكم من بعد موتكم لعلكم تشكرون ) وقال موسى عليه الصلاة والسلام : ( إن هي إلا فتنتك ) أي ابتلاؤك واختبارك وامتحانك .

    فمن هاهنا موسى يتوسل إلى الله من أجل أن يتقبل الله دعاءه باحيائهم ( إن هي إلا فتنتك تضل بها من تشاء وتهدي من تشاء ) وهذا تمجيد لله وتعظيم له بأنه وحده هو الذي يضل من يشاء إضلاله حسب ما يستحق وهو وحده يهدي من يشاء هدايته حسب ما يستحق ولا يظلم الله أحداً فالتوسل كان بمشيئته تعالى التي هي صفة من الصفات العلى التي يتصف بها الرب جل شأنه وإنها هي الغالبة فما شاء كان ومالم يشأ لم يكن إن الحكم إلا له وإن الأمر إلا أمره له الخلق والأمر ثم توسل إليه باسمه الذي هو من الأسماء الحسنى فهو سبحانه الولي والنصير ( الله ولي الذين آمنوا … ) فقال : ( أنت ولينا ) ولا شك أن الله ولي الذين آمنوا ونصيرهم وناصرهم وما من ولي ولا نصير سواه .

    أرأيت يا أخي المسلم كيف قدم موسى بين يدي دعائه توسلاً إلى الله بصفاته العلى وأسمائه الحسنى …؟ فبعد أن فرغ من توسله وقرب من الله بما قدم من توسلات مقبولة عنده شرع بالدعاء : ( فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين ) .

    ولو تأملت يا أخي المسلم ووفقت قليلاً عند هذه الفاء : ( فـ) لو ضح لك المعنى من القصد الذي كان يقصده أي بسبب ما قدمت لك يا رب من التوسلات إليك بصفتك العظيمة واسمك الجليل ..( فاغفرلنا …) مما أذنب القوم من عبادة العجل ومن ( أرنا الله جهرة ) و ( ارحمنا ) لأن رحمتك وسعت كل شيء وأنها سبقت غضبك ( وأنت خير الغافرين ) أي أنت خير من غفر الذنب وعفا عن الخطيئة ومن ذا الذي يغفر لنا يارب …؟ ومن ذا الذي يرحمنا إن لم ترحمنا يارب …؟ لا إله غيرك ولا رب سواك .

    ثم لم يكتف بذلك بل إنه لعلى علم بكرم الرب ورحمته ورأفته بعباده فاستزاد عليه الصلاة والسلام من الكريم فقال : ( واكتب لنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة إنا هدنا إليك … ) أي تبنا وأنبنا وإليك ورجعنا عن ما سبق من الذنوب والخطايا .. ( قال عذابي أصيب من أشاء ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتي يؤمنون ) .

    فيا أخي المسلم الكريم : أرأيت كيف توسل عبدالله ورسوله موسى عليه الصلاة والسلام بالصفات والأسماء ممجداً ربه ومعظماً ؟ ثم عقب ذلك بالتوبة إليه تعالى مما سبق من الذنب فما كان من الله تعالى إلا أن غمرهم بمغفرته ورحمته التي وسعت كل شيء وأحياهم بعد ما أماتهم بالصعق : ( ثم بعثناكم من بعد موتكم لعلكم تشكرون ) .

    هذا هو التوسل المؤدي لاستجابة الدعاء وأن موسى عليه الصلاة والسلام ليعلم قبله أنبياء ورسلاً أحباء على الله كرماء وذوي منزلة وجاء عظيم عنده فلم يتوسل بهم إليه تعالى ولا بأعمالهم ولا بجاههم .. لأنه يعلم : أن أعمالهم إنما هي لهم وليس له بأن يدل على الله بها وأنه ليعلم أن جاههم عليهم الصلاة والسلام عظيم ولا شك … ولكنه لم يتوسل به إلى الله تعالى … بل قدم تمجيداً لله وتعظيماً وتقديساً بأسمائه الحسنى وصفاته العلى ثم قدم إليه توبة من كل ذنب . فكان ذلك التوسل مقبولاً لدى الله تعالى وتقدس فاستجاب دعاءه وعفا ورحم وغفر وأحسن في الدنيا والآخرة وهو لذلك أهل لا إله إلا هو ولا رب سواه .

