ليس من الجهاد في شيىء

الكاتب : الشنبكي   المشاهدات : 423   الردود : 0    ‏2003-11-06
      مشاركة رقم : 1    ‏2003-11-06
  1. الشنبكي

    الشنبكي عضو

    التسجيل :
    ‏2002-10-09
    المشاركات:
    119
    الإعجاب :
    0
    أعد فضيلة الشيخ سلطان العيد إمام وخطيب جامع خالد بن الوليد في الرياض بحثا علميا قيما بعنوان: " ليس من الجهاد في شيء " جمع فيه النصوص الشرعية والفتاوى العلمية المتعلقة ببعض الشبه التي يثيرها أتباع الجماعات المتطرفة، خصوصا ما يختص بأحكام الجهاد في الإسلام.

    وبين فضيلته في هذا البحث الغاية من الجهاد في الإسلام والوسائل المشروعة لإبلاغ دعوته، كما فند بالحجة والبرهان كل الأباطيل والشبه التي تعلق في أذهان بعض المتحمسين من الشباب.

    " الدعوة " تنشر البحث كاملا في هذا العدد مؤملة أن يكون فيه نفع وفائدة للقارئ.

    إن الإسلام الذي رضيه الله لنا دينا، وبعث به خاتم النبيين محمدا صلى الله عليه وسلم ، إنه والله لدين الوفاء والأمانة، دين العدل والصدق، دين البر والصلة، قال الله تعالى: {وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسئولا} [الإسراء: 34]، وقال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى} [المائدة: 8]، وقال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين} [التوبة: 119]، وقال تعالى: {واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا··} [النساء: 36]، وقال تعالى: {والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل ·· } [الرعد: 21]، والآيات في ذلك كثيرة بحمد الله·

    وإن دين الإسلام كما يأمر بالأخلاق الفاضلة والآداب العادلة، فإنه يحارب الغدر والجور، والكذب والخيانة، والعقوق والقطيعة·

    قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أربع من كن فيه كان منافقا خالصا، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا حدث كذب، وإذا أؤتمن خان وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر " ·

    وقال صلى الله عليه وسلم : " لا يدخل الجنة قاطع " يعني قاطع رحم. وقال صلى الله عليه وسلم : " اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة " ·

    إن الوفاء بالعهد من أخلاق الإسلام الفاضل، التي أمر الله بها وحث عليها ورغب فيها، وإن الغدر والخيانة من الأخلاق الذميمة التي حرمتها الشرائع، وتنفر منها الطبائع، وإن من أعظم الغدر: قتل النفس التي حرم الله إلا بالحق·

    الأنفس المحرمة

    وليست النفس المحرمة هي نفس المؤمن فقط، بل النفوس التي حرمها الله، وحرم قتلها أربع أنفس: نفس المسلم، ونفس الكافر الذمي، ونفس الكافر المعاهد، ونفس الكافر المستأمن·

    هذه الأنفس كلها محترمة في كتاب الله وسنة رسوله محمد صلى الله عليه وسلم ·

    حرمة نفس المسلم

    أما نفس المسلم فظاهر احترامها، وهو من المعلوم بالضرورة من دين الإسلام، فمن أظهر لنا إسلامه فنفسه محرمة، وإن عمل ما عمل من المعاصي التي لم يدل القرآن والسنة على أنها تبيح قتله، قال تعالى: {ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما} [النساء: 93]·

    وقال تعالى: {والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما (68) يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا (69) إلا من تاب ..(70) } [الفرقان].

    وأما تحريم قتل الذمي والمعاهد، فلما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: " من قتل معاهدا لم يرح رائحة الجنة، وإن ريحها توجد من مسيرة أربعين عاما " ، رواه البخاري " 1366" ·

    وقال " : " لا يزال المؤمن في فسحة من دينه ما لم يصب دما حراما " خرجه البخاري "6862" ·

    وأما المستأمن، فقد قال الله في كتابه: {وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه ··} [التوبة: 6]، أي اجعله في حماية منك حتى يبلغ المكان الآمن من بلده·

    وفي الصحيحين عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: " ذمة المسلمين واحدة، يسعى بها أدناهم، فمن أخفر مسلما فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل منه صرف ولا عدل " متفق عليه(1)·

