رمضان بين الصبر والشكر

الكاتب : الطبيب   المشاهدات : 433   الردود : 0    ‏2003-11-04
      مشاركة رقم : 1    ‏2003-11-04
  1. الطبيب

    الطبيب شاعر شعبي

    التسجيل :
    ‏2003-11-02
    المشاركات:
    14,902
    الإعجاب :
    0
    اللقب الاضافي:
    نجم الشعر الشعبي 2009
    الحمد لله الذي تفرد بالجلال، والعظمة والعز والكبرياء والجمال، وأشكره شكر عبد معترف بالتقصير عن شكر بعض ما أسدى من الإنعام والإفضال، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.
    أما بعد..
    فحديثنا اليوم(1) عن رمضان بين الشُّكر والصَّبر، ونسأله سبحانه أن ينفعنا بما نقول ونسمع.

    لماذا نطرق هذا الموضوع؟
    نطرق هذا الموضوع لأن الإيمان نصفان: نصف صبر ونصف شكر.. قال صلى الله عليه وسلم: {عجبا لأمر المؤمن إن أمره كله خير وليس ذلك إلا للمؤمن؛ إن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له ، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له} رواه مسلم.
    والعبد كثيرًا ما يتقلب بين نعمة وبلاء، فيغفل قلبه عن النعم فينسى الشكر ويتبرم من المصائب فينسى الصبر. ورمضان يظهر فيه الصبر وما يقابله من الشكر.

    ما هو الشكر؟
    حتى ندرك معنى الشكر علينا أن نعرف:
    1. ما الذي يشكر في الإنسان؟
    2. ومتى يكون الشكر؟

    أولا: ماذا يشكر في الإنسان؟
    قال ابن القيم –رحمه الله: (الشكر ظهور أثر نعمة الله على لسان عبده ثناءً واعترافًا، و على قلبه شهودًا ومحبةً، وعلى جوارحه انقيادًا و طاعة)اهـ.
    يتبين من كلام ابن القيم – رحمه الله – أن الشكر اجتماع كل ملكات العبد من لسان وجوارح وقلب في انتساق واحد، إذ القلب معترف بالنعمة، (شهودًا ومحبة)أي: أحس بوجود النعمة أولاً.
    وهذا القلب المعترف الشاهد لنعمة الله أثر على اللسان فصدق عند الثناء على المنعم، معترفًا بنعم الله، لسانه ذاكر وكله إحساس بعظم النعمة، تجده صادقًا في ثنائه على ربه. [ومن الناس إذا قيل له اشكر الله على النعم التي نعيشها قال(الحمد لله) من طرف لسانه دون الإحساس بحقيقة النعمة ! ولسان حاله يقول : (أين هذه النعم؟) ]
    و هذا القلب المعترف المحب أثر على الجوارح،أيضاً فذلت وخشيت انقيادًا وطاعةً و لننتبه إلى أنه ليس مجرد ظهور أثر النعمة بكلام أو فعل فقط، بل لا بد من الانقياد والطاعة.
    ثانيًا : متى يكون شكر النعم؟
    يكون شكر النعم عند الإحساس بالنعم: تجددًا أو تذكرًا أو تفكرًا.
    ولنضرب لذلك مثلاً:
    شخص امتن الله عليه بنعمة الولد والذرية:
    1- في أول وقت حصول النعمة يكون الإحساس بالنعمة تجددًا.
    2- بعد فترة من الزمن وتذكر تغيير حاله فيكون الإحساس بها تذكرًا.
    3- عند وجود النعمة وتقلبه فيها مع عدم الالتفات لها واستشعارها حينئذ يكون الإحساس بها تفكرًا.
    وهذا ما سنقوم به عند الكلام عن رمضان، بعرض النعم المتتالية ولفت النظر إلى شكرها، وقبل ذلك سنوضح مكانة كلٍّ من الشكر والصبر في الدين.

    مكانة الشكر في الدين:
    من المعلوم أنه لا يمكن تقرير مسألة شرعية إلا بدليل من الكتاب أو السنة الصحيحة، وهذا ما سنقوم به لتقرير عظم مكانة الشكر في الدين.
    قال تعالى:
    { وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } [النحل:78]
    * يظهر من الآية أن الشكر غاية الخلق. فمن أجله جعل الله لنا السمع والأبصار والأفئدة، وهو روح العبادة فالله تعالى يأمر آل داود بالعمل وهذا العمل في ذاته شكر لله { اعملوا آل داود شكرًا } [سبأ :13]

    * والشكر قرين الإيمان.
    قال تعالى: } مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَءَامَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا { [النساء: 147]

    * وهذا الشكر هو سبب المنة الخاصة على بعض العباد.
    { وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ } [الأنعام :53 ]

    * و الإنسان إما شكور أ و كفور.
    { إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا } [ الإنسان: 3].