    وإن الله تعالى لم يذكر ذلك في محكم آياته إلا ليعلم هذه الأمة ما علم رسله وأنبياءه من التوسل الذي هو أعلى وأقرب التوسلات إليه وليحث المؤمنين جميعاً على اتباع الأنبياء والمرسلين خير خلق الله وأكرمهم على الله فاتباعهم هو الحق والحق أحق أن يتبع وما بعد الحق إلا الضلال .

    ( ذلك هدى الله يهدي به من يشاء من عباده ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون * أولئك الذي آتيناهم الكتاب والحكم والنبوة فإن يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا بها قوماً ليسوا بها كافرين * أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده قل لا أسألكم عليه أجراً إن هو إلا ذكرى للعالمين * )

    الأنعام 88-90

    أخي المسلم الكريم

    لقد ذكرت لك – فيما سبق – أمثلة من القرآن الكريم عن التوسل إليه تعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العلى وبينت لك بالدليل القرآني كيف أن الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام يقدمون إلى ربهم تعالى وتقدس من توسلات تكون سبباً لا ستجابة الدعاء ولم يذكرها الله سبحانه وتعالى في تعالى إلا ليعلم المؤمنين كيف يتوسلون إلى ربهم تبارك وتعالى وكل ما تقدم هو توضيح لقوله تعالى :

    ( ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها ) وإن صفاته تعالى لها ولا شك حكم أسمائه تعالت أسماؤه وتقدست صفاته وإنك رأيت ما من دعاء إلا وقدم صاحبه بين يدي دعائه توسلاً إليه تعالى به .

    وكل أملي بك يا أخي الحبيب في الله أن ترى الحق حقاً وتهرع إلى العمل به وتحب أهله وأن ترى الباطل باطلاً فتهجره ولا تلتفت إلى كثرة من يأخذون به ( وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله ) ويكفي للدلالة على الباطل وأهله … أن الدليل الذي يستندون إليه … أقوال مجردة عن أدلة الكتاب والسنة بل تعارضها …؟!!!

    ( أفمن يمشي مكباً على وجهه أهدى أم من يمشي سوياً على صراط مستقيم ) ؟ (1) .


    ---------------------

    (1) استشهادنا بالآية كان لعموم اللفظ لا لخصوص السبب .

    الأمثلة الدالة على التوسل

    بالذات والأسماء والصفات من الأحاديث الصحيحة

    أخي : كما أنني وضعت أما عينيك أمثلة قرآنية في الحض على التوسل إليه تعالى بذاته وأسمائه وصفاته .. كذلك أضع أمام عينيك أمثلة من الأحاديث الصحيحة ، التي تبثت … أن نبيك ورسولك محمداً r أن نبيك ورسولك محمداً r كان عندما يدعو ربه سبحانه إنما كان يقدم بين يدي دعائه توسلات إلى الله تعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العلى وإنك لتعلم علم اليقين أنه r قدوتك الحسنة وأسوتك … والذي أمر الله أن تتأسى به وتسير على هديه :

    ( لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم والآخر وذكر الله كثيراً ) ( 21) الأحزاب



    الدليل الأول

    عن عبدالله بن بريدة عن أبيه [ أن رسول الله r سمع رجلاً يقول : اللهم إني أسألك بأني أشهد أنك أنت الله لا إله إلا أنت الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد . فقال: (( لقد سألت الله عز وجل باسمه الأعظم )) ] أخرجه أبو داود والترمذي .



    الدليل الثاني

    وعن أنس بن مالك t [ أنه كان مع رسول الله r جالساً ورجل يصلي ، ثم دعا : اللهم إني أسألك بأن لك الحمد لا إله إلا أنت المنان بديع السموات والأرض يا ذا الجلال والإكرام يا حي يا قيوم فقال النبي r : (( لقد دعا باسمه الأعظم الذي إذا دعي به أجاب وإذا سئل به أعطي )) ] أخرجه الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجه والترمذي .