    ومعنى الحديث: " أن المسلم إذا أمن إنسانا، وجعله في عهده، فإن ذمته ذمة للمسلمين جميعا، من أخفرها وغدر بالذي أعطي الأمان من مسلم، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، وإننا نلعن من لعنه الله ورسوله وملائكته، ونصدق خبره " أنه لا يقبل منه صرف ولا عدل·

    خطورة التفجيرات

    وبذلك تعرف خطأ عملية التفجير التي وقعت في عاصمة بلاد الحرمين، في مكان آهل بالسكان، المعصومين في دمائهم وأموالهم، والذي حصل من جرائه إزهاق للأنفس وسفك للدماء المعصومة، فقتل وأصيب أكثر من مئتين، منهم المسلمون والأطفال والشيوخ والكهول والشباب، وتلف من جراء ذلك أموال ومساكن كثيرة·

    ولا شك أن هذه العملية لا يقرها شرع ولا عقل ولا فطرة·

    الأدلة الشرعية على حرمة التفجيرات

    أما الشرع فقد تقدمت النصوص من الكتاب والسنة الدالة على احترام المسلمين في دمائهم وأموالهم، وكذلك الكفار الذين لهم ذمة أو عهد أو أمان، وأن احترامهم من محاسن دين الإسلام: دين العدل والأمانة والوفاء، ولا يلزم من ذلك محبة ولا موالاة، ولكنه الوفاء بالعهد إن العهد كان مسئولا·

    الأدلة الفعلية

    وأما العقل، فلا يقرها أيضا، لأن العاقل لا يأتي أمرا محرما، لأنه يعلم سواء عاقبته في الدنيا والآخرة، ولا شك أن هذه الفعلة الشنيعة لا خير فيها، بل يترتب عليها من المفاسد ما سيأتي ذكره قريبا·

    مخالفته للفطرة

    وأما مخالفة هذه الجريمة للفطرة، فلأن كل ذي فطرة سليمة يكره العدوان وظلم الخلق، فماذ ذنب القتلى والمصابين بهذا الحادث من المسلمين، وما ذنب الآمنين على قرشهم في بيوتهم، وما ذنب المصابين من المعاهدين والمستأمنين، وما ذنب الأطفال والشيوخ والعجائز، إنه لحادث منكر، لا مبرر له، وإنه انجراف فكري، وثمرة من ثمار الجماعات الدعوية الحزبية الوافدة إلى بلاد الحرمين، فقد صرفت بعض شبابنا عن دعوتنا السلفية دعوة الإمام المجدد إلى دعوات حركية بدعية، عمادها التكفير والعداء.

    وأما مفاسد هذه التفجيرات فكثيرة منها:

    أولا: إنها معصية لله ورسوله، وانتهاك لحرمات الله، وتعرض للعنة الله والملائكة والناس أجمعين، وألا يقبل من فاعله صرف ولا عدل.

    ثانيا: من مفاسده تشويه سمعة الإسلام، فإن أعداء الدين سوف يستغلون هذا الحدث للطعن في الإسلام وتنفير الناس عنه، مع أن الإسلام بريء من ذلك، فأخلاق الإسلام: صدق وبر ووفاء، ودين الإسلام يحذر من هذا العدوان وأمثاله أشد التحذير.

    ثالثا: من مفاسد هذه الفعلة القبيحة أعني التفجير في الرياض: أنها توجب الفوضى في هذه البلاد التي ينبغي أن تكون أقوى بلاد العالم في الأمن والاستقرار، لأن فيها بيت الله الحرام، الذي جعله الله مثابة للناس وأمنا، ولأن فيها الكعبة التي جعلها الله قياما للناس، تقدم بها مصالح دينهم ودنياهم، قال تعالى: {جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس ..} [المائدة: 97].