    * وعلَّق الله سبحانه المزيد بالشكر، والمزيد منه لا نهاية له.
    { وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ } [ إبراهيم: 7 ].

    * وأخبر سبحانه أنه إنما يعبده من شكره، ومن لم يشكره لم يكن من أهل عبادته.
    { يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ } [البقرة: 172].
    وكما قلنا: الشكر قرين الإيمان، والشكر غاية الخلق.. وعليه يتبين أن الشكر عبادة.

    * وأثنى الله على رسله بهذه الصفة فقال عن نوح عليه السلام:
    { ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا } [ الإسراء: 3 ].

    وأثنى على خليله بشكره نعمه:
    { إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ المشركين* شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ } [ النحل: 120-121].

    * وجعل الله عز وجل أول وصية وصى بها الإنسان الشكر له وللوالدين:
    { وَوَصَّيْنَا الإنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ } [ لقمان : 14].
    قال ابن عيينة في تفسيرها (من صلى الصلوات الخمس فقد شكر الله).

    قال الحسن البصري - رحمه الله تعالى- : (الخير الذي لا شر فيه: العافية مع الشكر، فكم من منعَم عليه غير شاكر)

    وقال الفضيل بن عياض -رحمه الله تعالى-: (عليكم بملازمة الشكر على النعم، فقلّ نعمة زالت عن قوم فعادت إليهم).

    قال يونس بن عُبيد – رحمه الله – لرجل يشكو ضيق حاله: أيسرك ببصرك هذا مائة ألف درهم؟ قال الرجل: لا، قال: فبيديك مائة ألف؟ قال: لا، قال: فبرجليك مائة ألف؟ قال: لا، فذكره نعم الله عليه فقال يونس: أرى عندك مئين الألوف وأنت تشكو الحاجة !..اهـ.
    هذا هو حال الإنسان، لا يشكر الله بل يشتكي الله إلى خلقه، ولا يصبر على قليل ألم مع كثير نعم.

    واعلم أن وجودك بلا عاهات من النعم، والعجيب أن أهل العاهات أكثر شكرًا!!
    ولعدم الإحساس بالنعمة؛ فإنها عندما تزول نادرًا ما تعود. لذلك وأنت في النعمة استشعرها وتدبرها وتحسسها حتى تبصرها، ولا تكن أعمى.. لا تبصر إلا حين تصطدم بالفقد.

    بعد أن عرفنا الشكر ومنزلته بقي أن نتعرف على الصبر.

    ما هو الصبر ؟
    الصبر: اسم لغالب فعل الإنسان الممدوح ويختلف باختلاف مواقعه.
    * فإن كان حبس النفس لمصيبة سُمي صبرًا
    * وإن كان في محاربة سُمي شجاعةً
    * وإن كان إمساك الكلام سُمي كتمانًا
    * وإن كان عن فضول العيش سُمي زهدًا
    * وإن كان عن شهوة الفرج سُمي عفةً
    * وإن كان عن شهوة طعام سُمي شرف النفس
    * وإن كان عن إجابة داعي النفس عند الغضب سُمي حلمًا

    فكل هؤلاء صبروا.. وعليه يتبين أن غالب أحوال الإنسان الشريفة ما هي إلا صبر.

    مكانة الصبر في الدين:
    • ذكر الله الصبر في كتابه في أكثر من تسعين موضعًا.
    • وقرنه بالصلاة، قال تعالى: { وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلا عَلَى الْخَاشِعِينَ } [ البقرة: 45].
    • وجعلت الإمامة في الدين موروثة بسبب الصبر واليقين، قال تعالى: { وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ } [ السجدة: 24].

    وما أعطي أحد عطاء خيراً وأوسع من الصبر.
    والمصابرة أعلى درجة من الصبر، و تكون بالمثابرة في إنجاز الأعمال وعدم اليأس من إنجازها، واعلم أنه مهما استمر العبد في العمل وفي نفسه يأس فسينقطع عنه إلا ولا بد.