    وضعت يا أخي المسلم أمامك هذين الحديثين المتقدمين ليتضح لك منهما أن أسماء الله الحسنى هي أقرب التوسلات استجابة وأخصها بذلك اسم الله الأعظم .

    وقد شهد رسول الله r للصحابي الذي دعا … إنه دعا باسم الله الأعظم الذي إذا دعي به أجاب وإذا سئل به أعطي .

    فالحديث الأول : دعا الرجل قائلاً : [ اللهم إني أسألك بأني أشهد أنك أنت الله لا إله إلا أنت الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفؤاً أحد ] . فقد توسل هذا الرجل بأسماء الله الحسنى ووافق عليها الاسم الأعظم فكان سبباً في قبول الدعاء بشهادة رسول الله r وأنعم بها وأكرم من شهادة .

    ***

    وكذلك الحديث الثاني : فقد قال فيه الرجل :[ اللهم إني أسألك بأن لك الحمد لا إله إلا أنت المنان بديع السموات والأرض يا ذا الجلال والإكرام يا حي يا قيوم ] وكل هذه الأسماء هي أسماء حسنى وقد جعل هذا الرجل دعاءه الذي مجد به رب السموات والأرض وسيلة إلى ربه تعالى حتى يتقبل دعاءه … لا سيما وأن الصادق المصدوق r شهد له أيضاً أنه توسل إلى الله وسأله باسمه الأعظم الذي إذا سئل به أعطي وإذا دعي به أجاب .

    ***

    فمن البدهي أن يرغب كل مؤمن بالدعاء إلى ربه مقدماً بين يدي دعائة وسيلة يرضى الله عنها وإن كل داع إلى الله تعالى يود من صميمه استجابه دعائه وحصوله على مطلوبه من الدعاء فلكي يحصل على هذه الأمنية .. فعليه سلوك الطرق الشرعية المؤدية إلى بلوغ أمنيته الغالية وليس من طريق شرعي أدل على شرعيته من طريق يسلكه رسول الله r ويختاره لنفسه ولأمته .

    وهاهو يعلمنا أن نسلك هذا الطريق الذي هو أقرب الطرق إلى استجابة الدعاء فمن يسره الله تعالى إليه فيكون قد يسره الله لليسرى ( فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى وأما من بخل واستغنى وكذب بالحسنى فسنيسره للعسرى ) . الليل (10)



    الدليل الثالث

    دعاء استفتاح رسول الله صلاته من الليل

    وعن أم سلمة رضي الله عنها قالت : [ سألت عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها بأي شيء كان نبي الله r يفتح صلاته من الليل ..؟

    قالت : كان إذا قام من الليل افتتح صلاته قال :

    (( اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون اهدني لما اختُلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم )) ]

    ***

    هذا دعاء – كما قالت عائشة رضي الله عنها – كان رسول الله r وآله وسلم يفتتح به صلاته من الليل وإنه كما ترى … مسبوق بتوسلات إلى الله تعالى بأسمائه الحسنى ومع أنه صلوات الله عليه وسلامه مستجاب الدعوة … ولكن مع ذلك كان لا يدعو إلا ويقرب بين يدي دعائه توسلات إليه تعالى . وما التوسل بحد ذاته إلا تمجيد وتعظيم وتقديس لذات المتوسل إليه تبارك وتعالى وتقدس فما أعظم هذا التوسل حين يفتتح به قيامه في جوف الليل : (( اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك قيما كانوا فيه تختلفون )) .

    مجده عليه الصلاة والسلام بأنه رب جبرائيل وميكائيل واسرافيل وهم الأعيان من الملائكة وأعظمهم وأكرمهم على الله سبحانه وهم رسله إلى من يشاء من عباده رحمة أو عذاباً وأنه تعالى ربهم وخالقهم وهم عبيده لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون ولا يغفلون عن عبادة ربهم طرفة عين وهم من خشيته مشفقون .

    ثم يقول ممجداً ربه تعالى بأنه (( فاطر السموات والأرض )) أي خالقها بما ومن فيهما وما بينهما وموجدهما من العدم لا شريك له ولا رب غيره ولا إله سواه .