    ومن المعلوم أن الناس لن يصلوا إلى هذا البيت إلا عن طريق المرور بهذه البلاد جميعها من إحدى الجهات، فحسبنا الله على من سعى في زعزعة أمن بلاد الحرمين·

    رابعا: من المفاسد ما حصل بهذه الفعلة من تلف النفوس والأموال، وما حصل للمعصومين من رعب وفزع وخوف، كما شاهد الناس ذلك في وسائل الإعلام، ووالله إن القلوب لتحزن وإن الأعين لتدمع حين يشاهد الإنسان الأطفال والعجائز وهم يخرجون من تحت الأنقاض قتلى، أو على سرر التمريض ما بين مصاب بعينه أو رأسه أو قد بترت يده ورجله، تدور أعينهم فيمن يعودهم، ولا يملكون رفعا لما وقع ولا دفعا لما يتوقع، فهل أحد يقر بهذا أو يرضى به؟

    ووالله لا ندري ماذا يراد من هذه الفعلة: أيراد الإصلاح؟

    إن الإصلاح لا يأتي بمثل هذا، وإن السيئة لا تأتي بحسنة، ولن تكون الوسائل المحرمة طريقا للإصلاح أبدا·

    ثم إن أهل العدل والإنصاف يقرون أن بلاد الحرمين خير بلاد المسلمين اليوم، في الحكم بما أنزل الله، واجتناب سفاسف الأمور ورديء الأخلاق، ليس في بلادنا ولله الحمد قبور يطاف بها وتعبد، وليس فيها خمور تباع وتشرب، وليس فيها كنائس يعبد فيها غير الله، وليس فيها مما هو معلوم في كثير من بلاد المسلمين اليوم، مع ما ننعم به من أمن وعدل واجتماع كلمة، فهل يليق بناصح لله ورسوله والمؤمنين، هل يليق به أن ينقل الفتن إلى بلادنا، {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون} [الحشر: 18]·

    لماذا فعلوها؟

    من أسباب تلك الفعلة الشنيعة:

    ما ألصق بالجهاد مما ليس منه، فالجهاد ذروة سنام الإسلام، فيه الوفاء والصدق والعدل، وهو بريء من أفعال أولئك الجهال: فليس من الجهاد في شيء: القيام بالاختطاف والتفجيرات والاغتيالات، قال الله تعالى: {إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم} [المائدة: 33]· وقال رسوله الله صلى الله عليه وسلم : " أبغض الناس إلى الله ثلاثة: ملحد في الحرم، ومبتغ في الإسلام سنة الجاهلية، ومطلب دم امرئ بغير حق ليهريق دمه " خرجه البخاري " 6488 " ·

    وقال صلى الله عليه وسلم : " لا يزال المؤمن في فسحة من دينه، ما لم يصب دما حراما " خرجه البخاري " 6862 " ·

    من أقوال العلماء في حكم التفجيرات

    وقد تواترت آراء وفتاوى العلماء على تحريم هذه الأفعال فقد جاء في بيان هيئة كبار العلماء حول هذه التفجيرات ما نصه:

    إن هيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية، علمت ما حدث من التفجير الذي وقع في حي العليا بمدينة الرياض، وأنه قد ذهب ضحيته نفوس معصومة، وجرح بسببه آخرون، وروع آمنون، وأخيف عبار السبيل، ولذا فإن الهيئة تقرر أن هذا الاعتداء آثم وإجرام شنيع، وهو خيانة وغدر، وهتك لحرمات الدين في الأنفس والأموال، والأمن والاستقرار، ولا يفعله إلا نفس فاجرة، مشبعة بالغدر والخيانة، والحسد والبغي والعدوان، وكراهية الحياة والخير، ولا يختلف المسلمون في تحريمه، ولا في بشاعة جرمه وعظيم إثمه(2).

    وصدر عن هيئة كبار العلماء أيضا بيان في استنكار التفجير الذي وقع في مدينة الخبر قبل عدة سنوات، ومما جاء فيه:

    أن مجلس هيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية، إذ يبين تحريم هذا العمل الإجرامي في الشرع المطهر، فإنه يعلن للعالم أن الإسلام بريء من هذا العمل، وهكذا كل مسلم يؤمن بالله واليوم الآخر بريء منه، وإنما هو تصرف من صاحب فكر *****، وعقيدة ضالة، فهو يحمل إثمه وجرمه، فلا يحتسب عمله على الإسلام، ولا على المسلمين المهتدين بهدي الإسلام، المعتصمين بالكتاب والسنة، والمتمسكين بحبل الله المتين، وإنما هو محض إفساد وإجرام تأباه الشريعة والفطرة (3).