    ثم إن انتظار الفرج الموعود في حد ذاته عبادة. لأن هذا الانتظار ما هو إلا توكل } إِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ { [التوبة: 120]. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {واعلم أن النصر مع الصبر وأن الفرج مع الكرب وأن مع العسر يسرا} رواه أحمد والترمذي .
    فمهما ضاقت بك الأمور تذكر أن انتظار الفرج عبادة. فعندما تنتظر عودة غائب، أو صلاح زوج أو ولد؛ كل هذا الانتظار مع التوكل على الله في حد ذاته عبادة.

    العلاقة بين الشكر والصبر:
    بعد أن عرفنا كلا من الصبر والشكر بقي أن نعرف العلاقة بينها...
    فالصبر يستلزم الشكر ولا يتم إلا به و بالعكس، متى ذهب أحدهما ذهب الآخر.
    [ فمن كان في نعمة ففرضه الشكر والصبر ]
    أما الشكر فواضح، وأما الصبر فعن المعصية. لأن النعم توقع البطر في القلب فيستخدم هذه النعمة في معصية المنعم، والذي يعصي ربه لا يعصيه إلا بنعمه عليه، إذ أنه لا يتصور من عبد أن يرى ما حرم الله إلا بنعمة البصر، ولا يسمع ما حرم الله إلا بنعمة السمع، ولا يتفوه بما حرم الله إلا بنعمة اللسان... وهكذا.
    [ومن كان في بلية ففرضه الصبر والشكر]
    أما الصبر فواضح، وأما الشكر فبالقيام بحق الله في تلك البلية.لأن العبد مع عظم المصيبة قد ينسى حق الله، بأن ينشغل عن طاعة الله بتلك المصيبة، كأن يبتلى بفقد عزيز، فمن شدة الحزن والألم يغفل عن فريضة الصلاة مثلاً، أو لا يتصرف على منهج الشريعة في تلك المصيبة كالنياحة.
    فالشكر إذن له وجهان عند المصيبة:
    1- عدم الانشغال عن طاعة الله في تلك المصيبة.
    2- أن يتصرف وفق منهج الشريعة في تلك المصيبة.
    فإن لله على العبد عبودية في البلاء، كما له عليه عبودية في النعماء.
    ما العلاقة بين الشكر والصبر ورمضان ؟

    يقول الله تبارك وتعالى: { شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } [البقرة:185]
    ففي سياق الكلام عن فرضية صيام هذا الشهر الكريم، وإنزال القرآن فيه؛ أمرنا الله بشكره والتكبير عند انتهائه.
    وأما الصبر؛ فقد سمي رمضان بشهر الصبر لاشتماله على أنواع الصبر الثلاثة – الصبر على طاعة الله، وعن معصية الله، وعلى أقدار الله – لذلك قال الله في الحديث القدسي: " كل عمل ابن آدم له إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به "

    على ماذا نشكر ونصبر؟
    اشكر الله :
    على ما أنعم به عليك من بلوغ مواسم الخيرات فقد منَّ عليك بنعمة يجب الفرح بها..
    { قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ } [ يونس: 58 ] .
    وفي حديث الثلاثة الذين استشهد منهم اثنان وبقي الثالث بعدهما، ومات على فراشه، فرُئِيَ سابقًا لهما فتعجب الناس من ذلك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أليس عاش بعدهما وصلى كذا وكذا ؟ وأدرك شهر رمضان فصامه ؟! والذي نفسي بيده إنَّ بينهما كما بين السماء والأرض) .

    وتأمل.. كم من شخص في قبره يتمنى أن يصوم يومًا واحدًا يتقي به عذاب النار فإن" الصيام جُنة " فالمطلوب من العبد الفرح وليس الشكر فحسب، فإن لم تفرح برمضان فاعلم أن في النفس غبشاً.
    واعلم أنه بمجرد وجودك في شهر رمضان وقد مضت عليك هذه الأيام هذا في حد ذاته نعمة تحتاج إلى لهج بالشكر إذ لا زلنا على وجه الأرض وما دخلنا باطنها.

    ومن الناس من تكون عنده حالة من الحزن والرفض عند دخول رمضان – والعياذ بالله- ليس لأجل الإمساك عن الطعام فقط بل لأجل الحرمان من شهوات النفس والبدن، وامتناع المحيطين به عن مجاراته في شهواته.
    واعلم أن الفرح بهذا الشهر وفعل الطاعات فيه يحتاج إلى صبر .

    فاصبر: على فعل الطاعات فيه .
    بعد الفرح بهذا الموسم لا يجدي الحماس فقط بل لابد من الصبر على مداومة الفعل، فما هو إلا زمن وينتهي، وربما يأتي العام المقبل وأنت في عداد الموتى، أو موجود وأصابك المرض، أو موجود -نسأل الله السلامة- وقد ضعف إيمانك، واعلم أن تتابع فرص الطاعات على الإنسان مع تتابع تضييعها يؤدي إلى ضعف الإيمان.
    لذا.. على الإنسان شكر الله على بلوغ هذا الشهر والصبر على اغتنامه.