    (( عالم الغيب والشهادة )) أي يعلم كل شيء مما يشاهد العباد ومما يغيب عنهم ولا يخفى عليه منه شيء ولا يعلم من الغيب شيئاً أحد من خلقه … إلا من ارتضى من رسول وأنه r يعظم ربه بأنه عالم الغيب والشهادة ، ولا يعزب عن علمه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ثم يرد في الأرض ولا في السماء . ثم يرد إليه الحكم بين العباد فيما اختلفوا فيه من الحق ويقول : أ،ت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون فأنت الحكم العدل الذي لا يجور .

    قدم كل هذه التوسلات إليه بتمجيده وتعظيمه وتقديسه بأسمائه الحسنى وصفاته العلى ثم شرع يدعو فقال r : اهدني لما اختلف فيه من الحق بأذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم ، أي اهدني إلى الحق الذي اختلف فيه الناس لا يهديني إليه إلا أنت إنك تهدي من تشاء ممن يستحق الهداية إلى الحق القويم والصراط المستقيم .

    وهكذا فقد رد المشيئة إليه تعالى في الهداية فهو يهدي من يشاء ويضل من يشاء بيده الخير وهو على كل شيء قدير .

    إن هذه التوسلات والدعاء الذي تلاها بالإضافة إلى أنه يقرب إلى الرب تبارك وتعالى ودعاء إليه ورغبة ، فهو و لا شك تعليم لأمته حتى تقتفى أثره وحض منه r حتى تقتدي بفعله وتهتدي بهداه وإن خير الهدي هدي محمد r .



    الدليل الرابع

    من أدعية النوم

    وعن أبي هريرة t وأرضاه قال : [ كان رسول الله r يأمرنا إذا أخذنا مضجعنا أن نقول : (( اللهم رب السموات ورب الأرض ورب العرش العظيم ربنا ورب كل شيء فالق الحب والنوى منزل التوراة والإنجيل والفرقان أعوذ بك من شر كل شيء أنت آخذ بناصيته . اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء وأن الآخر فليس بعدك شيء وأنت الطاهر فليس فوقك شيء وأنت الباطن فليس دونك شيء اقض عنا الدين وأغننا من الفقر )) ] أخرجه أحمد ومسلم والترمذي .

    بأبي وأمي أنت يا رسول الله ما أعطفك على أمتك وما أحناك عليها أنت كما وصفك ربك ( … بالمؤمنين رؤوف رحيم ) r الله عليك وعلى آلك وسلم تسليماً ما أشدك حرصاً بالخير حتى تتملى منه أمتك وما أخوفك عليها من الشر حتى ترتدع عنه نعم المعلم أنت ونعم الأب أنت بل ونعم النبي والقائد والرسول الرائد تقودها في خير سبيل إلى خير غاية وتسير بها في أقوم نهج إلى أسلم نهاية . أرأيت يا أخي المسلم كيف يعلمنا الحبيب الأعظم الأدعية الطيبة الخيرة .؟

    اسمعه … وكأنه ينطق أمامك بهذا الدعاء الكريم والتوسل العظيم بالأسماء الحسنى اسمعه وهو يقول : (( اللهم رب السموات ورب الأرض ورب العرش العظيم )) هذا تمجيد لله باسمه رب السموات والأرض والعرش العظيم (( ربنا ورب كل شيء )) ثناء عليه بصفته الربوبية التي ربي بها العالمين بنعمته لا رب لهم سواه (( فالق الحب والنوى )) أي يشقه في الثرى فتنبت منه الزروع على اختلاف أصنافها من الحبوب والثمار على تباين أشكالها وألوانها وطعومها ومذاقها رزقاً لعباده ليعلموا أنه المنعم وحده فلزم أن يكون هو المعبود وحده فلا يعبدون إلهاً غيره ولا رباً سواه .

    ثم أثنى عليه وحمده على تنزيل كتبه على عباده ليدلهم على الصراط المستقيم ويهديهم إلى العمل بما أنزل فيها من الأحكام التي لا يأتيها الباطل ، فلا يزيغ عنها إلا من شاء لنفسه الهلاك واختار لنفسه الكفر (( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون )) .