    وقال الشيخ ابن عثيمين في حادث تفجير الخبر:

    لا شك أن هذا العمل لا يرضاه أحد، كل عاقل، فضلا عن المؤمن، لأنه خلاف الكتاب والسنة، ولأن فيه إساءة للإسلام في الداخل والخارج.. ولهذا تعتبر هذه جريمة من أبشع الجرائم، ولكن بحول الله إنه لا يفلح الظالمون، سوف يعثر عليهم إن شاء الله، ويأخذون جزاءهم، ولكن الواجب على طلاب العلم أن يبينوا أن هذا المنهج منهج خبيث، منهج الخوارج الذي استباحوا دماء المسلمين وكفوا عن دماء المشركين " (4) ا·هـ·

    قال العلامة ابن باز ـ غفر الله له ـ: " لا يجوز قتل الكافر المستأمن أدخلته الدولة آمنا، ولا قتل العصاة ولا التعدي عليهم " (5).

    ومما ورد عنه صلى الله عليه وسلم ، في التحذير من إيذاء المعاهدين أو ظلمهم: قوله صلى الله عليه وسلم : " ألا من ظلم معاهدا، أو انتقصه، أو كلفه فوق طاقته، أو أخذ منه شيئا بغير طيب نفس، فأنا حجيجه يوم القيامة " رواه أبو داود وصححه الألباني (6).

    وسئل العلامة ابن باز (7) غفر الله له، عن حكم الاعتداء على الأجانب السياح والزوار في البلاد الإسلامية؟ فأجاب بقوله: هذا لا يجوز، الاعتداء لا يجوز على أي أحد، سواء كانوا سياحا أو عمالا، لأنهم مستأمنون، دخلوا بالأمان فلا يجوز الاعتداء عليهم " ا·هـ·

    وقال العلامة ابن عثيمين غفر الله له(8): " إن من أعظم الغدر: قتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وليست النفس المحرمة هي نفس المؤمن فقط، بل النفوس التي حرمها الله وحرم قتلها: أربع أنفس: نفس المؤمن، ونفس الكافر الذمي، ونفس الكافر المعاهد، ونفس الكافر المستأمن " ا·هـ·

    قتل النفس في العمليات الانتحارية

    وقد حذر العلماء دوما من قتل النفس حتى ولو بنية الشهادة، فقد سئل العلامة ابن باز غفر الله له (9): عن حكم من يلغم نفسه ليقتل بذلك مجموعة من اليهود؟ فأجاب بقوله: نبهنا غير مرة أن هذا لا يصح، لأنه قتل للنفس، والله يقول: {ولا تقتلوا أنفسكم} [النساء: 29]، ويقول النبي صلى الله عليه وسلم : " من قتل نفسه بشيء عذب به يوم القيامة " ا·هـ·

    وقال الشيخ الألباني غفر الله له (10): " العمليات الانتحارية في الزمن الحاضر الآن كلها غير مشروعة وكلها محرمة·· وقال: هذه العمليات الانتحارية ليست إسلامية إطلاقا " ·

    وقال الشيخ ابن عثيمين غفر الله له(11): " أما ما يفعله بعض الناس من الانتحار، بحيث يحمل آلات متفجرة، ويتقدم بها إلى الكفار ثم يفجرها إذا كان بينهم، فإن هذا من قتل النفس والعياذ بالله·

    فهذه فتاوى علماء الدنيا الثلاثة ابن باز، والألباني وابن عثيمين، فمن الناس بعدهم·

    ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " من قتل نفسه بحديدة، فحديدته في يده يتوجأ بها في بطنه في نار جهنم خالد مخلدا فيها أبدا، ومن شرب سما فقتل نفسه فهو يتحساه في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا، ومن تردى من جبل فقتل نفسه، فهو يتردى في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا " خرجه الإمام مسلم في الصحيح " 109 " ·

    إن الخروج على ولي الأمر، وقتل رجال الأمن المسلمين من كبائر الذنوب، وليس من الجهاد في سبيل الله، يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من حمل علينا السلاح فليس منا " ، رواه مسلم " 98 ـ99 " · وقال صلى الله عليه وسلم : " من أتاكم وأمركم جميعا على رجل واحد، يريد أن يشق عصاكم أو يفرق جماعتكم فاقتلوه " وفي رواية: " فاضربوه بالسيف كائنا من كان " رواه مسلم " 1852 " ·