    اشكر الله:
    على عظيم أجر الصيام.
    يقول الله تعالى في الحديث القدسي " كل عمل ابن آدم له إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به ".متفق عليه.
    وما ذاك إلا لما اشتمل عليه الصوم من أنواع الصبر الثلاثة:
    1- صبر على طاعة الله.
    2- صبر عن معصية الله.
    3- صبر على أقدار الله.
    فكان أجرالصبر بغير حساب، قال تعالى:{ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ } [ الزمر: 10 ].
    فالصوم يختص من بين باقي الأعمال بأنه سر بين العبد وربه والمطلب مراقبة الله، وهذه المراقبة ماهي إلا صبر على تحري مايرضي الله فيقبل عليه العبد، وعلى تحري مايغضب الرب فينفر منه العبد.

    فاصبر:
    على مراقبة الله.
    واعلم أن الرجل يصيب الذنب في السر فيصبح وعليه مذلته.
    قال ابن الجوزي:
    إن للخلوة تأثيرات تبين في الجلوة. كم من مؤمن لله عز وجل يحترمه عند الخلوات، يترك ما يشتهي حذارًا من عقابه أو رجاءً لثوابه أو إجلالاً له، فيكون بذلك الفعل كأنه طرح عودًا هنديًا على مجمر فيفوح طيبه فيستنشقه الخلائق ولا يدرون أين هو. وعلى قدر المجاهدة في ترك ما يهوى تقوى محبته، وعلى قدر زيادة دفع ذلك المحبوب المتروك يزيد الطيب، ويتفاوت تفاوت العود. اهـ
    فأنت تحب الأكل في النهار، وفي رمضان ستدفع هذا المحبوب المتروك لأجل امتثال أمر الله، والسنة تأخير السحور وأنت في وقت النوم أطيب لك من الأكل لكنك تركت المحبوب في الوقت المحبوب لما هو أحب منه، وهذا من معاني المراقبة.

    اشكر الله:
    على عظيم أجر الأعمال في رمضان
    عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: { من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه} متفق عليه.

    فالعبد قد يصوم طيلة العام من النوافل كيومي الاثنين والخميس، والأيام البيض وله في ذلك أجر، لكن صيام رمضان كان جزاؤه أن يغفر له ما تقدم من ذنبه.
    كذلك القيام، قد يقوم العبد طيلة العام وله في ذلك أجر لكن قيام رمضان جزاؤه أن يغفر له ما تقدم من ذنبه.
    فالأعمال في رمضان لها ميزان مختلف وأجر مختلف فاشكر الله.

    واصبر:
    على تحصيل الإخلاص، فالإخلاص عزيز..
    وتنبه هنا إلى أن المضاعفة ليست لكل أحد ولا تكون بمجرد القيام بالعمل، بل يعمل العمل وفي قلبه " إيمانٌ واحتسابٌ" إيمانٌ: أي امتثال لأمر الله ، وتصديق بوعده.
    واحتسابٌ: بطلب الأجر من الله تعالى، والناس يتفاوتون في الأجر على حسب ما قام في قلوبهم من الإيمان والتقوى.

    اشكر الله:
    أن يسر للأمة طريقة العلم بدخول الشهر.
    ففي الحديث: { صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته} رواه البخاري.
    والرؤية تكون بالعين المجردة، فهل أحسسنا بهذه النعمة ؟!
    كثير هم أولئك الذين يدخلون الشك في الناس فتراهم يقولون: وصل الناس إلى القمر ونحن لازلنا ننظر إلى القمر بالعين المجردة !!
    فما الموقف في مثل هذه الحالات؟

    اصبر:
    على الشائعات المشككة، ثم إن الدليل جاء فيه (لرؤيته) أي بالعين المجردة.
    فإن الناس لو كلفوا الحساب لضاق عليهم لأنه لا يعرفه إلا أفراد، والشرع إنما يعرف الناس بما يعرفه جماهيرهم.
    فلو كان أحدهم في صحراء لعلم بدخول الشهر وصام فرضه.