    ثم استعاذ عليه أفضل الصلاة والسلام من شر كل شيء … فما من شيء إلا والله آخذ بناصيته فإنها كلها تحت سلطانه وقهره وهو آخذ بناصيتها ثم مجده بأنه هو الأول وليس قبل الأول شيء وأنه الآخر وليس بعد الآخر شيء وأنه الظاهر فما فوقه أحد قط ظاهر في صفاته العلى الدالة على وجود ذاته فلا ذات بلا صفات ولا صفات بلا ذات وأنه الباطن في ذاته العلية فليس دونه شيء ذاته ليست كالذوات وصفاته ليست كغيرها من الصفات فهي ذات وصفات بلا تكييف ولا تجسيم ولا تأويل ولا تمثيل ولا تعطيل ولا تشبيه . وهكذا فقد مجد ربه بذاته وأسمائه وصفاته في كل ما تقدم من توسلات . . ثم شرع بالدعاء فقال : (( اقض عنا الدين وأغننا من الفقر )) .

    وهكذا فإن صلوات الله عليه وسلامه لم يدع قبل أن قدم بين يدي دعائه هذه التوسلات المشروعة التي علمه إياها ربه (( وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى )) 3 – النجم
    ثم باشر بالدعاء إليه تعالى أن يقضي عنه الدين ويغنيه من الفقر وكان يأمر بذلك أمته أن تدعو بهذا الدعاء وغيره من الأدعية . . حتى يستجيب الله دعاءها . هكذا سنته r في دعائه أي لا يدعو حتى يتوسل إلى ربه بما يرضيه فهلا نتحاض فيما بيننا على ذلك ونتوسل إليه تعالى بمثل ما توسل وندعوه تعالى بمثل ما كان يدعو ؟ ( قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم * قل اطيعوا الله والرسول فإن تولوا فإن الله لا يحب الكافرين *)

    31-32 آل عمران

    نعم إن كنا نحب الله فيجب أن نقدم برهانا على ذلك ودليلاً يؤيد دعوانا وإلا فتكون دعوانا بمحبة الله مجرد دعوى عارية عن الدليل خالية من البرهان وما دليل محبتنا إلا باتباع رسول الله r حق الاتباع وطاعته فيما أمر والانتهاء عما نهى فعندما نصدق باتباعه r ونخلص بطاعته نكون قدمنا الدليل والبرهان..عندها يجبنا الله تعالى ويرفعنا إلى مستوى المكانة التي وعدناها:(كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله …)110-آل عمران

    إذا … فإن محبة الله موقوفة ومرهونة باتباع رسوله r فلنجهد جميعاً بالاتباع نصاً وتطبيقاً وسلوكاً ومنهجاً وحالاً وقالاً لا نبغي عن سنته حولا ولا بدلاً عليه أفضل الصلاة والسلام .

    الدليل الخامس

    السؤال بالقرآن

    عن عمران بن حصين t [ أنه مر على قاص يقرأ ثم يسأل : فاسترجع (1) ثم قال : سمعت رسول الله r يقول : (( من قرأ القرآن فليسأل الله به فإنه سيجيء أقوام يقرأون القرآن يسألون به الناس )) ]

    رواه أحمد والترمذي

    مما لا شك فيه أن القرآن كلام الله تعالى : وكلامه تعالى وتقدس صفة له سبحانه فإذا قرأ المسلم القرآن إنما يقرأ ويتلو كلام الله تعالى وتبارك ليدبر آياته ويطبقها على نفسه ثم على من يعول ويجعل القرآن بما فيه من عقائد وأحكام وأخبار مرجعه في كل شيء فيحل حلاله ويحرم حرامه فيكون حجة له لا عليه وليسأل الله به حوائجه لتقضى ولا يسأل الناس به يتعجله ولا يتأجله .