    ولما قيل للعلامة ابن باز: إن الجماعة الإسلامية تقول إنكم تؤيدون ما تقوم به من اغتيالات للشرطة وحمل السلاح عموما، هل هذا صحيح؟ وما حكم فعلهم؟ فأجاب ـ رحمه الله ـ بقوله:

    إن كان أحد من الدعاة في الجزائر قال عني، إني قلت لهم يغتالون الشرطة، أو يستعملون السلاح في الدعوة إلى الله، فهذا غلط، ليس بصحيح، بل هو كذب، إنما تكون الدعوة بالأسلوب الحسن··· أما الدعوة بالاغتيالات أو بالقتل أو بالضرب فليس هذا من سنة النبي صلى الله عليه وسلم ، ولا من سنة أصحابه صلى الله عليه وسلم (12). ا.هـ.

    والتنظيمات السرية والتدريبات المشبوهة

    إن طريق أهل البدع: السرية والخفاء في دعوتهم، كما قال عمر بن عبدالعزيز: إذا رأيت قوما يتناجون في دينهم دون العامة، فاعلم أنهم على تأسيس ضلالة·

    فالحذر الحذر من الاجتماعات السرية، التنظيمات الخفية والتدريبات المريبة، وأشرطة ومنشورات الفتنة والخوارج فاحذروها، ولو كانت باسم الدعوة والجهاد.

    الافتيات على الإمام والجهاد دون إذنه

    يشترط للجهاد أن يكون تحت راية بقاتل من ورائها، يقودها إمام المسلمين وهو السلطان، أو من ينبيه، ومن الأدلة على ذلك:

    1ـ ما خرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " ·· إنما الإمام جنة، يقاتل من ورائه ويتقى به " .

    قال النووي في قوله صلى الله عليه وسلم : " الإمام جنة " أي: كالستر؛ لأنه منع العدو من أذى المسلمين، ويمنع الناس بعضهم من بعض، ويحمي بيضة الإسلام، ويتقيه الناس ويخافون سطوته· ومعنى قوله صلى الله عليه وسلم : " يقاتل من ورائه " : أي يقاتل معه الكفار والبغاة والخوارج وسائر أهل الفساد والظلم مطلقا " ا·هـ·

    ومن الأدلة قوله صلى الله عليه وسلم: " الغزو غزوان، فأما من ابتغى وجه الله، وأطاع الإمام، وأنفق الكريمة، وياسر الشريك، واجتنب الفساد، فإن نومه ونبهه أجر كله، وأما من غزا فخرا ورياء وسمعة، وعصى الإمام وأفسد في الأرض، فإنه لم يرجع بالكفاف " رواه أبو داود " 2155 " وحسنه الألباني.

    ومن الأدلة ما رواه عبدالله بن عمرو ـ رضي الله عنهما ـ قال: " جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فأستأذنه في الجهاد، فقال: أحي والداك؟ قال: نعم· قال: ففيهما فجاهد " ، رواه البخاري " 3004" · فهذا الرجل جاء يستأذن النبي صلى الله عليه وسلم في الجهاد، فدل على أنه لا بد من إذن الإمام في الجهاد·

    قال الإمام أحمد بن حنبل في أصول السنة: و " الغزو ماض من الأمراء إلى يوم القيامة، البر والفاجر لا يترك " (13)· وقال أبو داود: " قلت للإمام أحمد: إذا قال الإمام ـ يعني السلطان ـ: لا يغزون أحد من أهل عين زربة؟ قال أحمد: فلا يغزون أحد منها " (14).

    وقال الموفق ابن قدامة في كتابه المغنى (15): " وأمر الجهاد موكول إلى الإمام واجتهاده، ويلزم الرعية طاعته فيما يراه من ذلك " ·

    وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في منهاج السنة: " والجهاد لا يقوم به إلا ولاة الأمور " (16)·

    وحذر أئمة الدعوة السلفية كما في السنية، ممن يفتاتون على السلطان في أمور الجهاد فقالوا: " رأينا أمرا يوجب الخلل على أهل الإسلام، ودخول التفرق في دولتهم، وهو: الاستبداد دون إمامهم، بزعمهم أنه بنية الجهاد، ولم يعلموا أن حقيقة الجهاد ومصالحة العدو، وبذل الذمة للعامة، وإقامة الحدود: إنها مختصة بالإمام، ومتعلقة به، وليس لأحد من الرعية دخل في ذلك إلا بولايته·· " (17) ا·هـ·