    اشكر الله:
    على ما تفضل به على هذه الأمة فأعطاها خمس خصال لم تعطها أمة من الأمم:
    1. خلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك.
    2. تستغفر لهم الملائكة حتى يفطروا.
    3. يزين الله في كل يوم جنته ويقول: {يوشك عبادي الصالحون أن يلقوا عنهم المؤونة والأذى ويصيروا إليك} رواه أحمد.
    فالله يعلم أننا في هذه الحياة الدنيا في أذى، وكل ما معنا ما هو إلا مجرد مؤونة، ستأتي لحظة قريبا جدا "يوشك " أن ننفض عنا هذه المؤونة وهذا الأذى، ويصير العبد الصالح إلى جنات النعيم.
    4. تصفد فيه مردة الشياطين فلا يخلصون فيه إلى ما كانوا يخلصون إليه في غيره.
    5. يغفر الله لهذه الأمة في آخر ليلة منه .
    يغفر لمن كان متعبدًا .. ولنسأل أنفسنا ما حالنا في آخر ليلة من ليالي رمضان؟!

    واصبر:
    حتى تلقي عنك المؤونة وهذا الأذى وتصير إلى الجنة ونعيمها..

    اشكر الله:
    أن جعل الصوم جنة.
    جنة: حصن حصين من النار. فالصوم حفظ من المعاصي، وردء من السيئات، وحجاب من النار، وجنة من غضب الجبار.
    عن أبي هريرة رضي الله عنه : عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : {الصيام جنة، فلا يرفث ولا يجهل، وإن امرؤ قاتله أو شاتمه فليقل: إني صائم } رواه البخاري.

    اصبر:
    حتى يكون الصوم كذلك.
    قال النبي صلى الله عليه وسلم: { إذا كان صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب، فإن سابه أحد أو قاتله فليقل : إني صائم} رواه البخاري.
    وقل بصوت: إني صائم.. فالنبي صلى الله عليه وسلم كان إذا رأى من الدنيا ما يعجبه وخاف أن تتعلق نفسه قال: {لبيك إن العيش عيش الآخرة} مسند الإمام الشافعي .
    فالشاهد أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول بصوت :" لبيك إن العيش عيش الآخرة " مذكرًا نفسه ومزهدًا إياها في الدنيا. قال السعدي: فقول الصائم بصوت " إني صائم " فيه فائدة فكأنه يريد قول : اعلم أنه ليس بي عجز عن مقابلتك على ما تقول، ولكني صائم، أحترم صيامي وأراعي كماله، وأمر الله ورسوله، واعلم أن الصيام يدعوني إلى ترك المقابلة ويحثني على الصبر، فما عملته أنا خير وأعلى مما عملته معي أيها المخاصم " أ.هـ.

    واعلم أن للصوم ثلاث مراتب :
    صوم العموم: وهو كف البطن والفرج عن قضاء الشهوة..
    وهذا كل الناس يقوم به.
    صوم الخصوص: وهو كف النظر، واللسان، واليد، والسمع عن الآثام.
    صوم خصوص الخصوص: وهو صوم القلب عن الهمم الدنية، والأفكار المبعدة عن الله تعالى، وكفه عما سوى الله بالكلية. وهذا لا يبلغه العبد إلا بجهد وصبر.

    اشكر الله:
    على زوال المعوقات لفعل القربات
    قال الرسول صلى الله عليه وسلم: { إذا دخل رمضان فتحت أبواب الجنة، وغلقت أبواب جهنم، وسلسلت الشياطين } رواه البخاري.
    فالإنسان مبتلى بالشيطان وهوى النفس. وفي رمضان زال أحد هذه المعوقات وهو الشيطان "سلسلت الشياطين " أي : حبست .
    فاشكر الله على زوال هذا المعوق.. وبقي عائق هوى النفس فاصبر عليه واطلب القبول وضاعف شكرك.

    اصبر:
    على طلب القبول من الله بعد انقياد نفسك للطاعات .
    وتذكر أن إبراهيم وابنه إسماعيل عليهما السلام كانا يرفعان القواعد من البيت و يقولان:
    { رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ } [ البقرة: 127].
    يسألان الله القبول برغم شرف عملهما وهم من هم . فكن بين أمرين؛ طلب الإعانة على الطاعات وطلب القبول من الله..
    فكم من مستكثر من الخير في الدنيا ليس له في الآخرة من نصيب، وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم المفلس حقيقة فقال: {المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصيام وصدقة وصلاة وزكاة ويأتي قد شتم هذا وسفك دم هذا وأكل مال هذا فيعطى هذا من حسناته وهذا من حسناته فإن فنيت حسناته قبل أن يقضى ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه وطرح في النار} رواه مسلم.
     

مشاركة هذه الصفحة