    هكذا الأصل في قراءة القرآن الذي أنزله الله دستوراً ومنهاجاً للعالمين فمن غير نهجه وبدل ما أنزل من أجله إلى مقاصد ومرادات تنحرف عن مراد الله سبحانه وتعالى من تنزيله فيكون قد أزور عن الصراط المستقيم والسبيل القويم إلى سبل تتفرق به عن سبيله ( وأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون(153))الأنعام.

    وقد انحرف المسلمون بالقرآن – إلا من رحم ربك – إلى مقاصد انحرفت به عن المراد الذي شاءه الله تعالى لهذه الأمة المحمدية لتكون : خير أمة أخرجت للناس .

    فحققوا بذلك غايات وأهداف أعدائهم الذين يهدفون إلى صرف المسلمين عن أوامر القرآن ونواهيه وحلاله وحرامه وعبره وعظاته وهكذا كان …

    فجعل المسلمون قرآنهم : تمائم وتعاويذ أحجة ووصفات طيبة وقراآت على الأموات وترانيم تخرج بآياته الكريمة عن معانيها وتتعلق الأنفس بالترانيم دون المعاني فتنطلق الآهات والتأوهات لا على مجد الإسلام الضائع ولا على أحكام الكتاب المعطلة ولا على ما هم عليه من الانقياد إلى أغراض الكافر العدو اللدود بل من أثر النغمات الموسيقية التي أخضع القارئ القرآن وآياته إلى موازينها وإيقاعاتها … ودليلنا على ذلك أننا إذا سألنا أصحاب الآهات والتأوهات عن المعاني التي عقلوها من آيات الذكر الحكيم … لوجدناهم في غفلة عن هدي القرآن لأن النفوس منصرفة إلى الألحان عن المعاني . ويقولون : ما شاء الله !! شيخنا قارئ على السبعة !! يرددونها كالببغاء
    -----------------------

    (1) أي عمران بن حصين

    وأنهم والله لأجهل منها بالسبعة والتسعة والعشرة … وهذا ما يسعى الكافر لتحقيقه فيصرف المسلمين عن الجهاد في سبيل الله والحكم بما أنزل الله وفهم مراد الله والعمل بمقتضاه .

    يقولون : نقرؤه البركة !! وياليتهم يفهمون معنى البركة نعم يجب أن نقرؤه للبركة وما هي البركة ..؟ أليست البركة هي الزيادة والنماء ؟ زيادة في العقل ونماء في الفهم والعرفان فإذا عقلنا القرآن وفهمنا مضامينه وعلمنا أحكامه ونفذناها بدقة على مراد الله حصلت البركة والزيادة والنماء في كل شيء فكان الانطلاق والانعتاق والتحرير وكان البناء والعز والدولة والسلطان فلا نكتفي أن نكتب على الأوراق ونصرح بالأشداق : أمة واحدة من المحيط إلى الخليج … نعم لا نكتفي بذلك لأن القرآن لا يقف عند هذا المطلب التافه … بل هو هدى ورحمة للعالمين ولسوف ترف بنوده وأعلامه وتخفق شاراته وراياته فوق كل سهل وجبل من هذه الأرض وستستظل بها كل ذرة من ذراتها وكل نسمة من نسماتها وكل بر وبحر وفضاء حتى يقضي الله أمره وينفذ أحكامه وترسو دولة الله وحدها على الأرض .

    من أجل هذا نز القرآن … ولأجل هذا شرع الله تلاوته وقراءته ليكون لجنوده في كل حرف يتلون منه عشر حسنات لا أقول ( الم ) حرف ، بل : ألف حرف لام حرف ميم حرف أجل يكون لكل جندي من جنود القرآن ثلاثون حسنة بمجرد تلاوته ( الم ) فكيف إذا كان دائم التلاوة عميق الفهم غزير العلم قائماً بالحكم شاكي السلاح يده على الزناد أيداً تنطلق بندقيته وقذيفته وصاروخه لأقل بادرة تبدر من أعداء الإسلام شرقاً وغرباً وجنوباً وشمالاً بالكيد للإسلام .. وليعتبر كل مسلم نفسه جندياً للقرآن تسيل نفسه على حد الظبى في سبيله ومن أجل خلوده وهذا أقصى ما يؤمله ويتمناه .