    وقال الشيخ سعد بن عتيق: " ومما انتحله بعض هؤلاء الجهلة المغررين: الاستخفاف بولاية المسلمين، والتساهل بمخالفة إمام المسلمين، والخروج عن طاعته، والافتيات عليه بالغزو وغيره، وهذا من الجهل والسعي في الأرض بالفساد بمكان، يعرف ذلك كل ذي عقل وإيمان " (18) انتهى من الدرر السنية في الأجوبة النجدية·

    وقال الشيخ ابن عثيمين ـ رحمه الله ـ: " لا بد له ـ أي الجهاد ـ من شروط، منها: أن يكونوا تحت راية إمام يجاهدون بأمره " (19) ا·هـ·

    وسئل الشيخ الفوزان عن حكم الذهاب للجهاد دون موافقة ولي الأمر مع أنه يغفر للمجاهد من أول قطرة من دمه؟ فأجاب حفظه الله بقوله: لا يكون مجاهدا، إذا عصى ولي الأمر وعصى والديه لا يكون مجاهدا، يكون عاصيا " (20)·

    إذن الوالدين

    ولا بد للجهاد من استئذان الوالدين، فلا يجوز لمؤمن أن يعصيهما في ذلك، فعن أبي سعيد الخدري ـ رضي الله عنه ـ أن رجلا هاجر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من اليمن، فقال: هل لك أحد باليمن؟ قال: أبواي· قال: أذنا لك؟ قال: لا· فقال صلى الله عليه وسلم : " ارجع إليهما فاستأذنهما، فإن أذنا لك فجاهد وإلا فبرهما " رواه أبو داود وصححه الألباني (21)·

    وعن معاوية بن جاهمة السلمي، أن جاهمة ـ رضي الله عنه ـ جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، أردت أن أغزو، وقد جئت استشيرك· فقال: هل لك من أم؟ قال: نعم· فقال صلى الله عليه وسلم : " فالزمها، فإن الجنة تحت رجليها " رواه النسائي، وصححه الألباني (22).

    قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري: قال جمهور العلماء يحرم الجهاد إذا منع الأبوان أو أحدهما بشرط أن يكونا مسلمين؛ لأن برهما فرض عين، والجهاد فرض كفاية " (23) ا·هـ·

    وروى ابن أبي شيبة في مصنفه (24): أن محمد بن طلحة أراد الغزو، فأتت أمه عمر ـ رضي الله عنه ـ، فأمره أن يقيم، فلما ولي عثمان ـ رضي الله عنه ـ، أراد الغزو، فأتت أمه عثمان فأمره أن يقيم.

    وفي المصنف أيضا (25)، أن رجلا أتى ابن عباس ـ رضي الله عنهما فقال: إني أردت أن أغزو وإن أبوي يمنعاني فقال ابن عباس، أطع أبويك واجلس، فإن الروم ستجد من يغزوها غيرك.

    وعن الحسن البصري قال: " إذا أذنت لك أمك في الجهاد، وأنت تعلم أن هداها عندك في الجلوس فاجلس " (26).

    وقال الإمام أحمد: " إن أذنت من غير أن يكون في قلبها لطخ وإلا فلا تغز " (27).

    وقالت اللجنة الدائمة للإفتاء برئاسة سماحة الشيخ عبدالعزيز بن بازـ رحمه الله ـ: لا يجوز الذهاب للجهاد إلا بإذن الوالدين ورضاهما بذلك، لأن طاعتهما واجبة ومقدمة على غيرها بعد طاعة الله " (28). ورد الشيخ أحمد النجمي على من يخص الاستئذان بوحيد والديه: بأن هذا رد للنصوص بالرأي، ثم إن البر واجب على جميع الأبناء كل بعينه لا يقوم به أحدهم عن الآخر والمقصود من جلوسه عند والديه دفع أذى الغيبة والفراق (29)، فاتقوا الله معاشر الأبناء.

    تنحية فتاوى العلماء الربانيين

    إن الجهاد عبادة والذي يفتي في هذه العبادة هم الذين يفتون في غيرها من العبادات كالصلاة والزكاة والحج، هم العلماء العارفون بالكتاب والسنة، فهم أعلم الناس بأحكام الجهاد وشروطه وضوابطه، وأما ما يدعيه بعضهم: من أنه لا يعلم الجهاد وأحكامه إلا أهل الثغور ومن ذهب إلى ساحات القتال: فهذا القول باطل، الغرض منه تهميش فتاوى العلماء، وتصدير بعض الجهال·

    وقال الشيخ الألباني في رده على هذه الشبهة: " صحيح أن الألباني أو ابن باز يمكن ما يعرفان حمل السلاح، لكن ألا يعرفان أحكام الجهاد؟؟ ما معنى هذا الكلام؟ هذا من توسيل الشيطان لهم، تزيينه لفتاواهم المخالفة للكتاب والسنة " ا.هـ.

    فالواجب على من يجهل أحكام الجهاد، أن يتقي الله في الدماء، ولا يتكلم في دين الله بلا علم، قال تعالى: {ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون} [النحل: 116].

    وكم جر هؤلاء الجهلة على الأمة من المصائب بفتاواهم، فضلوا وأضلوا، وأقحموا الأمة في نزاعات ومصادمات لا فائدة منها، بل الضرر والشر والتضييق على أهل الإسلام، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن الله لا يقبض العلم انتزاعا يتنزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالما اتخذ الناس رؤوسا جهالا، فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا " خرجه البخاري "100" · وفي رواية: " فيفتون برأيهم فيضلون ويضلون " " البخاري 7307" ·

    غاية الجهاد

    ليس من الجهاد في شيء سفك دماء الكفار بدون حق، بل الغاية من الجهاد في الإسلام هو إقامة دين الله في الأرض، وتحكيم شرعه وإخراج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، قال الله تعالى: {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله} [الأنفال: 39].

    قال الشيخ عبدالرحمن السعدي في تفسير هذه الآية: " ذكر تعالى المقصود من القتال في سبيله، وأنه ليس المقصود به سفك دماء الكفار وأخذ أموالهم، ولكن المقصود به أن يكون الدين لله تعالى، فيظهر دين الله على سائر الأديان، ويدفع كل ما يعارضه من الشرك وغيره، وهو المراد بالفتنة، فإذا حصل المقصود فلا قتل ولا قتال " انتهى " تفسير ابن سعدي ص 98 ط·الرسالة " ·

    وفي الصحيحين (30) من حديث أبي موسى ـ رضي الله عنه ـ قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الرجل يقاتل شجاعة، ويقاتل حمية ويقاتل رياء، أي ذلك في سبيل الله؟ فقال صلى الله عليه وسلم : " من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله " .

    ولذلك، فإن من قاتل نصرة لمذهب أو رجل أو جماعة إسلامية حزبية ليست على منهاج النبوة وما كان عليه السلف الصالح فإن ذلك ليس من الجهاد في سبيل، ولا من القتال لإعلاء كلمة الله.

    المظاهرات

    وليس من الجهاد في شيء: القيام بالمظاهرات والاعتصامات وتجمعات السفهاء·

    فقد سئل الشيخ ابن باز ـ غفر الله له ـ (31): عن المظاهرات والاعتصامات، هل هي من الجهاد؟ فقال: لا· هذا غلط غلط، هذا فتنة، وشر لا يصلح.

    وسئل ـ رحمه الله ـ عن المظاهرات الرجالية والنسائية ضد الحكام والولاة، وهل تعتبر وسيلة من وسائل الدعوة، وهل من يموت فيها يعتبر شهيدا في سبيل الله؟

    فأجاب بقوله (32): لا أرى المظاهرات النسائية والرجالية من العلاج، ولكن أرى أنها من أسباب الفتن ومن أسباب الشرور، ومن أسباب ظلم بعض الناس والتعدي بغير حق، ولكن الأسباب الشرعية: المكاتبة والنصيحة والدعوة إلى الخير بالطرق الشرعية... بالمكاتبة والمشافهة مع المخطئ ومع الأمير ومع السلطان... دون التشهير على المنابر بأنه فعل كذا وصار منه كذا، والله المستعان. انتهى.