    لقد قدمت بين يدي هذا الحديث الكريم هذه المقدمة .. حتى أصل بأخي القارئ المسلم الكريم إلى أغوار ما يهدف إليه هذا الحديث ،من توجيه بليغ ومقصد سام وأنني أعيده على مسامعك … حتى تتلوه مرة ثانية بعد ما قرأت هذه المقدمة له : [ من قرأ القرآن فليسأل الله به فإنه سيجيء أقوام يقرأون القرآن ويسألون به الناس ] . أجل … إذا سأل به الله تعالى يكون قد استعمله فيما أنزله الله وإذا سأل الناس به فيكون قد غير الوجهة التي أنزل من أجلها إلى وجهة أخرى وترك سبيل الله واتبع السبل …!!؟ فتفرق به عن سبيله .

    فالذي يقرأ القرآن إذا عليه أن يقرأه ليفهمه ويعمل به ويستهدي بهديه ويقيم أحكامه فإذا سأل الله به متوسلاً كانت الاستجابة قريبة ومأمولة فتكون قراءة القرآن أقرب القربات وأعظم التوسلات لأن القرآن كلام الله وكلامه صفة له والتوسل إليه بصفاته العلى من أعلى أنواع التوسل المشروع اقرأ القرآن في المسلم … واقرأه في خط النار وتوسل بما قرأت إليه تعالى أن ينصر الإيمان على الكفر والتوحيد على الشرك واقرأه وتوسل به في أية حاجة لك مشروعة فإن الله سبحانه يستجيب دعاءك ويعطيك سؤلك وينيلك ما تتمنى في أي حاجة من حاجات الدنيا والآخرة .

    ***

    أما إذا سألت الناس به وتعجلت أجرك منهم ولم تتأجله من رب العالمين فقد أغضبت الله لأنك غيرت الوجهة التي من أجلها أنزل القرآن … وفي ذلك معصية الرب فمن ساعدك على المعصية فهو شريكك فيها .

    أصبح القياد في يديك فإنك تستطيع أن تجعل قراءتك نوراً لك وهداية تخرجك من الظلمات إلى النور وسبيلاً صحيحاً ومنهجاً سليماً للوصول إلى رضاء الله تعالى وثوابه وعطائه في الدنيا والآخرة .. وتستطيع أن تجعل قراءتك حسرة عليك تتعجلها من الناس وتشتري بها ثمناً قليلاً في غير طاعته … تقرأه على القبور وللأموات والله تعالى يقول : ( إن هو إلا ذكر وقرأن مبين لينذر من كان حياً ويحق القول على الكافرين ) إن هذا القرآن نذير للأحياء يفهمونه ويعقلونه ويعملون به لا للأموات الذين غدوا إلى ما عملوا في الدنيا وانقطع عملهم منها بوفاتهم إلا من صدقة جارية وعلم ينتفع به وولد صالح يدعو لهم وكل ذلك من كسبهم في الحياة الدنيا .

    اتضح لك ما هو المقصد الكريم من قوله r : [ من قرأ القرآن فليسأل الله به فإنه سيجيء أقوام يقرأون القرآن يسألون به الناس ] .

    وشتان بين من يسأل الله ومن يسأل به الناس وهل ما عند الناس كما عند الله وأي شيء يملكه الناس …؟!! ومن أين ما عند الناس … أليس هو مما عند الله ومن ماله ورزقه …؟ فإذا كان ما عند الناس هو من الله فهلا سألتا به الله الذي له ملكوت كل شيء .. ورب الناس ورب ما عند الناس …؟ وهلا تقربنا إليه تعالى بما يحب ويرضى ولم نبع عطاء الله بعطاء الناس ؟

    أجل … إن مراد النبي r أن يتعلق المسلم بربه ويرغب إليه بالدعاء ويقدم بين يدي دعائه توسلاً مشروعاً أقرب ما يكون للاستجابة وأن يقطع المسلم كل أمل إلا منه تعالى وليرجوا ما عند الله وينقطع رجاءه مما عند الناس حق يكون حقاً عبد الله لا أعبد أحد غيره وأن يتقرب به إليه وبكلامه إلى حضرة قدسه وبسائر صفاته العلى وأسمائه الحسنى إلى جنابه تعالى وتبارك وتقدس وهل يشتري بعد الله بقرب الناس … إلا من سفه نفسه ..!!!؟

    القرآن .. وتلاوة القرآن وإمعان النظر بمعانيه وتدبره وتفهمه وتطبيقه على النفس والأهل والولد وسائر من ترعى وتعول هي القربات المقبولة المستطابة والتوسلات المطلوبة المستجابة . كيف لا ، والقرآن :

    [ كتاب الله فيه نبأ ما قبلكم وخبر ما بعدكم وحكم ما بينكم هو الفصل ليس بالهزل من تركه من جبار قصمه الله ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله وهو حبل الله المتين وهو الذكر الحكيم وهو الصراط المستقيم وهو الذي لا تزيغ به الأهواء ولا تلتبس به الألسن ولا تنقضي عجائبه ولا يشبع منه العلماء من قال به صدق ومن عمل به أجر ومن حكم به عدل ومن دعا إليه هدي إلى صراط مستقيم ] (1) .

    فإذا أنت قرأته يا أخي المسلم مستحضراً هذه النعوت الكريمة والأوصاف العظيمة علمت عظم ما تتوسل به إلى الله تعالى وأيقنت منه بالاستجابة لأنه كلام الله والكلام صفة للمتكلم والتوسل إليه تعالى بكلامه توسل بصفة من صفاته العلى وهو عمل يحبه ويرضاه بل هو أقرب القربات إليه .

    لا سيما وأن رسول الله r يقول : [ لكل قارئ قرآن دعوة مستجابة ] أي أن من يقرأ القرآن ويتوسل به إلى الله ثم يدعو … كانت دعوته مستجابة .

    وأرجو أن لا يفهم أن مجرد القراءة بدون عمل وتطبيق لما قرأ .. يمكن أن تكون دعوة مستجابة … لا بل عليه أي على القارئ أن يعزم على تطبيق أحكام ما قرأ بقدر استطاعته .. حتى تكون دعوته مستجابة وأما من يقرأ ويفهم ويستطيع أن يطبق ولا يطبق فقد يكون عمله هذا من أسباب عدم القبول والعياذ بالله من غضبه ونقمته .

    اللهم إنا نتوسل إليك بالقرآن العظيم وبما نتلوه منه وما نعمل به ونطبق من كلامك الكريم أن تهدينا إلى أحكام كتابك وأن تقوينا على الأخذ بها والحكم بمقتضاها في كل شأن من شؤون الحياة .

    اللهم أعنا على الإقامة دولة الإسلام من جديد وأشدد أزرنا لتحقيق هذه الغاية حتى ننصر دينك ونعلي كلمتك أو نهلك دون هذه الغاية ونسقط من أجلها شهداء ابتغاء مرضاتك ولوجهك الكريم .

    اللهم وفقنا للقول والعمل ولا تجعلنا نقول ولا نعمل فما تأخر المسلمون ولا سقطت بلادهم بلداً بلداً في أيدي الأعداء إلا لما اكتفوا بالقول دون العمل .

    ( يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون ( 2) كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون (3) إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفاً كأنهم بنيان مرصوص (4)) الصف .

    اللهم الهمنا القول الصحيح الذي ترضاه يا رب العالمين ووجهنا وجهة كتابك وسلكنا محجة
    ------------------------

    (1) رجح مخرج أحاديث الطحاوية : أنه من كلام علي t .

    نبيك عليه أفضل الصلاة والسلام وأعد لنا الخيرية التي وصفتنا بها أول مرة : (كنتم خير أمة أخرجت للناس … ) وأسبل علينا الهيبة التي أسبلتها علينا يوم الجهاد الأول اللهم وحد كلمة المسلمين وردهم إلى دينك رداً جميلاً وأجمعهم تحت راية الإسلام وحكم الإسلام اللهم ثبتهم على الحق في ميادين الحق والدعوة إلى الحق وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً .

    للشيخ / محمد نسيب الرفاعي .
     
حالة الموضوع:
مغلق

مشاركة هذه الصفحة