    وقال العلامة ابن عثيمين ـ غفر الله له ـ (33): " لا نؤيد المظاهرات أو الاعتصامات أو ما أشبه ذلك، لا نؤيدها إطلاقا، ويمكن الإصلاح بدونها " ·

    وقال الشيخ الفوزان ـ حفظه الله ورعاه ـ (34): المظاهرات ليست من أعمال المسلمين، وما كان المسلمون يعرفونها، ودين الإسلام دين هدوء ورحمة وانضباط، لا فوضى فيه ولا تشويش ولا إثارة فتن.. والحقوق يتوصل إليها بغير هذه الطريقة بالطرق الشرعية.. والمظاهرات تحدث فتنا وسفك دماء، وتخريب أموال ولا تجوز هذه الأمور. ا.هـ.

    التكليف مناط بالقدرة

    وليس من الجهاد في شيء: إقحام أمة الإسلام في حروب لا طاقة لها بها·

    فإن من فضل الله ورحمته بعباده أنه لم يكلفهم إلا ما يطيقون، قال تعالى: {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها··} [البقرة: 286]، وقال صلى الله عليه وسلم : " ما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم " متفق عليه " البخاري 8827، مسلم 7313 " .

    ولذلك فإن للمسلمين ألا يقاتلوا عدوهم إذا كان يفوقهم عددا وعدة، حقنا لدماء أهل الإسلام، وصيانة للأعراض، وفي سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يدل على ذلك:

    فإن الله لم يأمر الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه وقت الضعف في مكة بقتال قريش؛ لعدم قدرتهم على ذلك.

    وهذا موسى نبي الله عليه الصلاة والسلام، يأمره ربه بالخروج هو ومن معه لما أراد فرعون قتلهم ولم يأمرهم بالجهاد لضعفهم، قال تعالى: {فأسر بعبادي ليلا إنكم متبعون} [الدخان: 23].

    وفي صحيح مسلم (35) من حديث النواس بن سمعان ـ رضي الله عنه ـ، أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر خروج الدجال وقتل عيسى له ثم قال: فبينما هو كذلك، إذا أوحى الله إلى عيسى إني قد أخرجت عبادا لي لا يدان لأحد بقتالهم فحرز عبادي إلى الطور فأمره الله بالتحرز والتحصن ولم يأمره بالقتال.

    قال الله تعالى: {وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله إنه هو السميع العليم} [الأنفال: 16].

    قال الحافظ ابن كثير: " إن كان العدو كثيفا فإنه يجوز مهادنتهم، كما دلت عليه هذه الآية الكريمة، وكما فعل النبي صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية " ا·هـ.

    قال الشيخ ابن عثيمين (36): " لا بد فيه ـ أي الجهاد ـ من شرط، وهو أن يكون عند المسلمين قدرة وقوة يستطيعون بها القتال، فإن لم يكن لديهم قدرة، فإن إقحام أنفسهم في القتال: إلقاء بأنفسهم إلى التهلكة " ا·هـ.

    وقال ـ رحمه الله ـ فيمن يوجب على المسلمين قتال الدول الكافرة التي هي أقوى من المسلمين بكثير: علق ـ رحمه الله ـ على ذلك بقوله: إنه من الحمق·· كيف نقاتل، هذا تأباه حكمة الله ويأباه شرعه " (37)·

    احترام العهود

    وليس من الجهاد أن يعتدي المسلمون على من كان بينهم وبينه عهود ومواثيق·

    قال تعالى: {··وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق والله بما تعملون بصير} [الأنفال: 72].

    قال الحافظ ابن كثير ـ غفر الله له ـ: يقول الله تعالى: وإن استنصروكم هؤلاء الأعراب الذين لم يهاجروا، في قتال ديني على عدو لهم فانصروهم، فإنه واجب عليكم نصرهم، لأنهم إخوانكم في الدين، إلا أن يستنصروكم على قوم من الكفار بينكم وبينهم ميثاق، أي: مهادنة إلى مدة، فلا تخفروا ذمتكم، ولا تنقضوا أيمانكم مع الذين عاهدتم، وهذا مروي عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ·ا·هـ·

    وقال الشيخ السعدي في تفسيره: قوله تعالى: {إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق}، أي: عهد بترك القتال، فإنهم إذا أراد المؤمنون المتميزون الذين لم يهاجروا قتالهم فلا تعينوهم عليهم، لأجل ما بينكم وبينهم من الميثاق "(38)·


    مجلة الدعوة
     

مشاركة هذه الصفحة